Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Saba 34:44–54, continued
﴿مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ أيْ في جِهَةٍ بَعِيدَةٍ؛ لِأنَّ نِسْبَتَهُ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ مِن أبْعَدِ الأشْياءِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا تَكَلُّمٌ بِالغَيْبِ والأمْرِ الخَفِيِّ؛ لِأنَّهم لَمْ يُشاهِدُوا مِنهُ سِحْرًا ولا شِعْرًا ولا كَذِبًا، وقَدْ أتَوْا بِهَذا الغَيْبِ مِن جِهَةٍ بَعِيدَةٍ مِن حالِهِ؛ لِأنَّ أبْعَدَ شَيْءٍ مِمّا جاءَ بِهِ الشِّعْرُ والسِّحْرُ، وأبْعَدُ شَيْءٍ مِن عادَتِهِ الَّتِي عُرِفَتْ بَيْنَهم وجُرِّبَتِ الكَذِبُ والزُّورُ. انْتَهى. وقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ، أيْ يَتَلَفَّظُونَ بِكَلِمَةِ الإيمانِ حِينَ لا يَنْفَعُ نَفْسَها إيمانُها، فَمُثِّلَتْ حالَهم في طَلَبِهِمْ تَحْصِيلِ ما عَطَّلُوهُ مِنَ الإيمانِ في الدُّنْيا بِقَوْلِهِمْ: آمَنّا في الآخِرَةِ، وذَلِكَ مَطْلَبٌ مُسْتَبْعَدٌ مِمَّنْ يَقْذِفُ شَيْئًا مِن مَكانٍ بَعِيدٍ لا مَجالَ لِلنَّظَرِ في لُحُوقِهِ، حَيْثُ يُرِيدُ أنْ يَقَعَ فِيهِ لِكَوْنِهِ غائِبًا عَنْهُ بَعِيدًا. والغَيْبُ: الشَّيْءُ الغائِبُ. وقَرَأ مُجاهِدٌ، وأبُو حَيْوَةَ، ومَحْبُوبٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ويُقْذَفُونَ، مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. قالَ مُجاهِدٌ: ويَرْجُمُهم بِما يَكْرَهُونَ مِنَ السَّماءِ. وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: يُرْمُونَ بِالغَيْبِ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، ومَعْناهُ: يُجازَوْنَ بِسُوءِ أعْمالِهِمْ، ولا عِلْمَ لَهم بِما أتاهُ، إمّا في حالِ تَعَذُّرِ التَّوْبَةِ عِنْدَ مُعايَنَةِ المَوْتِ، وإمّا في الآخِرَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ يَأْتِيهِمْ بِهِ، يَعْنِي بِالغَيْبِ، شَياطِينُهم ويُلَقِّنُونَهم إيّاهم. وقِيلَ: يُرْمُونَ في النّارِ؛ وقِيلَ: هو مَثَلٌ؛ لِأنَّ مَن يُنادى مِن مَكانٍ بَعِيدٍ لا يَسْمَعُ، أيْ هم لا يَعْقِلُونَ ولا يَسْمَعُونَ.
﴿وحِيلَ بَيْنَهُمْ﴾، قالَ الحَوْفِيُّ: الظَّرْفُ قائِمٌ مَقامَ اسْمِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ. انْتَهى. ولَوْ كانَ عَلى ما ذَكَرَ، لَكانَ مَرْفُوعًا بَيْنَهم، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: (لَقَدْ تَّقَطَّعَ بَيْنَكم) في أحَدِ المَعْنَيْنِ، لا يُقالُ لِما أُضِيفَ إلى مَبْنِيٍّ وهو الضَّمِيرُ بَنى، فَهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وإنْ كانَ مَبْنِيًّا. كَما قالَ بَعْضُهم في قَوْلِهِ: وإذْ ما مَثَّلَهم، يُشِيرُ إلى أنَّهُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ لِإضافَتِهِ إلى الضَّمِيرِ، وإنْ كانَ مَفْتُوحًا؛ لِأنَّهُ قَوْلٌ فاسِدٌ. يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: مَرَرْتُ بِغُلامَكَ، وقامَ غُلامَكَ بِالفَتْحِ، وهَذا لا يَقُولُهُ أحَدٌ. والبِناءُ لِأجْلِ الإضافَةِ إلى المَبْنِيِّ لَيْسَ مُطْلَقًا، بَلْ لَهُ مَواضِعُ أُحْكِمَتْ في (p-٢٩٥)النَّحْوِ، وما يَقُولُ قائِلٌ ذَلِكَ فَيَقُولُ الشّاعِرُ: وقَدْ حِيلَ بَيْنَ العِيرِ والنَّزَوانِ فَإنَّهُ نَصَبَ بَيْنَ، وهي مُضافَةٌ إلى مُعْرَبٍ، وإنَّما يَخْرُجُ ما ورَدَ مِن نَحْوِ هَذا عَلى أنَّ القائِمَ مَقامَ الفاعِلِ هو ضَمِيرُ المَصْدَرِ الدّالُّ عَلَيْهِ، وحِيلَ هو، أيِ الحَوْلُ، ولِكَوْنِهِ أُضْمِرَ لَمْ يَكُنْ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا، فَجازَ أنْ يُقامَ مَقامَ الفاعِلِ، وعَلى ذَلِكَ يَخْرُجُ قَوْلُ الشّاعِرِ: وقالَتْ مَتى يُبْخَلْ عَلَيْكَ ويُعْتَلَلْ بِسُوءٍ وإنْ يُكْشَفْ غَرامُكَ تَدْرُبِ أيْ: ويَعْتَلِلُ هو، أيِ الِاعْتِلالُ. والَّذِي يَشْتَهُونَ الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوِ الأهْلُ والمالُ والوَلَدُ، قالَهُ السُّدِّيُّ؛ أوْ بَيْنَ الجَيْشِ وتَخْرِيبِ الكَعْبَةِ، أوْ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، أوْ بَيْنَ النَّجاةِ مِنَ العَذابِ، أوْ بَيْنَ نَعِيمِ الدُّنْيا ولَذَّتِها، قالَهُ مُجاهِدٌ أيْضًا. (كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ)، مِن كَفَرَةِ الأُمَمِ، أيْ حِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ مُشْتَهَياتِهِمْ. و(مِن قَبْلُ) يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا (بِأشْياعِهِمْ)، أيْ مَنِ اتَّصَفَ بِصِفَتِهِ مِمَّنْ قَبْلُ، أيْ في الزَّمانِ الأوَّلِ. ويَتَرَجَّحُ بِأنَّ ما يُفْعَلُ بِجَمِيعِهِمْ إنَّما هو في وقْتٍ واحِدٍ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلٍ إذا كانَتِ الحَيْلُولَةُ في الدُّنْيا. وقالَ الضَّحّاكُ: أشْياعُهم أصْحابُ الفِيلِ، يَعْنِي أشْياعَ قُرَيْشٍ، وكَأنَّهُ أخْرَجَهُ مُخْرَجَ التَّمْثِيلِ. وأمّا التَّخْصِيصُ، فَلا دَلِيلَ عَلَيْهِ. (إنَّهم كانُوا في شَكٍّ مُرِيبٍ) يَعْنِي في الدُّنْيا، (ومُرِيبٍ) اسْمُ فاعِلٍ مِن أرابَ الرَّجُلُ: أتى بِرِيبَةٍ ودَخَلَ فِيها، وأرَبْتُ الرَّجُلَ: أوْقَعْتَهُ في رِيبَةٍ، ونِسْبَةُ الإرابَةِ إلى الشَّكِّ مَجازٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إلّا أنَّ بَيْنَهُما فَرْقًا، وهو أنَّ المُرِيبَ مِنَ المُتَعَدِّي مَنقُولٌ مِمَّنْ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مُرِيبًا مِنَ الأعْيانِ إلى المَعْنى، ومِنَ اللّازِمِ مَنقُولٌ مِن صاحِبِ الشَّكِّ إلى الشَّكِّ، كَما تَقُولُ: شِعْرُ شاعِرٍ. انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ تَبْيِينٍ. قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أرْدَفَهُ عَلى الشَّكِّ، وهُما بِمَعْنًى لِتَناسُقِ آخِرِ الآيَةِ بِالَّتِي قَبْلَها مِن مَكانٍ قَرِيبٍ، كَما تَقُولُ: عَجَبٌ عَجِيبٌ، وشِتاءٌ شاتٍ، ولَيْلَةٌ لَيْلاءُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الشَّكُّ المُرِيبُ أقْوى ما يَكُونُ مِنَ الشَّكِّ وأشَدُّهُ إظْلامًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences