Abu HayyanAli 'Imran · 3:59–63

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:59–63

3:59–60Page 57

إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٖ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٥٩

Indeed, the example of Jesus to Allāh1 is like that of Adam. He created him from dust; then He said to him, "Be," and he was.

ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ٦٠

The truth is from your Lord, so do not be among the doubters.

﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم: «جادَلَ وفْدُ نَجْرانَ» النَّبِيَّ ﷺ في أمْرِ عِيسى، وقالُوا: بَلَغَنا أنَّكَ تَشْتُمُ صاحِبَنا، وتَقُولُ: هو عَبْدٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”وما يَضُرُّ ذَلِكَ عِيسى، أجَلْ هو عَبْدُ اللَّهِ، وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ، ورُوحٌ مِنهُ“ . فَقالُوا: فَهَلْ رَأيْتَ بَشَرًا قَطُّ جاءَ مِن غَيْرِ فَحْلٍ أوْ سَمِعْتَ بِهِ ؟ فَخَرَجُوا، فَنَزَلَتْ. وفي بَعْضِ الرِّواياتِ أنَّهم قالُوا: فَإنْ كُنْتَ صادِقًا فَأرِنا مِثْلَهُ فَنَزَلَتْ.

ورَوَيَ وكِيعٌ عَنْ مُبارَكٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «جاءَ راهِبا نَجْرانَ فَعَرَضَ عَلَيْهِما الإسْلامَ، فَقالَ أحَدُهُما: قَدْ أسْلَمْنا قَبْلَكَ، فَقالَ: ”كَذَبْتُما، يَمْنَعُكُما مِنَ الإسْلامِ ثَلاثٌ: عِبادَتُكُما الصَّلِيبَ، وأكْلُكُما الخِنْزِيرَ، وقَوْلُكُما لِلَّهِ ولَدٌ. قالا: مَن أبُو عِيسى ؟ وكانَ لا يَعْجَلُ حَتّى يَأْمُرَهُ رَبُّهُ. فَأنْزَلَ ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾» وتَقَدَّمَ الكَلامُ في تَفْسِيرِ نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ في قَوْلِهِمْ: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنَّ شَأْنَ عِيسى وحالَهُ الغَرِيبَةَ كَشَأْنِ آدَمَ، فَجَعَلَ المَثَلَ بِمَعْنى الشَّأْنِ والحالِ. وهو راجِعٌ لِقَوْلِ مَن قالَ: المَثَلُ هُنا الصِّفَةُ كَقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥] وفي هَذا إقْرارُ الكافِ في قَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ عَلى مَعْناها التَّشْبِيهِيِّ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في قَوْلِ مَن قالَ إنَّ المَثَلَ هُنا بِمَعْنى الصِّفَةِ ما نَصُّهُ: وهَذا عِنْدِي خَطَأٌ وضَعْفٌ في فَهْمِ الكَلامِ، وإنَّما المَعْنى أنَّ المَثَلَ الَّذِي تَتَصَوَّرُهُ النُّفُوسُ والعُقُولُ، مِن عِيسى فَهو كالمُتَصَوَّرِ مِن آدَمَ، إذِ النّاسُ كُلُّهم مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَهُ مِن تُرابٍ مِن غَيْرِ فَحْلٍ. وكَذَلِكَ ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥] عِبارَةٌ عَنِ المُتَصَوَّرِ مِنها. وفي هَذِهِ الآيَةِ صِحَّةُ القِياسِ أيْ: إذا تُصُوِّرَ أمْرُ آدَمَ قِيسَ عَلَيْهِ جَوازُ أمْرِ عِيسى. والكافُ في ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ اسْمٌ عَلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ المَعْنى انْتَهى كَلامُهُ.

ولا يَظْهَرُ لِي فَرْقٌ بَيْنَ كَلامِهِ هَذا وكَلامِ مَن جَعَلَ المَثَلَ بِمَعْنى الشَّأْنِ والحالِ. أوْ بِمَعْنى الصِّفَةِ، وفي (رَيِّ الظَّمْآنِ) قِيلَ: المَثَلُ بِمَعْنى الصِّفَةِ، وقَوْلُكَ صِفَةُ عِيسى كَصِفَةِ آدَمَ كَلامٌ مُطَّرِدٌ، عَلى هَذا جُلَّ اللُّغَوِيِّينَ والمُفَسِّرِينَ، وخالَفَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ الجَمِيعَ، وقالَ: المَثَلُ بِمَعْنى الصِّفَةِ لا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ في اللُّغَةِ، إنَّما المَثَلُ الشَّبَهُ. عَلى هَذا تَدُورُ تَصارِيفُ الكَلِمَةِ، ولا مَعْنى لِلْوَصْفِيَّةِ في التَّشابُهِ. والمَثَلُ كَلِمَةٌ يُرْسِلُها قائِلُها لِحِكْمَةٍ يُشَبِّهُ بِها الأُمُورَ، ويُقابِلُ بِها الأحْوالَ انْتَهى.

ومَن جَعَلَ المَثَلَ هُنا مُرادِفًا لِلْمِثْلِ، كالشَّبَهِ والشِّبْهِ. قالَ: جَمَعَ بَيْنَ أداتَيْ تَشْبِيهٍ عَلى طَرِيقِ التَّأْكِيدِ لِلشَّبَهِ، والتَّنْبِيهِ عَلى عِظَمِ خَطَرِهِ وقَدْرِهِ. وقالَ بَعْضُ هَؤُلاءِ: الكافُ زائِدَةٌ. وقالَ بَعْضُهم:“ مَثَلَ ”: زائِدَةٌ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ المِثْلَ هُنا مِن ضَرْبِ الأمْثالِ. وقالَ: العَرَبُ تَضْرِبُ الأمْثالَ لِبَيانِ ما خَفِيَ مَعْناهُ ودَقَّ إيضاحُهُ، لَمّا خَفِيَ سِرُّ وِلادَةِ عِيسى مِن غَيْرِ أبٍ؛ لِأنَّهُ خالَفَ المَعْرُوفَ، ضَرَبَ اللَّهُ المَثَلَ بِآدَمَ الَّذِي اسْتَقَرَّ في الأذْهانِ. وعُلِمَ أنَّهُ أُوجِدَ مِن غَيْرِ أبٍ ولا أُمٍّ، كَذَلِكَ خَلْقُ عِيسى بِلا أبٍ، ولا بُدَّ مِن مُشارَكَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ بَيْنَ مَن ضَرَبَ بِهِ المَثَلَ، وبَيْنَ مَن ضَرَبَ لَهُ المَثَلَ، مِن وجْهٍ واحِدٍ، أوْ مِن وُجُوهٍ لا يُشْتَرَطُ الِاشْتِراكُ في سائِرِ الصِّفاتِ. والمَعْنى الَّذِي وقَعَتْ فِيهِ المُشارَكَةُ بَيْنَ آدَمَ وعِيسى كَوْنُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما خُلِقَ مِن غَيْرِ أبٍ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: المُشارَكَةُ بَيْنَ آدَمَ وعِيسى في خَمْسَةَ عَشَرَ وصْفًا: في التَّكْوِينِ، وفي الخَلْقِ مِنَ العَناصِرِ الَّتِي رَكَّبَ اللَّهُ مِنها الدُّنْيا، وفي العُبُودِيَّةِ، وفي النُّبُوَّةِ، وفي المِحْنَةِ عِيسى بِاليَهُودِ، و آدَمُ بِإبْلِيسَ، وفي أكْلِهِما الطَّعامِ والشَّرابِ، وفي الفَقْرِ إلى اللَّهِ، وفي الصُّورَةِ، وفي الرَّفْعِ إلى السَّماءِ والإنْزالِ مِنها إلى الأرْضِ، وفي الإلْهامِ، عَطَسَ آدَمُ فَأُلْهِمَ، فَقالَ الحَمْدُ لِلَّهِ. وأُلْهِمَ عِيسى حِينَ أُخْرِجَ مِن بَطْنِ أُمَّهِ فَقالَ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠] وفي العِلْمِ، قالَ: ﴿وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ﴾ [البقرة: ٣١] وقالَ: ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: ٤٨] وفي نَفْخِ (p-٤٧٨)الرُّوحِ فِيهِما (فَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي) ﴿فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾ [التحريم: ١٢] وفي المَوْتِ، وفي فَقْدِ الأبِ، ومَعْنى: عِنْدَ اللَّهِ؛ أيْ عِنْدَ مَن يَعْرِفُ حَقِيقَةَ الأمْرِ، وكَيْفَ هو؛ أيْ هَكَذا هو الأمْرُ فِيما غابَ عَنْكم، ولَمْ تَطَّلِعُوا عَلى كُنْهِهِ. والعامِلُ في عِنْدَ، العامِلُ في كافِ التَّشْبِيهِ، وهَذا التَّشْبِيهُ هو مِن أحَدِ الطَّرَفَيْنِ كَما تَقَدَّمَ، وهو الوُجُودُ مِن غَيْرِ أبٍ، وهُما نَظِيرانِ في أنَّ كُلًّا مِنهُما أوْجَدَهُ اللَّهُ خارِجًا عَمّا اسْتَقَرَّ واسْتَمَرَّ في العادَةِ مِن خَلْقِ الإنْسانِ مُتَوَلِّدًا مِن ذَكَرٍ وأُنْثى، كَما قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ [الحجرات: ١٣] والوُجُودُ مِن غَيْرِ أبٍ وأُمٍّ أغْرَبُ في العادَةِ مِن وُجُودٍ مِن غَيْرِ أبٍ، فَشَبَّهَ الغَرِيبَ بِالأغْرَبِ؛ لِيَكُونَ أقْطَعَ لِلْخَصْمِ وأحْسَمَ لِمادَةِ شُبْهَتِهِ إذا نَظَرَ فِيما هو أغْرَبُ مِمّا اسْتَغْرَبَهُ، وأُسِرَ بَعْضُ العُلَماءِ بِالرُّومِ فَقالَ لَهم لِمَ تَعْبُدُونَ عِيسى ؟ قالُوا: لِأنَّهُ لا أبَ لَهُ. قالَ: فَآدَمُ أوْلى لِأنَّهُ لا أبَوَيْنِ لَهُ. قالُوا: كانَ يُحْيِي المَوْتى، قالَ: فَحِزْقِيلُ أوْلى؛ لِأنَّ عِيسى أحْيا أرْبَعَةَ نَفَرٍ، وأحْيا حِزْقِيلُ ثَمانِيَةَ آلافٍ. فَقالُوا: كانَ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ. قالَ: فَجِرْجِيسُ أوْلى لِأنَّهُ طُحِنَ وأُحْرِقَ، ثُمَّ قامَ سالِمًا انْتَهى.

وصَحَّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَدَّ عَيْنَ قَتادَةَ بَعْدَما قُلِعَتْ، ورَدَّ اللَّهُ نُورَها، وصَحَّ أنَّ أعْمى دَعا لَهُ فَرَدَّ اللَّهُ لَهُ بَصَرَهُ.

وفِي حَدِيثِ الشّابِّ الَّذِي أُتِيَ بِهِ لِيَتَعَلَّمَ مِن سِحْرِ السّاحِرِ، فَتَرَكَ السّاحِرَ، ودَخَلَ في دِينِ عِيسى وتَعَبَّدَ بِهِ، فَصارَ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، وفِيهِ أنَّهُ دَعا لِجَلِيسِ المَلِكِ وابْنِ عَمِّهِ، وكانَ أعْمى، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ.

﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ هي مِن تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ باسِمِ أصْلِهِ. كَقَوْلِهِ (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ) كانَ تُرابًا ثُمَّ صارَ طِينًا، وخَلَقَ مِنهُ آدَمَ. كَما قالَ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] وقالَ تَعالى: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧١] وقالَ: ﴿قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] . والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في: خَلَقَهُ عائِدٌ عَلى آدَمَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَفْسِيرِيَّةٌ لِـ“ كَمَثَلِ آدَمَ ”، فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ. وقِيلَ: هي في مَوْضِعِ الحالِ، وقُدِّرَ مَعَ خَلَقَهُ مَقْدِرَةً، والعامِلُ فِيها مَعْنى التَّشْبِيهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَلَقَهُ صِفَةً لِآدَمَ، ولا حالًا مِنهُ. قالَ الزَّجّاجُ: إذِ الماضِي لا يَكُونُ حالًا أنْتَ فِيها، بَلْ هو كَلامٌ مَقْطُوعٌ مِنهُ مُضَمِّنُهُ تَفْسِيرُ المَثَلِ انْتَهى كَلامُهُ. وفِيهِ نَظَرٌ، والمَعْنى: قَدَّرَهُ جَسَدًا مِن طِينٍ ﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ﴾ أيْ أنْشَأهُ بَشَرًا، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وسَبَقَهُ إلى مَعْناهُ أبُو مُسْلِمٍ. قُلْنا: ولَوْ كانَ الخَلْقُ بِمَعْنى الإنْشاءِ. لا بِمَعْنى التَّقْدِيرِ، لَمْ يَأْتِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ﴾ لِأنَّ ما خُلِقَ لا يُقالُ لَهُ كُنْ، ولا يَنْشَأُ إلّا إنْ كانَ مَعْنى ﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ﴾ عِبارَةً عَنْ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، وقالَهُ عَبْدُ الجَبّارِ. فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ خَلَقَهُ بِمَعْنى أنْشَأهُ لا بِمَعْنى قَدَّرَهُ. قِيلَ: أوْ يَكُونَ: كُنْ، عِبارَةً عَنْ كَوْنِهِ لَحْمًا ودَمًا، وقَوْلُهُ: فَيَكُونُ، حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، ولا قَوْلَ هُناكَ حَقِيقَةً، وإنَّما ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، وكِنايَةٌ عَنْ سُرْعَةِ الخَلْقِ، والتَّمَكُّنِ مِن إيجادِ ما يُرِيدُ تَعالى إيجادَهُ، إذِ المَعْدُومُ لا يُمْكِنُ أنْ يُؤْمَرَ.

و: ثُمَّ، قِيلَ لِتَرْتِيبِ الخَبَرِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: كُنْ، لَمْ يَتَأخَّرْ عَنْ“ خَلَقَهُ ”، وإنَّما هو في المَعْنى تَفْسِيرٌ لِلْخَلْقِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّرْتِيبِ الزَّمانِيِّ أيْ: أنْشَأهُ أوَّلًا مِن طِينٍ، ثُمَّ بَعْدَ زَمانٍ أوْجَدَ فِيهِ الرُّوحَ، أيْ: صَيَّرَهُ لَحْمًا ودَمًا عَلى مَن قالَ ذَلِكَ. وقالَ الرّاغِبُ: ومَعْنى: كُنْ. بَعْدَ: خَلَقَهُ مِن تُرابٍ: كُنْ إنْسانًا حَيًّا ناطِقًا، وهو لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، بَلْ كانَ دَهْرًا مُلْقًى لا رُوحَ فِيهِ، ثُمَّ جَعَلَ لَهُ الرُّوحَ. وقَوْلُهُ: كُنْ؛ عِبارَةٌ عَنْ إيجادِ الصُّورَةِ الَّتِي صارَ بِها الإنْسانُ إنْسانًا انْتَهى.

والضَّمِيرُ في: لَهُ، عائِدٌ عَلى آدَمَ، وأبْعَدَ مَن زَعَمَ أنَّهُ عائِدٌ عَلى عِيسى، وأبْعَدُ مِن هَذا قَوْلُ مَن زَعَمَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى كُلِّ مَخْلُوقٍ خُلِقَ بِكُنْ، وهو قَوْلُ الحُوفِيِّ.

﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، أخْبَرَ تَعالى أنَّ الحَقَّ، وهو الشَّيْءُ الثّابِتُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، هو وارِدٌ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ، فَجَمِيعُ ما أنْبَأكَ بِهِ حَقٌّ، فَيَدْخُلُ فِيهِ قِصَّةُ عِيسى وآدَمَ وجَمِيعِ أنْبائِهِ تَعالى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: الحَقُّ، خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو. أيْ: خَبَرُ عِيسى في كَوْنِهِ خُلِقَ مِن أُمٍّ فَقَطْ هو الحَقُّ، ومِن رَبِّكَ: حالٌ، أوْ: خَبَرٌ ثانٍ، وأخْبَرَ عَنْ قِصَّةِ عِيسى بِأنَّها حَقٌّ. ومَعَ كَوْنِها حَقًّا فَهي (p-٤٧٩)إخْبارٌ صادِرٌ عَنِ اللَّهِ.

﴿فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ قِيلَ: الخِطابُ بِهَذا لِكُلِّ سامِعٍ قِصَّةَ عِيسى والأخْبارَ الوارِدَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ أُمَّةُ مَن ظاهِرُ الخِطابِ لَهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَهْيُهُ عَنِ الِامْتِراءِ وجَلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَكُونَ مُمْتَرِيًا، مِن بابِ التَّهْيِيجِ لِزِيادَةِ الثَّباتِ والطُّمَأْنِينَةِ، وأنْ يَكُونَ لُطْفًا لِغَيْرِهِ. وقالَ الرّاغِبُ: الِامْتِراءُ اسْتِخْراجُ الرَّأْيِ لِلشَّكِّ العارِضِ، ويُجْعَلُ عِبارَةً عَنِ الشَّكِّ، وقالَ: فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ، ولَمْ يَكُنْ مُمْتَرِيًا لِيَكُونَ فِيهِ ذَمٌّ مِن شَكٍّ في عِيسى.

﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ [آل عمران: ٦١] أيْ: مَن نازَعَكَ وجادَلَكَ، وهو مِن بابِ المُفاعَلَةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وكانَ الأمْرُ كَذَلِكَ بَيْنَهُ ﷺ وبَيْنَ وفْدِ نَجْرانَ. والضَّمِيرُ في فِيهِ عائِدٌ عَلى عِيسى؛ لِأنَّ المُنازَعَةَ كانَتْ فِيهِ، ولِأنَّ تَصْدِيرَ الآيَةِ السّابِقَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾ وما بَعْدَهُ جاءَ مِن تَمامِ أمْرِهِ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الحَقِّ، وظاهِرٌ مِنَ العُمُومِ في كُلِّ مَن يُحاجُّ في أمْرِ عِيسى. وقِيلَ: المُرادُ وفْدُ نَجْرانَ.

و: مَن، يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، والعِلْمُ هُنا: الوَحْيُ الَّذِي جاءَ بِهِ جِبْرِيلُ، وقِيلَ: الآياتُ المُتَقَدِّمَةُ في أمْرِ عِيسى، المُوجِبَةُ لِلْعَمَلِ. و“ ما ”في: ما جاءَكَ، مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، وفي: جاءَكَ، ضَمِيرُ الفاعِلِ يَعُودُ عَلَيْها. ومِنَ العِلْمِ: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: كائِنًا مِنَ العِلْمِ. وتَكُونُ: مِن تَبْعِيضِيَّةً. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى ذَلِكَ، قالَ بَعْضُهم، ويَخْرُجُ عَلى قَوْلِ الأخْفَشِ: أنْ تَكُونَ ما، مَصْدَرِيَّةً، ومِن: زائِدَةٌ والتَّقْدِيرُ: مِن بَعْدِ مَجِيءِ العِلْمِ إيّاكَ.

﴿فَقُلْ تَعالَوْا﴾ [آل عمران: ٦١] قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللّامِ، وهو الأصْلُ والقِياسُ، إذِ التَّقْدِيرُ تَفاعَلَ، وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ ياءٍ وأصْلُها واوٌ، فَإذا أمَرْتَ الواحِدَ قُلْتَ: تَعالَ، كَما تَقُولُ: اخْشَ واسْعَ. وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو واقِدٍ، وأبُو السَّمّالِ: بِضَمِّ اللّامِ، ووَجْهُهم أنَّ أصْلَهُ: تَعالَيُوا، كَما تَقُولُ: تَجادَلُوا، نَقَلَ الضَّمَّةَ مِنَ الياءِ إلى اللّامِ بَعْدَ حَذْفِ فَتْحَتِها، فَبَقِيَتِ الياءُ ساكِنَةً، وواوُ الضَّمِيرِ ساكِنَةً، فَحُذِفَتِ الياءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وهَذا تَعْلِيلُ شُذُوذٍ.

﴿نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] أيْ: يَدْعُ كُلٌّ مِنِّي ومِنكم أبْناءَهُ ونِساءَهُ ونَفْسَهُ إلى المُباهَلَةِ. وظاهِرُ هَذا أنَّ الدُّعاءَ والمُباهَلَةَ بَيْنَ المُخاطَبِ: بِـ“ قُلْ ”وبَيْنَ“ مَن حاجَّهُ ”، وفُسِّرَ عَلى هَذا الوَجْهِ الأبْناءُ بِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ، وبِنِسائِهِ فاطِمَةَ، والأنْفُسُ: بِعَلِيٍّ. قالَ الشَّعْبِيُّ: ويَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ مَعَ مَن حاجَّهُ ما ثَبَتَ في صَحِيح مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فاطِمَةَ و حَسَنًا وحُسَيْنًا، فَقالَ:“ اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلِي ”» .

وقالَ قَوْمٌ: المُباهَلَةُ كانَتْ عَلَيْهِ، وعَلى المُسْلِمِينَ، بِدَلِيلِ ظاهِرِ قَوْلِهِ“ ﴿نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١] " عَلى الجَمْعِ، ولَمّا دَعاهم دَعا بِأهْلِهِ الَّذِينَ في حَوْزَتِهِ، ولَوْ عَزَمَ نَصارى نَجْرانَ عَلى المُباهَلَةِ وجاءُوا لَها، لَأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ المُسْلِمِينَ أنْ يَخْرُجُوا بِأهالِيهِمْ لِمُباهَلَتِهِ.

وقِيلَ: المُرادُ بِأنْفُسِنا، الإخْوانُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. قالَ تَعالى: ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] أيْ: إخْوانَكم. وقِيلَ: أهْلَ دِينِهِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وقِيلَ: الأزْواجَ، وقِيلَ: أرادَ القَرابَةَ القَرِيبَةَ، ذَكَرَهُما عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ النَّيْسابُورِيُّ.

﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ [آل عمران: ٦١] أيْ: نَدْعُ بِالِالتِعانِ. وقِيلَ: نَتَضَرَّعْ إلى اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: نُخْلِصُ في الدُّعاءِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: نُجْهِدُ في الدُّعاءِ. وقِيلَ: نَتَداعى بِالهَلاكِ.

3:61Page 57

فَمَنۡ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ فَقُلۡ تَعَالَوۡاْ نَدۡعُ أَبۡنَآءَنَا وَأَبۡنَآءَكُمۡ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمۡ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمۡ ثُمَّ نَبۡتَهِلۡ فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِينَ ٦١

Then whoever argues with you about it after [this] knowledge has come to you - say, "Come, let us call our sons and your sons, our women and your women, ourselves and yourselves, then supplicate earnestly [together] and invoke the curse of Allāh upon the liars [among us]."

﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ أيْ: (p-٤٨٠)يَقُولُ كُلٌّ مِنّا: لَعَنَ اللَّهُ الكاذِبَ مِنّا في أمْرِ عِيسى، وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى جَوازِ اللَّعْنِ لِمَن أقامَ عَلى كُفْرِهِ، وقَدْ لَعَنَ ﷺ اليَهُودَ. قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الحَسَنَ والحُسَيْنَ ابْنا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ أبُو أحْمَدَ بْنُ عَيْلانَ: كانا إذْ ذاكَ مُكَلَّفَيْنِ؛ لِأنَّ المُباهَلَةَ عِنْدَهُ لا تَصِحُّ إلّا مِن مُكَلَّفٍ. وقَدْ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ بِما رَوَوْا في قِصَّةِ المُباهَلَةِ، ومُضَمَّنُها أنَّهُ دَعاهم إلى المُباهَلَةِ، وخَرَجَ بِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ، وفاطِمَةَ و عَلِيٍّ، إلى المِيعادِ، وأنَّهم كَفُّوا عَنْ ذَلِكَ، ورَضُوا بِالإقامَةِ عَلى دِينِهِمْ وأنْ يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ، وأخْبَرَهم أحْبارُهم أنَّهم إنْ باهَلُوا عُذِّبُوا، وأخْبَرَ هو ﷺ أنَّهم إنْ باهَلُوا عُذِّبُوا، وفي تَرْكِ النَّصارى المُلاعَنَةَ لِعِلْمِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ شاهِدٌ عَظِيمٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما كانَ دُعاؤُهُ إلى المُباهَلَةِ، إلّا لِتَبْيِينِ الكاذِبِ مِنهُ، ومِن خَصْمِهِ، وذَلِكَ أمْرٌ يَخْتَصُّ بِهِ، وبِمَن يُكاذِبُهُ، فَما مَعْنى ضَمِّ الأبْناءِ والنِّساءِ ؟ .

قُلْتُ: ذَلِكَ آكَدُ في الدَّلالَةِ عَلى ثِقَتِهِ بِحالِهِ، واسْتِيقانِهِ بِصِدْقِهِ، حَيْثُ اسْتَجْرَأ عَلى تَعْرِيضِ نَفْسِهِ لَهُ، وعَلى ثِقَتِهِ بِكَذِبِ خَصْمِهِ حَتّى يُهْلِكَ خَصْمَهُ مَعَ أحِبَّتِهِ وأعِزَّتِهِ، هَلاكَ الِاسْتِئْصالِ إنْ تَمَّتِ المُباهَلَةُ. وخَصَّ الأبْناءَ والنِّساءَ؛ لِأنَّهم أعَزُّ الأهْلِ، وألْصَقُهم بِالقُلُوبِ. ورُبَّما فَداهُمُ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ، وحارَبَ دُونَهم حَتّى يُقْتَلَ، ومِن ثَمَّ كانُوا يَسُوقُونَ مَعَ أنْفُسِهِمُ الظَّعائِنَ في الحُرُوبِ لِتَمْنَعَهم مِنَ الهَرَبِ، ويُسَمُّونَ الذّادَةَ عَنْها بِأرْواحِهِمْ حُماةَ الحَقائِقِ، وقَدَّمَهم في الذِّكْرِ عَلى الأنْفُسِ؛ لِيُنَبِّهَ عَلى لُطْفِ مَكانِهِمْ، وقُرْبِ مَنزِلَتِهِمْ، ولِيُؤْذِنَ بِأنَّهم مُقَدَّمُونَ عَلى الأنْفُسِ يُفْدَوْنَ بِها، وفِيهِ دَلِيلٌ لا شَيْءَ أقْوى مِنهُ عَلى فَضْلِ أصْحابِ الكِساءِ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وفِيهِ بُرْهانٌ واضِحٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، لِأنَّهُ لَمْ يَرَ واحِدٌ مِن مُوافِقٍ، ولا مُخالِفٍ أنَّهم أجابُوا إلى ذَلِكَ انْتَهى كَلامُهُ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما رَواهُ الرُّواةُ مِن أنَّهم تَرَكُوا المُلاعَنَةَ لِعِلْمِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ أحَجُّ لَنا عَلى سائِرِ الكَفَرَةِ، وألْيَقُ بِحالِ مُحَمَّدٍ ﷺ ودُعاءُ النِّساءِ والأبْناءِ لِلْمُلاعَنَةِ أهَزُّ لِلنُّفُوسِ، وأدْعى لِرَحْمَةِ اللَّهِ أوْ لِغَضَبِهِ عَلى المُبْطِلِينَ، وظاهِرُ الأمْرِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ جاءَهم بِما يَخُصُّهُ، ولَوْ عَزَمُوا اسْتَدْعى المُؤْمِنِينَ بِأبْنائِهِمْ، ونِسائِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ كانَ يَكْتَفِي بِنَفْسِهِ، وخاصَّتِهِ فَقَطِ انْتَهى.

وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى المُظاهَرَةِ بِطَرِيقِ الإعْجازِ عَلى مَن يَدَّعِي الباطِلَ بَعْدَ وُضُوحِ البُرْهانِ بِطَرِيقِ القِياسِ، ومِن أغْرَبِ الِاسْتِدْلالِ ما اسْتَدَلَّ بِهِ مِنَ الآيَةِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الحِمْصِيُّ، وكانَ مُتَكَلِّمًا عَلى طَرِيقِ الإثْنى عَشْرِيَّةَ. عَلى أنَّ عَلِيًّا أفْضَلُ مِن جَمِيعِ الأنْبِياءِ سِوى مُحَمَّدٍ ﷺ . قالَ: وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأنْفُسَنا وأنْفُسَكُمْ﴾ لَيْسَ المُرادُ نَفْسَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ (p-٤٨١)وسَلَّمَ؛ لِأنَّ الإنْسانَ لا يَدْعُو نَفْسَهُ، بَلِ المُرادُ غَيْرُهُ. وأجْمَعُوا عَلى أنَّ الَّذِي هو غَيْرُهُ: عَلِيٌّ، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ نَفْسَهُ نَفْسُ الرَّسُولِ، ولا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَيْنَها، فالمُرادُ مِثْلُها، وذَلِكَ يَقْتَضِي العُمُومَ إلّا أنَّهُ تَرَكَ في حَقِّ النُّبُوَّةِ الفَضْلَ؛ لِقِيامِ الدَّلِيلِ، ودَلَّ الإجْماعُ عَلى أنَّهُ كانَ ﷺ أفْضَلَ مِن سائِرِ الأنْبِياءِ، فَلَزِمَ أنْ يَكُونَ عَلِيٌّ كَذَلِكَ.

قالَ: ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ الحَدِيثُ المَنقُولُ عَنْهُ مِنَ المُوافِقِ والمُخالِفِ: «مَن أرادَ أنْ يَرى آدَمَ في عِلْمِهِ، و نُوحًا في طاعَتِهِ، وإبْراهِيمَ في حِلْمِهِ، ومُوسى في قَوْمِهِ، وعِيسى في صَفْوَتِهِ، فَلْيَنْظُرْ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ» . فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ ما كانَ مُتَفَرِّقًا فِيهِمْ.

قالَ: وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أفْضَلُ مِن جَمِيعِ الأنْبِياءِ والصَّحابَةِ. وأجابَ الرّازِيُّ: بِأنَّ الإجْماعَ مُنْعَقِدٌ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أفْضَلُ مِمَّنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، وعَلِيٌّ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، فَلَزِمَ القَطْعُ بِأنَّهُ مَخْصُوصٌ في حَقِّ جَمِيعِ الأنْبِياءِ.

وقالَ الرّازِيُّ: اسْتِدْلالُ الحِمْصِيِّ فاسِدٌ مِن وُجُوهٍ: مِنها قَوْلُهُ: إنَّ الإنْسانَ لا يَدْعُو نَفْسَهُ، بَلْ يَجُوزُ لِلْإنْسانِ أنْ يَدْعُوَ نَفْسَهُ، تَقُولُ العَرَبُ: دَعَوْتُ نَفْسِي إلى كَذا فَلَمْ تُجِبْنِي، وهَذا يُسَمِّيهِ أبُو عَلِيٍّ بِالتَّجْرِيدِ.

ومِنها قَوْلُهُ: وأجْمَعُوا عَلى أنَّ الَّذِي هو غَيْرُهُ هو عَلِيٌّ، لَيْسَ بِصَحِيحٍ، بِدَلِيلِ الأقْوالِ الَّتِي سِيقَتْ في المَعْنى بِقَوْلِهِ: وأنْفُسَنا.

ومِنها قَوْلُهُ: فَيَكُونُ نَفْسُهُ مِثْلَ نَفْسِهِ، ولا يَلْزَمُ مِنَ المُماثَلَةِ أنْ تَكُونَ في جَمِيعِ الأشْياءِ، بَلْ تَكْفِي المُماثَلَةُ في شَيْءٍ ما، هَذا الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ اللُّغَةِ، لا الَّذِي يَقُولُهُ المُتَكَلِّمُونَ: مِن أنَّ المُماثَلَةَ تَكُونُ في جَمِيعِ صِفاتِ النَّفْسِ، هَذا اصْطِلاحٌ مِنهم لا لُغَةٌ. فَعَلى هَذا تَكْفِي المُماثَلَةُ في صِفَةٍ واحِدَةٍ، وهي كَوْنُهُ مِن بَنِي هاشِمٍ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذا مِن أنْفُسِنا، أيْ: مِن قَبِيلَتِنا. وأمّا الحَدِيثُ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ فَمَوْضُوعٌ لا أصْلَ لَهُ. وهَذِهِ النَّزْغَةُ الَّتِي ذَهَبَ إلَيْها هَذا الحِمْصِيُّ مِن كَوْنِ عَلِيٍّ أفْضَلَ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - سِوى مُحَمَّدٍ ﷺ وتَلَقَّفَها بَعْضُ مَن يَنْتَحِلُ كَلامَ الصُّوفِيَّةِ، ووَسَّعَ المَجالَ فِيها، فَزَعَمَ أنَّ الوَلِيَّ أفْضَلُ مِنَ النَّبِيِّ، ولَمْ يَقْصُرْ ذَلِكَ عَلى ولِيٍّ واحِدٍ، كَما قَصَرَ ذَلِكَ الحِمْصِيُّ، بَلْ زَعَمَ أنَّ رُتْبَةَ الوِلايَةِ الَّتِي لا نُبُوَّةَ مَعَها أفْضَلُ مِن رُتْبَةِ النُّبُوَّةِ. قالَ: لِأنَّ الوَلِيَّ يَأْخُذُ عَنِ اللَّهِ بِغَيْرِ واسِطَةٍ والنَّبِيَّ يَأْخُذُ عَنِ اللَّهِ بِواسِطَةٍ، ومَن أخَذَ بِلا واسِطَةٍ أفْضَلُ مِمَّنْ أخَذَ بِواسِطَةٍ. وهَذِهِ المَقالَةُ مُخالِفَةٌ لِمَقالاتِ أهْلِ الإسْلامِ. نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ، ولا أحَدَ أكْذَبُ مِمَّنْ يَدَّعِي أنَّ الوَلِيَّ يَأْخُذُ عَنِ اللَّهِ بِغَيْرِ واسِطَةٍ، لَقَدْ يَقْشَعِرُّ المُؤْمِنُ مِن سَماعِ هَذا الِافْتِراءِ، وحَكى لِي مَن لا أتَّهِمُهُ عَنْ بَعْضِ المُنْتَمِينَ، إلى أنَّهُ مِن أهْلِ الصَّلاحِ، أنَّهُ رُؤِيَ في يَدِهِ كِتابٌ يَنْظُرُ فِيهِ، فَسُئِلَ عَنْهُ. فَقالَ: فِيهِ ما أخَذْتُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، وفِيهِ ما أخَذْتُهُ عَنِ اللَّهِ شَفاهًا أوْ شافَهَنِي بِهِ، الشَّكُّ مِنَ السّامِعِ. فانْظُرْ إلى جَراءَةِ هَذا الكاذِبِ عَلى اللَّهِ حَيْثُ ادَّعى مَقامَ مَن كَلَّمَهُ اللَّهُ كَمُوسى و مُحَمَّدٍ عَلَيْهِما - الصَّلاةُ والسَّلامُ - وعَلى سائِرِ الأنْبِياءِ.

قِيلَ: وفي هَذِهِ الآيَةِ ضُرُوبٌ مِنَ البَلاغَةِ: مِنها إسْنادُ الفِعْلِ إلى غَيْرِ فاعِلِهِ، وهو: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى﴾ [آل عمران: ٥٥] واللَّهُ لَمْ يُشافِهْهُ بِذَلِكَ، بَلْ بِإخْبارِ جِبْرِيلَ أوْ غَيْرِهِ مِنَ المَلائِكَةِ. والِاسْتِعارَةُ في: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥] وفي: ﴿فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ٥٥] والتَّفْصِيلُ لِما أُجْمِلَ في: ﴿إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأحْكُمُ﴾ [آل عمران: ٥٥] بِقَوْلِهِ: فَأمّا، وأمّا، والزِّيادَةُ لِزِيادَةِ المَعْنى في ﴿مِن ناصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٦] أوِ: المَثَلُ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى﴾ [آل عمران: ٥٩] . والتَّجَوُّزُ بِوَضْعِ المُضارِعِ مَوْضِعَ الماضِي في قَوْلِهِ ﴿نَتْلُوهُ﴾ [آل عمران: ٥٨] وفي (فَيَكُونُ) وبِالجَمْعِ بَيْنَ أداتَيْ تَشْبِيهٍ عَلى قَوْلٍ في ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] وبِالتَّجَوُّزِ بِتَسْمِيَةِ الشَّيْءِ، بِاسْمِ أصْلِهِ في ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] . وخِطابُ العَيْنِ، والمُرادُ بِهِ غَيْرُهُ، في ﴿فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠] . والعامُّ يُرادُ بِهِ الخاصُّ في ﴿نَدْعُ أبْناءَنا﴾ الآيَةَ، والتَّجَوُّزُ بِإقامَةِ ابْنِ العَمِّ مَقامَ النَّفْسِ عَلى أشْهَرِ الأقْوالِ، والحَذْفُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ.

3:62Page 58

إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡقَصَصُ ٱلۡحَقُّۚ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٦٢

Indeed, this is the true narration. And there is no deity except Allāh. And indeed, Allāh is the Exalted in Might, the Wise.

﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ﴾ هَذا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ، جَزْمٌ مُؤَكَّدٌ، فُصِلَ بِهِ بَيْنَ المُخْتَصِمِينَ، والإشارَةُ إلى القُرْآنِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، والظّاهِرُ أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن أخْبارِ عِيسى، وكَوْنِهِ مَخْلُوقًا مِن غَيْرِ أبٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهم. أيْ: هَذا هو الحَقُّ (p-٤٨٢)لا ما يَدَّعِيهِ النَّصارى فِيهِ مِن كَوْنِهِ إلَهًا أوِ ابْنَ اللَّهِ، ولا ما تَدَّعِيهِ اليَهُودُ فِيهِ، وقِيلَ: هَذا إشارَةٌ إلى ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ﴾ ويَضْعُفُ بِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ لَيْسَتْ بِقَصَصٍ، وبِوُجُودِ حَرْفِ العَطْفِ في قَوْلِهِ: ”وما“ قالَ بَعْضُهم إلّا إنْ أرادَ بِالقَصَصِ الخَبَرَ، فَيَصِحُّ عَلى هَذا، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: إنَّ الخَبَرَ الحَقَّ أنَّهُ ما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ انْتَهى. لَكِنْ يَمْنَعُ مِن هَذا التَّقْدِيرِ وُجُودُ واوِ العَطْفِ واللّامِ في: لَهو، دَخَلَتْ عَلى الفَصْلِ، و”القَصَصُ“ خَبَرُ ”إنَّ“، و”الحَقُّ“ صِفَةٌ لَهُ، والقَصَصُ مَصْدَرٌ، أوْ فِعْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيِ: المَقْصُوصِ؛ كالقَبْضِ بِمَعْنى المَقْبُوضِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: هو مُبْتَدَأً والقَصَصُ: خَبَرَهُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ خَبَرِ ”إنَّ“، ووَصْفُ القَصَصِ بِالحَقِّ إشارَةٌ إلى القَصَصِ المَكْذُوبِ الَّذِي أتى بِهِ نَصارى نَجْرانَ، وغَيْرُهم، في أمْرِ عِيسى وإلاهِيَّتِهِ.

﴿وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ﴾ أيِ: المُخْتَصُّ بِالإلَهِيَّةِ هو اللَّهُ وحْدَهُ، وفِيهِ رَدٌّ عَلى الثَّنَوِيَّةِ والنَّصارى، وكُلُّ مَن يَدَّعِي غَيْرَ اللَّهِ إلَهًا.

و: ”مِن“، زائِدَةٌ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ، و”إلَهٍ“: مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، و”اللَّهُ“: بَدَلٌ مِنهُ عَلى المَوْضِعِ، ولا يَجُوزُ البَدَلُ عَلى اللَّفْظِ، لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنهُ زِيادَةُ: مِن، في الواجِبِ، ويَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ في نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ نَصْبُ ما بَعْدَ إلّا، نَحْوَ ما مِن شُجاعٍ إلّا زَيْدًا، ولَمْ يُقْرَأْ بِالنَّصْبِ في هَذِهِ الآيَةِ، وإنْ كانَ جائِزًا في العَرَبِيَّةِ النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ.

﴿وإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ إشارَةٌ إلى وصْفَيِ الإلَهِيَّةِ، وهُما: القُدْرَةُ النّاشِئَةُ عَنِ الغَلَبَةِ فَلا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، والعِلْمُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالحِكْمَةِ فِيما صَنَعَ، والإتْقانُ لِما اخْتَرَعَ، فَلا يَخْفى عَنْهُ شَيْءٌ. وهاتانِ الصِّفَتانِ مَنفِيَّتانِ عَنْ عِيسى. ويَجُوزُ في: لَهو، مِنَ الإعْرابِ ما جازَ في: لَهو القَصَصُ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ فائِدَةِ الفَصْلِ.

3:63Page 58

فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُفۡسِدِينَ ٦٣

But if they turn away, then indeed - Allāh is Knowing of the corrupters.

﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: فَإنْ تَوَلَّوْا عَنِ المُلاعَنَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: عَنِ البَيانِ الَّذِي أبانَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: عَنِ الإقْرارِ بِالوَحْدانِيَّةِ، والتَّنْزِيهِ عَنِ الصّاحِبَةِ والوَلَدِ. وقالَ ‌المُرْسِيُّ: عَنْ هَذا الذِّكْرِ. وقِيلَ: عَنِ الإيمانِ.

و: تَوَلَّوْا، ماضٍ أوْ مُضارِعٌ حُذِفَتْ تاؤُهُ، وجَوابُ الشَّرْطِ في الظّاهِرِ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾، والمَعْنى: ما يَتَرَتَّبُ عَلى عِلْمِهِ بِالمُفْسِدِينَ مِن مُعاقَبَتِهِ لَهم، فَعَبَّرَ عَنِ العِقابِ بِالعِلْمِ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ عِقابُهم، ونَبَّهَ عَلى العِلَّةِ الَّتِي تُوجِبُ العِقابَ، وهي الإفْسادُ، ولِذَلِكَ أتى بِالِاسْمِ الظّاهِرِ دُونَ الضَّمِيرِ، وأتى بِهِ جَمْعًا؛ لِيَدُلَّ عَلى العُمُومِ الشّامِلِ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ تَوَلَّوْا ولِغَيْرِهِمْ، ولِكَوْنِهِ رَأْسَ آيَةٍ، ودَلَّ عَلى أنَّ تَوَلِّيَهم إفْسادٌ أيُّ إفْسادٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском