Abu HayyanAli 'Imran · 3:68–72

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:68–72

3:68Page 58

إِنَّ أَوۡلَى ٱلنَّاسِ بِإِبۡرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۗ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٦٨

Indeed, the most worthy of Abraham among the people are those who followed him [in submission to Allāh] and this prophet [i.e., Muḥammad (ﷺ)] and those who believe [in his message]. And Allāh is the Ally1 of the believers.

﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهَذا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَتْ رُؤَساءُ اليَهُودِ: واللَّهِ يا مُحَمَّدُ، لَقَدْ عَلِمْتَ أنّا أوْلى النّاسِ بِدِينِ إبْراهِيمَ مِنكَ، ومِن غَيْرِكَ، وإنَّهُ كانَ يَهُودِيًّا، وما بِكَ إلّا الحَسَدُ. فَنَزَلَتْ. ورُوِيَ حَدِيثٌ طَوِيلٌ في اجْتِماعِ جَعْفَرٍ وأصْحابِهِ، وعَمْرِو بْنِ العاصِ وأصْحابِهِ بِالنَّجاشِيِّ، وفِيهِ: أنَّ النَّجاشِيَّ قالَ: لا دَهْوَرَةَ اليَوْمَ عَلى حِزْبِ إبْراهِيمَ. أيْ: لا خَوْفَ ولا تَبِعَةَ، فَقالَ عَمْرٌو: مَن حِزْبُ إبْراهِيمَ ؟ فَقالَ النَّجاشِيُّ: هَؤُلاءِ الرَّهْطُ وصاحِبُهم، يَعْنِي جَعْفَرًا (p-٤٨٨)وأصْحابَهُ، ورَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”لِكُلِّ نَبِيٍّ وُلاةٌ مِنَ النَّبِيِّينَ، وإنَّ ولِيِّي مِنهم أبِي وخَلِيلُ رَبِّي إبْراهِيمُ“ . ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. ومَعْنى: أوْلى النّاسِ: أخَصُّهم بِهِ وأقْرَبُهم مِنهُ مِنَ الوَلِيِّ، وهو القُرْبُ. والَّذِينَ اتَّبَعُوهُ يَشْمَلُ كُلَّ مَنِ اتَّبَعَهُ في زَمانِهِ وغَيْرِ زَمانِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ مُتَّبِعُوهُ في زَمانِ الفَتَراتِ. وعُنِيَ بِالأتْباعِ أتْباعُهُ في شَرِيعَتِهِ.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: أحَقُّهم بِنُصْرَتِهِ أيْ: بِالمَعُونَةِ وبِالحُجَّةِ، فَمَن تَبِعَهُ في زَمانِهِ نَصَرَهُ بِمَعُونَتِهِ عَلى مُخالَفَتِهِ. ومُحَمَّدٌ والمُؤْمِنُونَ نَصَرُوهُ بِالحُجَّةِ لَهُ أنَّهُ كانَ مُحِقًّا سالِمًا مِنَ المَطاعِنِ، ﴿وهَذا النَّبِيُّ﴾ يَعْنِي بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ وخُصَّ بِالذِّكْرِ مِن سائِرِ مَنِ اتَّبَعَهُ لِتَخْصِيصِهِ بِالشَّرَفِ والفَضِيلَةِ، كَقَوْلِهِ ﴿وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨] .

﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ قِيلَ: آمَنُوا مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، وخُصُّوا أيْضًا بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهم، إذْ هم أفْضَلُ الأتْباعِ لِلرُّسُلِ، كَما أنَّ رَسُولَهم أفْضَلُ الرُّسُلِ. وقِيلَ: المُؤْمِنُونَ في كُلِّ زَمانٍ. وعُطِفَ ﴿وهَذا النَّبِيُّ﴾ عَلى خَبَرِ ”إنَّ“، ومَن أعْرَبَ (وهَذا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ: هُمُ المُتَّبِعُونَ لَهُ، فَقَدْ تَكَلَّفَ إضْمارًا لا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلَيْهِ.

وقُرِئَ: وهَذا النَّبِيَّ، بِالنَّصْبِ، عَطْفًا عَلى: الهاءِ، في ”اتَّبَعُوهُ“، فَيَكُونُ مُتَّبَعًا، لا مَتَّبِعًا: أيْ: أحَقُّ النّاسِ بِإبْراهِيمَ مَنِ اتَّبَعَهُ ومُحَمَّدًا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما وسَلَّمَ - ويَكُونُ: والَّذِينَ آمَنُوا، عَطْفًا عَلى خَبَرِ: إنَّ، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ.

وقُرِئَ: وهَذا النَّبِيِّ، بِالجَرِّ، ووُجِّهَ عَلى أنَّهُ عُطِفَ عَلى: إبْراهِيمَ، أيْ: إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ، وبِهَذا النَّبِيِّ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوا إبْراهِيمَ. والنَّبِيُّ: قالُوا: بَدَلٌ مِن هَذا، أوْ نَعْتٌ، أوْ عَطْفُ بَيانٍ. ونَبَّهَ عَلى الوَصْفِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ اللَّهُ ولِيًّا لِعِبادِهِ، وهو: الإيمانُ. فَقالَ: ولِيُّ المُؤْمِنِينَ، ولَمْ يَقُلْ: ولِيُّهم. وهَذا وعْدٌ لَهم بِالنَّصْرِ في الدُّنْيا، وبِالفَوْزِ في الآخِرَةِ. وهَذا كَما قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧] .

قِيلَ: وجَمَعَتْ هَذِهِ الآياتُ مِنَ البَلاغَةِ التَّنْبِيهَ والإشارَةَ والجَمْعَ بَيْنَ حَرْفَيِ التَّأْكِيدِ، وبِالفَصْلِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ﴾ [آل عمران: ٦٢] وفي: ﴿وإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ﴾ [آل عمران: ٦٢] والِاخْتِصاصِ في: ﴿عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران: ٦٣] وفي: ﴿ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ والتَّجَوُّزِ بِإطْلاقِ اسْمِ الواحِدِ عَلى الجَمْعِ في: ﴿إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ﴾ [آل عمران: ٦٤] وبِإطْلاقِ اسْمِ الجِنْسِ عَلى نَوْعِهِ في: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٧٠] إذا فُسِّرَ بِاليَهُودِ. والتَّكْرارِ في: إلّا اللَّهُ، وإنَّ اللَّهَ. وفي: يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا، يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ. وفي إبْراهِيمَ، وما كانَ إبْراهِيمُ، وإنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ. والتَّشْبِيهِ في: أرْبابًا، لَمّا أطاعُوهم في التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ، وأذْعَنُوا إلَيْهِمْ أطْلَقَ عَلَيْهِ: أرْبابًا تَشْبِيهًا بِالرَّبِّ المُسْتَحِقِّ لِلْعِبادَةِ والرُّبُوبِيَّةِ، والإجْمالِ في الخِطابِ في: يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا، يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ، كَقَوْلِ إبْراهِيمَ: يا أبَتِ، يا أبَتِ. وكَقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎مَهْلًا بَنِي عَمِّنا مَهْلًا مَوالِينا لا تَنْبِشُوا بَيْنَنا ما كانَ مَدْفُونا

وقَوْلِ الآخَرِ:

؎بَنِي عَمِّنا لا تَنْبِشُوا الشَّرَّ بَيْنَنا ∗∗∗ فَكَمْ مِن رَمادٍ صارَ مِنهُ لَهِيبُ

والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في: أوْلى ووَلِيٍّ.

3:69Page 58

وَدَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يُضِلُّونَكُمۡ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٦٩

A faction of the People of the Scripture wish they could mislead you. But they do not mislead except themselves, and they perceive [it] not.

﴿ودَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّها نَزَلَتْ في مُعاذٍ، وحُذَيْفَةَ، وعَمّارٍ، دَعاهم يَهُودُ بَنِي النَّضِيرِ، و قُرَيْظَةَ، وقَيْنُقاعَ، إلى دِينِهِمْ. وقِيلَ: دَعاهم جَماعَةٌ مِن أهْلِ نَجْرانَ ومِن يَهُودَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هُمُ اليَهُودُ، قالُوا لِمُعاذٍ وعَمّارٍ تَرَكْتُما دِينَكُما واتَّبَعْتُما دِينَ مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: عَيَّرَتْهُمُ اليَهُودُ بِوَقْعَةِ أُحُدٍ.

وقالَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْبَهانِيُّ: ”ودَّ“ بِمَعْنى: تَمَنّى، فَتُسْتَعْمَلُ مَعَها: لَوْ وأنْ، ورُبَّما جُمِعَ بَيْنَهُما، فَيُقالُ: ودِدْتُ أنْ لَوْ فَعَلَ، ومَصْدَرُهُ: الوِدادَةُ، والِاسْمُ مِنهُ: وُدٌّ، وقَدْ يَتَداخَلانِ في المَصْدَرِ والِاسْمِ. وقالَ الرّاغِبُ: إذا كانَ ودَّ، بِمَعْنى أحَبَّ لا يَجُوزُ إدْخالُ ”لَوْ“ فِيهِ أبَدًا. وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: إذا كانَ ودَّ بِمَعْنى: تَمَنّى، صَلَحَ لِلْماضِي والحالِ والمُسْتَقْبَلِ، وإذا كانَ بِمَعْنى المَحَبَّةِ والإرادَةِ لَمْ يَصْلُحْ لِلْماضِي؛ لِأنَّ الإرادَةَ كاسْتِدْعاءِ الفِعْلِ. وإذا كانَ لِلْحالِ والمُسْتَقْبَلِ جازَ: أنْ ولَوْ، وإذا كانَ لِلْماضِي لَمْ يَجُزْ: أنْ، لِأنَّ: أنْ، لِلْمُسْتَقْبَلِ. وما قالَ فِيهِ نَظَرٌ، ألا تَرى أنَّ أنْ، تُوصَلُ بِالفِعْلِ الماضِي نَحْوَ: سَرَّنِي أنْ قُمْتَ ؟ .

(p-٤٨٩)﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ ”طائِفَةٌ“، والطّائِفَةُ رُؤَساؤُهم وأحْبارُهم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ: مِن، أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ، وتَكُونُ الطّائِفَةُ جَمِيعَ أهْلِ الكِتابِ، وما قالَهُ يَبْعُدُ مِن دَلالَةِ اللَّفْظِ، ولَوْ هُنا قالُوا بِمَعْنى: أنْ، فَتَكُونُ مَصْدَرِيَّةً، ولا يَقُولُ بِذَلِكَ جُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ، والأوْلى إقْرارُها عَلى وضْعِها. ومَفْعُولُ: ودَّ، مَحْذُوفٌ، وجَوابُ: لَوْ، مَحْذُوفٌ، حُذِفَ مِن كُلٍّ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ ما يَدُلُّ المَعْنى عَلَيْهِ، التَّقْدِيرُ: ودُّوا إضْلالَكم لَوْ يُضِلُّونَكم لَسُرُّوا بِذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ في نَظِيرِ هَذا مُشَبَّعًا في قَوْلِهِ: ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] فَيُطالَعُ هُناكَ. ومَعْنى: يُضِلُّونَكم، يَرُدُّونَكم إلى كُفْرِكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقِيلَ: يُهْلِكُونَكم، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، والدِّمَشْقِيُّ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واسْتَدَلَّ يَعْنِي ابْنَ جَرِيرِ الطَّبَرِيَّ بِبَيْتِ جَرِيرٍ:

؎كُنْتَ القَذى في مَوجِ أخْضَرَ مُزْبِدٍ قَذَفَ الأتِيُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلالًا

وبِقَوْلِ النّابِغَةِ:

؎فَآبَ مُضِلُّوهُ بِعَينِ جَلِيَّةٍ ∗∗∗ وغودِرَ بِالجَوْلانِ حَزْمٌ ونائِلُ

وهُوَ تَفْسِيرٌ غَيْرُ مُخَلِّصٍ، ولا خاصٍّ بِاللَّفْظَةِ، وإنَّما اطَّرَدَ لَهُ؛ لِأنَّ هَذا الضَّلالَ في الآيَةِ في البَيْتَيْنِ اقْتَرَنَ بِهِ هَلاكٌ، وأمّا أنْ يُفَسِّرَ لَفْظَةَ الضَّلالَ بِالهَلاكِ فَغَيْرُ قَوِيمٍ انْتَهى.

وقالَ غَيْرُ ابْنِ عَطِيَّةَ: أضَلُّ الضَّلالِ في اللُّغَةِ الهَلاكُ مِن قَوْلِهِمْ: ضَلَّ اللَّبَنُ في الماءِ، إذا صارَ مُسْتَهْلَكًا فِيهِ. وقِيلَ: مَعْناهُ يُوقِعُونَكم في الضَّلالِ، ويُلْقُونَ إلَيْكم ما يُشَكِّكُونَكم بِهِ في دِينِكم، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ.

﴿وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ إنْ كانَ مَعْناهُ الإهْلاكَ فالمَعْنى أنَّهم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم وأشْياعَهم، لِاسْتِحْقاقِهِمْ بِإيثارِهِمْ إهْلاكَ المُؤْمِنِينَ سُخْطُ اللَّهِ وغَضَبُهُ، وإنْ كانَ المَعْنى الإخْراجَ عَنِ الدِّينِ فَذَلِكَ حاصِلٌ لَهم بِجَحْدِ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَغْيِيرِ صِفَتِهِ صارُوا بِذَلِكَ كُفّارًا، وخَرَجُوا عَنْ مِلَّةِ مُوسى وعِيسى. وإنْ كانَ المَعْنى الإيقاعَ في الضَّلالِ، فَذَلِكَ حاصِلٌ لَهم مَعَ تَمَكُّنِهِمْ مِنِ اتِّباعِ الهُدى بِإيضاحِ الحُجَجِ، وإنْزالِ الكُتُبِ، وإرْسالِ الرُّسُلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إعْلامٌ أنَّ سُوءَ فِعْلِهِمْ عائِدٌ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ يُبْعِدُهم عَنِ الإسْلامِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما يَعُودُ وبالُ الضَّلالِ إلّا عَلَيْهِمْ، لِأنَّ العَذابَ يُضاعَفُ لَهم بِضَلالِهِمْ وإضْلالِهِمْ، أوْ: وما يَقْدِرُونَ عَلى إضْلالِ المُسْلِمِينَ، وإنَّما يُضِلُّونَ أمْثالَهم مِن أشْياعِهِمُ انْتَهى.

﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ إنَّ ذَلِكَ الضَّلالَ هو مُخْتَصٌّ بِهِمْ أيْ: لا يَفْطِنُونَ لِذَلِكَ لَمّا دَقَّ أمْرُهُ وخَفِيَ عَلَيْهِمْ لِما اعْتَرى قُلُوبَهم مِنَ القَساوَةِ، فَهم لا يَعْلَمُونَ أنَّهم يُضِلُّونَ أنْفُسَهم. ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَن أخْطَأ الحَقَّ جاهِلًا كانَ ضالًّا، أوْ ﴿وما يَشْعُرُونَ﴾ أنَّهم لا يَصِلُونَ إلى إضْلالِكم، أوْ: لا يَفْطِنُونَ بِصِحَّةِ الإسْلامِ، وواجِبٌ عَلَيْهِمْ أنْ يَعْلَمُوا لِظُهُورِ البَراهِينِ والحُجَجِ، ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ. أوْ: ما يَشْعُرُونَ أنَّ اللَّهَ يَدُلُّ المُسْلِمِينَ عَلى حالِهِمْ، ويُطْلِعُهم عَلى مَكْرِهِمْ وضَلالَتِهِمْ، ذَكَرَهُ ابْنُ الجَوْزِيِّ. وفي قَوْلِهِ: ما يَشْعُرُونَ، مُبالَغَةٌ في ذَمِّهِمْ حَيْثُ فَقَدُوا المَنفَعَةَ بِحَواسِّهِمْ.

3:70Page 58

يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ ٧٠

O People of the Scripture, why do you disbelieve in the verses of Allāh1 while you witness [to their truth]?

﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي التَّوْراةُ والإنْجِيلُ مِن وصْفِ النَّبِيِّ ﷺ والإيمانِ بِهِ، كَما بَيَّنَ في قَوْلِهِ: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، والرَّبِيعُ، وابْنُ جُرَيْجٍ. أوِ القُرْآنُ مِن جِهَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣] ﴿إنْ هَذا إلّا إفْكٌ﴾ [الفرقان: ٤] ﴿أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] والآياتُ الَّتِي أظْهَرَها عَلى يَدَيْهِ مِنِ انْشِقاقِ القَمَرِ، وحَنِينِ الجِذْعِ، وتَسْبِيحِ الحَصى، وغَيْرِ ذَلِكَ. أوْ مُحَمَّدٌ والإسْلامُ، قالَهُ قَتادَةُ، أوْ ما تَلاهُ مِن أسْرارِ كُتُبِهِمْ وغَرِيبِ أخْبارِهِمْ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ أوْ كُتُبُ اللَّهِ، أوِ الآياتُ الَّتِي يُبَيِّنُ لَهم فِيها صِدْقَ مُحَمَّدٍ ﷺ وصِحَّةَ نُبُوَّتِهِ، وأُمِرُوا فِيها بِاتِّباعِهِ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ.

﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ كُفْرَهم بِآياتِ اللَّهِ وهم يَشْهَدُونَ (p-٤٩٠)أنَّها آياتُ اللَّهِ، ومُتَعَلِّقُ الشَّهادَةِ مَحْذُوفٌ، يُقَدَّرُ عَلى حَسَبِ تَفْسِيرِ الآياتِ، فَيُقَدَّرُ بِما يُناسِبُ ما فُسِّرَتْ بِهِ، فَلِذَلِكَ قالَ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، والرَّبِيعُ: وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّتِها مِن كِتابِكُمُ الَّذِي فِيهِ البِشارَةُ.

وقِيلَ: تَشْهَدُونَ بِمِثْلِها مِن آياتِ الأنْبِياءِ الَّتِي تُقِرُّونَ بِها، وقِيلَ: بِما عَلَيْكم فِيهِ مِنَ الحُجَّةِ. وقِيلَ: إنَّ كُتُبَكم حَقٌّ، ولا تَتَّبِعُونَ ما أُنْزِلَ فِيها. وقِيلَ: بِصِحَّتِها إذا خَلَوْتُمْ. فَيَكُونُ: تَشْهَدُونَ، بِمَعْنى: تُقِرُّونَ وتَعْتَرِفُونَ. وقالَ الرّاغِبُ: أوْ عَنى ما يَكُونُ مِن شَهادَتِهِمْ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم.

وقِيلَ: تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ: تُنْكِرُونَ كَوْنَ القُرْآنِ مُعْجِزًا، ثُمَّ تَشْهَدُونَ بِقُلُوبِكم وعُقُولِكم أنَّهُ مُعْجِزٌ.

3:71Page 59

يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَلۡبِسُونَ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٧١

O People of the Scripture, why do you mix [i.e., confuse] the truth with falsehood and conceal the truth while you know [it]?

﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ [البقرة: ٤٢] وفُسِّرَ اللَّبْسُ بِالخَلْطِ والتَّغْطِيَةِ، وتَكَلَّمَ المُفَسِّرُونَ هُنا، فَفَسَّرُوا الحَقَّ بِما يَجِدُونَهُ في كُتُبِهِمْ مِن صِفَةِ الرَّسُولِ، والباطِلَ الَّذِي يَكْتُبُونَهُ بِأيْدِيهِمْ ويُحَرِّفُونَهُ: قالَ (p-٤٩١)مَعْناهُ الحَسَنُ وابْنُ زَيْدٍ. وقِيلَ: إظْهارُ الإسْلامِ، وإبْطالُ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، قالَ قَتادَةُ، وابْنُ جَرِيرٍ والثَّعْلَبِيُّ. وقِيلَ: الإيمانُ بِمُوسى وعِيسى، والكَفْرُ بِالرَّسُولِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: يَتَأوَّلُونَ الآياتِ الَّتِي فِيها الدَّلالَةُ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلى خِلافِ تَأْوِيلِها، لِيَظْهَرَ مِنها لِلْعَوامِّ خِلافُ ما هي عَلَيْهِ، وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ بُطْلانَ ما تَقُولُونَ. وقِيلَ: هو ما ذَكَرَهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ﴾ [آل عمران: ٧٢] وقِيلَ: إقْرارُهم بِبَعْضِ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ . والباطِلُ: كِتْمانُهم لِبَعْضِ أمْرِهِ، وهَذانِ القَوْلانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: إقْرارُهم بِنُبُوَّتِهِ ورِسالَتِهِ، والباطِلُ قَوْلُ أحْبارِهِمْ: لَيْسَ رَسُولًا إلَيْنا، بَلْ شَرِيعَتُنا مُؤَبَّدَةٌ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ: تَلْبَسُونَ، بِفَتْحِ الباءِ مُضارِعُ لَبِسَ، جَعَلَ الحَقَّ كَأنَّهُ ثَوْبٌ لَبِسُوهُ، والباءُ في: بِالباطِلِ، لِلْحالِ أيْ مَصْحُوبًا بِالباطِلِ.

وقَرَأ أبُو ‌مِجْلَزٍ: تُلَبِّسُونَ، بِضَمِّ التّاءِ، وكَسْرِ الباءِ المُشَدَّدَةِ، والتَّشْدِيدُ هُنا لِلتَّكْثِيرِ، كَقَوْلِهِمْ: جَرَّحْتُ وقَتَّلْتُ، وأجازَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ في: ويَكْتُمُونَ، النَّصْبَ، فَتُسْقَطُ النُّونُ مِن حَيْثُ العَرَبِيَّةُ عَلى قَوْلِكَ: لِمَ تَجْمَعُونَ ذا وذا ؟ فَيَكُونُ نَصْبًا عَلى الصَّرْفِ في قَوْلِ الكُوفِيِّينَ، وبِإضْمارِ: أنْ، في قَوْلِ البَصْرِيِّينَ. وأنْكَرَ ذَلِكَ أبُو عَلِيٍّ، وقالَ: الِاسْتِفْهامُ وقَعَ عَلى اللَّبْسِ فَحَسْبُ. وأمّا يَكْتُمُونَ، فَخَبَرٌ حَتْمًا لا يَجُوزُ فِيهِ إلّا الرَّفْعُ، بِمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ مَعْطُوفًا عَلى تَلْبِسُونَ، بَلْ هو اسْتِئْنافٌ، خَبَرٌ عَنْهم أنَّهم يَكْتُمُونَ الحَقَّ مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّهُ حَقٌّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ أبُو عَلِيٍّ: الصَّرْفُ هاهُنا يَقْبُحُ، وكَذَلِكَ إضْمارُ: أنْ، لِأنَّ يَكْتُمُونَ، مَعْطُوفٌ عَلى مُوجَبٍ مُقَرَّرٍ، ولَيْسَ بِمُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ، وإنَّما اسْتُفْهِمَ عَنِ السَّبَبِ في اللَّبْسِ، واللَّبْسُ مُوجَبٌ، فَلَيْسَتِ الآيَةُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ: لا تَأْكُلِ السَّمَكَ وتَشْرَبَ اللَّبَنَ، وبِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: أتَقُومُ فَأقُومَ ؟ والعَطْفُ عَلى المُوجَبِ المُقَرَّرِ قَبِيحٌ مَتى نُصِبَ، إلّا في ضَرُورَةِ شِعْرٍ، كَما رُوِيَ:

؎وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا

وقَدْ قالَ سِيبَوَيْهِ: في قَوْلِكَ: أسِرْتَ حَتّى تَدْخُلَها، لا يَجُوزُ إلّا النَّصْبُ، (p-٤٩٢)فِي: تَدْخُلَ، لِأنَّ السَّيْرَ مُسْتَفْهَمٌ عَنْهُ غَيْرُ مُوجَبٍ. وإذا قُلْنا: أيُّهم سارَ حَتّى يَدْخُلُها، رُفِعَتْ؛ لِأنَّ السَّيْرَ مُوجَبٌ، والِاسْتِفْهامُ إنَّما وقَعَ عَنْ غَيْرِهِ انْتَهى ما نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي عَلِيٍّ. والظّاهِرُ تَعارُضُ ما نُقِلَ مَعَ ما قَبْلَهُ، لِأنَّ ما قَبْلَهُ فِيهِ: أنَّ الِاسْتِفْهامَ وقَعَ عَلى اللَّبْسِ فَحَسْبُ، وأمّا: يَكْتُمُونَ، فَخَبَرٌ حَتْمًا لا يَجُوزُ فِيهِ إلّا الرَّفْعُ، وفِيما نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ: يَكْتُمُونَ، مَعْطُوفٌ عَلى مُوجَبٍ مُقَرَّرٍ، ولَيْسَ بِمُسْتَفْهَمٍ عَنْهُ، فَيَدُلُّ العَطْفُ عَلى اشْتِراكِهِما في الِاسْتِفْهامِ عَنْ سَبَبِ اللَّبْسِ وسَبَبِ الكَتْمِ المُوجَبَيْنِ، وفَرَّقَ بَيْنَ هَذا المَعْنى وبَيْنَ أنْ يَكُونَ: ويَكْتُمُونَ، إخْبارًا مَحْضًا لَمْ يَشْتَرِكْ مَعَ اللَّبْسِ في السُّؤالِ عَنِ السَّبَبِ، وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ مِن أنَّ الِاسْتِفْهامَ إذا تَضَمَّنَ وُقُوعَ الفِعْلِ لا يَنْتَصِبُ الفِعْلُ بِإضْمارِ أنْ في جَوابِهِ، تَبِعَهُ في ذَلِكَ ابْنُ مالِكٍ. فَقالَ في (التَّسْهِيلِ) حِينَ عَدَّ ما يُضْمِرُ أنْ، لُزُومًا في الجَوابِ، فَقالَ: أوْ لِاسْتِفْهامٍ لا يَتَضَمَّنُ وُقُوعَ الفِعْلِ، فَإنْ تَضَمَّنَ وقْعَ الفِعْلِ لَمْ يَجُزِ النَّصْبُ عِنْدَهُ، نَحْوَ: لِمَ ضَرَبْتَ زَيْدًا، فَيُجازِيكَ ؟ لِأنَّ الضَّرْبَ قَدْ وقَعَ، ولَمْ نَرَ أحَدًا مِن أصْحابِنا يَشْتَرِطُ هَذا الشَّرْطَ الَّذِي ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ، وتَبِعَهُ فِيهِ ابْنُ مالِكٍ في الِاسْتِفْهامِ، بَلْ إذا تَعَذَّرَ سَبْكُ مَصْدَرٍ مِمّا قَبْلَهُ، إمّا لِكَوْنِهِ لَيْسَ ثَمَّ فِعْلٌ، ولا ما في مَعْناهُ يَنْسَبِكُ مِنهُ، وإمّا لِاسْتِحالَةِ سَبْكِ مَصْدَرٍ، مُرادٍ اسْتِقْبالُهُ، لِأجْلِ مُضِيِّ الفِعْلِ، فَإنَّما يُقَدَّرُ فِيهِ مَصْدَرُ اسْتِقْبالِهِ مِمّا يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، فَإذا قالَ: لِمَ ضَرَبْتَ زَيْدًا فَأضْرِبُكَ ؟ . أيْ: لِيَكُنْ مِنكَ تَعْرِيفٌ بِضَرْبِ زَيْدٍ فَضَرْبٌ مِنّا، وما رَدَّ بِهِ أبُو عَلِيٍّ، عَلى أبِي إسْحاقَ لَيْسَ بِمُتَّجَهٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ﴾ لَيْسَ نَصًّا عَلى أنَّ المُضارِعَ أُرِيدَ بِهِ الماضِي حَقِيقَةً، إذْ قَدْ يُنْكَرُ المُسْتَقْبَلُ لِتَحَقُّقِ صُدُورِهِ، لا سِيَّما عَلى الشَّخْصِ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنهُ وُجُودُ أمْثالِهِ. ولَوْ فَرَضْنا أنَّهُ ماضٍ حَقِيقَةً، فَلا رَدَّ فِيهِ عَلى أبِي إسْحاقَ، لِأنَّهُ كَما قَرَّرْنا قَبْلُ: إذا لَمْ يُمْكِنْ سَبْكُ مَصْدَرٍ مُسْتَقْبَلٍ مِنَ الجُمْلَةِ، سَبَكْناهُ مِن لازِمِ الجُمْلَةِ.

وقَدْ حَكى أبُو الحَسَنِ بْنُ كَيْسانَ نَصْبَ الفِعْلِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ مُحَقَّقِ الوُقُوعِ، نَحْوَ: أيْنَ ذَهَبَ زَيْدٌ فَنَتْبَعَهُ ؟ وكَذَلِكَ في: كَمْ مالُكَ فَنَعْرِفَهُ ؟ ومَن أبُوكَ فَنُكْرِمَهُ ؟ لَكِنَّهُ يَتَخَرَّجُ عَلى ما سَبَقَ ذِكْرُهُ مِن أنَّ التَّقْدِيرَ: لِيَكُنْ مِنكَ إعْلامٌ بِذَهابِ زَيْدٍ فاتِّباعٌ مِنّا. ولْيَكُنْ: مِنكَ إعْلامٌ بِقَدْرِ مالِكَ فَمَعْرِفَةٌ مِنّا. ولْيَكُنْ مِنكَ إعْلامٌ بِأبِيكَ فَإكْرامٌ مِنّا لَهُ. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: لِمَ تَلْبِسُوا، وتَكْتُمُوا، بِحَذْفِ النُّونِ فِيهِما، قالُوا: وذَلِكَ جَزْمٌ، قالُوا: ولا وجْهَ لَهُ سِوى ما ذَهَبَ إلَيْهِ شُذُوذٌ مِنَ النُّحاةِ في إلْحاقِ: لِمَ، بِـ ”لَمْ“ في عَمَلِ الجَزْمِ. وقالَ السَّجاوَنْدِيُّ: ولا وجْهَ لَهُ إلّا أنَّ: لِمَ، تَجْزِمُ الفِعْلَ عِنْدَ قَوْمٍ كُلَّمٍ انْتَهى. والثّابِتُ في لِسانِ العَرَبِ أنَّ لِمَ، لا يَنْجَزِمُ ما بَعْدَها، ولَمْ أرَ أحَدًا مِنَ النَّحْوِيِّينَ ذَكَرَ أنَّ ”لِمَ“ تَجْرِي مَجْرى: ”لَمْ“ في الجَزْمِ إلّا ما ذَكَرَهُ أهْلُ التَّفْسِيرِ هُنا، وإنَّما هَذا عِنْدِي مِن بابِ حَذْفِ النُّونِ حالَةَ الرَّفْعِ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ في النَّثْرِ قَلِيلًا جِدًّا، وذَلِكَ في قِراءَةِ أبِي عُمَرَ، ومِن بَعْضِ طُرُقِهِ قالُوا: ساحِرانِ تَظّاهَرانِ، بِتَشْدِيدِ الظّاءِ، أيْ: أنْتُما ساحِرانِ تَتَظاهَرانَ فَأدْغَمَ التّاءَ في الظّاءِ، وحَذَفَ النُّونَ، وأمّا في النَّظْمِ، فَنَحْوَ قَوْلِ الرّاجِزِ:

؎أبِيتُ أُسَرِّي وتَبِيتِي تُدَلِّكِي

يُرِيدُ: وتَبِيتِينَ تُدَلِّكِينَ. وقالَ:

؎فَإنْ يَكُ قَوْمٌ سَرَّهم ما صَنَعْتُمُو ∗∗∗ سَتَحْتَلِبُوها لاقِحًا غَيْرَ باهِلِ

والظّاهِرُ: أنَّهُ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ لُبْسَ الحَقِّ بِالباطِلِ، وكَتْمَ الحَقِّ، وكَأنَّ الحَقَّ مُنْقَسِمٌ إلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ خَلَطُوا فِيهِ الباطِلَ حَتّى لا يَتَمَيَّزَ، وقِسْمٌ كَتَمُوهُ بِالكُلِّيَّةِ حَتّى لا يَظْهَرَ.

﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ تَنْعِي عَلَيْهِمْ ما التَبَسُوا بِهِ مِن لَبْسِ الحَقِّ بِالباطِلِ وكِتْمانِهِ، أيْ: لا يُناسِبُ مَن عَلِمَ الحَقَّ أنْ يَكْتُمَهُ، ولا أنْ يَخْلِطَهُ بِالباطِلِ، والسُّؤالُ عَنِ السَّبَبِ، سُؤالٌ عَنِ المُسَبِّبِ، فَإذا أنْكَرَ السَّبَبَ فَبِالأوْلى أنْ يُنْكِرَ المُسَبِّبَ، وخُتِمَتِ الآيَةُ قَبْلَ هَذِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠] وهَذِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لِأنَّ المُنْكَرَ عَلَيْهِمْ في تِلْكَ هو الكُفْرُ (p-٤٩٣)بِآياتِ اللَّهِ، وهي أخَصُّ مِنَ الحَقِّ، لِأنَّ آياتِ اللَّهِ بَعْضُ الحَقِّ، والشَّهادَةُ أخَصُّ مِنَ العِلْمِ، فَناسَبَ الأخَصُّ الأخَصَّ، وهُنا الحَقُّ أعَمُّ مِنَ الآياتِ وغَيْرِها، والعِلْمُ أعَمُّ مِنَ الشَّهادَةِ، فَناسَبَ الأعَمُّ الأعَمَّ. وقالُوا في قَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: أنَّهُ نَبِيٌّ حَقٌّ، وأنَّ ما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ حَقٌّ. وقِيلَ: قالَ: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ لِيَتَبَيَّنَ لَهُمُ الأمْرُ الَّذِي يَصِحُّ بِهِ التَّكْلِيفُ، ويَقُومُ عَلَيْهِمْ بِهِ الحُجَّةُ. وقِيلَ: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الحَقَّ بِما عَرَفْتُمُوهُ مِن كُتُبِكم وما سَمِعْتُمُوهُ مِن ألْسِنَةِ أنْبِيائِكم. وفي هَذِهِ الآياتِ أنْواعٌ مِنَ البَدِيعِ: الطِّباقُ في قَوْلِهِ: الحَقَّ بِالباطِلِ، والطِّباقُ المَعْنَوِيُّ في قَوْلِهِ: (لِمَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ) لِأنَّ الشَّهادَةَ إقْرارٌ وإظْهارٌ، والكُفْرُ سَتْرٌ. والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في: يُضِلُّونَكم ومايُضِلُّونَ. والتَّكْرارُ في: أهْلِ الكِتابِ. والحَذْفُ في مَواضِعَ قَدْ بُيِّنَتْ.

3:72Page 59

وَقَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامِنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجۡهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكۡفُرُوٓاْ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٧٢

And a faction of the People of the Scripture say [to each other], "Believe in that which was revealed to the believers at the beginning of the day and reject it at its end that perhaps they will return [i.e., abandon their religion],

﴿وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ قالَ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ: تَواطَأ اثْنا عَشَرَ حَبْرًا مِن يَهُودِ خَيْبَرَ، وقُرى عَرِينَةَ، وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ادْخُلُوا في دِينِ مُحَمَّدٍ أوَّلَ النَّهارِ بِاللِّسانِ دُونَ الِاعْتِقادِ، واكْفُرُوا بِهِ في آخِرِ النَّهارِ، وقُولُوا إنّا نَظَرْنا في كُتُبِنا، وشاوَرْنا عُلَماءَنا، فَوَجَدْنا مُحَمَّدًا لَيْسَ كَذَلِكَ، وظَهَرَ لَنا كَذِبُهُ وبُطَلانُ دِينِهِ، فَإذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ شَكَّ أصْحابُهُ في دِينِهِمْ، وقالُوا: هم أهْلُ الكِتابِ فَهم أعْلَمُ مِنّا، فَيَرْجِعُونَ عَنْ دِينِهِمْ إلى دِينِكم، فَنَزَلَتْ.

وقالَ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ، والكَلْبِيُّ: هَذا في شَأْنِ القِبْلَةِ، لَمّا صُرِفَتْ إلى الكَعْبَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلى اليَهُودِ، فَقالَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وأصْحابُهُ: صَلُّوا إلَيْها أوَّلَ النَّهارِ، وارْجِعُوا إلى كَعْبَتِكُمُ الصَّخْرَةِ آخِرَهُ، فَنَزَلَتْ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: صَلَّوْا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ صَلاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ رَجَعُوا آخِرَ النَّهارِ، فَصَلَّوْا صَلاتَهم؛ لِيَرى النّاسُ أنَّهُ قَدْ بَدَتْ لَهم مِنهُ ضَلالَةٌ بَعْدَ أنْ كانُوا اتَّبَعُوهُ، فَنَزَلَتْ.

وقالَ السُّدِّيُّ: قالَتِ اليَهُودُ لِسَفَلَتِهِمْ: آمِنُوا بِمُحَمَّدٍ أوَّلَ النَّهارِ، فَإذا كانَ بِالعَشِيِّ قُولُوا: قَدْ عَرَّفَنا عُلَماؤُنا أنَّكم لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ، فَنَزَلَتْ. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ، عَنِ الحَسَنِ: أنَّ يَهُودَ خَيْبَرَ قالَتْ ذَلِكَ لِيَهُودِ المَدِينَةِ انْتَهى. جَعَلَتِ اليَهُودُ هَذا سَبَبًا إلى خَدِيعَةِ المُسْلِمِينَ. والمَقُولُ لَهم مَحْذُوفٌ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ هَذِهِ الطّائِفَةِ لِبَعْضٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَقُولُ لَهم لَيْسُوا مِن هَذِهِ الطّائِفَةِ، والمُرادُ: بِـ ”آمِنُوا“، أظْهِرُوا الإيمانَ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِهِ التَّصْدِيقُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حَذْفٌ أيْ: عَلى زَعْمِهِمْ، وإلّا فَهم يَكْذِبُونَ، ولا يُصَدِّقُونَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ شَيْئًا عَلى المُؤْمِنِينَ.

وانْتَصَبَ: وجْهَ النَّهارِ، عَلى الظَّرْفِ، ومَعْناهُ: أوَّلَ النَّهارِ، شُبِّهَ بِوَجْهِ الإنْسانِ إذْ هو أوَّلُ ما يُواجَهُ مِنهُ. وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ زِيادٍ العَبْسِيُّ في مالِكِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ خُزَيْمَةَ العَبْسِيِّ:

؎مَن كانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مالِكٍ فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنا بِوَجْهِ نَهارِ

والضَّمِيرُ في: آخِرَهُ، عائِدٌ عَلى النَّهارِ، أيْ: آخِرَ النَّهارِ. والنّاصِبُ لِلظَّرْفِ الأوَّلِ: آمِنُوا، ولِلْآخِرِ: اكْفُرُوا. وقِيلَ: النّاصِبُ لِقَوْلِهِ: وجْهَ النَّهارِ، أُنْزِلَ. أيْ: بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا في أوَّلِ النَّهارِ، والضَّمِيرُ في: آخِرَهُ، يَعُودُ عَلى الَّذِي أُنْزِلَ، أيْ: واكْفُرُوا آخِرَ المُنَزَّلِ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ ومُخالَفَةٌ لِأسْبابِ النُّزُولِ، ومُتَعَلِّقُ الرُّجُوعِ مَحْذُوفٌ أيْ: يَرْجِعُونَ عَنْ دِينِهِمْ.

وظاهِرُ الآيَةِ الدَّلالَةُ عَلى هَذا القَوْلِ، وأمّا امْتِثالُ الأمْرِ مِمَّنْ أُمِرُ بِهِ فَسُكُوتٌ عَنْ وُقُوعِهِ، وأسْبابُ النُّزُولِ تَدُلُّ عَلى وُقُوعِهِ، وهَذا القَوْلُ طَمِعُوا أنْ يَنْخَدِعَ العَرَبُ بِهِ، أوْ يَقُولَ قائِلُهم: هَؤُلاءِ أهْلُ الكِتابِ القَدِيمِ، وجَوْدَةِ النَّظَرِ والِاطِّلاعِ، دَخَلُوا في هَذا (p-٤٩٤)الأمْرِ ورَجَعُوا عَنْهُ، وفِيهِ تَثْبِيتٌ أيْضًا لِضُعَفائِهِمْ عَلى دِينِهِمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском