Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:79–80
3:79Page 60
مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ ٧٩
It is not for a human [prophet]1 that Allāh should give him the Scripture2 and authority and prophethood and then he would say to the people, "Be servants to me rather than Allāh," but [instead, he would say], "Be pious scholars of the Lord because of what you have taught of the Scripture and because of what you have studied."
﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يَأْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ﴾ رُوِيَ «أنَّ أبا رافِعٍ القُرَظِيَّ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ اجْتَمَعَتِ الأحْبارُ مِن يَهُودَ، والوَفْدُ مِن نَصارى نَجْرانَ»: يا مُحَمَّدُ إنَّما تُرِيدُ أنْ نَعْبُدَكَ ونَتَّخِذَكَ إلَهًا كَما عَبَدَتِ النَّصارى عِيسى، فَقالَ الرَّئِيسُ مِن نَصارى نَجْرانَ: أوَذاكَ تُرِيدُ يا مُحَمَّدُ، وإلَيْهِ تَدْعُونا ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”مَعاذَ اللَّهِ ما بِذَلِكَ أمَرْتُ، ولا إلَيْهِ دَعَوْتُ“، فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ كَما يُسَلِّمُ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ، أفَلا نَسْجُدُ لَكَ ؟ قالَ: ”لا يَنْبَغِي أنْ يُسْجَدَ لِأحَدٍ مِن دُونِ اللَّهِ، ولَكِنْ أكْرِمُوا نَبِيَّكم، واعْرِفُوا الحَقَّ لِأهْلِهِ“ .
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ إلى مَن هي الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والرَّبِيعُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وجَماعَةٌ: الإشارَةُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ وذَكَرُوا سَبَبَ النُّزُولِ المَذْكُورَ.
وقالَ النَّقّاشُ، وغَيْرُهُ: الإشارَةُ إلى عِيسى، والآيَةُ رادَّةٌ عَلى النَّصارى الَّذِينَ قالُوا: عِيسى إلَهٌ، وادَّعَوْا أنَّ عِبادَتَهُ هي شِرْعَةٌ مُسْتَنَدَةٌ إلى أوامِرِهِ، ومَعْنى ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ﴾ وما جاءَ نَحْوَهُ أنَّهُ يَنْفِي عَنْهُ الكَوْنَ، والمُرادُ نَفْيُ الخَبَرِ، وذَلِكَ عَلى قِسْمَيْنِ.
أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ الِانْتِفاءُ مِن حَيْثُ العَقْلُ، ويُعَبَّرُ عَنْهُ بِالنَّفْيِ التّامِّ، ومِثالُهُ قَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لَكم أنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها﴾ [النمل: ٦٠] ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥] .
والثّانِي: أنْ يَكُونَ الِانْتِفاءُ فِيهِ عَلى سَبِيلِ الِانْتِفاءِ، ويُعَبَّرُ عَنْهُ بِالنَّفْيِ غَيْرِ التّامِّ، ومِثالُهُ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما كانَ لِابْنِ أبِي قُحافَةَ أنْ يَتَقَدَّمَ أنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
ومُدْرَكُ القِسْمَيْنِ إنَّما يُعْرَفُ بِسِياقِ الكَلامِ الَّذِي النَّفْيُ فِيهِ، وهَذِهِ الآيَةُ مِنَ القِسْمِ الأوَّلِ، لِأنّا نَعْلَمُ أنَّهُ اللَّهُ لا يُعْطِي الكَذَبَةَ والمُدَّعِينَ النُّبُوَّةِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى عِصْمَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
والكِتابُ هُنا اسْمُ جِنْسٍ، والحُكْمُ قِيلَ: بِمَعْنى الحِكْمَةِ، ومِنهُ «إنَّ مِنَ الشِّعْرِ لَحُكْمًا» . وقِيلَ: الحُكْمُ هُنا السَّنَةُ، يَعْنُونَ لِمُقابَلَتِهِ الكِتابَ، والظّاهِرُ أنَّ الحُكْمَ هُنا القَضاءُ والفَصْلُ بَيْنَ النّاسِ، وهَذا مِن بابِ التَّرَقِّي، بَدَأ أوَّلًا بِالكِتابِ وهو العِلْمُ، ثُمَّ تَرَقّى إلى التَّمْكِينِ وهو الفَصْلُ بَيْنَ النّاسِ، ثُمَّ تَرَقّى إلى الرُّتْبَةِ العُلْيا وهي النُّبُوَّةُ وهي مَجْمَعُ الخَيْرِ، ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ.
أتى بِلَفْظِ ثُمَّ الَّتِي هي لِلْمُهْلَةِ تَعْظِيمًا لِهَذا القَوْلِ، وإذا انْتَفى هَذا القَوْلُ بَعْدَ المُهْلَةِ كانَ انْتِفاؤُهُ بِدُونِها أوْلى وأحْرى، أيْ: إنَّ هَذا الإيتاءَ العَظِيمَ لا يُجامِعُ هَذا القَوْلَ، وإنْ كانَ بَعْدَ مُهْلَةٍ مِن هَذا الإنْعامِ العَظِيمِ.
﴿كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ﴾ عِبادًا جَمْعُ عَبْدٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِن جُمُوعِهِ: عَبِيدٌ وعِبَدّى. قالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: هَذِهِ الجُمُوعُ (p-٥٠٥)كُلُّها بِمَعْنًى. وقالَ قَوْمٌ: العِبادُ لِلَّهِ، والعَبِيدُ لِلْبَشَرِ. وقالَ قَوْمٌ: العِبَدّى إنَّما يُقالُ في العَبِيدِ بَنِي العَبِيدِ، كَأنَّهُ مُبالَغَةٌ تَقْتَضِي الِاسْتِغْراقَ في العُبُودِيَّةِ.
والَّذِي اسْتُقْرِئَتْ في لَفْظَةِ العِبادِ أنَّهُ جَمْعُ عَبْدٍ، مَتى سِيقَتِ اللَّفْظَةُ في مِضْمارِ التَّرْفِيعِ، والدَّلالَةِ عَلى الطّاعَةِ دُونَ أنْ يَقْتَرِنَ بِها مَعْنى التَّحْقِيرِ وتَصْغِيرِ الشَّأْنِ، فانْظُرْ قَوْلَهُ - تَعالى -: (واللَّهُ رَؤُوفٌ بِالعِبادِ) (وعِبادٌ مُكْرَمُونَ) و﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] وقَوْلَ عِيسى في مَعْنى الشَّفاعَةِ والتَّعْرِيضِ ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] . وأمّا العَبِيدُ، فَيُسْتَعْمَلُ في التَّحْقِيرِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎قُولا لِدُودانَ عَبِيدِ العَصا ما غَرَّكم بِالأسَدِ الباسِلِ
ومِنهُ قَوْلُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ: وهَلْ أنْتُمْ إلّا عَبِيدٌ لِأبِي، ومِنهُ ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] لِأنَّهُ مَكانُ تَشْقِيقٍ وإعْلامٍ بِقِلَّةِ انْتِصارِهِمْ ومَقْدِرَتِهِمْ، وأنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِظَلّامٍ لَهم مَعَ ذَلِكَ، ولَمّا كانَتْ لَفْظَةُ العِبادِ تَقْتَضِي الطّاعَةَ، لَمْ يَقَعْ هُنا، ولِذَلِكَ أُنِسَ بِها في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] فَهَذا النَّوْعُ مِنَ النَّظَرِ يَسْلُكُ بِكَ سَبِيلَ العَجائِبِ في حَيِّزِ فَصاحَةِ القُرْآنِ العَزِيزِ عَلى الطَّرِيقَةِ العَرَبِيَّةِ السَّلِيمَةِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ﴾ اعْبُدُونِي واجْعَلُونِي إلَهًا انْتَهى كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ. وفِيهِ بَعْضُ مُناقَشَةٍ.
أمّا قَوْلُهُ: ومِن جُمُوعِهِ: عَبِيدٌ، وعِبَدّى، أمّا عَبِيدٌ فالأصَحُّ أنَّهُ جَمْعٌ. وقِيلَ: اسْمُ جَمْعٍ، وأمّا عِبَدّى، فاسْمُ جَمْعٍ، وألِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ. وأمّا ما اسْتَقْرَأهُ أنَّ عِبادًا يُساقُ في مِضْمارِ التَّرْفِيعِ والدَّلالَةِ عَلى الطّاعَةِ دُونَ أنْ يَقْتَرِنَ بِها مَعْنى التَّحْقِيرِ والتَّصْغِيرِ، وإيرادِهِ ألْفاظًا في القُرْآنِ بِلَفْظِ العِبادِ، وقَوْلُهُ: وأمّا العَبِيدُ فَيُسْتَعْمَلُ في تَحْقِيرٍ، وأنْشَدَ بَيْتَ امْرِئِ القَيْسِ، وقَوْلَ حَمْزَةَ، وقَوْلَهُ تَعالى ﴿بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: ١٨٢] فَلَيْسَ بِاسْتِقْراءٍ صَحِيحٍ، وإنَّما كَثُرَ اسْتِعْمالُ عِبادٍ، دُونَ عَبِيدٍ؛ لِأنَّ فِعالًا في جَمْعِ فَعْلٍ غَيْرِ اليائِيِّ العَيْنِ قِياسٌ مُطَّرِدٌ، وجَمْعُ فَعْلٍ عَلى فَعِيلٍ لا يَطَّرِدُ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: ورُبَّما جاءَ فَعِيلًا، وهو قَلِيلٌ، نَحْوَ: الكُلَيْبُ والعَبِيدُ انْتَهى. فَلَمّا كانَ فِعالٌ هو (p-٥٠٦)المَقِيسَ في جَمْعِ عَبْدٍ، جاءَ عِبادٌ كَثِيرًا. وأمّا ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] فَحَسُنَ مَجِيئُهُ هُنا، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَقِيسًا أنَّهُ جاءَ لِتَواخِي الفَواصِلِ، ألا تَرى أنَّ قَبْلَهُ ﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤] وبَعْدَهُ ﴿قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٧] فَحَسُنَ مَجِيئُهُ بِلَفْظِ ”العَبِيدِ“ مُواخاةَ هاتَيْنِ الفاصِلَتَيْنِ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ في سُورَةِ ق: ﴿وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩] لِأنَّ قَبْلَهُ (قالَ ﴿قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٧]) وبَعْدَهُ ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] وأمّا مَدْلُولُهُ فَمَدْلُولُ عِبادٍ سَواءً.
وأمّا بَيْتُ امْرِئِ القَيْسِ فَلَمْ يُفْهَمِ التَّحْقِيرُ مِن لَفْظِ عَبِيدٍ، إنَّما فُهِمَ مِن إضافَتِهِمْ إلى العَصا، ومِن مَجْمُوعِ البَيْتِ. وكَذَلِكَ قَوْلُ حَمْزَةَ، إنَّما فُهِمَ مِنهُ مَعْنى التَّحْقِيرِ مِن قَرِينَةِ الحالِ الَّتِي كانَ عَلَيْها، وأتى في البَيْتِ، وفي وقَوْلِ حَمْزَةَ عَلى أحَدِ الجائِزَيْنِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ثُمَّ يَقُولَ، بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى: أنْ يُؤْتِيَهُ، وقَرَأ شِبْلٌ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: بِالرَّفْعِ عَلى القَطْعِ أيْ: ثُمَّ هو يَقُولُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”عِبادًا لِي“، بِتَسْكِينِ ياءِ الإضافَةِ. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: بِفَتْحِها.
﴿ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ﴾ هَذا عَلى إضْمارِ القَوْلِ تَقْدِيرُهُ: ولَكِنْ يَقُولُ كُونُوا رَبّانِيِّينَ، والرَّبّانِيُّ، الحَكِيمُ العالِمُ، قالَهُ قَتادَةُ، وأبُو رَزِينٍ. أوِ الفَقِيهُ، قالَهُ عَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ. أوِ العالِمُ الحَلِيمُ، قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ. أوِ الحَكِيمُ الفَقِيهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. أوِ الفَقِيهُ العالِمُ، قالَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ. أوْ والِي الأمْرِ يُرَبِّيهِمْ، ويُصْلِحُهم، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. أوِ الحَكِيمُ التَّقِيُّ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ. أوِ المُعَلِّمُ، قالَهُ الزَّجّاجُ. أوِ العالِمُ، قالَهُ المِبْرَدُ. أوِ التّائِبُ لِرَبِّهِ، قالَه المُؤَرِّجُ. أوِ الشَّدِيدُ التَّمَسُّكِ بِدِينِ اللَّهِ وطاعَتِهِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. أوِ العالِمُ الحَكِيمُ النّاصِحُ لِلَّهِ في خَلْقِهِ، قالَهُ عَطاءٌ. أوِ العالِمُ العامِلُ بِعِلْمِهِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ. أوِ العالِمُ المُعَلِّمُ، قالَهُ بَعْضُهم. وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ.
ولِلصُّوفِيَّةِ في تَفْسِيرٍ أقْوالٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ هَذِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ: الرَّبّانِيُّ فَوْقَ الحَبْرِ؛ لِأنَّ الحَبْرَ هو العالِمُ، والرَّبّانِيَّ الَّذِي جَمَعَ إلى العِلْمِ والفِقْهِ النَّظَرَ بِالسِّياسَةِ والتَّدْبِيرِ، والقِيامَ بِأُمُورِ الرَّعِيَّةِ، وما يُصْلِحُهم في دِينِهِمْ ودُنْياهم. وفي البُخارِيِّ: الرَّبّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النّاسَ بِصَغارِ العِلْمِ قَبْلَ كِبارِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَجُمْلَةُ ما يُقالُ في الرَّبّانِيِّ: إنَّهُ العالِمُ المُصِيبُ في التَّقْدِيرِ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ الَّتِي يُحاوِلُها في النّاسِ انْتَهى. ولَمّا ماتَ ابْنُ عَبّاسٍ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ: اليَوْمَ ماتَ رَبّانِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ.
﴿بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ الباءُ لِلسَّبَبِ، وما: الظّاهِرُ أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ، وتَعْلَمُونَ: مُتَعَدٍ لِواحِدٍ عَلى قِراءَةِ الحَرَمَيْنِ وأبِي عَمْرٍو؛ إذْ قَرَءُوا بِالتَّخْفِيفِ مُضارِعُ عَلِمَ، فَأمّا قِراءَةُ باقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّ التّاءِ، وفَتَحِ العَيْنِ، وتَشْدِيدِ اللّامِ المَكْسُورَةِ، فَيَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، إذْ هي مَنقُولَةٌ بِالتَّضْعِيفِ مِنَ المُتَعَدِّيَةِ إلى واحِدٍ، وأوَّلُ المَفْعُولَيْنِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تُعَلِّمُونَ النّاسَ الكِتابَ. وتَكَلَّمُوا في تَرْجِيحِ أحَدِ القِراءَتَيْنِ عَلى الأُخْرى، وقَدْ تَقَدَّمَ أنِّي لا أرى شَيْئًا مِن هَذِهِ التَّراجِيحِ؛ لِأنَّها كُلَّها مَنقُولَةٌ مُتَواتِرَةٌ قُرْءانًا، فَلا تَرْجِيحَ في إحْدى القِراءَتَيْنِ عَلى الأُخْرى.
وقَرَأ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ: تَعَلَّمُونَ، بِفَتْحِ التّاءِ، والعَيْنِ، واللّامِ المُشَدَّدَةِ، وهو مُضارِعٌ حُذِفَتْ مِنهُ التّاءُ، التَّقْدِيرُ: تَتَعَلَّمُونَ، وقَدْ تَقَدَّمَ الخِلافُ في المَحْذُوفِ مِنهُما.
وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ: تَدْرِسُونَ بِكَسْرِ الرّاءِ. ورُوِيَ عَنْهُ: تُدَرِّسُونَ، بِضَمِّ التّاءِ، وفَتْحِ الدّالِّ، وكَسْرِ الرّاءِ المُشَدَّدَةِ أيْ: تُدَرِّسُونَ غَيْرَكُمُ العِلْمَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّضْعِيفُ لِلتَّكْثِيرِ لا لِلتَّعْدِيَةِ. وقُرِئَ: تَدْرُسُونَ، مِن أدْرَسَ بِمَعْنى دَرَّسَ نَحْوَ: أكْرَمَ وكَرَّمَ، وأنْزَلَ نَزَّلَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْجَبَ أنْ تَكُونَ الرِّئاسَةُ الَّتِي هي قُوَّةُ التَّمَسُّكِ بِطاعَةِ اللَّهِ مُسَبَّبَةً عَنِ العِلْمِ، والدِّراسَةِ، وكَفى بِهِ دَلِيلًا عَلى خَيْبَةِ سَعْيِ مَن جَهَدَ نَفْسَهُ، وكَدَّ رُوحَهُ في جَمْعِ العِلْمِ، ثُمَّ لَمْ يَجْعَلْهُ ذَرِيعَةً إلى العَمَلِ، فَكانَ مِثْلَ مَن غَرَسَ شَجَرَةً حَسْناءَ تُونِقُهُ بِمَنظَرِها، ولا تَنْفَعُهُ بِثَمَرِها، ثُمَّ قالَ أيْضًا بَعْدَ أسْطُرٍ: وفِيهِ أنَّ مَن عَلِمَ ودَرَسَ العِلْمَ، ولَمْ يَعْمَلْ بِهِ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ، وأنَّ السَّبَبَ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ مُنْقَطِعٌ حَيْثُ لَمْ تَثْبُتِ النِّسْبَةُ إلَيْهِ إلّا لِلْمُتَمَسِّكِينَ بِطاعَتِهِ انْتَهى (p-٥٠٧)كَلامُهُ. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وهو أنَّهُ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا عالِمًا إلّا بِالعَمَلِ، وأنَّ العَمَلَ شَرْطٌ في صِحَّةِ الإيمانِ.
3:80Page 60
وَلَا يَأۡمُرَكُمۡ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ أَرۡبَابًاۚ أَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡكُفۡرِ بَعۡدَ إِذۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ ٨٠
Nor could he order you to take the angels and prophets as lords. Would he order you to disbelief after you had been Muslims?
﴿ولا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا﴾ قَرَأ الحَرَمِيّانِ، والنَّحْوِيّانِ، والأعْشى والبَرْجَمِيُّ: بِرَفْعِ الرّاءِ عَلى القَطْعِ، ويَخْتَلِسُ أبُو عَمْرٍو الحَرَكَةَ عَلى أصْلِهِ، والفاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَكِنٌّ في ”يَأْمُرُ“ عائِدٌ عَلى اللَّهِ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ، والزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: عائِدٌ عَلى: ”بَشَرٍ“، المَوْصُوفِ بِما سَبَقَ، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ والمَعْنى عَلى هَذِهِ القِراءَةِ: أنَّهُ لا يَقَعُ مِن بَشَرٍ مَوْصُوفٍ بِما وُصِفَ بِهِ أنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ رَبًّا فَيُعْبَدَ، ولا هو أيْضًا يَأْمُرُ بِاتِّخاذِ غَيْرِهِ مِن مَلائِكَةٍ وأنْبِياءَ أرْبابًا، فانْتَفى أنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ ولِغَيْرِهِ. وإنْ كانَ الضَّمِيرُ عائِدًا عَلى اللَّهِ فَيَكُونُ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ أنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ، فانْتَفى أمْرُ اللَّهِ بِذَلِكَ وأمْرُ أنْبِيائِهِ.
وقَرَأ عاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: ولا يَأْمُرَكم، بِنَصْبِ الرّاءِ، وخَرَّجَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى: ولا لَهُ أنْ يَأْمُرَكم، فَقَدَّرُوا أنْ مُضْمَرَةً بَعْدَ لا، وتَكُونُ لا، مُؤَكِّدَةً مَعْنى النَّفْيِ السّابِقِ، كَما تَقُولُ: ما كانَ مِن زَيْدٍ إتْيانٌ ولا قِيامٌ. وأنْتَ تُرِيدُ انْتِفاءَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما عَنْ زَيْدٍ، فَلا لِلتَّوْكِيدِ في النَّفْيِ السّابِقِ، وصارَ المَعْنى: ما كانَ مِن زَيْدٍ إتْيانٌ ولا مِنهُ قِيامٌ.
وقالَ الطَّبَرِيُّ: قَوْلُهُ: ولا يَأْمُرَكم، بِالنَّصْبِ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ثُمَّ يَقُولَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا خَطَأٌ لا يَلْتَئِمُ بِهِ المَعْنى انْتَهى كَلامُهُ. ولَمْ يُبَيِّنْ جِهَةَ الخَطَأِ، ولا عَدَمَ التِئامِ المَعْنى بِهِ، ووَجْهُ الخَطَأِ أنَّهُ إذا كانَ مَعْطُوفًا عَلى: ثُمَّ يَقُولَ، وكانَتْ ”لا“ لِتَأْسِيسِ النَّفْيِ، فَلا يُمْكِنُ إلّا أنْ يُقَدَّرَ العامِلُ قَبْلَ لا، وهو أنْ، فَيَنْسَبِكُ مِن: أنْ والفِعْلِ المَنفِيِّ مَصْدَرٌ مُنْتَفٍ فَيَصِيرُ المَعْنى: ما كانَ لِبَشَرٍ مَوْصُوفٍ بِما وُصِفَ بِهِ انْتِفاءُ أمْرِهِ بِاتِّخاذِ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا، وإذا لَمْ يَكُنْ لَهُ الِانْتِفاءُ كانَ لَهُ الثُّبُوتُ، فَصارَ آمِرًا بِاتِّخاذِهِمْ أرْبابًا، وهو خَطَأٌ، فَإذا جَعَلْتَ ”لا“ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ السّابِقِ كانَ النَّفْيُ مُنْسَحِبًا عَلى المَصْدَرَيْنِ المُقَدَّرِ ثُبُوتُهُما، فَيَنْتَفِي قَوْلُهُ: ﴿كُونُوا عِبادًا لِي﴾ [آل عمران: ٧٩] وأمَرُهُ بِاتِّخاذِ المَلائِكَةِ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا، ويُوَضِّحُ هَذا المَعْنى وضْعُ غَيْرٍ، مَوْضِعَ لا، فَإذا قُلْتَ: ما لِزَيْدٍ فِقْهٌ، ولا نَحْوٌ، كانَتْ: لا، لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، وانْتَفى عَنْهُ الوَصْفانِ، ولَوْ جَعَلْتَ لا، لِتَأْسِيسِ النَّفْيِ كانَتْ بِمَعْنى غَيْرٍ، فَيَصِيرُ المَعْنى انْتِفاءَ الفِقْهِ عَنْهُ، وثُبُوتَ النَّحْوِ لَهُ، إذْ لَوْ قُلْتَ: ما لِزَيْدٍ فِقْهٌ، وغَيْرُ نَحْوٍ، كانَ في ذَلِكَ إثْباتُ النَّحْوِ لَهُ، كَأنَّكَ قُلْتَ: ما لَهُ غَيْرُ نَحْوٍ. ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ: جِئْتُ بِلا زادٍ، كانَ المَعْنى: جِئْتُ بِغَيْرِ زادٍ، وإذا قُلْتَ: ما جِئْتُ بِغَيْرِ زادٍ، مَعْناهُ: أنَّكَ جِئْتَ بِزادٍ ؟ لِأنَّ لا، هُنا لِتَأْسِيسِ النَّفْيِ، وأنْ يَكُونَ مَن عَطَفَ المَنفِيَّ بِـ ”لا“ عَلى المُثْبَتِ الدّاخِلِ عَلَيْهِ النَّفْيُ، نَحْوَ: ما أُرِيدُ أنْ تَجْهَلَ، وأنْ لا تَتَعَلَّمَ، تُرِيدُ: ما أُرِيدُ أنْ لا تَتَعَلَّمَ.
وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ: لا، لِتَأْسِيسِ النَّفْيِ، فَذَكَرَ أوَّلًا كَوْنَها زائِدَةً لِتَأْكِيدِ مَعْنى النَّفْيِ، ثُمَّ قالَ: والثّانِي أنْ يَجْعَلَ لا، غَيْرَ مَزِيدَةٍ، والمَعْنى: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَنْهى قُرَيْشًا عَنْ عِبادَةِ المَلائِكَةِ، واليَهُودَ والنَّصارى عَنْ عِبادَةِ عُزَيْرٍ والمَسِيحِ، فَلَمّا قالُوا لَهُ: أنَتَّخِذُكَ رَبًّا، قِيلَ لَهم: ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يَسْتَنْبِئَهُ اللَّهُ، ثُمَّ يَأْمُرَ النّاسَ بِعِبادَتِهِ، ويَنْهاكم عَنْ عِبادَةِ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ.
قالَ: والقِراءَةُ بِالرَّفْعِ عَلى ابْتِداءِ الكَلامِ أظْهَرُ، ويَنْصُرُها قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ولَنْ يَأْمُرَكم، انْتَهى كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ.
﴿أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ هَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، وكَوْنُهُ بَعْدَ كَوْنِهِمْ مُسْلِمِينَ أفْحَشُ وأقْبَحُ، إذِ الأمْرُ بِالكُفْرِ عَلى كُلِّ حالٍ مُنْكَرٍ، ومَعْناهُ: أنَّهُ لا يَأْمُرُ بِكُفْرٍ، لا بَعْدَ الإسْلامِ ولا قَبْلَهُ، سَواءٌ كانَ الآمِرُ اللَّهَ، أمِ الَّذِي اسْتَنْبَأهُ اللَّهُ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُخاطَبِينَ كانُوا مُسْلِمِينَ، ودَلالَةٌ عَلى أنَّ الكُفْرَ مِلَّةٌ واحِدَةٌ؛ إذِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا المَلائِكَةَ أرْبابًا ثُمَّ الصّابِئَةَ وعَبَدَةَ الأوْثانِ، والَّذِينَ اتَّخَذُوا النَّبِيِّينَ أرْبابًا هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى والمَجُوسُ، ومَعَ هَذا الِاخْتِلافِ سَمّى اللَّهُ الجَمِيعَ كُفْرًا. و”بَعْدَ“: يَنْتَصِبُ بِالكُفْرِ، أوْ: بِـ ”يَأْمُرَكم“، و”إذْ“، مُضافَةٌ لِلْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ كَقَوْلِهِ: (p-٥٠٨)﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ [الأنفال: ٢٦] وأُضِيفَ إلَيْها: بَعْدَ، ولا يُضافُ إلَيْها إلّا ظَرْفُ زَمانٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences