Abu HayyanYa-Sin · 36:28–44

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Ya-Sin 36:28–44

36:28–44Page 442

۞ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِن جُندٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ ٢٨

And We did not send down upon his people after him any soldiers from the heaven, nor would We have done so.

إِن كَانَتۡ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَإِذَا هُمۡ خَٰمِدُونَ ٢٩

It was not but one shout,1 and immediately they were extinguished.

يَٰحَسۡرَةً عَلَى ٱلۡعِبَادِۚ مَا يَأۡتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٣٠

How regretful for the servants. There did not come to them any messenger except that they used to ridicule him.

أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ أَنَّهُمۡ إِلَيۡهِمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ٣١

Have they not considered how many generations We destroyed before them - that they to them1 will not return?

وَإِن كُلّٞ لَّمَّا جَمِيعٞ لَّدَيۡنَا مُحۡضَرُونَ ٣٢

And indeed, all of them will yet be brought present before Us.

وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلۡأَرۡضُ ٱلۡمَيۡتَةُ أَحۡيَيۡنَٰهَا وَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهَا حَبّٗا فَمِنۡهُ يَأۡكُلُونَ ٣٣

And a sign for them is the dead earth. We have brought it to life and brought forth from it grain, and from it they eat.

وَجَعَلۡنَا فِيهَا جَنَّٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ وَفَجَّرۡنَا فِيهَا مِنَ ٱلۡعُيُونِ ٣٤

And We placed therein gardens of palm trees and grapevines and caused to burst forth therefrom some springs -

لِيَأۡكُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦ وَمَا عَمِلَتۡهُ أَيۡدِيهِمۡۚ أَفَلَا يَشۡكُرُونَ ٣٥

That they may eat of His fruit.1 And their hands have not produced it,2 so will they not be grateful?

سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ وَمِنۡ أَنفُسِهِمۡ وَمِمَّا لَا يَعۡلَمُونَ ٣٦

Exalted is He who created all pairs1 - from what the earth grows and from themselves and from that which they do not know.

وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلَّيۡلُ نَسۡلَخُ مِنۡهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظۡلِمُونَ ٣٧

And a sign for them is the night. We remove1 from it the [light of] day, so they are [left] in darkness.

وَٱلشَّمۡسُ تَجۡرِي لِمُسۡتَقَرّٖ لَّهَاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ٣٨

And the sun runs [on course] toward its stopping point. That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.

وَٱلۡقَمَرَ قَدَّرۡنَٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلۡعُرۡجُونِ ٱلۡقَدِيمِ ٣٩

And the moon - We have determined for it phases, until it returns [appearing] like the old date stalk.

لَا ٱلشَّمۡسُ يَنۢبَغِي لَهَآ أَن تُدۡرِكَ ٱلۡقَمَرَ وَلَا ٱلَّيۡلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِۚ وَكُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ ٤٠

It is not allowable [i.e., possible] for the sun to reach the moon, nor does the night overtake the day, but each, in an orbit, is swimming.

وَءَايَةٞ لَّهُمۡ أَنَّا حَمَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ ٤١

And a sign for them is that We carried their forefathers1 in a laden ship.

وَخَلَقۡنَا لَهُم مِّن مِّثۡلِهِۦ مَا يَرۡكَبُونَ ٤٢

And We created for them from the likes of it that which they ride.

وَإِن نَّشَأۡ نُغۡرِقۡهُمۡ فَلَا صَرِيخَ لَهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنقَذُونَ ٤٣

And if We should will, We could drown them; then no one responding to a cry would there be for them, nor would they be saved

إِلَّا رَحۡمَةٗ مِّنَّا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ ٤٤

Except as a mercy from Us and provision for a time.

﴿وما أنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ ﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإذا هم خامِدُونَ﴾ ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ ﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾ ﴿وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ وفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ﴾ ﴿لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ ومِن أنْفُسِهِمْ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ فَإذا هم مُظْلِمُونَ﴾ ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ ﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾ ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ ولا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ ﴿وخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ ﴿وإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهم فَلا صَرِيخَ لَهم ولا هم يُنْقَذُونَ﴾ ﴿إلّا رَحْمَةً مِنّا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾ .

(p-٣٣١)أخْبَرَ تَعالى بِإهْلاكِ قَوْمِ حَبِيبٍ بِصَيْحَةٍ واحِدَةٍ صاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ، وفي ذَلِكَ تَوَعُّدٌ لِقُرَيْشٍ أنْ يُصِيبَهم ما أصابَهم، إذْ هُمُ المَضْرُوبُ لَهُمُ المَثَلُ. وأخْبَرَ تَعالى أنَّهُ لَمْ يُنْزِلْ عَلَيْهِمْ لِإهْلاكِهِمْ جُنْدًا مِنَ السَّماءِ، كالحِجارَةِ والرِّيحِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وكانُوا أهْوَنَ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ (مِن بَعْدِهِ)، يَدُلُّ عَلى ابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ لَمْ يُرْسِلْ إلَيْهِمْ رَسُولًا، ولا عاتَبَهم بَعْدَ قَتْلِهِ، بَلْ عاجَلَهم بِالهَلاكِ. والظّاهِرُ أنَّ ما في قَوْلِهِ ﴿وما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ نافِيَةٌ، فالمَعْنى قَرِيبٌ مِن مَعْنى الجُمْلَةِ قَبْلَها، أيْ وما كانَ يَصِحُّ في حُكْمِنا أنْ نُنْزِلَ في إهْلاكِهِمْ جُنْدًا مِنَ السَّماءِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أجْرى هَلاكَ كُلِّ قَوْمٍ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ دُونَ بَعْضٍ، كَما قالَ ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠] الآيَةَ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: (ما) اسْمٌ مَعْطُوفٌ عَلى جُنْدٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أيْ مِن جُنْدٍ ومِنَ (p-٣٣٢)الَّذِي كُنّا مُنْزِلِينَ عَلى الأُمَمِ مِثْلِهِمْ. انْتَهى، وهو تَقْدِيرٌ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ مِن في مِن جُنْدٍ زائِدَةٌ. ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ غَيْرُ الأخْفَشِ أنَّ لِزِيادَتِها شَرْطَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ قَبْلَها نَفْيٌ، أوْ نَهْيٌ، أوِ اسْتِفْهامٌ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ بَعْدَها نَكِرَةٌ، وإنْ كانَ كَذَلِكَ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْطُوفُ عَلى النَّكِرَةِ مَعْرِفَةً. لا يَجُوزُ: ما ضَرَبْتُ مِن رَجُلٍ ولا زَيْدٍ، وإنَّهُ لا يَجُوزُ: ولا مِن زَيْدٍ، وهو قَدَّرَ المَعْطُوفَ بِالَّذِي، وهو مَعْرِفَةٌ، فَلا يُعْطَفُ عَلى النَّكِرَةِ المَجْرُورَةِ بِمِنِ الزّائِدَةِ. وقالَ أبُو البَقاءِ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما زائِدَةً، أيْ وقَدْ كُنّا مُنْزِلِينَ، وقَوْلُهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ.

وقَرَأ ﴿إنْ كانَتْ إلّا صَيْحَةً﴾، بِنَصْبِ الصَّيْحَةِ، وكانَ ناقِصَةٌ واسْمُها مُضْمَرٌ، أيْ إنْ كانَتِ الأخْذَةُ أوِ العُقُوبَةُ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ومُعاذُ بْنُ الحارِثِ القارِئُ: صَيْحَةٌ بِالرَّفْعِ في المَوْضِعَيْنِ عَلى أنَّ (كانَتْ) تامَّةٌ، أيْ ما حَدَثَتْ أوْ وقَعَتْ إلّا صَيْحَةٌ، وكانَ الأصْلُ أنْ لا يُلْحِقَ التّاءَ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ الفِعْلُ مُسْنَدًا إلى ما بَعْدِ إلّا مِنَ المُؤَنَّثِ، لَمْ تَلْحَقِ العَلامَةُ لِلتَّأْنِيثِ فَيَقُولُ: ما قامَ إلّا هِنْدٌ، ولا يَجُوزُ: ما قامَتْ إلّا هِنْدٌ، عِنْدَ أصْحابِنا إلّا في الشِّعْرِ، وجَوَّزَهُ بَعْضُهم في الكَلامِ عَلى قِلَّةٍ. ومِثْلُهُ قِراءَةُ الحَسَنِ، ومالِكِ بْنِ دِينارٍ، وأبِي رَجاءٍ، والجَحْدَرِيِّ، وقَتادَةَ، وأبِي حَيْوَةَ، وابْنِ أبِي عَبْلَةَ، وأبِي بَحْرِيَّةَ: لا تُرى إلّا مَساكِنُهم بِالتّاءِ، والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ بِالياءِ، وقَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:

؎وما بَقِيَتْ إلّا الضُّلُوعُ الجَراشِعُ

وقَوْلُ الآخَرِ:

؎ما بَرِئَتْ مِن رِيبَةٍ وذَمٍّ ∗∗∗ في حَرْبِنا إلّا بَناتُ العَمِّ

فَأنْكَرَ أبُو حاتِمٍ وكَثِيرٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ هَذِهِ القِراءَةَ بِسَبَبِ لُحُوقِ تاءِ التَّأْنِيثِ.

﴿فَإذا هم خامِدُونَ﴾ أيْ فاجَأهُمُ الخُمُودُ إثْرَ الصَّيْحَةِ، لَمْ يَتَأخَّرْ. وكَنّى بِالخُمُودِ عَنْ سُكُوتِهِمْ بَعْدَ حَياتِهِمْ، كَنارٍ خَمَدَتْ بَعْدَ تَوَقُّدِها. ونِداءُ الحَسْرَةِ عَلى مَعْنى هَذا وقْتُ حُضُورِكَ وظُهُورِكَ، هَذا تَقْدِيرُ نِداءٍ، مِثْلُ هَذا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وهو مُنادًى مَنكُورٌ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ، والضَّحّاكُ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ: يا حَسْرَةَ العِبادِ، عَلى الإضافَةِ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الحَسْرَةُ مِنهم عَلى ما فاتَهم، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الحَسْرَةُ مِن غَيْرِهِمْ عَلَيْهِمْ، لِما فاتَهم مِنِ اتِّباعِ الرُّسُلِ حِينَ أُحْضِرُوا لِلْعَذابِ؛ وطِباعُ البَشَرِ تَتَأثَّرُ عِنْدَ مُعايَنَةِ عَذابِ غَيْرِهِمْ وتَتَحَسَّرُ عَلَيْهِمْ.

وقَرَأ أبُو الزِّنادِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذَكْوانَ المَدَنِيُّ، وابْنُ هُرْمُزَ، وابْنُ جُنْدُبٍ (يا حَسْرَهْ عَلى العِبادِ)، بِسُكُونِ الهاءِ في الحالَيْنِ حَمَلَ فِيهِ الوَصْلَ عَلى الوَقْفِ، ووَقَفُوا عَلى الهاءِ مُبالَغَةً في التَّحَسُّرِ، لِما في الهاءِ مِنَ التَّأهُّهِ كالتَّأوُّهِ، ثُمَّ وصَلُوا عَلى تِلْكَ الحالِ، قالَهُ صاحِبُ اللَّوامِحِ. وقالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: يا حَسْرَةَ عَلى العِبادِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، انْتَهى، ووَجْهُهُ أنَّهُ اجْتَزَأ بِالفَتْحَةِ عَنِ الألِفِ الَّتِي هي بَدَلٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ في النِّداءِ، كَما اجْتَزَأ بِالكَسْرَةِ عَنِ الياءِ فِيهِ. وقَدْ قُرِئَ: يا حَسْرَتا، بِالألِفِ، أيْ يا حَسْرَتِي، ويَكُونُ مِنَ اللَّهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِعارَةِ في مَعْنى تَعْظِيمِ ما جَنَوْهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، وفَرْطِ إنْكارِهِ وتَعْجِيبِهِ مِنهُ. والظّاهِرُ أنَّ العِبادَ هم مُكَذِّبُو الرُّسُلِ، تَحَسَّرَتْ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. وقالَ الضَّحّاكُ أيْضًا: المَعْنى يا حَسْرَةَ المَلائِكَةِ عَلى عِبادِنا الرُّسُلِ حَتّى لَمْ يَنْفَعْهُمُ الإيمانُ لَهم. وقالَ أبُو العالِيَةِ: المُرادُ بِالعِبادِ الثَّلاثَةُ، وكانَ هَذا التَّحَسُّرُ هو مِنَ الكُفّارِ، حِينَ رَأوْا عَذابَ اللَّهِ تَلَهَّفُوا عَلى ما فاتَهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ (ما يَأْتِيهِمْ) الآيَةَ يَدْفَعُ هَذا التَّأْوِيلَ. انْتَهى. قالَ الزَّجّاجُ: الحَسْرَةُ أمْرٌ يَرْكَبُ الإنْسانَ مِن كَثْرَةِ النَّدَمِ عَلى ما لا نِهايَةَ لَهُ حَتّى يَبْقى حَسِيرًا. وقِيلَ: المُنادى مَحْذُوفٌ، وانْتُصِبَ (حَسْرَةً) عَلى المَصْدَرِ، أيْ يا هَؤُلاءِ تَحَسَّرُوا حَسْرَةً. وقِيلَ ﴿يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ مِن قَوْلِ الرَّجُلِ الَّذِي جاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى، لَمّا وثَبَ القَوْمُ لِقَتْلِهِ. وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ الرُّسُلِ الثَّلاثَةِ، قالُوا ذَلِكَ حِينَ قَتَلُوا ذَلِكَ الرَّجُلَ وحَلَّ بِهِمُ العَذابُ، قالُوا: يا حَسْرَةً عَلى هَؤُلاءِ، كَأنَّهم تَمَنَّوْا أنْ يَكُونُوا قَدْ آمَنُوا. انْتَهى. فالألِفُ (p-٣٣٣)واللّامُ لِلْعَهْدِ إذا قُلْنا إنَّ العِبادَ المُرادُ بِهِمُ الرُّسُلُ الثَّلاثَةُ أوْ مَن أُرْسِلُوا إلَيْهِ وهُمُ الهالِكُونَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ إيّاهم. والظّاهِرُ أنَّها لِتَعْرِيفِ جِنْسِ الكُفّارِ المُكَذِّبِينَ وتَلَخَّصَ أنَّ المُتَحَسِّرَ المَلائِكَةُ أوِ اللَّهُ تَعالى أوِ المُؤْمِنُونَ أوِ الرُّسُلُ الثَّلاثَةُ أوْ ذَلِكَ الرَّجُلُ، أقْوالٌ.

﴿ما يَأْتِيهِمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ: تَمْثِيلٌ لِقُرَيْشٍ، وهُمُ الَّذِينَ عادَ عَلَيْهِمُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكَمْ هُنا خَبَرِيَّةٌ، وأنَّهم بَدَلٌ مِنها، والرُّؤْيَةُ رُؤْيَةُ البَصَرِ. انْتَهى. فَهَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّها إذا كانَتْ خَبَرِيَّةً فَهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأهْلَكْنا، ولا يَسُوغُ فِيها إلّا ذَلِكَ. وإذا كانَ كَذَلِكَ، امْتُنِعَ أنْ يَكُونَ أنَّهم بَدَلٌ مِنها؛ لِأنَّ البَدَلَ عَلى نِيَّةِ تَكْرارِ العامِلِ، ولَوْ سُلِّطَتْ أهْلَكْنا عَلى أنَّهم لَمْ يَصِحَّ. ألا تَرى أنَّكَ لَوْ قُلْتَ أهْلَكْنا انْتِفاءَ رُجُوعِهِمْ، أوْ أهْلَكْنا كَوْنَهم لا يَرْجِعُونَ، لَمْ يَكُنْ كَلامًا ؟ لَكِنَّ ابْنَ عَطِيَّةَ تَوَهَّمَ أنَّ (يَرَوْا) مَفْعُولُهُ كَمْ، فَتَوَهَّمَ أنَّ قَوْلَهم أنَّهم لا يَرْجِعُونَ بَدَلٌ؛ لِأنَّهُ يَسُوغُ أنْ يَتَسَلَّطَ عَلَيْهِ فَتَقُولَ: ألَمْ يَرَوْا أنَّهم لا يَرْجِعُونَ ؟ وهَذا وأمْثالُهُ دَلِيلٌ عَلى ضَعْفِهِ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو بَدَلٌ مِنَ الجُمْلَةِ، والمَعْنى: ألَمْ يَرَوْا أنَّ القُرُونَ الَّتِي أهْلَكْناها إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ؛ لِأنَّ عَدَمَ الرُّجُوعِ والهَلاكِ بِمَعْنى النَّهْيِ. وهَذا الَّذِي قالَهُ الزَّجّاجُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بَدَلًا صِناعِيًّا، وإنَّما فَسَّرَ المَعْنى ولَمْ يَلْحَظْ صَنْعَةَ النَّحْوِ. وقالَ أبُو البَقاءِ: أنَّهم إلَيْهِمْ. انْتَهى، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ كَمْ لَيْسَ بِمَعْمُولٍ لِيَرَوْا. ونُقِلَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ يَعْمَلُ يَرَوْا في الجُمْلَتَيْنِ مِن غَيْرِ إبْدالٍ، وقَوْلُهم في الجُمْلَتَيْنِ تَجُوزُ؛ لِأنَّ أنَّهم وما بَعْدَهُ لَيْسَ بِجُمْلَةٍ، ولَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ هَذا العَمَلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿ألَمْ يَرَوْا﴾ ألَمْ يَعْلَمُوا، وهو مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ في كَمْ؛ لِأنَّ كَمْ لا يَعْمَلُ فِيها عامِلٌ قَبْلَها كانَتْ لِلِاسْتِفْهامِ أوْ لِلْخَبَرِ؛ لِأنَّ أصْلَها الِاسْتِفْهامُ، إلّا أنَّ مَعْناها نافِذٌ في الجُمْلَةِ، كَما نَفَذَ في قَوْلِكَ: ألَمْ يَرَوْا أنَّ زَيْدًا لَمُنْطَلِقٌ وإنْ لَمْ تَعْمَلْ في لَفْظِهِ. و﴿أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ بَدَلٌ مِن (أهْلَكْنا) عَلى المَعْنى لا عَلى اللَّفْظِ تَقْدِيرُهُ: ألَمْ يَرَوْا كَثْرَةَ إهْلاكِنا القُرُونَ مِن قَبْلِهِمْ، كَوْنَهم غَيْرَ راجِعِينَ إلَيْهِمْ ؟ انْتَهى. فَجَعَلَ يَرَوْا بِمَعْنى يَعْلَمُوا، وعَلَّقَها عَلى العَمَلِ في كَمْ. وقَوْلُهُ: لِأنَّ كَمْ لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها، كانَتْ لِلِاسْتِفْهامِ أوْ لِلْخَبَرِ، وهَذا لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ؛ لِأنَّ العامِلَ إذا كانَ حَرْفَ جَرٍّ أوِ اسْمًا مُضافًا جازَ أنْ يَعْمَلَ فِيها، نَحْوُ كَمْ عَلى كَمْ جِذْعٍ بَيْتُكَ ؟ وأيْنَ كَمْ رَئِيسٍ صَحِبْتَ ؟ وعَلى كَمْ فَقِيرٍ تَصَدَّقْتَ ؟ أرْجُو الثَّوابَ، وأيْنَ كَمْ شَهِيدٍ في سَبِيلِ اللَّهِ أحْسَنْتَ إلَيْهِ ؟ وقَوْلُهُ: أوْ لِلْخَبَرِ الخَبَرِيَّةُ فِيها لُغَتانِ: الفَصِيحَةُ كَما ذَكَرَ لا يَتَقَدَّمُها عامِلٌ إلّا ما ذَكَرْنا مِنَ الجارِ واللُّغَةِ الأُخْرى، حَكاها الأخْفَشُ؛ يَقُولُونَ فِيها: مَلَكْتَ كَمْ غُلامٍ؛ أيْ مَلَكْتَ كَثِيرًا مِنَ الغِلْمانِ. فَكَما يَجُوزُ أنْ يَتَقَدَّمَ العامِلُ عَلى كَثِيرٍ، كَذَلِكَ يَجُوزُ أنْ يَتَقَدَّمَ عَلى كَمْ لِأنَّها بِمَعْناها. وقَوْلُهُ: لِأنَّ أصْلَها الِاسْتِفْهامُ، لَيْسَ أصْلُها الِاسْتِفْهامَ، بَلْ كُلُّ واحِدَةٍ أصْلٌ في بابِها، لَكِنَّها لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الِاسْتِفْهامِ والخَبَرِ. وقَوْلُهُ: إلّا أنَّ مَعْناها نافِذٌ في الجُمْلَةِ، يَعْنِي مَعْنى يَرَوْا نافِذٌ في الجُمْلَةِ؛ لِأنَّهُ جَعَلَها مُعَلَّقَةً، وشَرَحَ يَرَوْا بِيَعْلَمُوا. وقَوْلُهُ: كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِكَ: ألَمْ يَرَوْا أنَّ زَيْدًا لَمُنْطَلِقٌ فَإنَّ زَيْدًا لَمُنْطَلِقٌ مَعْمُولٌ مِن حَيْثُ المَعْنى لِيَرَوْا، ولَوْ كانَ عامِلًا مِن حَيْثُ اللَّفْظُ لَمْ تَدْخُلِ اللّامُ، وكانَتْ (أنَّ) مَفْتُوحَةً، فَأنَّ وفي خَبَرِها اللّامُ مِنَ الأدَواتِ الَّتِي تُعَلِّقُ أفْعالَ القُلُوبِ. وقَوْلُهُ: و﴿أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥] إلى آخِرِ كَلامِهِ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا، لا عَلى اللَّفْظِ ولا عَلى المَعْنى. أمّا عَلى اللَّفْظِ فَإنَّهُ زَعَمَ أنَّ يَرَوْا مُعَلَّقَةٌ، فَيَكُونُ كَمِ اسْتِفْهامًا، وهو مَعْمُولٌ لَأهْلَكْنا، وأهْلَكْنا لا يَتَسَلَّطُ عَلى ﴿أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾، وتَقَدَّمَ لَنا ذَلِكَ. وأمّا عَلى المَعْنى، فَلا يَصِحُّ أيْضًا؛ لِأنَّهُ قالَ تَقْدِيرُهُ، أيْ عَلى المَعْنى: ألَمْ يَرَوْا كَثْرَةَ إهْلاكِنا القُرُونَ مِن قَبْلِهِمْ كَوْنَهم غَيْرَ راجِعِينَ إلَيْهِمْ ؟ فَكَوْنُهم غَيْرَ كَذا لَيْسَ كَثْرَةَ الإهْلاكِ، فَلا يَكُونُ بَدَلَ كُلٍّ مِن كُلٍّ، ولا بَعْضًا مِنَ الإهْلاكِ، ولا يَكُونُ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، ولا يَكُونُ بَدَلَ اشْتِمالٍ؛ لِأنَّ بَدَلَ الِاشْتِمالِ يَصِحُّ أنْ يُضافَ إلى ما أُبْدِلَ مِنهُ، وكَذَلِكَ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، وهَذا لا يَصِحُّ هُنا. لا تَقُولُ: ألَمْ يَرَوُا انْتِفاءَ رُجُوعِ كَثْرَةِ (p-٣٣٤)إهْلاكِنا القُرُونَ مِن قَبْلِهِمْ، وفي بَدَلِ الِاشْتِمالِ نَحْوُ: أعْجَبَنِي الجارِيَةُ مَلاحَتُها، وسُرِقَ زَيْدٌ ثَوْبُهُ، يَصِحُّ أعْجَبَنِي مَلاحَةُ الجارِيَةِ، وسُرِقَ ثَوْبُ زِيدٍ، وتَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ عَلى إعْرابِ مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في قَوْلِهِ ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ [الأنعام: ٦]، في سُورَةِ الأنْعامِ. والَّذِي تَقْتَضِيهِ صِناعَةُ العَرَبِيَّةِ أنَّ أنَّهم مَعْمُولٌ لِمَحْذُوفٍ، ودَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، وتَقْدِيرُهُ: قَضَيْنا أوْ حَكَمْنا ﴿أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ . وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: إنَّهم بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وقَطْعِ الجُمْلَةِ عَنْ ما قَبْلَها مِن جِهَةِ الإعْرابِ، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ قِراءَةَ الفَتْحِ مَقْطُوعَةٌ عَنْ ما قَبْلَها مِن جِهَةِ الإعْرابِ لِتَتَّفِقَ القِراءَتانِ ولا تَخْتَلِفا. والضَّمِيرُ في أنَّهم عائِدٌ عَلى مَعْنى كَمْ، وهُمُ القُرُونُ، وإلَيْهِمْ عائِدٌ عَلى مَن أُسْنِدَ إلَيْهِ يَرَوْا، وهم قُرَيْشٌ؛ فالمَعْنى: أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلى مَن في الدُّنْيا. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في أنَّهم عائِدٌ عَلى مَن أُسْنِدَ إلَيْهِ يَرَوْا، وفي إلَيْهِمْ عائِدٌ عَلى المُهْلَكِينَ، والمَعْنى: أنَّ الباقِينَ لا يَرْجِعُونَ إلى المُهْلَكِينَ بِنَسَبٍ ولا وِلادَةٍ، أيْ أهْلَكْناهم وقَطَعْنا نَسْلَهم، والإهْلاكُ مَعَ قَطْعِ النَّسْلِ أتَمُّ وأعَمُّ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ألَمْ يَرَوْا مَن أهْلَكْنا، وأنَّهم عَلى هَذا بَدَلُ اشْتِمالٍ؛ وفي قَوْلِهِمْ: أنَّهم لا يَرْجِعُونَ، رَدٌّ عَلى القائِلِينَ بِالرَّجْعَةِ. وقِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ قَوْمًا يَزْعُمُونَ أنَّ عَلِيًّا مَبْعُوثٌ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالَ: لَيْسَ القَوْمُ نَحْنُ إذا نَكَحْنا نِساءَهُ وقَسَّمْنا مِيراثَهُ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ: بِتَثْقِيلِ لَمّا؛ وباقِي السَّبْعَةِ: بِتَخْفِيفِها. فَمَن ثَقَّلَها كانَتْ عِنْدَهُ بِمَعْنى إلّا، وإنْ نافِيَةٌ، أيْ ما كَلٌّ، أيْ كُلُّهم إلّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ أيْ مَحْشُورُونَ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ ابْنُ سَلّامٍ: مُعَذَّبُونَ؛ وقِيلَ: التَّقْدِيرُ لِمَن ما ولَيْسَ بِشَيْءٍ، ومَن خَفَّفَ لَمّا جَعَلَ إنِ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وما زائِدَةً، أيْ إنْ كُلٌّ لَجَمِيعٌ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ. وأمّا الكُوفِيُّونَ، فَإنْ عِنْدَهم نافِيَةٌ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وما زائِدَةٌ، ولَمّا المُشَدَّدَةُ بِمَعْنى إلّا ثابِتٌ في لِسانِ العَرَبِ بِنَقْلِ الثِّقاةِ، فَلا يُلْتَفَتُ إلى زَعْمِ الكِسائِيِّ أنَّهُ لا يَعْرِفُ ذَلِكَ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: في كَوْنِ لَمّا بِمَعْنى إلّا مَعْنًى مُناسِبًا، وهو أنَّ لَمّا كَأنَّها حَرْفا نَفْيٍ جَمِيعًا وهُما لَمْ وما، فَتَأكَّدَ النَّفْيُ؛ وإلّا كَأنَّها حَرْفا نَفْيٍ إنْ ولا، فاسْتُعْمِلَ أحَدُهُما مَكانَ الآخَرِ. انْتَهى، وهَذا أخَذَهُ مِن قَوْلِ الفَرّاءِ في إلّا في الِاسْتِثْناءِ أنَّها مُرَكَّبَةٌ مَن إنْ ولا، إلّا أنَّ الفَرّاءَ جَعَلَ إنِ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ وما زائِدَةً، أيْ إنْ كُلٌّ لَجَمِيعٌ، وهَذا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ. وأمّا الكُوفِيُّونَ، فَـ (إنْ) عِنْدَهم نافِيَةٌ، واللّامُ بِمَعْنى (إلّا)، و(ما) زائِدَةٌ، و(لَمّا) المُشَدَّدَةُ بِمَعْنى (إلّا) ثابِتٌ حَرْفُ نَفْيٍ، وهو قَوْلٌ مَرْدُودٌ عِنْدَ النُّحاةِ رَكِيكٌ، وما تَرَكَّبَ مِنهُ وزادَ تَحْرِيفٌ أرَكُّ مِنهُ، وكُلٌّ بِمَعْنى الإحاطَةِ، وجَمِيعٌ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٌ، ويَدُلُّ عَلى الِاجْتِماعِ، وجَمِيعٌ مُحْضَرُونَ هُنا عَلى المَعْنى، كَما أُفْرِدَ (مُنْتَصِرٌ) عَلى اللَّفْظِ، وكِلاهُما بَعْدَ جَمِيعٍ يُراعى فِيهِ الفَواصِلُ.

وجاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَعْدَ ذِكْرِ الإهْلاكِ تَبْيِينًا أنَّهُ تَعالى لَيْسَ مَن أهْلَكَهُ يُتْرَكُ، بَلْ بَعْدَ إهْلاكِهِمْ جَمْعٌ وحِسابٌ وثَوابٌ وعِقابٌ، ولِذَلِكَ أعْقَبَ هَذا بِما يَدُلُّ عَلى الحَشْرِ مِن قَوْلِهِ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾ وما بَعْدَهُ مِنَ الآياتِ. وبَدَأ بِالأرْضِ؛ لِأنَّها مُسْتَقَرُّهم، حَرَكَةً وسُكُونًا، حَياةً ومَوْتًا. ومَوْتُ الأرْضِ جَدْبُها، وإحْياؤُها بِالغَيْثِ. والضَّمِيرُ في لَهم عائِدٌ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ ومَن يَجْرِي مَجْراهم في إنْكارِ الحَشْرِ. و(أحْيَيْناها) اسْتِئْنافُ بَيانٍ لِكَوْنِ الأرْضِ المَيْتَةِ آيَةٌ، وكَذَلِكَ نَسْلَخُ. وقِيلَ: أحْيَيْناها في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ فِيها آيَةٌ بِما فِيها مِن مَعْنى الإعْلامِ، ويَكُونُ آيَةٌ خَبَرًا مُقَدَّمًا، والأرْضُ المَيْتَةُ مُبْتَدَأٌ؛ فالنِّيَّةُ بِـ (آيَةٌ) التَّأْخِيرُ، والتَّقْدِيرُ: والأرْضُ المَيْتَةُ آيَةٌ لَهم مُحْياةً كَقَوْلِكَ: قائِمٌ زَيْدٌ مُسْرِعًا، أيْ زَيْدٌ قائِمٌ مُسْرِعًا، ولَهم مُتَعَلِّقٌ بِـ (آيَةٌ)، لا صِفَةٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُوصَفَ الأرْضُ واللَّيْلُ بِالفِعْلِ؛ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِما الجِنْسانِ مُطْلَقَيْنِ لا أرْضٌ، ولَيْلٌ بِإحْيائِهِما، فَعُومِلا مُعامَلَةَ النَّكِراتِ في وصْفِها بِالأفْعالِ ونَحْوِهِ:

ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي

انْتَهى. وهَذا هَدْمٌ لِما اسْتَقَرَّ عِنْدَ أئِمَّةِ النَّحْوِ مِن أنَّ النَّكِرَةَ لا تُنْعَتُ إلّا بِالنَّكِرَةِ، والمَعْرِفَةَ لا تُنْعَتُ إلّا بِالمَعْرِفَةِ، (p-٣٣٥)ولا دَلِيلَ لِمَن ذَهَبَ إلى ذَلِكَ. وأمّا يَسُبُّنِي فَحالٌ، أيْ سابٌّ لِي، وقَدْ تَبِعَ الزَّمَخْشَرِيُّ ابْنَ مالِكٍ عَلى ذَلِكَ في التَّسْهِيلِ مِن تَأْلِيفِهِ. وفي هَذِهِ الجُمَلِ تَعَدُّدٌ نَعَمْ إحْياؤُها بِحَيْثُ تَصِيرُ مُخْضَرَّةً تُبْهِجُ النَّفْسَ والعَيْنَ، وإخْراجُ الحَبِّ مِنها حَيْثُ صارَ ما يَعِيشُونَ بِهِ في المَكانِ الَّذِي هم فِيهِ مُسْتَقِرُّونَ، لا في السَّماءِ ولا في الهَواءِ، وجَعَلَ الحَبّاتِ لِأنَّهم أكَلُوا مِنَ الحَبِّ، ورُبَّما تاقَتِ النَّفْسُ إلى النَّقْلَةِ، فالأرْضُ يُوجَدُ مِنها الحَبُّ، والشَّجَرُ يُوجَدُ مِنهُ الثَّمَرُ، وتَفْجِيرُ العُيُونِ يَحْصُلُ بِهِ الِاعْتِمادُ عَلى تَحْصِيلِ الزَّرْعِ والثَّمَرِ، ولَوْ كانَ مِنَ السَّماءِ لَمْ يُدْرَ أيْنَ يُغْرَسُ ولا أيْنَ يَقَعُ المَطَرُ. وقَرَأ جَناحُ بْنُ حُبَيْشٍ (وفَجَرْنا) بِالتَّخْفِيفِ، والجُمْهُورُ: بِالتَّشْدِيدِ. (ومِن ثَمَرِهِ) بِفَتْحَتَيْنِ؛ وطَلْحَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: بِضَمَّتَيْنِ؛ والأعْمَشُ: بِضَمِّ الثّاءِ وسُكُونِ المِيمِ؛ والضَّمِيرُ في ثَمَرِهِ عائِدٌ عَلى الماءِ، قِيلَ: لِدَلالَةِ العُيُونِ عَلَيْهِ ولِكَوْنِهِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مِن ماءِ العُيُونِ؛ وقِيلَ: عَلى النَّخِيلِ، واكْتَفى بِهِ لِلْعِلْمِ في اشْتِراكِ الأعْيانِ فِيما عُلِّقَ بِهِ النَّخِيلُ مِن أكْلِ ثَمَرِهِ، أوْ يُرادُ مِن ثَمَرِ المَذْكُورِ، وهو الجَنّاتُ، كَما قالَ الشّاعِرُ:

؎فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ ∗∗∗ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ

فَقِيلَ لَهُ: كَيْفَ قُلْتَ بِعُيُونٍ، كَأنَّهُ والَّذِي تَقَدَّمَ خُطُوطٌ ؟ فَقالَ أرْتٌ: كانَ ذاكَ. وقِيلَ: عائِدٌ إلى التَّفْجِيرِ الدّالِّ عَلَيْهِ وفَجَّرْنا الآيَةَ أقْرَبُ مَذْكُورٍ، وعَنى بِثَمَرَهِ فَوائِدَهُ، كَما تَقُولُ: ثَمَرَةُ التِّجارَةِ الرِّبْحُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأصْلُهُ مِن ثَمَرِنا، كَما قالَ (وجَعَلْنا)، (وفَجَّرْنا)، فَنَقَلَ الكَلامَ مِنَ التَّكَلُّمِ إلى الغَيْبَةِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ، والمَعْنى: لِيَأْكُلُوا مِمّا خَلَقَهُ اللَّهُ مِنَ الثَّمَرِ، ومِمّا عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ مِنَ الغَرْسِ والسَّقْيِ والآبارِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأعْمالِ إلى أنْ بَلَغَ الثَّمَرُ مُنْتَهاهُ، وبانَ أُكُلُهُ يَعْنِي أنَّ الثَّمَرَ في نَفْسِهِ فِعْلُ اللَّهِ وخَلْقُهُ، وفِيهِ آثارٌ مِن كَدِّ بَنِي آدَمَ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً، عَلى أنَّ الثَّمَرَ خَلْقُ اللَّهِ، ولَمْ تَعْمَلْهُ أيْدِي النّاسِ، ولا يَقْدِرُونَ عَلى خَلْقِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وما عَمِلَتْهُ﴾ بِالضَّمِيرِ، فَإنْ كانَتْ (ما) مَوْصُولَةً فالضَّمِيرُ عائِدٌ عَلَيْها، وإنْ كانَتْ نافِيَةً فالضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الثَّمَرِ. وقَرَأ طَلْحَةُ، وعِيسى، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ: بِغَيْرِ ضَمِيرٍ، مَفْعُولُ (عَمِلَتْ) عَلى التَّقْدِيرَيْنِ مَحْذُوفٌ، وجُوِّزَ في هَذِهِ القِراءَةِ أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، أيْ وعَمَلِ أيْدِيهِمْ، وهو مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ المَعْمُولُ، فَيَعُودُ إلى مَعْنى المَوْصُولِ.

ولَمّا عَدَّدَ تَعالى هَذِهِ النِّعَمَ، حَضَّ عَلى الشُّكْرِ فَقالَ؛ ﴿أفَلا يَشْكُرُونَ﴾، ثُمَّ نَزَّهَ تَعالى نَفْسَهُ عَنْ كُلِّ ما يُلْحِدُ بِهِ مُلْحِدٌ، أوْ يُشْرِكُ بِهِ مُشْرِكٌ، فَذَكَرَ إنْشاءَ الأزْواجِ، وهي الأنْواعُ مِن جَمِيعِ الأشْياءِ، ﴿مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ﴾ مِنَ النَّخْلِ والشَّجَرِ والزَّرْعِ والثَّمَرِ وغَيْرِ ذَلِكَ. وكُلُّ صِنْفٍ زَوْجٌ مُخْتَلِفٌ لَوْنًا وطَعْمًا وشَكْلًا وصِغَرًا وكِبَرًا، ﴿ومِن أنْفُسِهِمْ﴾ ذُكُورًا وإناثًا، ﴿ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ وأنْواعًا مِمّا لا يَعْلَمُونَ، أُعْلِمُوا بِوُجُودِهِ ولَمْ يَعْلَمُوا ما هو، إذْ لا يَتَعَلَّقُ عِلْمُهم بِماهِيَّتِهِ، أمْرٌ مُحْتاجٌ إلَيْهِ في دِينٍ ولا دُنْيا. وفي إعْلامِهِ بِكَثْرَةِ مَخْلُوقاتِهِ دَلِيلٌ عَلى اتِّساعِ مُلْكِهِ وعِظَمِ قُدْرَتِهِ.

ولَمّا ذَكَرَ تَعالى الِاسْتِدْلالَ بِأحْوالِ الأرْضِ، وهي المَكانُ الكُلِّيُّ، ذَكَرَ الِاسْتِدْلالَ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، وهو الزَّمانُ الكُلِّيُّ؛ وبَيْنَهُما مُناسَبَةٌ؛ لِأنَّ المَكانَ لا تَسْتَغْنِي عَنْهُ الجَواهِرُ، والزَّمانَ لا تَسْتَغْنِي عَنْهُ الأعْراضُ؛ لِأنَّ كُلَّ عَرَضٍ فَهو في زَمانٍ، ومِثْلُهُ مَذْكُورٌ في قَوْلِهِ ﴿ومِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ والشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [فصلت: ٣٧]، ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ ﴿ومِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً﴾ [فصلت: ٣٩] الآيَةَ. وبَدَأ هُناكَ بِالزَّمانِ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ إثْباتُ الوَحْدانِيَّةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ﴾ [فصلت: ٣٧] الآيَةَ، ثُمَّ الحَشْرِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى﴾ [فصلت: ٣٩]، وهَذا المَقْصُودُ الحَشْرُ أوَّلًا لِأنَّ ذِكْرَهُ فِيها أكْثَرُ، وذِكَرَ التَّوْحِيدِ في فُصِّلَتْ أكْثَرُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ﴾ [فصلت: ٩] . انْتَهى، وهو مِن كَلامِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ، وفِيهِ تَلْخِيصٌ.

و﴿نَسْلَخُ﴾ مَعْناهُ نَكْشِطُ ونُقَشِّرُ، وهو اسْتِعارَةٌ لِإزالَةِ الضَّوْءِ وكَشْفِهِ عَنْ مَكانِ اللَّيْلِ. و﴿مُظْلِمُونَ﴾ داخِلُونَ في الظَّلامِ، (p-٣٣٦)كَما تَقُولُ: أعَتَّمْنا وأسْحَرْنا: دَخَلْنا في العَتَمَةِ وفي السَّحَرِ. واسْتَدَلَّ قَوْمٌ بِهَذا عَلى أنَّ اللَّيْلَ أصْلٌ والنَّهارَ فَرْعٌ طارِئٌ عَلَيْهِ، ومُسْتَقَرُّ الشَّمْسِ بَيْنَ يَدَيِ العَرْشِ تَسْجُدُ فِيهِ كُلَّ لَيْلَةٍ بَعْدَ غُرُوبِها. كَما جاءَ في حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ: «ويُقالُ لَها اطْلَعِي مِن حَيْثُ طَلَعْتِ، فَإذا كانَ طُلُوعُها مِن مَغْرِبِها يُقالُ لَها اطْلَعِي مِن حَيْثُ غَرَبْتِ، فَذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها، لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا». وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا غَرَبَتْ وانْتَهَتْ إلى المَوْضِعِ الَّذِي لا تَتَجاوَزُهُ، اسْتَوَتْ تَحْتَ العَرْشِ إلى أنْ تَطْلُعَ. وقالَ الحَسَنُ: لِلشَّمْسِ في السَّنَةِ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ مَطْلَعًا، تَنْزِلُ كُلَّ يَوْمٍ مَطْلَعًا، ثُمَّ لا تَنْزِلُ إلى الحَوْلِ، وهي تَجْرِي في فَلَكِ المَنازِلِ، أوْ يَوْمِ القِيامَةِ، أوْ غَيْبُوبَتِها؛ لِأنَّها تَجْرِي كُلَّ وقْتٍ إلى حَدٍّ مَحْدُودٍ تَغْرُبُ فِيهِ، أوْ أحَدِ مَطالِعِها في المُنْقَلِبَيْنِ؛ لِأنَّهُما نِهايَتا مَطالِعِها؛ فَإذا اسْتَقَرَّ وُصُولُها كَرَّتْ راجِعَةً، وإلّا فَهي لا تَسْتَقِرُّ عَنْ حَرَكَتِها طَرْفَةَ عَيْنٍ. ونَحا إلى هَذا ابْنُ قُتَيْبَةَ، أوْ وُقُوفُها عِنْدَ الزَّوالِ كُلَّ يَوْمٍ، ودَلِيلُ اسْتِقْرارِها وُقُوفُ ذَلِكَ الظَّلامِ حِينَئِذٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِمُسْتَقَرٍّ لَها: لِحَدِّها مُؤَقَّتٌ مُقَدَّرٌ تَنْتَهِي إلَيْهِ مِن فَلَكِها في آخِرِ السَّنَةِ. شَبَّهَ بِمُسْتَقَرِّ المُسافِرِ إذا قَطَعَ مَسِيرَهُ، أوْ كَمُنْتَهى لَها مِنَ المَشارِقِ والمَغارِبِ؛ لِأنَّها تَتَقَصّاها مَشْرِقًا مَشْرِقًا ومَغْرِبًا مَغْرِبًا حَتّى تَبْلُغَ أقْصاها ثُمَّ تَرْجِعَ، فَلِذَلِكَ حَدُّها ومُسْتَقَرُّها؛ لِأنَّها لا تَعْدُوهُ أوْ لا يَعْدُ لَها مِن مَسِيرِها كُلَّ يَوْمٍ في مَرْأى عُيُونِنا وهو المَغْرِبُ. وقِيلَ: مُسْتَقَرُّها: مَحَلُّها الَّذِي أقَرَّ اللَّهُ عَلَيْهِ أمْرَها في جَرْيِها فاسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ، وهو آخِرُ السَّنَةِ. وقِيلَ: الوَقْتُ الَّذِي تَسْتَقِرُّ فِيهِ ويَنْقَطِعُ جَرْيُها، وهو يَوْمُ القِيامَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском