Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:87–92
3:87–91Page 61
أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُمۡ أَنَّ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةَ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ٨٧
Those - their recompense will be that upon them is the curse of Allāh and the angels and the people, all together,
خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٨٨
Abiding eternally therein. The punishment will not be lightened for them, nor will they be reprieved,
إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ٨٩
Except for those who repent after that1 and correct themselves. For indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡدَ إِيمَٰنِهِمۡ ثُمَّ ٱزۡدَادُواْ كُفۡرٗا لَّن تُقۡبَلَ تَوۡبَتُهُمۡ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ ٩٠
Indeed, those who disbelieve [i.e., reject the message] after their belief and then increase in disbelief - never will their [claimed] repentance be accepted, and they are the ones astray.
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٞ فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡ أَحَدِهِم مِّلۡءُ ٱلۡأَرۡضِ ذَهَبٗا وَلَوِ ٱفۡتَدَىٰ بِهِۦٓۗ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٩١
Indeed, those who disbelieve and die while they are disbelievers - never would the [whole] capacity of the earth in gold be accepted from one of them if he would [seek to] ransom himself with it. For those there will be a painful punishment, and they will have no helpers.
﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ. وتَوْجِيهُ قِراءَةِ الحَسَنِ: والنّاسُ أجْمَعُونَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ، إلّا أنَّ هُنا ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهُمْ﴾ أيْ: جَزاءُ كُفْرِهِمْ، وهُناكَ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦١]؛ لِأنَّ هُناكَ جاءَ الإخْبارُ عَنْ مَن ماتَ كافِرًا، فَلِذَلِكَ تَحَتَّمَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِمْ، وهُنا لَيْسَ كَذَلِكَ، ألا تَرى إلى سَبَبِ النُّزُولِ ؟ وأنَّ أكْثَرَ الأقْوالِ أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ ارْتَدُّوا ثُمَّ راجَعُوا الإسْلامَ ؟ ولِذَلِكَ جاءَ الِاسْتِثْناءُ وهو قَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ (p-٥١٩)أيْ: مِن بَعْدِ ذَلِكَ الكُفْرِ العَظِيمِ.
(وأصْلَحُوا) أيْ: ما أفْسَدُوا، أوْ: دَخَلُوا في الصَّلاحِ، كَما تَقُولُ: أمْسى زَيْدٌ أيْ: دَخَلَ في المَساءِ. وقِيلَ: مَعْنى أصْلَحُوا: أظْهَرُوا أنَّهم كانُوا عَلى ضَلالٍ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ في البَقَرَةِ في قَوْلِهِ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] .
﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ غَفُورٌ أيْ لِكُفْرِهِمْ، رَحِيمٌ لِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ، وهُما صِيغَتا مُبالَغَةٍ دالَّتانِ عَلى سَعَةِ رَحْمَتِهِ.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ نَزَلَتْ في اليَهُودِ، كَفَرُوا بِ عِيسى وبِالإنْجِيلِ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِأنْبِيائِهِمْ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِنَعْتِهِ، قالَهُ قَتادَةُ، والحَسَنُ. وقِيلَ: في اليَهُودِ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ إيمانِهِمْ بِصِفاتِهِ، وإقْرارِهِمْ أنَّها في التَّوْراةِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِالذُّنُوبِ الَّتِي أصابُوها في خِلافِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الِافْتِراءِ، والبُهْتِ، والسَّعْيِ عَلى الإسْلامِ قالَهُ أبُو العالِيَةِ. أوْ مَعْنى: ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا، تُمُّوا عَلى كُفْرِهِمْ، وبَلَغُوا المَوْتَ بِهِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ اليَهُودُ، والمُرْتَدُّونَ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقالَ نَحْوَهُ السُّدِّيُّ. وقِيلَ: نَزَلَتْ فِيمَن ماتَ عَلى الكُفْرِ مِن أصْحابِ الحَرْثِ بْنِ سُوَيْدٍ، فَإنَّهم قالُوا: نُقِيمُ بِبَكَّةَ ونَتَرَبَّصُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ رَيْبَ المَنُونِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
ويُفَسَّرُ بِهَذِهِ الأقْوالِ مَعْنى ازْدِيادِ الكُفْرِ، وهو بِحَسَبِ مُتَعَلِّقاتِهِ، إذِ الإيمانُ والكُفْرُ في التَّحْقِيقِ لا يَزْدادانِ ولا يَنْقُصانِ، وإنَّما تَحْصُلُ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ لِلْمُتَعَلِّقاتِ، فَيُنْسَبُ ذَلِكَ إلَيْهِما عَلى سَبِيلِ المَجازِ. وازْدادُوا: افْتَعَلُوا، مِنَ الزِّيادَةِ، وانْتِصابُ ”كُفْرًا“ عَلى التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ، المَعْنى: ثُمَّ ازْدادَ كَفْرُهم، والدّالُ الأُولى بَدَلٌ مِن تاءِ الِافْتِعالِ.
ويُحْتَمَلُ قَوْلُهُ ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَكُونُ مِنهم تَوْبَةٌ، ولا تُقْبَلُ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ تَوْبَةَ كُلِّ كافِرٍ تُقْبَلُ سَواءٌ كَفَرَ بَعْدَ إيمانٍ، وازْدادَ كُفْرًا، أمْ كانَ كافِرًا أوَّلَ مَرَّةٍ. فاحْتِيجَ في ذَلِكَ إلى تَخْصِيصٍ، فَقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ: نَفْيُ تَوْبَتِهِمْ مُخْتَصٌّ بِالحَشْرَجَةِ والغَرْغَرَةِ والمُعايَنَةِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ [النساء: ١٨] الآيَةَ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي أصابُوها مَعَ إقامَتِهِمْ عَلى الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾؛ لِأنَّها تَوْبَةٌ غَيْرُ خالِصَةٍ، إذْ هم مُرْتَدُّونَ، وعَزَمُوا عَلى إظْهارِ التَّوْبَةِ؛ لِسَتْرِ أحْوالِهِمْ وفي ضَمائِرِهِمُ الكُفْرُ. وقالَ مُجاهِدٌ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم بَعْدَ المَوْتِ إذا ماتُوا عَلى الكُفْرِ. وقِيلَ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمُ الَّتِي تابُوها قَبْلَ أنْ كَفَرُوا؛ لِأنَّ الكُفْرَ قَدْ أحْبَطَها. وقِيلَ: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم إذا تابُوا مِن كُفْرٍ إلى كُفْرٍ، وإنَّما تُقْبَلُ إذا تابُوا إلى الإسْلامِ. وفاصِلُ هَذا التَّخْصِيصِ أنَّهُ تَخْصِيصٌ بِالزَّمانِ، أوْ يُوصَفُ في التَّوْبَةِ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا تَوْبَةَ لَهم فَتُقْبَلَ، فَنَفى القَبُولَ، والمُرادُ نَفْيُ التَّوْبَةِ فَيَكُونُ مِن بابِ قَوْلِهِ.
عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى لِمَنارِهِ
أيْ: لا مَنارَ لَهُ فَيُهْتَدى بِهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ في قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ، حَتَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ أيْ: لَيْسَتْ لَهم تَوْبَةٌ، فَهم لا مَحالَةَ يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ. وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ. ولَمْ تُدْخُلِ الفاءُ في ”لَنْ تُقْبَلَ“ هُنا، ودَخَلَتْ في ”فَلَنْ تُقْبَلَ“؛ لِأنَّ الفاءَ مُؤْذِنَةٌ بِالِاسْتِحْقاقِ بِالوَصْفِ السّابِقِ، وهُناكَ قالَ: وماتُوا وهم كُفّارٌ، وهُنا لَمْ يُصَرِّحْ بِهَذا القَيْدِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) فَحِينَ كانَ مَعْنى: ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ بِمَعْنى المَوْتِ عَلى الكُفْرِ فَهَلّا جُعِلَ المَوْتُ عَلى الكُفْرِ مُسَبَّبًا عَنِ ارْتِدادِهِمْ، وازْدِيادِهِمُ الكُفْرَ لِما في ذَلِكَ مِن قَساوَةِ القُلُوبِ، ورُكُوبِ الرَّيْنِ، وجَرِّهِ إلى المَوْتِ عَلى الكُفْرِ ؟ .
قُلْتُ: لِأنَّهُ كَمْ مِن مُرْتَدٍ ازْدادَ الكُفْرَ يَرْجِعُ إلى الإسْلامِ، ولا يَمُوتُ عَلى الكُفْرِ ؟ . فَإنْ قُلْتَ: فَأيُّ فائِدَةٍ في هَذِهِ الكِنايَةِ: أعْنِي إنْ كَنّى عَنِ المَوْتِ عَلى الكُفْرِ بِامْتِناعِ قَبُولِ التَّوْبَةِ ؟ . (قُلْتُ) الفائِدَةُ فِيها جَلِيلَةٌ، وهي التَّغْلِيظُ في شَأْنِ أُولَئِكَ الفَرِيقِ مِنَ الكُفّارِ، وإبْرازِ حالِهِمْ (p-٥٢٠)فِي صُورَةِ حالِ الآيِسِينَ مِنَ الرَّحْمَةِ الَّتِي هي أغْلَظُ الأحْوالِ، وأشَدُّها. ألا تَرى أنَّ المَوْتَ عَلى الكُفْرِ إنَّما يُخافُ مِن أجْلِ اليَأْسِ مِنَ الرَّحْمَةِ ؟ انْتَهى كَلامُهُ.
وقَرَأ عِكْرِمَةُ: لَنْ نَقْبَلَ بِالنُّونِ تَوْبَتَهم بِالنَّصْبِ، والضّالُّونَ: المُخْطِئُونَ طَرِيقَ الحَقِّ والنَّجاةِ في الآخِرَةِ، أوِ: الهالِكُونَ؛ مِن ضَلَّ اللَّبَنُ في الماءِ إذا صارَ هالِكًا. والواوُ في: وأُولَئِكَ لِلْعَطْفِ إمّا عَلى خَبَرِ إنَّ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وإمّا عَلى الجُمْلَةِ مِن إنَّ ومَطْلُوبَيْها، فَلا يَكُونُ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ.
وذَكَرَ الرّاغِبُ قَوْلًا: إنَّ الواوَ في وأُولَئِكَ واوُ الحالِ، والمَعْنى: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم مِنَ الذُّنُوبِ في حالِ أنَّهم ضالُّونَ، فالتَّوْبَةُ والضَّلالُ مُتَنافِيانِ لا يَجْتَمِعانِ انْتَهى هَذا القَوْلُ. ويَنْبُو عَنْ هَذا المَعْنى هَذا التَّرْكِيبُ، إذْ لَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى لَمْ يُؤْتَ بِاسْمِ الإشارَةِ، ويَجُوزُ في هُمُ الفَصْلُ، والِابْتِداءُ، والبَدَلُ.
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ قَرَأ عِكْرِمَةُ: فَلَنْ نَقْبَلَ بِالنُّونِ ومِلْءَ بِالنَّصْبِ. وقُرِئَ: فَلَنْ يَقْبَلَ بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ فَلَنْ يَقْبَلَ اللَّهُ. ومِلْءَ بِالنَّصْبِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو السَّمّالِ: مِلَّ الأرْضِ، بِدُونِ هَمْزٍ. ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ، ووَجْهُهُ، أنَّهُ نَقَلَ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ إلى السّاكِنِ قَبْلُ، وهو اللّامُ، وحُذِفَتِ الهَمْزَةُ، وهو قِياسٌ في كُلِّ ما كانَ نَحْوَ هَذا، وأتى بِلَفْظِ أحَدِهِمْ، ولَمْ يَأْتِ بِلَفْظِ مِنهم؛ لِأنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ وأنَصُّ في المَقْصُودِ، إذْ كانَ مِنهم يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِقَيْدِ الجَمِيعِ. وانْتِصابُ ذَهَبًا عَلى التَّمْيِيزِ، وفي ناصِبِ التَّمْيِيزِ خِلافٌ، وسَمّاهُ الفَرّاءُ تَفْسِيرًا؛ لِأنَّ المِقْدارَ مَعْلُومٌ، والمُقَدَّرُ بِهِ مُجْمَلٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: نُصِبَ عَلى إضْمارِ ”مِن“ أيْ: مِن ذَهَبٍ كَقَوْلِهِ: ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ [المائدة: ٩٥] أيْ مِن صِيامٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ: ذَهَبٌ، بِالرَّفْعِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: رَدٌّ عَلى ”مِلْءَ“ كَما يُقالُ: عِنْدِي عِشْرُونَ نَفْسًا رِجالٌ انْتَهى. ويَعْنِي بِالرَّدِّ البَدَلَ، ويَكُونُ مِن بَدَلِ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ؛ لِأنَّ مِلْءَ الأرْضِ مَعْرِفَةٌ، ولِذَلِكَ ضَبَطَ الحُذّاقُ قَوْلَهُ: «لَكَ الحَمْدُ مِلْءُ السَّماواتِ والأرْضِ» بِالرَّفْعِ عَلى الصِّفَةِ لِلْحَمْدِ، واسْتَعَفُّوا نَصْبَهُ عَلى الحالِ لِكَوْنِهِ مَعْرِفَةً.
﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ قَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: لَوِ افْتَدى بِهِ دُونَ واوٍ، ولَوْ هُنا هي بِمَعْنى إنِ الشَّرْطِيَّةِ لا لَوِ الَّتِي هي لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ؛ لِأنَّ لَوْ هُنا مُعَلَّقَةٌ بِالمُسْتَقْبَلِ، وهو: فَلَنْ يُقْبَلَ، وتِلْكَ مُعَلَّقَةٌ بِالماضِي. فَأمّا قِراءَةُ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ فَإنَّهُ جَعَلَ الِافْتِداءَ شَرْطًا في عَدَمِ القَبُولِ فَلَمْ يَتَعَمَّمْ نَفْيُ وُجُودِ القَبُولِ، وأمّا قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالواوِ فَقِيلَ: الواوُ زائِدَةٌ، وهو ضَعِيفٌ، ويَكُونُ المَعْنى إذْ ذاكَ مَعْنى قِراءَةِ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ. وقِيلَ: لَيْسَتْ بِزائِدَةٍ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ ؟ قُلْتُ: هو كَلامٌ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ فِدْيَةٌ، ولَوِ افْتَدى بِمِلْءِ (p-٥٢١)الأرْضِ ذَهَبًا انْتَهى. وهَذا المَعْنى يَنْبُو عَنْهُ هَذا التَّرْكِيبُ ولا يَحْتَمِلُهُ، والَّذِي يَقْتَضِيهِ هَذا التَّرْكِيبُ، ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّ مَن ماتَ كافِرًا لا يُقْبَلَ مِنهُ ما يَمْلَأُ الأرْضَ مَن ذَهَبٍ عَلى كُلِّ حالٍ يَقْصِدُها، ولَوْ في حالَةِ الِافْتِداءِ بِهِ مِنَ العَذابِ؛ لِأنَّ حالَةَ الِافْتِداءِ هي حالٌ لا يَمْتَنَّ فِيها المُفْتَدِي عَلى المُفْتَدى مِنهُ، إذْ هي حالَةُ قَهْرٍ مِنَ المُفْتَدى مِنهُ لِلْمُفْتَدِي، وقَدْ قَرَّرْنا في نَحْوِ هَذا التَّرْكِيبِ أنَّ: ”لَوْ“ تَأْتِي مُنَبِّهَةً عَلى أنَّ ما قَبْلَها جاءَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِقْصاءِ، وما بَعْدَها جاءَ تَنْصِيصًا عَلى الحالَةِ الَّتِي يُظَنُّ أنَّها لا تَنْدَرِجُ فِيما قَبْلَها، كَقَوْلِهِ: «أعْطُوا السّائِلَ ولَوْ جاءَ عَلى فَرَسٍ، ورُدُّوا السّائِلَ ولَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ» كَأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ مِمّا كانَ لا يَنْبَغِي أنْ يُؤْتى بِها؛ لِأنَّ كَوْنَ السّائِلِ عَلى فَرَسٍ يَشْعُرُ بِغِناهُ، فَلا يُناسِبُ أنْ يُقْبَلَ مِنهُ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا لَكِنَّهُ لا يُقْبَلُ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧] لِأنَّهم نَفَوْا أنْ يُصَدِّقَهم عَلى كُلِّ حالٍ، حَتّى في حالَةِ صِدْقِهِمْ، وهي الحالَةُ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ يُصَدَّقُوا فِيها. فَلَفَظُ: ”ولَوْ“ هُنا لِتَعْمِيمِ النَّفْيِ، والتَّأْكِيدِ لَهُ. وقَدْ ذَكَرْنا فائِدَةَ مَجِيئِها. وذَهَبَ الزَّجّاجُ إلى أنَّ المَعْنى: لَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ إنْفاقُهُ وتَقَرُّباتُهُ في الدُّنْيا، ولَوْ أنْفَقَ مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا، ولَوِ افْتَدى أيْضًا بِهِ في الآخِرَةِ لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ. قالَ: فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّهُ لا يُثِيبُهم عَلى أعْمالِهِمْ مِنَ الخَيْرِ، ولا يَقْبَلَ مِنهُمُ الِافْتِداءَ مِنَ العَذابِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا كانَ قَدْ تَصَدَّقَ بِهِ، ولَوِ افْتَدى بِهِ أيْضًا لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ انْتَهى. وهَذا مَعْنى قَوْلِ الزَّجّاجِ إلّا أنَّهُ لَمْ يُقَيِّدِ الِافْتِداءَ بِالآخِرَةِ. وحَكى صاحِبُ (رَيِّ الظَّمْآنِ)، وغَيْرُهُ عَنِ الزَّجّاجِ أنَّهُ قالَ: مَعْنى الآيَةِ: لَوِ افْتَدى بِهِ في الدُّنْيا مَعَ إقامَتِهِ عَلى الكُفْرِ لَنْ يُقْبَلَ مِنهُ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ انْتِفاءَ القَبُولِ، ولَوْ عَلى سَبِيلِ الفِدْيَةِ، إنَّما يَكُونُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ. وبَيَّنَهُ ما ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أنَسٍ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «يُحاسَبُ الكافِرُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُقالُ لَهُ: أرَأيْتَ لَوْ كانَ لَكَ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا أكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقالُ لَهُ: قَدْ كُنْتَ سُئِلْتَ أيْسَرَ مِن ذَلِكَ» . وهَذا الحَدِيثُ يُبَيِّنُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ (p-٥٢٢)هُوَ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، والتَّقْدِيرِ أيْ: لَوْ أنَّ الكافِرَ قَدَرَ عَلى أعَزِّ الأشْياءِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلى بَذْلِهِ، لَعَجَزَ أنْ يَتَوَسَّلَ بِذَلِكَ إلى تَخْلِيصِ نَفْسِهِ مِن عَذابِ اللَّهِ. والمَعْنى: أنَّهم آيِسُونَ مِن تَخْلِيصِ أنْفُسِهِمْ مِنَ العَذابِ. فَهو نَظِيرُ ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٧] ونَظِيرُ ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي﴾ [المعارج: ١١] الآيَتَيْنِ، وعَلى هَذا يَبْعُدُ ما قالَهُ الزَّجّاجُ مِن أنْ يَكُونَ المَعْنى: أنَّهم لَوْ أنْفَقُوا في الدُّنْيا مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الطّاعَةَ مَعَ الكُفْرِ لا تَكُونُ مَقْبُولَةً.
وافْتَدى: افْتَعَلَ مِنَ الفِدْيَةِ. قِيلَ: وهو بِمَعْنى فَعَلَ، كَشَوى واشْتَوى، ومَفْعُولُهُ مَحْذُوفٌ، ويَحْتاجُ في تَعْدِيَةِ افْتَدى إلى سَماعٍ مِنَ العَرَبِ، والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى مِلْءِ الأرْضِ، وهو مِقْدارُ ما يَمْلَؤُها، ويُوجَدُ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ أنَّهُ عائِدٌ عَلى المِلْءِ، أوْ عَلى الذَّهَبِ. فَقِيلَ عَلى الذَّهَبِ غَلَطٌ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ولَوِ افْتَدى بِمِثْلِهِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ﴾ [الزمر: ٤٧] والمِثْلُ يُحْذَفُ كَثِيرًا في كَلامِهِمْ، كَقَوْلِكَ: ضَرَبْتُ ضَرْبَ زَيْدٍ، تُرِيدُ: مِثْلَ ضَرْبِهِ، وأبُو يُوسُفَ أبُو حَنِيفَةَ تُرِيدُ مِثْلَهُ.
؎ولا هَيْثَمَ اللَّيْلَةَ لِلْمَطِيِّ
وقَضِيَّةُ ولا أبا حَسَنٍ لَها، تُرِيدُ ولا هَيْثَمَ، ولا مِثْلَ أبِي حَسَنٍ، كَما أنَّهُ يُرادُ في نَحْوِ قَوْلِهِمْ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ كَذا، تُرِيدُ: أنْتَ وذَلِكَ أنَّ المِثْلَيْنِ يَسُدُّ أحَدُهُما مَسَدَّ الآخَرِ، فَكانا في حُكْمِ شَيْءٍ واحِدٍ؛ انْتَهى كَلامُهُ. ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ ”مِثْلَ“ في قَوْلِهِ ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ وكانَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَخَيَّلَ أنَّ ما نُفِيَ أنْ يُقْبَلَ لا يُمْكِنُ أنْ يُفْتَدى بِهِ، فاحْتاجَ إلى إضْمارِ ”مِثْلَ“ حَتّى يُغايِرَ بَيْنَ ما نُفِيَ قَبُولُهُ، وبَيْنَ ما يُفْتَدى بِهِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كَما ذَكَرْناهُ هو عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، والتَّقْدِيرُ: إذْ لا يُمْكِنُ عادَةً أنَّ أحَدًا يَمْلِكُ مِلْءَ الأرْضِ ذَهَبًا بِحَيْثُ لَوْ بَذَلَهُ عَلى أيِّ جِهَةٍ بَذْلُهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنهُ، بَلْ لَوْ كانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْدِيرِ ”مِثْلَ“، لِأنَّهُ نَفى قَبُولَهُ حَتّى في حالَةِ الِافْتِداءِ، ولَيْسَ ما قُدِّرَ في الآيَةِ نَظِيرَ ما مَثَّلَ بِهِ؛ لِأنَّ هَذا التَّقْدِيرَ لا يَحْتاجُ إلَيْهِ، ولا مَعْنى لَهُ، ولا في اللَّفْظِ ولا المَعْنى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَلا يُقَدَّرُ. وأمّا فِيما مَثَّلَ بِهِ مِن: ضَرَبْتُ ضَرْبَ زَيْدٍ، وأبُو يُوسُفَ أبُو حَنِيفَةَ، فَبِضَرُورَةِ العَقْلِ نَعْلَمُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ: ”مِثْلَ“، إذْ ضَرْبُكَ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ضَرْبُ زَيْدٍ، وذاتُ أبِي يُوسُفَ يَسْتَحِيلُ أنْ تَكُونَ ذاتَ أبِي حَنِيفَةَ. وأمّا:
؎لا هَيْثَمَ اللَّيْلَةَ لِلْمَطِيِّ
يَدُلُّ عَلى حَذْفٍ، مِثْلَ ما تَقَرَّرَ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ أنَّ لا الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ لا تَدْخُلُ عَلى الأعْلامِ فَتُؤَثِّرُ فِيها، فاحْتاجَ إلى إضْمارِ ”مِثْلَ“ لِتَبْقى عَلى ما تَقَرَّرَ فِيها، إذْ تَقَرَّرَ أنَّها لا تَعْمَلُ إلّا في الجِنْسِ؛ لِأنَّ العَلَمِيَّةَ تُنافِي عُمُومَ الجِنْسِ. وأمّا قَوْلُهُ: كَما أنْ يُزادَ في: مِثْلِكَ لا يَفْعَلُ كَذا، تُرِيدُ أنْتَ، فَهَذا قَوْلٌ قَدْ قِيلَ، ولَكِنَّ المُخْتارَ عِنْدَ حُذّاقُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ الأسْماءَ لا تُزادُ، ولِتَقْرِيرِ أنَّ مِثْلَكَ لا يَفْعَلُ كَذا، لَيْسَتْ فِيهِ ”مِثْلَ“ زائِدَةً مَكانَ غَيْرِ هَذا.
﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ هَذا إخْبارٌ ثانٍ عَمَّنْ ماتَ، وهو كافِرٌ لَمّا بَيَّنَ تَعالى في الإخْبارِ الأوَّلِ أنَّهُ لا يُقْبَلُ مِنهُ شَيْءٌ حَتّى يُخَلِّصَ بِهِ نَفْسَهُ، بَيَّنَ في هَذا الإخْبارِ ما لَهُ مِنَ العَذابِ المَوْصُوفِ بِالمُبالَغَةِ في الآلامِ لَهُ، إذِ الِافْتِداءُ وبَذْلُ الأمْوالِ إنَّما يَكُونُ لِما يَلْحَقُ المُفْتَدِيَ مِنَ الآلامِ حَتّى يَبْذُلَ في الخَلاصِ مِن ذَلِكَ أعَزَّ الأشْياءِ. كَما قالَ: ﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ﴾ [المعارج: ١١] الآيَةَ، وارْتِفاعُ ”عَذابٌ“ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ بِالجارِّ والمَجْرُورِ قَبْلَهُ؛ لِأنَّهُ قَدِ اعْتَمَدَ عَلى أُولَئِكَ، لِكَوْنِهِ خَبَرًا عَنْهُ، ويَجُوزُ ارْتِفاعُهُ عَلى الِابْتِداءِ.
﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وهَذا إخْبارٌ ثالِثٌ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا خَلاصَ لَهُ مِنَ العَذابِ بِبَذْلِ المالِ، بَيَّنَ أيْضًا أنَّهُ لا خَلاصَ لَهُ مِنهُ بِسَبَبِ النُّصْرَةِ، وانْدَرَجَ فِيها النُّصْرَةُ بِالمُغالَبَةِ، والنُّصْرَةُ بِالشَّفاعَةِ.
وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن أصْنافِ البَدِيعِ الطِّباقَ في قَوْلِهِ: طَوْعًا وكَرْهًا، وفي: كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ، في مَوْضِعَيْنِ. والتَّكْرارَ في: يَهْدِي ولا يَهْدِي، وفي: كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ، والتَّجْنِيسَ المُغايِرَ: في كَفَرُوا وكَفَرُوا. والتَّأْكِيدُ بِلَفْظٍ هم في (p-٥٢٣)قَوْلِهِ: وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ، قِيلَ: والتَّشْبِيهَ في: ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا، شَبَّهَ تَمادِيَهم عَلى كُفْرِهِمْ وإجْرامِهِمْ بِالأجْرامِ الَّتِي يُزادُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وهو مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ، والعُدُولَ مِن مِفْعَلٍ إلى فَعِيلٍ، في: عَذابٌ ألِيمٌ، لِما في فَعِيلٍ مِنَ المُبالَغَةِ. والحَذْفَ في مَواضِعَ.
3:92Page 62
لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ ٩٢
Never will you attain the good [reward]1 until you spend [in the way of Allāh] from that which you love. And whatever you spend - indeed, Allāh is Knowing of it.
﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣] ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [آل عمران: ٩٤] ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٩٥] ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦] ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٨] ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وأنْتُمْ شُهَداءُ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٩] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٠] ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ ومَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١] .
النَّيْلُ: لُحُوقُ الشَّيْءِ وإدْراكُهُ، الفِعْلُ مِنهُ: نالَ يَنالُ. قِيلَ: والنَّيْلُ العَطِيَّةُ.
الوَضْعُ: الإلْقاءُ. وضَعَ الشَّيْءَ ألْقاهُ، ووَضَعَتْ ما في بَطْنِها ألْقَتْهُ، والفِعْلُ: وضَعَ يَضَعُ وضْعًا وضِعَةً، والمَوْضِعُ: مَحَلُّ إلْقاءِ الشَّيْءِ. وفُلانٌ يَضَعُ الحَدِيثَ أيْ: يُلْقِيهِ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ مِن غَيْرِ نَقْلٍ، يَخْتَلِقُهُ.
بَكَّةُ: مُرادِفٌ لِمَكَّةَ قالَهُ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ. والعَرَبُ تُعاقِبُ بَيْنَ الباءِ والمِيمِ قالُوا: لازِمٌ وراتِمٌ والنُّمَيْطُ، وبِالباءِ فِيها. وقِيلَ: اسْمٌ لِبَطْنِ مَكَّةَ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. وقِيلَ: اسْمٌ لِمَكانِ البَيْتِ، قالَهُ النَّخَعِيُّ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلْمَسْجِدِ خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ شِهابٍ. قِيلَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ البَكَّ هو دَفْعُ النّاسِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وازْدِحامُهم، وهَذا إنَّما يَحْصُلُ في المَسْجِدِ عِنْدَ الطَّوافِ لا في سائِرِ المَواضِعِ، وسَيَأْتِي الكَلامُ عَلى لَفْظِ مَكَّةَ إنْ شاءَ اللَّهُ. البَرَكَةُ: الزِّيادَةُ، والفِعْلُ مِنهُ: بارَكَ، وهو مُتَعَدٍّ، ومِنهُ ﴿أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ﴾ [النمل: ٨] ويُضَمَّنُ مَعْنى ما تَعَدّى بِـ ”عَلى“، لِقَوْلِهِ: «وبارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ»، وتَبارَكَ: لازِمٌ.
العِوَجُ: المَيْلُ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: في الدِّينِ والكَلامِ والعَمَلِ، وبِالفَتْحِ في الحائِطِ والجِذْعِ. وقالَ الزَّجّاجُ بِمَعْناهُ. قالَ: فِيما لا نَرى لَهُ شَخْصًا، وبِالفَتْحِ فِيما لَهُ شَخْصٌ. قالَ ابْنُ فارِسٍ: بِالفَتْحِ في كُلِّ مُنْتَصِبٍ كالحائِطِ. والعِوَجُ: ما كانَ في بِساطٍ، أوْ دِينٍ، أوْ أرْضٍ، أوْ مَعاشٍ.
العَصْمُ: المَنعُ، واعْتَصَمَ واسْتَعْصَمَ: امْتَنَعَ، واعْتَصَمْتُ فُلانًا هَيَّأْتُ لَهُ ما يَعْتَصِمُ بِهِ، وكُلُّ مُتَمَسِّكٍ بِشَيْءٍ مُعْتَصِمٌ، وكُلُّ مانِعِ شَيْءٍ عاصِمٌ، ويَرْجِعُ لِهَذا المَعْنى الأعْصَمُ، والمِعْصَمُ، والعِصامُ. ويُسَمّى الخُبْزُ عاصِمًا لِأنَّهُ يَمْنَعُ مِنَ الجُوعِ.
﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها، هو أنَّهُ لَمّا أخْبَرَ عَمَّنْ ماتَ كافِرًا أنَّهُ لا يَقْبَلُ ما أنْفَقَ في الدُّنْيا، أوْ ما أحْضَرَهُ لِتَخْلِيصَ نَفْسِهِ في الآخِرَةِ عَلى الِاخْتِلافِ الَّذِي سَبَقَ، حَضَّ المُؤْمِنَ عَلى الصَّدَقَةِ، وبَيَّنَ أنَّهُ لَنْ يُدْرِكَ البِرَّ حَتّى يُنْفِقَ مِمّا يُحِبُّ. والبِرُّ هُنا، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ، وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ: البِرُّ الجَنَّةُ. وقالَ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ: الصَّدَقَةُ المَفْرُوضَةُ. وقالَ أبُو رَوْقٍ: الخَيْرُ كُلُّهُ. وقِيلَ: الصِّدْقُ. وقِيلَ: أشْرَفُ الدِّينِ، قالَهُ عَطاءٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الطّاعَةُ. وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: التَّقْوى. وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما تُقُرِّبَ بِهِ إلى اللَّهِ مِن عَمَلٍ خَيْرٍ. وقالَ مَعْناهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ أبُو مُسْلِمٍ: ولَهُ مَواضِعُ، فَيُقالُ: الصِّدْقُ البِرُّ، ومِنهُ: صَدَقْتَ وبَرَرْتَ، وكِرامٌ بَرَرَةٌ، والإحْسانُ: ومِنهُ بَرَرْتُ والِدَيَّ، واللُّطْفُ والتَّعاهُدُ ومِنهُ: يَبِرُّ أصْحابَهُ إذا كانَ يَزُورُهم ويَتَعاهَدُهم، والهِبَةُ والصَّدَقَةُ: بَرَّهُ بِكَذا إذا وهَبَهُ لَهُ.
وقالَ: ويُحْتَمَلُ لَنْ تَنالُوا بِرَّ اللَّهِ بِكم أيْ: رَحْمَتَهُ ولُطْفَهُ انْتَهى. وهو قَوْلُ أبِي بَكْرٍ (p-٥٢٤)الوَرّاقِ، قالَ: مَعْنى الآيَةِ لَنْ تَنالُوا بِرِّي بِكم إلّا بِبِرِّكم بِإخْوانِكم، والإنْفاقِ عَلَيْهِمْ مِن أمْوالِكم وجاهِكم. ورَوى نَحْوَهُ عَلِيُّ بْنُ جَرِيرٍ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لَنْ تَنالُوا دَرَجَةَ الكَمالِ مِن فِعْلِ البِرِّ حَتّى تَكُونُوا أبْرارًا إلّا بِالإنْفاقِ المُضافِ إلى سائِرِ أعْمالِكم، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ البِرِّ في قَوْلِهِ: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ﴾ [البقرة: ٤٤] ولَكِنْ فَعَلْنا ما قالَ النّاسُ في خُصُوصِيَّةِ هَذا المَوْضِعِ.
و”مَن“ في: مِمّا تُحِبُّونَ لِلتَّبْعِيضِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: حَتّى تُنْفِقُوا بَعْضَ ما تُحِبُّونَ. و”ما“ مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ. والظّاهِرُ أنَّ المَحَبَّةَ هُنا هو مَيْلُ النَّفْسِ وتَعَلُّقُها التَّعَلُّقَ التّامَّ بِالمُنْفِقِ، فَيَكُونُ إخْراجُهُ عَلى النَّفْسِ أشَقَّ وأصْعَبَ مِن إخْراجِ ما لا تَتَعَلَّقُ بِهِ النَّفْسُ ذَلِكَ التَّعَلُّقَ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ الحَسَنُ، والضَّحّاكُ بِأنَّهُ مَحْبُوبُ المالِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] لِذَلِكَ ما رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ أنَّهم لِهَذِهِ الآيَةِ تَصَدَّقُوا بِأحَبِّ شَيْءٍ إلَيْهِمْ، فَتَصَدَّقَ أبُو طَلْحَةَ بِبَيْرَحاءَ، وتَصَدَّقَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بِفَرَسٍ لَهُ كانَ يُحِبُّها، وابْنُ عُمَرَ بِالسُّكَّرِ واللَّوْزِ؛ لِأنَّهُ كانَ يُحِبُّهُ، وأبُو ذَرٍّ بِفَحْلِ خَيْرِ إبِلِهِ وبِبُرْنُسٍ عَلى مَقْرُورٍ، وتَلا الآيَةَ، والرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمٍ بِالسُّكَّرِ لِحُبِّهِ لَهُ، وأعْتَقَ عُمَرُ جارِيَةً أعْجَبَتْهُ، وابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ جارِيَةً كانَتْ أعْجَبَ شَيْءٍ إلَيْهِ.
وقِيلَ: مَعْنى مِمّا تُحِبُّونَ، نَفائِسُ المالِ، وطِيِّبُهُ لا رَدِيئُهُ وخَبِيثُهُ. وقِيلَ: ما يَكُونُ مُحْتاجًا إلَيْهِ. وقِيلَ: كُلُّ شَيْءٍ يُنْفِقُهُ المُسْلِمُ مِن مالِهِ يَطْلُبُ بِهِ وجْهَ اللَّهِ.
ولَفْظَةُ ”تُحِبُّونَ“ تَنْبُوُ عَنْ هَذِهِ الأقْوالِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الإنْفاقَ هو في النَّدْبِ؛ لِأنَّ المُزَكِّيَ لا يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يُخْرِجَ أشْرَفَ أمْوالِهِ ولا أحَبَّها إلَيْهِ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ؛ لِأنَّ التَّرْغِيبَ في النَّدْبِ لِوَجْهِ اللَّهِ لا يُنافِي الزَّكاةَ. قالَ بَعْضُهم: وتَدُلُّ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ الكَلامَ يَصِيرُ شِعْرًا بِأشْياءَ مِنها: قَصْدُ المُتَكَلِّمِ إلى أنْ يَكُونَ شِعْرًا؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ عَلى وزْنِ بَيْتِ الرَّمَلِ، يُسَمّى المُجَزَّ والمُسَبَّعَ، وهو:
؎يا خَلِيلِيَّ ارْبَعا واسْتَخْبِرا لِـ مَنزِلِ الدّارِسِ عَنْ حَيِّ حَلال
؎رَسْمًا بِعُسْفانْ
ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ في القُرْآنِ شِعْرًا.
﴿وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences