Abu HayyanAr‑Rum · 30:33–45

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Ar-Rum 30:33–45

30:33–39Page 408

وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرّٞ دَعَوۡاْ رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيۡهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُم مِّنۡهُ رَحۡمَةً إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ ٣٣

And when adversity touches the people, they call upon their Lord, turning in repentance to Him. Then when He lets them taste mercy from Him, at once a party of them associate others with their Lord,

لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡۚ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٣٤

So that they will deny what We have granted them.1 Then enjoy yourselves, for you are going to know.

أَمۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِۦ يُشۡرِكُونَ ٣٥

Or have We sent down to them an authority [i.e., a proof or scripture], and it speaks of what they have been associating with Him?

وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ فَرِحُواْ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ إِذَا هُمۡ يَقۡنَطُونَ ٣٦

And when We let the people taste mercy, they rejoice therein, but if evil afflicts them for what their hands have put forth, immediately they despair.

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٣٧

Do they not see that Allāh extends provision for whom He wills and restricts [it]? Indeed in that are signs for a people who believe.

فَـَٔاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٣٨

So give the relative his right, as well as the needy and the traveler. That is best for those who desire the face [i.e., approval] of Allāh, and it is they who will be the successful.

وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن رِّبٗا لِّيَرۡبُوَاْ فِيٓ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ فَلَا يَرۡبُواْ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن زَكَوٰةٖ تُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُضۡعِفُونَ ٣٩

And whatever you give for interest [i.e., advantage] to increase within the wealth of people1 will not increase with Allāh. But what you give in zakāh,2 desiring the face [i.e., approval] of Allāh - those are the multipliers.3

(p-١٧٣)﴿وإذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿أمْ أنْزَلَنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا فَهو يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ ﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ .

الضُّرُّ: الشِّدَّةُ، مِن فَقْرٍ، أوْ مَرَضٍ، أوْ قَحْطٍ، أوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ والرَّحْمَةُ: الخَلاصُ مِن ذَلِكَ الضُّرِّ.

﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ﴾ أفْرَدُوهُ بِالتَّضَرُّعِ والدُّعاءِ لِيَنْجُوا مِن ذَلِكَ الضُّرِّ، وتَرَكُوا أصْنامَهم لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ لا يَكْشِفُ الضُّرَّ إلّا هو تَعالى، فَلَهم في ذَلِكَ الوَقْتِ إنابَةٌ وخُضُوعٌ، وإذا خَلَّصَهم مِن ذَلِكَ الضُّرِّ، أشْرَكَ فَرِيقٌ مِمَّنْ أخْلَصَ، وهَذا الفَرِيقُ هم عَبَدَةُ الأصْنامِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَلْحَقُ مِن هَذِهِ الألْفاظِ شَيْءٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، إذْ جاءَهم فَرَجٌ بَعْدَ شِدَّةٍ، عَلَّقُوا ذَلِكَ بِمَخْلُوقِينَ، أوْ بِحِذْقِ آرائِهِمْ، أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَفِيهِ قِلَّةُ شُكْرِ اللَّهِ، ويُسَمّى مَجازًا. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: يَقُولُ: تَخَلَّصْتُ بِسَبَبِ اتِّصالِ الكَوْكَبِ الفُلانِيِّ وسَبَبِ الصَّنَمِ الفُلانِيِّ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ لا يَعْتَقِدَ أنَّهُ يَخْلُصُ بِسَبَبِ فُلانٍ إذا كانَ ظاهِرًا، فَإنَّهُ شِرْكٌ خَفِيٌّ. انْتَهى. و(إذا فَرِيقٌ) جَوابُ ﴿إذا أذاقَهُمْ﴾ الأُولى شَرْطِيَّةٌ، والثّانِيَةُ لِلْمُفاجَأةِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ، وجاءَ هُنا (فَرِيقٌ)؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذا مَسَّ النّاسَ﴾ عامٌّ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، فَلا يُشْرِكُ إلّا الكافِرُ. و(ضُرٌّ) هَنا مُطْلَقٌ، وفي آخِرِ العَنْكَبُوتِ ﴿إذا هم يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] لِأنَّهُ في مَخْصُوصِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ عُبّادِ الأصْنامِ، والضُّرُّ هُناكَ مُعَيَّنٌ، وهو ما يُتَخَوَّفُ مِن رُكُوبِ البَحْرِ. (إذا هم) أيْ: رُكّابُ البَحْرِ عَبَدَةُ الأصْنامِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. واللّامُ في (لِيَكْفُرُوا) لامُ كَيْ، أوْ لامُ الأمْرِ لِلتَّهْدِيدِ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في آخِرِ العَنْكَبُوتِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ بِالتّاءِ فِيهِما. وقَرَأ أبُو العالِيَةِ: ”فَيُتَمَتَّعُوا“، بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وهو مَعْطُوفٌ عَلى (لِيَكْفُرُوا)، و”لَسَوْفَ يَعْلَمُونَ“ بِالياءِ عَلى التَّهْدِيدِ لَهم، وعَنِ أبِي العالِيَةِ ”فَيَتَمَتَّعُوا“ بِياءٍ قَبْلَ التّاءِ، عَطْفٌ أيْضًا عَلى (لِيَكْفُرُوا) أيْ: لِتَطُولَ أعْمارُهم عَلى الكُفْرِ؛ وعَنْهُ وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ: ”فَلْيَتَمَتَّعُوا“ . وقالَ هارُونُ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ”يَتَمَتَّعُوا“ .

﴿أمْ أنْزَلْنا﴾ أمْ: بِمَعْنى بَلْ، والهَمْزَةُ لِلْإضْرابِ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ، والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ عَنِ الحُجَّةِ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَوْبِيخٍ. والسُّلْطانُ: البُرْهانُ، مِن كِتابٍ أوْ نَحْوِهِ.

﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ﴾ أيْ: يُظْهِرُ مَذْهَبَهم ويَنْطِقُ بِشِرْكِهِمْ، والتَّكَلُّمُ مَجازٌ لِقَوْلِهِ: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ [الجاثية: ٢٩] . و”هو يَتَكَلَّمُ“: جَوابٌ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ ”أمْ“، كَأنَّهُ قالَ: بَلْ أنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطانًا، أيْ: بُرْهانًا شاهِدًا لَكم بِالشِّرْكِ، فَهو يَشْهَدُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ، وإنْ قُدِّرَ ”ذا سُلْطانٍ“، أيْ: مَلَكًا ذا بُرْهانٍ، كانَ التَّكَلُّمُ حَقِيقَةً.

(p-١٧٤)﴿وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً﴾ أيْ: نِعْمَةً، مِن مَطَرٍ، أوْ سِعَةٍ، أوْ صِحَّةٍ.

﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ أيْ: بَلاءٌ، مِن حَدَثٍ، أوْ ضِيقٍ، أوْ مَرَضٍ.

﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا﴾ المَعاصِي.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١] فَفي إصابَةِ الرَّحْمَةِ فَرِحُوا وذَهَلُوا عَنْ شُكْرِ مَن أسْداها إلَيْهِمْ، وفي إصابَةِ البَلاءِ قَنِطُوا ويَئِسُوا وذَهَلُوا عَنِ الصَّبْرِ، ونَسُوا ما أُنْعِمَ بِهِ عَلَيْهِمْ قَبْلَ إصابَةِ البَلاءِ. و(إذا هم) جَوابُ: (وإنْ تُصِبْهم) يَقُومُ مَقامَ الفاءِ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الواقِعَةِ جَوابًا لِلشَّرْطِ. وحِينَ ذَكَرَ إذاقَةَ الرَّحْمَةِ، لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَها، وهو زِيادَةُ الإحْسانِ والتَّفَضُّلِ. وحِينَ ذَكَرَ إصابَةَ السَّيِّئَةِ، ذَكَرَ سَبَبَها، وهو العِصْيانُ، لِيَتَحَقَّقَ بَدَلُهُ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى الأمْرَ الَّذِي مَنِ اعْتَبَرَهُ لَمْ يَيْئَسْ مِن رَوْحِ اللَّهِ، وهو أنَّهُ تَعالى هو الباسِطُ القابِضُ، فَيَنْبَغِي أنْ لا يَقْنِطَ، وأنْ يَتَلَقّى ما يَرِدُ مِن قِبَلِ اللَّهِ بِالصَّبْرِ في البَلاءِ، والشُّكْرِ في النَّعْماءِ، وأنْ يُقْلِعَ عَنِ المَعْصِيَةِ الَّتِي أصابَتْهُ السَّيِّئَةُ بِسَبَبِها، حَتّى تَعُودَ إلَيْهِ رَحْمَةُ رَبِّهِ.

ومُناسَبَةُ ﴿فَآتِ ذا القُرْبى﴾ لِما قَبْلَهُ: أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى هو الباسِطُ القابِضُ، وجَعَلَ في ذَلِكَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِ، ثُمَّ نَبَّهَ بِالإحْسانِ لِمَن بِهِ فاقَةٌ واحْتِياجٌ؛ لِأنَّ مِنَ الإيمانِ الشَّفَقَةَ عَلى خَلْقِ اللَّهِ، فَخاطَبَ مَن بَسَطَ لَهُ الرِّزْقَ بِأداءِ حَقِّ اللَّهِ مِنَ المالِ، وصَرْفِهِ إلى مَن يَقْرُبُ مِنهُ مِن حَجٍّ، وإلى غَيْرِهِ مِن مِسْكِينٍ وابْنِ سَبِيلٍ. وقالَ الحَسَنُ: هَذا خِطابٌ لِكُلِّ سامِعٍ بِصِلَةِ الرَّحِمِ ﴿والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ . وقِيلَ: لِلرَّسُولِ، عَلَيْهِ السَّلامُ. وذُو القُرْبى: بَنُو هاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ، يُعْطَوْنَ حُقُوقَهم مِنَ الغَنِيمَةِ والفَيْءِ. وقالَ الحَسَنُ: حَقُّ المِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ مِنَ الصَّدَقَةِ المُسَمّاةِ لَهُما. واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ بِهَذِهِ الآيَةِ في وُجُوبِ النَّفَقَةِ لِلْمَحارِمِ إذا كانُوا مُحْتاجِينَ عاجِزِينَ عَنِ الكَسْبِ. أثْبَتَ تَعالى لِذِي القُرْبى حَقًّا، ولِلْمِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ حَقَّهُما.

والسُّورَةُ مَكِّيَّةٌ، فالظّاهِرُ أنَّ الحَقَّ لَيْسَ الزَّكاةَ، وإنَّما يَصِيرُ حَقًّا بِجِهَةِ الإحْسانِ والمُواساةِ. ولِلِاهْتِمامِ بِذِي القُرْبى، قُدِّمَ عَلى المِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ؛ لِأنَّ بِرَّهُ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ. (ذَلِكَ) أيِ: الإيتاءُ (خَيْرٌ) أيْ: يُضاعَفُ لَهُمُ الأجْرُ في الآخِرَةِ، ويَنْمُو مالُهم في الدُّنْيا لِوَجْهِ اللَّهِ، أيِ: التَّقَرُّبُ إلى رِضا اللَّهِ لا يَضُرُّهُ. ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مَن يَتَصَرَّفُ في مالِهِ عَلى غَيْرِ الجِهَةِ المَرْضِيَّةِ فَقالَ؛ ﴿وما آتَيْتُمْ﴾ أكَلَةَ الرِّبا، لِيَزِيدَ ويَزْكُوَ في المالِ، فَلا يَزْكُو عِنْدَ اللَّهِ، ولا يُبارَكُ فِيهِ لِقَوْلِهِ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] . قالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في رِبا ثَقِيفٍ، كانُوا يَعْمَلُونَ بِالرِّبا، ويَعْمَلُهُ فِيهِمْ قُرَيْشٌ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وطاوُسٌ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في هِباتٍ، لِلثَّوابِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما جَرى مَجْراهُما مِمّا يُصْنَعُ لِلْمُجازاةِ، كالسِّلْمِ وغَيْرِهِ، فَهو وإنْ كانَ لا إثْمَ فِيهِ، فَلا أجْرَ فِيهِ ولا زِيادَةَ عِنْدَ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، والنَّخَعِيُّ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ يُعْطُونَ قَراباتِهِمْ وإخْوانَهم عَلى مَعْنى نَفْعِهِمْ وتَمْوِيلِهِمْ والتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ، ولِيَزِيدُوا في أمْوالِهِمْ عَلى جِهَةِ النَّفْعِ بِهِ، فَذَلِكَ النَّفْعُ لَهم. وقالَ الشَّعْبِيُّ قَرِيبًا مِن هَذا وهو: أنَّ ما خَدَمَ بِهِ الإنْسانُ غَيْرَهُ انْتَفَعَ بِهِ، فَذَلِكَ النَّفْعُ لَهم. وقالَ الشَّعْبِيُّ أيْضًا قَرِيبًا مِن هَذا وهو: أنْ لا يَرْبُوَ عِنْدَ اللَّهِ، والظّاهِرُ القَوْلُ الأوَّلُ، وهو النَّهْيُ عَنِ الرِّبا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وما آتَيْتُمْ﴾ الأوَّلُ بِمَدِّ الهَمْزَةِ، أيْ: وما أعْطَيْتُمْ؛ وابْنُ كَثِيرٍ: بِقَصْرِها، أيْ: وما جِئْتُمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيَرْبُوَ)، بِالياءِ وإسْنادِ الفِعْلِ إلى الرِّبا؛ وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والشَّعْبِيُّ، ونافِعٌ، وأبُو حَيْوَةَ: بِالتّاءِ مَضْمُومَةً، وإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِمْ. وقَرَأ أبُو مالِكٍ: ”لِيُرْبُوَها“، بِضَمِيرِ المُؤَنَّثِ.

والمُضَعَّفُ: ذُو أضْعافٍ في الأجْرِ. قالَ الفَرّاءُ: هم أصْحابُ المُضاعَفَةِ، كَما تَقُولُ: هو مُسَمَّنٌ، أيْ: صاحِبُ إبِلٍ سِمانٍ، ومُعَطَّشٌ: أيْ: صاحِبُ إبِلٍ عَطْشى. وقَرَأ أُبَيٌّ: ”المُضْعَفُونَ“ بِفَتْحِ العَيْنِ، اسْمَ مَفْعُولٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ﴾ التِفاتٌ حَسَنٌ، كَأنَّهُ قالَ لِمَلائِكَتِهِ وخَواصِّ خَلْقِهِ: فَأُولَئِكَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ بِصَدَقاتِهِمْ هُمُ المُضْعِفُونَ، والمَعْنى: المُضْعِفُونَ بِهِ بِدَلالَةِ أُولَئِكَ هُمُ المُضْعِفُونَ، والحَذْفُ لِما في الكَلامِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وهَذا أسْهَلُ مَأْخَذًا، والأوَّلُ أمْلَأُ بِالفائِدَةِ: انْتَهى. وإنَّما احْتاجَ إلى (p-١٧٥)تَقْدِيرِ ما قُدِّرَ؛ لِأنَّ اسْمَ الشَّرْطِ لَيْسَ بِظَرْفٍ، لا بُدَّ أنْ يَكُونَ في الجَوابِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَيْهِ يَتِمُّ بِهِ الرَّبْطُ.

30:40–45Page 408

ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ ثُمَّ رَزَقَكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡۖ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَفۡعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَيۡءٖۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٤٠

Allāh is the one who created you, then provided for you, then will cause you to die, and then will give you life. Are there any of your "partners" who does anything of that? Exalted is He and high above what they associate with Him.

ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٤١

Corruption has appeared throughout the land and sea by [reason of] what the hands of people have earned so He [i.e., Allāh] may let them taste part of [the consequence of] what they have done that perhaps they will return [to righteousness].

قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلُۚ كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّشۡرِكِينَ ٤٢

Say, [O Muḥammad], "Travel through the land and observe how was the end of those before. Most of them were associators [of others with Allāh].

فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ ٱلۡقَيِّمِ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۖ يَوۡمَئِذٖ يَصَّدَّعُونَ ٤٣

So direct your face [i.e., self] toward the correct religion before a Day comes from Allāh of which there is no repelling. That Day, they will be divided.1

مَن كَفَرَ فَعَلَيۡهِ كُفۡرُهُۥۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِأَنفُسِهِمۡ يَمۡهَدُونَ ٤٤

Whoever disbelieves - upon him is [the consequence of] his disbelief. And whoever does righteousness - they are for themselves preparing,

لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٥

That He may reward those who have believed and done righteous deeds out of His bounty. Indeed, He does not like the disbelievers.

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم هَلْ مِن شُرَكائِكم مَن يَفْعَلُ مِن ذَلِكم مِن شَيْءٍ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِينَ عَمِلُوا لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ومَن عَمِلَ صالِحًا فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن فَضْلِهِ إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ .

كَرَّرَ تَعالى خِطابَ الكُفّارِ في أمْرِ أوْثانِهِمْ، فَذَكَرَ أفْعالَهُ الَّتِي لا يُمْكِنُ أنْ يُدْعى لَهُ فِيها شَرِيكٌ، وهي الخَلْقُ والرِّزْقُ والإماتَةُ والإحْياءُ، ثُمَّ اسْتَفْهَمَ عَلى جِهَةِ التَّقْرِيرِ لَهم والتَّوْبِيخِ، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ مَقالَتِهِمْ. و﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (الَّذِي خَلَقَكم) صِفَةً لِلْمُبْتَدَأِ، والخَبَرُ: (هَلْ مِن شُرَكائِكم)؛ وقَوْلُهُ: (مِن ذَلِكم) هو الَّذِي رَبَطَ الجُمْلَةَ بِالمُبْتَدَأِ لِأنَّ مَعْناهُ: مِن أفْعالِهِ. انْتَهى. والَّذِي ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ أنَّ اسْمَ الإشارَةِ يَكُونُ رابِطًا إذا كانَ أُشِيرَ بِهِ إلى المُبْتَدَأِ. وأمّا (ذَلِكم) هُنا فَلَيْسَ إشارَةً إلى المُبْتَدَأِ، لَكِنَّهُ شَبِيهٌ بِما أجازَهُ الفَرّاءُ مِنَ الرَّبْطِ بِالمَعْنى، وخالَفَهُ النّاسُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٤] قالَ: التَّقْدِيرُ: يَتَرَبَّصْنَ أزْواجَهم، فَقَدَّرَ الضَّمِيرَ بِمُضافٍ إلى ضَمِيرِ الَّذِينَ، فَحَصَلَ بِهِ الرَّبْطُ، كَذَلِكَ قَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ (مِن ذَلِكم) مِن أفْعالِهِ المُضافِ إلى الضَّمِيرِ العائِدِ عَلى المُبْتَدَأِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: هَلْ مِن شُرَكائِكُمُ الَّذِينَ اتَّخَذْتُمُوهم أنْدادًا لَهُ مِنَ الأصْنامِ وغَيْرِها مَن يَفْعَلُ شَيْئًا قَطُّ مِن تِلْكَ الأفْعالِ، حَتّى يَصِحَّ ما ذَهَبْتُمْ إلَيْهِ ؟ فاسْتَعْمَلَ قَطُّ في غَيْرِ مَوْضِعِها؛ لِأنَّها ظَرْفٌ لِلْماضِي، وهُنا جَعَلَها مَعْمُولَةً لِـ: (يَفْعَلُ) . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: ومِنَ الأُولى والثّانِيَةِ، كُلُّ واحِدَةٍ مُسْتَقْبِلَةٍ تَأْكِيدٌ لِتَعْجِيزِ شُرَكائِهِمْ وتَجْهِيلِ عَبَدَتِهِمْ؛ فَـ: ”مِنِ“ الأُولى لِلتَّبْعِيضِ، والجارُّ والمَجْرُورُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ؛ و(مَن يَفْعَلُ) هو المُبْتَدَأُ، و”مِنَ“ الثّانِيَةِ في مَوْضِعِ الحالِ مِن (شَيْءٍ)؛ لِأنَّهُ نَعْتٌ نَكِرَةٌ تَقَدَّمَ عَلَيْها فانْتَصَبَ عَلى الحالِ؛ و”مِنِ“ الثّالِثَةُ زائِدَةٌ لِانْسِحابِ (p-١٧٦)الِاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ النَّفْيُ عَلى الكَلامِ، التَّقْدِيرُ: مَن يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكم، أيْ: مِن تِلْكَ الأفْعالِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُشْرِكُونَ) بِياءِ الغَيْبَةِ؛ والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: بِتاءِ الخِطابِ، والظّاهِرُ مُرادُ ظاهِرِ البَرِّ والبَحْرِ. وقالَ الحَسَنُ: وظُهُورُ الفَسادِ فِيهِما بِارْتِفاعِ البَرَكاتِ، ونُزُولِ رَزايا، وحُدُوثِ فِتَنٍ، وتَقَلُّبِ عَدُوٍّ كافِرٍ، وهَذِهِ الثَّلاثَةُ تُوجَدُ في البَرِّ والبَحْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿الفَسادُ في البَرِّ﴾ القُطّاعُ فَتَسُدُّهُ. وقالَ مُجاهِدٌ: (في البِرِّ) بِقَتْلِ أحَدِ بَنِي آدَمَ لِأخِيهِ، وفي البَحْرِ: بِأخْذِ السُّفُنِ غَصْبًا، وعَنْهُ أيْضًا: البَرُّ: البِلادُ البَعِيدَةُ مِنَ البَحْرِ، والبَحْرُ: السَّواحِلُ والجُزُرُ الَّتِي عَلى ضَفَّةِ البَحْرِ والأنْهارِ. وقالَ قَتادَةُ: البَرُّ: الفَيافِي ومَواضِعُ القَبائِلِ وأهْلُ الصَّحارِي والعُمُورِ، والبَحْرُ: المُدُنُ، جَمْعُ بَحْرَةٍ، ومِنهُ: ولَقَدْ أجْمَعَ أهْلُ هَذِهِ البُحَيْرَةِ لِيُتَوِّجُوهُ، يَعْنِي قَوْلَ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، ويُؤَيِّدُ هَذا قِراءَةُ عِكْرِمَةَ. ”والبُحُورِ“ بِالجَمْعِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وكانَ قَدْ ظَهَرَ الفَسادُ بَرًّا وبَحْرًا وقْتَ بَعْثَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ الظُّلْمُ عَمَّ الأرْضَ، فَأظْهَرَ اللَّهُ بِهِ الدِّينَ، وأزالَ الفَسادَ، وأخْمَدَهُ. وقالَ النَّحّاسُ: فِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: ظَهَرَ الجَدْبُ في البَرِّ في البَوادِي وقَرَأها ”والبَحْرِ“، أيْ: في مُدُنِ البَحْرِ، مِثْلُ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] أيْ: ظَهَرَ قِلَّةُ العُشْبِ، وغَلا السِّعْرُ. والثّانِي: ظَهَرَتِ المَعاصِي مِن قَطْعِ السَّبِيلِ والظُّلْمِ، فَهَذا هو الفَسادُ عَلى الحَقِيقَةِ، والأوَّلُ مَجازٌ، وقِيلَ: إذا قَلَّ المَطَرُ قَلَّ الغَوْصُ، وأُحْنِقَ الصَّيّادُ وعَمِيَتْ دَوابُّ البَحْرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا مَطَرَتْ تَفَتَّحَتِ الأصْدافُ في البَحْرِ، فَما وقَعَ فِيها مِنَ السَّماءِ فَهو لُؤْلُؤٌ.

﴿بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ أيْ: بِسَبَبِ مَعاصِيهِمْ وذُنُوبِهِمْ.

﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ أيْ: أنَّهُ تَعالى أفْسَدَ أسْبابَ دُنْياهم ومَحَقَهم، لِيُذِيقَهم وبالَ بَعْضِ أعْمالِهِمْ في الدُّنْيا، قَبْلَ أنْ يُعاقِبَهم بِها جَمِيعًا في الآخِرَةِ.

﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ عَمّا هم فِيهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (بِما كَسَبَتْ) جَزاءَ ما كَسَبَتْ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الباءُ بِـ: (ظَهَرَ)، أيْ: بِكَسْبِهِمُ المَعاصِيَ في البَرِّ والبَحْرِ، وهو نَفْسُ الفَسادِ الظّاهِرِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ، وسَلامٌ، وسَهْلٌ، ورَوْحٌ، وابْنُ حَسّانَ، وقُنْبُلٌ مِن طَرِيقِ ابْنِ مُجاهِدٍ، وابْنِ الصَّباحِ، وأبُو الفَضْلِ الواسِطِيُّ عَنْهُ، ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: لِنُذِيقَهم، بِالنُّونِ؛ والجُمْهُورُ: بِالياءِ، ثُمَّ أمَرَهم بِالمَسِيرِ في الأرْضِ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ أهْلَكَ الأُمَمَ بِسَبَبِ مَعاصِيهِمْ وإشْراكِهِمْ، وذَلِكَ تَنْبِيهٌ لِقُرَيْشٍ وأمْرٌ لَهم بِالِاعْتِبارِ بِمَن سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ، قَوْمُ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وغَيْرُهم.

﴿كانَ أكْثَرُهم مُشْرِكِينَ﴾ أهْلَكَهم كُلَّهم بِسَبَبِ الشِّرْكِ، وقَوْمًا بِسَبَبِ المَعاصِي؛ لِأنَّهُ تَعالى يُهْلِكُ بِالمَعاصِي، كَما يُهْلِكُ بِالشِّرْكِ، كَأصْحابِ السَّبْتِ. أوْ أهْلَكَهم كُلَّهم، المُشْرِكَ والمُؤْمِنَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] وأهْلَكَهم كُلَّهم، وهم كُفّارٌ، فَأكْثَرُهم مُشْرِكُونَ، وبَعْضُهم مُعَطِّلٌ. وحِينَ ذَكَرَ امْتِنانَهُ قالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ فَذَكَرَ الوُجُودَ ثُمَّ البَقاءَ بِسَبَبِ الرِّزْقِ. وحِينَ ذَكَرَ خِذْلانَهم بِالطُّغْيانِ، بِسَبَبِ البَقاءِ بِإظْهارِ الفَسادِ، ثُمَّ بِسَبَبِ الوُجُودِ بِالإهْلاكِ.

﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ يَوْمُ القِيامَةِ، وفِيهِ تَحْذِيرٌ يَعُمُّ النّاسَ ﴿لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ المَرَدُّ: مَصْدَرُ رَدَّ، و(مِنَ اللَّهِ): يَحْتَمِلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ: ”يَأْتِي“، أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ مِنَ اللَّهِ يَوْمٌ لا يَرُدُّهُ أحَدٌ حَتّى لا يَأْتِيَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها﴾ [الأنبياء: ٤٠] ويَحْتَمِلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (مَرَدَّ)، أيْ: لا يَرُدُّهُ هو بَعْدَ أنْ يَجِيءَ بِهِ، ولا رَدَّ لَهُ مِن جِهَتِهِ. (يَوْمَئِذٍ) أيْ: يَوْمَ إذْ يَأْتِي ذَلِكَ اليَوْمُ. (يَصَّدَّعُونَ) يَتَفَرَّقُونَ، فَرِيقٌ في الجَنَّةِ، وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ. يُقالُ: تَصَدَّعَ القَوْمُ إذا تَفَرَّقُوا، ومِنهُ الصُّداعُ؛ لِأنَّهُ يُفَرِّقُ شَعْبَ الرَّأْسِ، وقالَ الشّاعِرُ:

؎وكُنّا كَنَدْمانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً مِنَ الدَّهْرِ حَتّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعا

ثُمَّ ذَكَرَ حالَتَيِ المُتَفَرِّقِينَ: ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أيْ: جَزاءُ كُفْرِهِ، وعَبَّرَ عَنْ حالَةِ الكافِرِ بِـ: عَلَيْهِ، وهي تَدُلُّ (p-١٧٧)عَلى الفِعْلِ والمَشَقَّةِ، وعَنْ حالِ المُؤْمِنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلِأنْفُسِهِمْ﴾ بِاللّامِ الَّتِي هي لامُ المِلْكِ. و﴿يَمْهَدُونَ﴾ يُوَطِّئُونَ، وهي اسْتِعارَةٌ مِنَ الفَرْشِ، وعِبارَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ يَفْعَلُونَ في الدُّنْيا ما يَلْقُونَ بِهِ ما تَقَرُّ بِهِ أعْيُنُهم وتُسَرُّ بِهِ أنْفُسُهم في الجَنَّةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو التَّمْهِيدُ لِلْقَبْرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ في المَوْضِعَيْنِ لِدَلالَةٍ عَلى أنَّ ضَرَرَ الكُفْرِ لا يَعُودُ إلّا عَلى الكافِرِ لا يَتَعَدّاهُ، ومَنفَعَةُ الأيْمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ تَرْجِعُ إلى المُؤْمِنِ لا تَتَجاوَزُهُ. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَتِهِ في دَعْواهُ أنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ وما جَرى مَجْراهُ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ، وأمّا عَلى مَذْهَبِنا فَيَدُلُّ عَلى الِاهْتِمامِ، وأمّا ما يَدَّعِيهِ مِنَ الِاخْتِصاصِ فَمَفْهُومٌ مِن آيٍ كَثِيرَةٍ في القُرْآنِ مِنها: ﴿ولا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلّا عَلَيْها ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] . واللّامُ في (لِيَجْزِيَ) قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُتَعَلِّقٌ بِـ: (يَمْهَدُونَ)، تَعْلِيلٌ لَهُ وتَكْرِيرُ (الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ) وتَرْكُ الضَّمِيرِ إلى الصَّرِيحِ لِتَقْدِيرِهِ أنَّهُ لا يُفْلِحُ عِنْدَهُ إلّا المُؤْمِنُ الصّالِحُ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ تَقْرِيرٌ بَعْدَ تَقْرِيرٍ عَلى الطَّرْدِ والعَكْسِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (لِيَجْزِيَ) مُتَعَلِّقٌ بِـ: (يَصَّدَّعُونَ)، ويَجُوزَ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ذَلِكَ لِيَجْزِيَ، وتَكُونُ الإشارَةُ إلى ما تَقَرَّرَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: (مَن كَفَرَ) (ومَن عَمِلَ صالِحًا) . انْتَهى. ويَكُونُ قَسِيمُ (الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ) عَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُما ابْنُ عَطِيَّةَ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ: كَأنَّهُ قالَ: والكافِرُونَ بَعْدُ لَهُ، ودَلَّ عَلى حَذْفِ هَذا القَسِيمِ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ . ومَعْنى نَفْيِ الحُبِّ هُنا: أنَّهُ لا تَظْهَرُ عَلَيْهِمْ أماراتُ رَحْمَتِهِ، ولا يَرْضى الكُفْرَ لَهم دِينًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (مِن فَضْلِهِ) بِما تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ تَوْفِيَةِ الواجِبِ مِنَ الثَّوابِ، وهَذا يُشْبِهُ الكِنايَةَ؛ لِأنَّ الفَضْلَ تَبَعٌ لِلثَّوابِ، فَلا يَكُونُ إلّا بَعْدَ حُصُولِ ما هو تَبَعٌ لَهُ، أوْ أرادَ مِن عَطائِهِ، وهو ثَوابُهُ؛ لِأنَّ الفُضُولَ والفَواضِلَ هي الأعْطِيَةُ عِنْدَ العَرَبِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском