Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Az-Zumar 39:64–75
39:64–70Page 465
قُلۡ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَأۡمُرُوٓنِّيٓ أَعۡبُدُ أَيُّهَا ٱلۡجَٰهِلُونَ ٦٤
Say, [O Muḥammad], "Is it other than Allāh that you order me to worship, O ignorant ones?"
وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٦٥
And it was already revealed to you and to those before you that if you should associate [anything] with Allāh, your work would surely become worthless, and you would surely be among the losers.
بَلِ ٱللَّهَ فَٱعۡبُدۡ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٦٦
Rather, worship [only] Allāh and be among the grateful.
وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦ وَٱلۡأَرۡضُ جَمِيعٗا قَبۡضَتُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِۦۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٧
They have not appraised Allāh with true appraisal,1 while the earth entirely will be [within] His grip2 on the Day of Resurrection, and the heavens will be folded in His right hand.3 Exalted is He and high above what they associate with Him.
وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخۡرَىٰ فَإِذَا هُمۡ قِيَامٞ يَنظُرُونَ ٦٨
And the Horn will be blown, and whoever is in the heavens and whoever is on the earth will fall dead except whom Allāh wills. Then it will be blown again, and at once they will be standing, looking on.
وَأَشۡرَقَتِ ٱلۡأَرۡضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ وَجِاْيٓءَ بِٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٦٩
And the earth will shine with the light of its Lord, and the record [of deeds] will be placed, and the prophets and the witnesses will be brought, and it will be judged between them in truth, and they will not be wronged.
وَوُفِّيَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِمَا يَفۡعَلُونَ ٧٠
And every soul will be fully compensated [for] what it did; and He is most knowing1 of what they do.
﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿وأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها ووُضِعَ الكِتابُ وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ والشُّهَداءِ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهو أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ .
رُوِيَ أنَّهُ قالَ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - المُشْرِكُونَ: اسْتَلِمْ بَعْضَ آلِهَتِنا ونُؤْمِنُ بِإلَهِكَ، و(غَيْرَ) مَنصُوبٌ بِـ (أعْبُدُ) .
قالَ الأخْفَشُ: ﴿تَأْمُرُونِّي﴾ مُلْغاةٌ، وعَنْهُ أيْضًا: (أفَغَيْرَ) نُصِبَ بِـ ﴿تَأْمُرُونِّي﴾ لا بِـ (أعْبُدُ)؛ لِأنَّ الصِّلَةَ لا تَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، إذِ المَوْصُولُ مِنهُ حُذِفَ فَرُفِعَ، كَما في قَوْلِهِ:
؎ألا أيُّها ذا الزّاجِرِي أحْضُرَ الوَغى
والصِّلَةُ مَعَ المَوْصُولِ في مَوْضِعِ النَّصْبِ بَدَلٌ مِنهُ، أيْ: أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونَنِي عِبادَتَهُ ؟ والمَعْنى: أتَأْمُرُونَنِي بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ ؟ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ يُنْصَبُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ قَوْلِهِ: ﴿تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ﴾؛ لِأنَّهُ في مَعْنى تَعْبُدُونَ وتَقُولُونَ لِي: أعْبُدُهُ، وأفَغَيْرَ اللَّهِ تَقُولُونَ لِي أعْبُدُ، فَكَذَلِكَ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَقُولُونَ لِي أنْ أعْبُدَهُ، وأفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أنْ أعْبُدَ.
والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا الوَجْهِ (p-٤٣٩)قِراءاتُ مَن قَرَأ (أعْبُدَ) بِالنَّصْبِ، يَعْنِي: بِنَصْبِ الدّالِ بِإضْمارِ أنْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَأْمُرُونِّي﴾، بِإدْغامِ النُّونِ في نُونِ الوِقايَةِ وسُكُونِ الياءِ؛ وفَتَحَها ابْنُ كَثِيرٍ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: (تَأْمُرُنَّنِي)، بِنُونَيْنِ عَلى الأصْلِ؛ ونافِعٌ: (تَأْمُرُنِيَ)، بِنُونٍ واحِدَةٍ مَكْسُورَةٍ وفَتْحِ الياءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا عَلى حَذْفِ النُّونِ الواحِدَةِ، وهي المُوَطِئَةُ لِياءِ المُتَكَلِّمِ، ولا يَجُوزُ حَذْفُ النُّونِ الأُولى، وهو لَحْنٌ؛ لِأنَّها عَلامَةُ رَفْعِ الفِعْلِ. انْتَهى.
وفِي المَسْألَةِ خِلافٌ، مِنهم مِن يَقُولُ: المَحْذُوفَةُ نُونُ الرَّفْعِ، ومِنهم مِن يَقُولُ: نُونُ الوِقايَةِ، ولَيْسَ بِلَحْنٍ؛ لِأنَّ التَّرْكِيبَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، والخِلافُ جَرى في أيِّهِما حُذِفَ، ونَخْتارُ أنَّها نُونُ الرَّفْعِ.
ولَمّا كانَ الأمْرُ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ لا يَصْدُرُ إلّا مِن غَبِيٍّ جاهِلٍ، ناداهم بِالوَصْفِ المُقْتَضِي ذَلِكَ فَقالَ: ﴿أيُّها الجاهِلُونَ﴾ .
ولَمّا كانَ الإشْراكُ مُسْتَحِيلًا عَلى مَن عَصَمَهُ اللَّهُ، وجَبَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ﴾ أيُّها السّامِعُ، ومَضى الخِطابُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ. ويَدُلُّ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أنَّهُ لَيْسَ بِراجِعِ الخِطابِ لِلرَّسُولِ إفْرادُ الخِطابِ في ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ﴾، إذْ لَوْ كانَ هو المُخاطَبَ، لَكانَ التَّرْكِيبُ: لَئِنْ أشْرَكْتُما، فَيَشْمَلُ ضَمِيرُ هو ضَمِيرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِ، ويُغَلَّبُ الخِطابُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): المُومى إلَيْهِمْ جَماعَةٌ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ﴾ عَلى التَّوْحِيدِ ؟ (قُلْتُ) مَعْناهُ: لَئِنْ أُوحِيَ إلَيْكَ، لَئِنْ أشْرَكْتَ لِيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ، وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ مِثْلُهُ، وأُوحِيَ إلَيْكَ وإلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ﴾، كَما تَقُولُ: كَسانا حُلَّةً، أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنّا. (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ يَصِحُّ هَذا الكَلامُ مَعَ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى أنَّ رُسُلَهُ لا يُشْرِكُونَ ولا يَحْبَطُ أعْمالُهم ؟ (قُلْتُ): هو عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والمُحالاتِ يَصِحُّ فَرْضُها ثُمَّ ذَكَرَ كَلامًا يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابِهِ.
ويُسْتَدَلُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى حُبُوطِ عَمَلِ المُرْتَدِّ مِن صَلاةٍ وغَيْرِها. و(أُوحِيَ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، ويَظْهَرُ أنَّ الوَحْيَ هو هَذِهِ الجُمَلُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ﴾ إلى: (مِنَ الخاسِرِينَ)، وهَذا لا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ الجُمَلَ لا تَكُونُ فاعِلَةً، فَلا تَقُومُ مَقامَ الفاعِلِ.
وقالَ مُقاتِلٌ: أوْحى إلَيْكَ بِالتَّوْحِيدِ، والتَّوْحِيدُ مَحْذُوفٌ. ثُمَّ قالَ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خاصَّةً. انْتَهى.
فَيَكُونُ الَّذِي أُقِيمَ مَقامَ الفاعِلِ هو الجارَّ والمَجْرُورَ، وهو إلَيْكَ، وبِالتَّوْحِيدِ فَضْلَةً يَجُوزُ حَذْفُها لِدَلالَةِ ما قَبْلَها عَلَيْها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَيَحْبَطَنَّ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ﴿عَمَلُكَ﴾: رُفِعَ بِهِ. وقُرِئَ: ﴿لَيُحْبِطَنَّ﴾ بِالياءِ، مِن أحْبَطَ عَمَلَهُ بِالنَّصْبِ، أيْ: لَيُحْبِطَنَّ اللَّهُ عَمَلَكَ، أوِ الإشْراكُ عَمَلَكَ.
وقُرِئَ بِالنُّونِ أيْ: (لَنُحْبِطَنَّ عَمَلَكَ) بِالنَّصْبِ، والجَلالَةُ مَنصُوبَةٌ بِقَوْلِهِ: (فاعْبُدْ) عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: زَيْدًا فاضْرِبْ، ولَهُ تَقْرِيرٌ في النَّحْوِ وكَيْفَ دَخَلَتْ هَذِهِ الفاءُ.
وقالَ الفَرّاءُ: إنْ شِئْتَ نَصْبَهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ قَبْلَهُ، كَأنَّهُ يُقَدَّرُ: اعْبُدِ اللَّهَ فاعْبُدْهُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ﴾، لِما أمَرُوهُ بِهِ مِنَ اسْتِلامِ بَعْضِ آلِهَتِهِمْ، كَأنَّهُ قالَ: لا تَعْبُدْ ما أمَرُوكَ بِعِبادَتِهِ، بَلْ إنْ كُنْتَ عاقِلًا فاعْبُدِ اللَّهَ، فَحُذِفَ الشَّرْطُ وجُعِلَ تَقَدُّمُ المَفْعُولِ عِوَضًا مِنهُ. انْتَهى.
ولا يَكُونُ تَقَدُّمُ المَفْعُولِ عِوَضًا مِنَ الشَّرْطِ لِجَوازِ أنْ يَجِيءَ: زَيْدٌ فَعَمْرًا اضْرِبْ. فَلَوْ كانَ عِوَضًا، لَمْ يَجُزِ الجَمْعُ بَيْنَهُما.
﴿وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ لِأنْعُمِهِ الَّتِي أعْظَمُها الهِدايَةُ لِدِينِ اللَّهِ. وقَرَأ عِيسى: (بَلِ اللَّهُ) بِالرَّفْعِ، والجُمْهُورُ: بِالنَّصْبِ.
﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أيْ: ما عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، وما قَدَرُوهُ في أنْفُسِهِمْ حَقَّ تَقْدِيرِهِ، إذْ أشْرَكُوا مَعَهُ غَيْرَهُ، وساوَوْا بَيْنَهُ وبَيْنَ الحَجَرِ والخَشَبِ في العِبادَةِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ: ﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾ بِفَتْحِ الدّالِ؛ وقَرَأ الحَسَنُ، وعِيسى، وأبُو نَوْفَلٍ، وأبُو حَيْوَةَ ﴿وما قَدَرُوا﴾ بِتَشْدِيدِ الدّالِ، ﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾: بِفَتْحِ الدّالِ، أيْ: ما عَظَّمُوهُ حَقِيقَةَ تَعْظِيمِهِ. والضَّمِيرُ في (قَدَرُوا)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في كُفّارِ قُرَيْشٍ، كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ كُلُّها مُحاوَرَةً لَهم ورَدًّا عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ تَكَلَّمُوا في صِفاتِ اللَّهِ وجَلالِهِ، فَألْحَدُوا وجَسَّمُوا وجاءُوا بِكُلِّ تَخْلِيطٍ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَذْكُورَةٌ في الأنْعامِ وفي الحَجِّ وهُنا.
ولَمّا أخْبَرَ أنَّهم ما عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ، نَبَّهَهم عَلى عَظَمَتِهِ وجَلالَةِ شَأْنِهِ عَلى (p-٤٤٠)طَرِيقِ التَّصْوِيرِ والتَّخْيِيلِ فَقالَ: ﴿والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والغَرَضُ مِن هَذا الكَلامِ، إذا أخَذْتَهُ كَما هو بِجُمْلَتِهِ ومَجْمُوعِهِ تَصْوِيرُ عَظَمَتِهِ، والتَّوْقِيفُ عَلى كُنْهِ جَلالِهِ لا غَيْرَ، مِن غَيْرِ ذَهابٍ بِالقَبْضَةِ ولا بِاليَمِينِ إلى جِهَةِ حَقِيقَةٍ أوْ جِهَةِ مَجازٍ. انْتَهى.
ويَعْنِي: أوْ جِهَةِ مَجازٍ مُعَيَّنٍ، والإخْبارُ: التَّصْوِيرُ، والتَّخْيِيلُ هو مِنَ المَجازِ. وقالَ غَيْرُهُ: الأصْلُ في الكَلامِ حَمْلُهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، فَإنْ قامَ دَلِيلٌ مُنْفَصِلٌ عَلى تَعَذُّرِ حَمْلِهِ عَلَيْها، تَعَيَّنَ صَرْفُهُ إلى المَجازِ.
فَلَفْظُ القَبْضَةِ واليَمِينِ حَقِيقَةٌ في الجارِحَةِ، والدَّلِيلُ العَقْلِيُّ قائِمٌ عَلى امْتِناعِ ثُبُوتِ الأعْضاءِ والجَوارِحِ لِلَّهِ تَعالى، فَوَجَبَ الحَمْلُ عَلى المَجازِ، وذَلِكَ أنَّهُ يُقالُ: فُلانٌ في قَبْضَةِ فُلانٍ، إذا كانَ تَحْتَ تَدْبِيرِهِ وتَسْخِيرِهِ، ومِنهُ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]، فالمُرادُ كَوْنُهُ مَمْلُوكًا لَهم، وهَذِهِ الدّارُ في يَدِ فُلانٍ، وقَبَضَ فُلانٌ كَذا، وصارَ في قَبْضَتِهِ، يُرِيدُونَ خُلُوصَ مِلْكِهِ، وهَذا كُلُّهُ مَجازٌ مُسْتَفِيضٌ مُسْتَعْمَلٌ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: اليَمِينُ هُنا والقَبْضَةُ عِبارَةٌ عَنِ القُدْرَةِ، وما اخْتَلَجَ في الصَّدْرِ مِن غَيْرِ ذَلِكَ باطِلٌ.
وما ذَهَبَ إلَيْهِ القاضِي، يَعْنِي ابْنُ الطَّيِّبِ، مِن أنَّها صِفاتٌ زائِدَةٌ عَلى صِفاتِ الذّاتِ، قَوْلٌ ضَعِيفٌ، وبِحَسَبِ ما يَخْتَلِجُ في النُّفُوسِ الَّتِي لَمْ يُحْصِها العِلْمُ.
قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ أيْ: مُنَزَّهٌ عَنْ جَمِيعِ الشُّبَهِ الَّتِي لا تَلِيقُ بِهِ. انْتَهى.
وقالَ القَفّالُ: هَذا كَقَوْلِ القائِلِ: وما قَدَّرَنِي حَقَّ قَدْرِي، وأنا الَّذِي فَعَلْتُ كَذا وكَذا، أيْ: لَمّا عَرَفْتَ أنَّ حالِي وصِفَتِي هَذا الَّذِي ذَكَرْتُ، وجَبَ أنْ لا تُخْطِئَ عَنْ قَدْرِي ومَنزِلَتِي، ونَظِيرُهُ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨]، أيْ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِمَن هَذِهِ صِفَتُهُ وحالُ مُلْكِهِ ؟ فَكَذا هُنا، ﴿وما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أيْ: زَعَمُوا أنَّ لَهُ شُرَكاءً، وأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى إحْياءِ المَوْتى، مَعَ أنَّ الأرْضَ والسَّماواتِ في قَبْضَةِ قُدْرَتِهِ. انْتَهى.
(والأرْضُ) أيْ: والأرْضُونَ السَّبْعِ، ولِذَلِكَ أكَّدَ بِقَوْلِهِ: (جَمِيعًا)، وعَطَفَ عَلَيْهِ (والسَّماواتُ)، وهو جَمْعٌ، والمَوْضِعُ مَوْضِعُ تَفْخِيمٍ، فَهو مُقْتَضِ المُبالَغَةَ. والقَبْضَةُ: المَرَّةُ الواحِدَةُ مِنَ القَبْضِ، وبِالضَّمِّ: المِقْدارُ المَقْبُوضُ بِالكَفِّ، ويُقالُ في المِقْدارِ: قَبْضَتَهُ بِالفَتْحِ، تَسْمِيَةٌ لَهُ بِالقَدْرِ، فاحْتَمَلَ هُنا هَذا المَعْنى. واحْتَمَلَ أنْ يُرادَ المَصْدَرُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ذَواتُ قَبْضَةٍ، أيْ: يَقْبِضُهُنَّ قَبْضَةً واحِدَةً، فالأرْضُونَ مَعَ سِعَتِها وبَسْطَتِها لا يَبْلُغْنَ إلّا قَبْضَةَ كَفٍّ، وانْتَصَبَ جَمِيعًا عَلى الحالِ.
قالَ الحَوْفِيُّ: والعامِلُ في الحالِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَبْضَتُهُ. انْتَهى.
ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ قَبْضَتُهُ، سَواءٌ كانَ مَصْدَرًا، أمْ أُرِيدَ بِهِ المِقْدارُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعَ القَصْدِ إلى الجَمْعِ يَعْنِي في الأرْضِ، وأنَّهُ أُرِيدَ بِها الجَمْعُ قالَ: وتَأْكِيدُهُ بِالجَمِيعِ، أتْبَعَ الجَمِيعَ مُؤَكِّدَةً قَبْلَ مَجِيءِ ذَلِكَ الخَبَرِ، لِيُعْلَمَ أوَّلُ الأمْرِ أنَّ الخَبَرَ الَّذِي يَرِدُ لا يَقَعُ عَنْ أرْضٍ واحِدَةٍ، ولَكِنْ عَنِ الأراضِي كُلِّهِنَّ. انْتَهى.
ولَمْ يَذْكُرْ العامِلُ في الحالِ، و(يَوْمَ القِيامَةِ) مَعْمُولٌ لِقَبْضَتِهِ. وقَرَأ الحَسَنُ: ﴿قَبْضَتُهُ﴾ بِالنَّصْبِ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: بِتَقْدِيرِ في قَبْضَتِهِ، هَذا قَوْلُ الكُوفِيِّينَ.
وأمّا أهْلُ البَصْرَةِ فَلا يُجِيزُونَ ذَلِكَ، كَما لا يُقالُ: زَيْدٌ دارًا. انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَعَلَها ظَرْفًا مُشَبِّهًا لِلْوَقْتِ بِالمُبْهَمِ. وقَرَأ عِيسى، والجَحْدَرِيُّ: ﴿مَطْوِيّاتٌ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ، وعَطْفِ (والسَّماواتُ) عَلى (الأرْضُ) فَهي داخِلَةٌ في حَيِّزِ (والأرْضُ) فالجَمِيعُ قَبَضْتُهُ. وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ القِراءَةِ الأخْفَشُ عَلى جَوازِ: زَيْدٌ قائِمًا في الدّارِ، إذْ أُعْرِبَ (والسَّماواتُ) مُبْتَدَأٌ، و(بِيَمِينِهِ) الخَبَرُ، وتَقَدَّمَتِ الحالُ والمَجْرُورُ، ولا حُجَّةَ فِيهِ، إذْ يَكُونُ (والسَّماواتُ) مَعْطُوفًا عَلى (والأرْضُ)، كَما قُلْنا، و(بِيَمِينِهِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿مَطْوِيّاتٌ﴾، و﴿مَطْوِيّاتٌ﴾: مِنَ الطَّيِّ الَّذِي هو ضِدُّ النَّشْرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] وعادَةُ طاوِي السِّجِلِّ أنْ يَطْوِيَهُ بِيَمِينِهِ. وقِيلَ: قَبَضَتُهُ مِلْكُهُ بِلا مُدافِعٍ ولا مُنازِعٍ، وبِيَمِينِهِ: وبِقُدْرَتِهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقِيلَ: ﴿مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾: مُفْنَياتٌ بِقَسَمِهِ؛ لِأنَّهُ أقْسَمَ أنَّ يُفْنِيَها؛ ثُمَّ أخَذَ يُنَحِّي عَلى مَن تَأوَّلَ هَذا التَّأْوِيلَ بِما (p-٤٤١)يُوقَفُ عَلَيْهِ في كِتابِهِ، وإنَّما قَدَّرَ عَظَمَتَهُ بِما سَبَقَ إرْدافُهُ أيْضًا بِما يُناسِبُ مِن ذَلِكَ، إذْ كانَ فِيما تَقَدَّمَ ذَكَرَ حالَ الأرْضِ والسَّماواتِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَقالَ: ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾، وهَلِ النَّفْخُ في الصُّورِ ثَلاثُ مَرّاتٍ أوْ نَفْخَتانِ ؟ قَوْلُ الجُمْهُورِ: فَنَفْخَةُ الفَزَعِ هي نَفْخَةُ الصَّعْقِ، والصَّعْقُ هُنا المَوْتُ، أيْ: فَماتَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والصُّورُ هُنا: القَرْنُ، ولا يُتَصَوَّرُ هُنا غَيْرُ هَذا. ومَن يَقُولُ: الصُّورُ جَمْعُ صُورَةٍ، فَإنَّما يَتَوَجَّهُ قَوْلُهُ في نَفْخَةِ البَعْثِ. ورُوِيَ أنَّ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أرْبَعِينَ. انْتَهى، ولَمْ يُعَيَّنْ.
وقِراءَةُ قَتادَةَ، وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ هُنا: في (الصُّوَرِ)، بِفَتْحِ الواوِ جَمْعُ صُورَةٍ، يُعَكِّرُ عَلى قَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ؛ لِأنَّهُ لا يُتَصَوَّرُ هُنا إلّا أنْ يَكُونَ القَرْنُ، بَلْ يَكُونُ هَذا النَّفْخُ في (الصُّورِ) مَجازًا عَنْ مُشارَفَةِ المَوْتِ وخُرُوجِ الرُّوحِ.
وقُرِئَ: ﴿فَصَعِقَ﴾ بِضَمِّ الصّادِ، والظّاهِرُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مَعْناهُ: ﴿إلّا مَن شاءَ اللَّهُ﴾، فَلَمْ يُصْعَقْ أيْ: لَمْ يَمُتْ، والمُسْتَثْنَوْنَ: جِبْرِيلُ، ومِيكائِيلُ، وإسْرافِيلُ، ومَلَكُ المَوْتِ، أوْ رَضْوانُ خازِنُ الجَنَّةِ، والحُورُ، ومالِكٌ، والزَّبانِيَةُ؛ أوِ المُسْتَثْنى اللَّهُ، أقْوالٌ آخِرُها لِلْحَسَنِ، وما قَبْلَهُ لِلضَّحّاكِ.
وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ يَرْجِعُ إلى مَن ماتَ قَبْلَ الصَّعْقَةِ الأُولى، أيْ: يَمُوتُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا مَن سَبَقَ مَوْتُهُ؛ لِأنَّهم كانُوا قَدْ ماتُوا، وهَذا نَظِيرُ: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦]، ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى﴾ واحْتَمَلَ أُخْرى عَلى أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والقائِمُ مَقامَ الفاعِلِ الجارُ والمَجْرُورُ، كَما أُقِيمَ في الأوَّلِ، وأنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ مَقامًا مَقامَ الفاعِلِ، كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣] .
﴿فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ أيْ: أحْياءٌ قَدْ أُعِيدَتْ لَهُمُ الأبْدانُ والأرْواحُ، (يُنْظَرُونَ) أيْ: يَنْتَظِرُونَ ما يُؤْمَرُونَ، أوْ يَنْتَظِرُونَ ماذا يُفْعَلُ بِهِمْ، أوْ يُقَلِّبُونَ أبْصارَهم في الجِهاتِ نَظَرَ المَبْهُوتِ إذا فاجَأهُ خَطْبٌ عَظِيمٌ.
والظّاهِرُ قِيامُهُمُ الَّذِي هو ضِدُّ القُعُودِ لِأجْلِ اسْتِيلاءِ الذِّهْنِ عَلَيْهِمْ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (قِيامًا) بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ، وخَبَرُ المُبْتَدَأِ الظَّرْفُ الَّذِي هو إذا الفُجائِيَّةُ، وهي حالٌ لا بُدَّ مِنها، إذْ هي مَحَطُّ الفائِدَةِ، إلّا أنْ يُقَدَّرَ الخَبَرُ مَحْذُوفًا، أيْ: فَإذا هم مَبْعُوثُونَ، أيْ: مَوْجُودُونَ قِيامًا.
وإنْ نَصَبْتَ قِيامًا عَلى الحالِ، فالعامِلُ فِيها ذَلِكَ الخَبَرُ المَحْذُوفُ. إنْ قُلْنا: الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، وأنْ لا عامِلَ، فالعامِلُ هو العامِلُ في الظَّرْفِ، إنْ كانَ إذا ظَرْفَ مَكانٍ عَلى ما يَقْتَضِيهِ كَلامُ سِيبَوَيْهِ، فَتَقْدِيرُهُ: فَبِالحَضْرَةِ هم قِيامًا؛ وإنْ كانَ ظَرْفَ زَمانٍ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الرِّياشَيُّ، فَتَقْدِيرُهُ: فَفي ذَلِكَ الزَّمانِ الَّذِي نُفِخَ فِيهِ، هم أيْ: وُجُودُهم، واحْتِيجَ إلى تَقْدِيرِ هَذا المُضافِ؛ لِأنَّ ظَرْفَ الزَّمانِ لا يَكُونُ خَبَرًا عَنِ الجُثَّةِ؛ وإنْ كانَتْ إذا حَرْفًا، كَما زَعَمَ الكُوفِيُّونَ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ الخَبَرِ، إلّا إنِ اعْتُقِدَ أنَّ يَنْظُرُونَ هو الخَبَرُ، ويَكُونُ يَنْظُرُونَ عامِلًا في الحالِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وأشْرَقَتِ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ: أضاءَتْ؛ وابْنُ عَبّاسٍ، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وأبُو الجَوْزاءِ: مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِن شَرَقَتْ بِالضَّوْءِ تَشْرُقُ، إذا امْتَلَأتْ بِهِ واغْتَصَّتْ وأشْرَقَها اللَّهُ، كَما تَقُولُ: مَلَأ الأرْضَ عَدْلًا وطَبَّقَها عَدْلًا، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا إنَّما يَتَرَتَّبُ عَلى فِعْلٍ يَتَعَدّى، فَهَذا عَلى أنْ يُقالَ: أشْرَقَ البَيْتُ وأشْرَقَهُ السِّراجُ، فَيَكُونُ الفِعْلُ مُجاوِزًا وغَيْرُ مُجاوِزٍ، كَرَجَعَ ورَجَعْتُهُ ووَقَفَ ووَقَفْتُهُ.
والأرْضُ في هَذِهِ الآيَةِ: الأرْضُ المُبَدَّلَةُ مِنَ الأرْضِ المَعْرُوفَةِ، ومَعْنى أشْرَقَتْ: أضاءَتْ وعَظُمَ نُورُها. انْتَهى.
وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وجَبَ أنْ يَكُونَ الإشْراقُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَنقُولًا مِن شَرَقَتِ الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ، فَيَصِيرُ مُتَعَدِّيًا بِالفِعْلِ بِمَعْنى: أذْهَبَتْ ظُلْمَةَ الأرْضِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن أشْرَقَتْ إذا أضاءَتْ، فَإنَّ ذَلِكَ لازِمٌ، وهَذا قَدْ تَعَدّى إلى الأرْضِ لَمّا لَمْ يُذْكَرِ الفاعِلُ، وأُقِيمَتِ الأرْضُ مَقامَهُ؛ وهَذا عَلى مَعْنى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ مِن غَيْرِ أنْ يَتَقَدَّمَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ مِنَ الأفْعالِ ما يَكُونُ مُتَعَدِّيًا لازِمًا مَعًا عَلى مِثالٍ واحِدٍ. انْتَهى.
وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " «يُحْشَرُ النّاسُ عَلى أرْضٍ بَيْضاءَ عَفْراءَ كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ، لَيْسَ بِها عَلَمٌ لِأحَدٍ» (p-٤٤٢)﴿بِنُورِ رَبِّها﴾ . قِيلَ: يَخْلُقُ اللَّهُ نُورًا يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُلْبِسُهُ وجْهَ الأرْضِ، فَتُشْرِقُ الأرْضُ بِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: النُّورُ هُنا لَيْسَ مِن نُورِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، بَلْ هو نُورٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ فَيُضِيءُ الأرْضَ.
ورُوِيَ أنَّ الأرْضَ يَوْمَئِذٍ مِن فِضَّةِ، والمَعْنى: أشْرَقَتْ بِنُورٍ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى، أضافَهُ إلَيْهِ إضافَةَ المُلْكِ إلى المَلِكِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اسْتَعارَ اللَّهُ النُّورَ لِلْحَقِّ والقُرْآنِ والبُرْهانِ في مَواضِعَ مِنَ التَّنْزِيلِ، وهَذا مِن ذَلِكَ. والمَعْنى: وأشْرَقَتِ الأرْضُ بِما يُقِيمُهُ فِيها مِنَ الحَقِّ والعَدْلِ، وبَسْطٍ مِنَ القِسْطِ في الحَسَناتِ، ووَزَنِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، ويُنادِي عَلَيْهِ بِأنَّهُ مُسْتَعارٌ إضافَتُهُ إلى اسْمِهِ؛ لِأنَّهُ هو الحَقُّ العَدْلُ، وإضافَةُ اسْمِهِ إلى الأرْضِ؛ لِأنَّهُ يُزَيِّنُها حِينَ يَنْشُرُ فِيها عَدْلَهُ، ويَنْصِبُ فِيها مَوازِينَ قِسْطِهِ، ويَحْكُمُ بِالحَقِّ بَيْنَ أهْلِها، ولا تَرى أزْيَنَ لِلْبِقاعِ مِنَ العَدْلِ ولا أعْمَرَ لَها مِنهُ.
ويَقُولُونَ لِلْمَلِكِ العادِلِ: أشْرَقَتِ الآفاقُ بِعَدْلِكَ وأضاءَتِ الدُّنْيا بِقِسْطِكَ، كَما يَقُولُونَ: أظْلَمَتِ البِلادُ بِجَوْرِ فُلانٍ.
وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الظُّلْمُ ظُلُماتٌ يَوْمَ القِيامَةِ»، وكَما فَتَحَ الآيَةَ بِإثْباتِ العَدْلِ، خَتَمَها بِنَفْيِ الظُّلْمِ.
﴿ووُضِعَ الكِتابُ﴾ أيْ: صَحائِفُ الأعْمالِ، ووُحِّدَ لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، وكُلُّ أحَدٍ لَهُ كِتابٌ عَلى حِدَةٍ، وأبْعَدَ مَن قالَ: الكِتابُ هُنا اللَّوْحُ المَحْفُوظُ.
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ، وقَدْ ضُعِّفَ بِأنَّ الآيَةَ سِيقَتْ مَقامَ التَّهْدِيدِ في سِياقِ الخَبَرِ.
﴿وجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾ لِيَشْهَدُوا عَلى أُمَمِهِمْ، ﴿والشُّهَداءِ﴾، قِيلَ: جَمْعُ شاهِدٍ، وهُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ عَلى النّاسِ بِأعْمالِهِمْ.
وقِيلَ: هُمُ الرُّسُلُ مِنَ الأنْبِياءِ. وقِيلَ: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، يَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ.
وقالَ عَطاءٌ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ زَيْدٍ: الحَفَظَةُ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ أيْضًا: النَّبِيُّونَ، والمَلائِكَةُ، وأُمَّةُ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، والجَوارِحُ. وقالَ قَتادَةُ: الشُّهَداءُ جَمْعُ شَهِيدٍ، ولَيْسَ فِيهِ تَوَعُّدٌ، وهو مَقْصُودُ الآيَةِ.
﴿وقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الزمر: ٧٥] أيْ: بَيْنَ العالَمِ، ولِذَلِكَ قُسِّمُوا بَعْدُ إلى قِسْمَيْنِ: أهْلِ النّارِ، وأهْلِ الجَنَّةِ، (بِالحَقِّ) أيْ: بِالعَدْلِ.
﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ أيْ: جُوزِيَتْ مُكَمَّلًا.
﴿وهُوَ أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾، فَلا يَحْتاجُ إلى كاتِبٍ ولا شاهِدٍ، وفي ذَلِكَ وعِيدٌ وزِيادَةُ تَهْدِيدٍ.
39:71–75Page 466
وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَآ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَتۡلُونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِ رَبِّكُمۡ وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنۡ حَقَّتۡ كَلِمَةُ ٱلۡعَذَابِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧١
And those who disbelieved will be driven to Hell in groups until, when they reach it, its gates are opened and its keepers will say, "Did there not come to you messengers from yourselves, reciting to you the verses of your Lord and warning you of the meeting of this Day of yours?" They will say, "Yes, but the word [i.e., decree] of punishment has come into effect upon the disbelievers."
قِيلَ ٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ ٧٢
[To them] it will be said, "Enter the gates of Hell to abide eternally therein, and wretched is the residence of the arrogant."
وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ زُمَرًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَا سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ طِبۡتُمۡ فَٱدۡخُلُوهَا خَٰلِدِينَ ٧٣
But those who feared their Lord will be driven to Paradise in groups until, when they reach it while its gates have been opened and its keepers say, "Peace be upon you; you have become pure; so enter it to abide eternally therein," [they will enter].1
وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعۡدَهُۥ وَأَوۡرَثَنَا ٱلۡأَرۡضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلۡجَنَّةِ حَيۡثُ نَشَآءُۖ فَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ٧٤
And they will say, "Praise to Allāh, who has fulfilled for us His promise and made us inherit the earth [so] we may settle in Paradise wherever we will. And excellent is the reward of [righteous] workers."
وَتَرَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ حَآفِّينَ مِنۡ حَوۡلِ ٱلۡعَرۡشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡۚ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّۚ وَقِيلَ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٥
And you will see the angels surrounding the Throne, exalting [Allāh] with praise of their Lord. And it will be judged between them in truth, and it will be said, "[All] praise to Allāh, Lord of the worlds."
﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ ﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ ﴿وقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ .
ولَمّا ذَكَرَ أشْياءَ مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، بَيَّنَ بَعْدُ كَيْفِيَّةَ أحْوالِ الفَرِيقَيْنِ، وما أفْضى إلَيْهِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما (p-٤٤٣)فَقالَ: ( ﴿وسِيقَ﴾، والسَّوْقُ يَقْتَضِي الحَثَّ عَلى المَسِيرِ بِعُنْفٍ، وهو الغالِبُ فِيهِ. وجَوابُ إذا: ﴿فُتِحَتْ أبْوابُها﴾، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يُفْتَحُ إلّا إذا جاءَتْ؛ كَسائِرِ أبْوابِ السُّجُونِ، فَإنَّها لا تَزالُ مُغْلَقَةً حَتّى يَأْتِيَ أصْحابُ الجَرائِمِ الَّذِينَ يُسْجَنُونَ فِيها فَيُفْتَحُ ثُمَّ يُغْلَقُ عَلَيْهِمْ.
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ قِراءَةِ التَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ في (فُتِحِتْ)، وأبْوابُها سَبْعَةٌ، كَما ذُكِرَ في سُورَةِ الحِجْرِ.
﴿وقالَ لَهم خَزَنَتُها﴾، عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ أيْ: مِن جِنْسِكم، تَفْهَمُونَ ما يُنْبِئُونَكم بِهِ، وسَهُلَ عَلَيْكم مُراجَعَتُهم.
وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ: (تَأْتِكم) بِتاءِ التَّأْنِيثِ؛ والجُمْهُورُ: بِالياءِ.
﴿يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكُمْ﴾ أيِ: الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ لِلتَّبْشِيرِ والنِّذارَةِ، ﴿ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾: وهو يَوْمُ القِيامَةِ، وما يَلْقى فِيهِ المُسَمّى مِنَ العَذابِ، ﴿قالُوا بَلى﴾ أيْ: قَدْ جاءَتْنا، وتَلَوْا وأنْذَرُوا، وهَذا اعْتِرافٌ بِقِيامِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، ﴿ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ﴾ أيْ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٨] .
(عَلى الكافِرِينَ): وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، أيْ: عَلَيْنا، صَرَّحُوا بِالوَصْفِ المُوجِبِ لَهُمُ العِقابَ.
ولَمّا فَرَغَتْ مُحاوَرَتُهم مَعَ المَلائِكَةِ، أُمِرُوا بِدُخُولِ النّارِ.
﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم إلى الجَنَّةِ زُمَرًا﴾: عَبَّرَ عَنِ الإسْراعِ بِهِمْ إلى الجَنَّةِ مُكَرَّمِينَ بِالسَّوْقِ، والمَسُوقُ دَوابُّهم؛ لِأنَّهم لا يَذْهَبُونَ إلَيْها إلّا راكِبِينَ. ولِمُقابَلَةِ قَسِيمِهِمْ ساغَ لَفْظُ السَّوْقِ، إذْ لَوْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَفْظُ وسِيقَ لَعَبَّرَ بِأسْرَعَ، وإذا شَرْطِيَّةٌ وجَوابُها قالَ الكُوفِيُّونَ: وفُتِحَتْ، والواوُ زائِدَةٌ؛ وقالَ غَيْرُهُ: مَحْذُوفٌ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما حُذِفَ لِأنَّهُ في صِفَةِ ثَوابِ أهْلِ الجَنَّةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ شَيْءٌ لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ، وحُقُّ مُوَقِّعِهِ ما بَعْدَ خالِدِينَ. انْتَهى.
وقَدَّرَهُ المُبَرِّدُ بَعْدَ خالِدِينَ سَعِدُوا. وقِيلَ الجَوابُ: ﴿وقالَ لَهم خَزَنَتُها﴾، عَلى زِيادَةِ الواوِ، قِيلَ: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾ . ومَن جَعَلَ الجَوابَ مَحْذُوفًا، أوْ جَعَلَهُ: (وقالَ لَهم)، عَلى زِيادَةِ الواوِ؛ وجَعَلَ قَوْلَهُ: (وفُتِحَتْ) جُمْلَةً حالِيَّةً، أيْ: وقَدْ فُتِحَتْ أبْوابُها لِقَوْلِهِ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: ٥٠] . وناسَبَ كَوْنَها حالًا أنَّ أبْوابَ الأفْراحِ تَكُونُ مُفَتَّحَةً لِانْتِظارِ مَن يَجِيءُ إلَيْها، بِخِلافِ أبْوابِ السُّجُونِ.
﴿وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَحِيَّةً مِنهم عِنْدَ مُلاقاتِهِمْ، وأنْ يَكَوْنَ خَبَرًا بِمَعْنى السَّلامَةِ والأمْنِ.
﴿طِبْتُمْ﴾ أيْ: أعَمالًا ومُعْتَقَدًا ومُسْتَقَرًّا وجَزاءً.
﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ أيْ: مُقَدِّرِينَ الخُلُودَ.
(وقالُوا) أيِ: الدّاخِلُونَ الجَنَّةَ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ﴾ أيْ: مَلَّكَناها نَتَصَرَّفُ فِيها كَما نَشاءُ، تَشْبِيهًا بِحالِ الوارِثِ وتَصَرُّفِهِ فِيما يَرِثُهُ. وقِيلَ: ورِثُوها مِن أهْلِ النّارِ، وهي أرْضُ الجَنَّةِ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مَن قالَ هي أرْضُ الدُّنْيا، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ زَيْدٍ والسُّدِّيُّ.
﴿نَتَبَوَّأُ﴾ مِنها، ﴿حَيْثُ نَشاءُ﴾: أيْ نَتَّخِذُ أمْكِنَةً ومَساكِنَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾: أيْ بِطاعَةِ اللَّهِ هَذا الأجْرُ مِن كَلامِ الدّاخِلِينَ. وقالَ مُقاتِلٌ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى.
﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ﴾: الخِطابُ لِلرَّسُولِ حافِّينَ. قالَ الأخْفَشُ: واحِدُهم حافٌّ.
وقالَ الفَرّاءُ: لا يُفْرَدُ. وقِيلَ: لِأنَّ الواحِدَ لا يَكُونُ حافًّا، إذِ الحُفُوفُ: الإحْداقُ بِالشَّيْءِ مِن حَوْلِ العَرْشِ. قالَ الأخْفَشُ: مِن زائِدَةٌ، أيْ حافِّينَ حَوْلَ العَرْشِ؛ وقِيلَ: هي لِابْتِداءِ الغايَةِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ مِن بَيْنِهِمْ عَلى المَلائِكَةِ، إذْ ثَوابُهم، وإنْ كانُوا مَعْصُومِينَ، يَكُونُ عَلى حَسَبِ تُفاضِلِ مَراتِبِهِمْ.
فَذَلِكَ هو القَضاءُ بَيْنَهم بِالحَقِّ؛ وقِيلَ: ضَمِيرُ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ هم مِن ذَواتِ بَيْنَهِمْ، المُخاطَبَةُ مِنَ الدّاخِلِينَ الجَنَّةَ ومِن خَزَنَتِها، ومِنَ المَلائِكَةِ الحافِّينَ حَوْلَ العَرْشِ؛ إذْ هم في نَعِيمٍ سَرْمَدِيٍّ، مَنجاةً مِنَ عَذابِ اللَّهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَقْضِيُّ بَيْنَهم، إمّا جَمِيعُ العِبادِ، وإمّا المَلائِكَةُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ﴾ . وقالُوا: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ عَلى إفْضالِهِ وقَضائِهِ بَيْنَنا بِالحَقِّ، وأُنْزِلَ كُلٌّ مِنّا مَنزِلَتَهُ الَّتِي هي حَقُّهُ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِيلَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ خاتِمَةُ المَجالِسِ المُجْتَمِعاتِ في العِلْمِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences