Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Az-Zumar 39:8–22
39:8–16Page 459
۞ وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَا رَبَّهُۥ مُنِيبًا إِلَيۡهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعۡمَةٗ مِّنۡهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدۡعُوٓاْ إِلَيۡهِ مِن قَبۡلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادٗا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِۦۚ قُلۡ تَمَتَّعۡ بِكُفۡرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِ ٨
And when adversity touches man, he calls upon his Lord, turning to Him [alone]; then when He bestows on him a favor from Himself, he forgets Him whom he called upon before,1 and he attributes to Allāh equals to mislead [people] from His way. Say, "Enjoy your disbelief for a little; indeed, you are of the companions of the Fire."
أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٩
Is one who is devoutly obedient during periods of the night, prostrating and standing [in prayer], fearing the Hereafter and hoping for the mercy of his Lord, [like one who does not]? Say, "Are those who know equal to those who do not know?" Only they will remember [who are] people of understanding.
قُلۡ يَٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۗ وَأَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌۗ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ ١٠
Say,1 "O My servants who have believed, fear your Lord. For those who do good in this world is good, and the earth of Allāh is spacious. Indeed, the patient will be given their reward without account [i.e., limit]."
قُلۡ إِنِّيٓ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ ١١
Say, [O Muḥammad], "Indeed, I have been commanded to worship Allāh, [being] sincere to Him in religion.
وَأُمِرۡتُ لِأَنۡ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ١٢
And I have been commanded to be the first [among you] of the Muslims."
قُلۡ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٣
Say, "Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."
قُلِ ٱللَّهَ أَعۡبُدُ مُخۡلِصٗا لَّهُۥ دِينِي ١٤
Say, "Allāh [alone] do I worship, sincere to Him in my religion,
فَٱعۡبُدُواْ مَا شِئۡتُم مِّن دُونِهِۦۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِيهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ ١٥
So worship what you will besides Him." Say, "Indeed, the losers are the ones who will lose themselves and their families on the Day of Resurrection. Unquestionably, that is the manifest loss."
لَهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ ظُلَلٞ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحۡتِهِمۡ ظُلَلٞۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥۚ يَٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ ١٦
They will have canopies [i.e., layers] of fire above them and below them, canopies. By that Allāh threatens [i.e., warns] His servants. O My servants, then fear Me.
(p-٤١٨)﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيبًا إلَيْهِ ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ ﴿قُلْ يا عِبادِي الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكم لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿وأُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ أوَّلَ المُسْلِمِينَ﴾ ﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾ .
الظّاهِرُ أنَّ الإنْسانَ هُنا جِنْسُ الكافِرِ، وقِيلَ: مُعَيَّنٌ، كَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ. ويَدْخُلُ في الضُّرِّ جَمِيعُ المَكارِهِ في جِسْمٍ أوْ أهْلٍ أوْ مالٍ.
﴿دَعا رَبَّهُ﴾: اسْتَجارَ رَبَّهُ وناداهُ، ولَمْ يُؤَمِّلْ في كَشْفِ الضُّرِّ سِواهُ، ﴿مُنِيبًا إلَيْهِ﴾ أيْ: راجِعًا إلَيْهِ وحْدَهُ في إزالَةِ ذَلِكَ.
﴿ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ﴾: أنالَهُ وأعْطاهُ بَعْدَ كَشْفِ ذَلِكَ الضُّرِّ عَنْهُ. وحَقِيقَةُ خَوَّلَهُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِهِمْ: هو خائِلُهُ، قالَ: إذا كانَ مُتَعَهِّدًا حُسْنَ القِيامِ عَلَيْهِ، أوْ مِن خالَ يَخُولُ، إذا اخْتالَ وافْتَخَرَ، وتَقُولُ العَرَبُ:
إنَّ الغَنِيَّ طَوِيلَ الذَّيْلِ مَيّاسٌ
﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو﴾ أيْ: تَرَكَ، والظّاهِرُ أنَّ ما بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: نَسِيَ الضُّرَّ الَّذِي كانَ يَدْعُو اللَّهَ إلى كَشْفِهِ. وقِيلَ: ما بِمَعْنى مَن أيْ: نَسِيَ رَبَّهُ الَّذِي كانَ يَتَضَرَّعُ إلَيْهِ ويَبْتَهِلُ في كَشْفِ ضُرِّهِ. وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: نَسِيَ كَوْنَهُ يَدْعُو.
وقِيلَ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿نَسِيَ﴾، أيْ: نَسِيَ ما كانَ فِيهِ مِنَ الضُّرِّ. وما نافِيَةٌ، نَفى أنْ يَكُونَ دُعاءَ هَذا الكافِرِ خالِصًا لِلَّهِ مَقْصُورًا مِن قِبَلِ الضَّرَرِ، وعَلى الأقْوالِ السّابِقَةِ. (مِن قَبْلِ) أيْ: مِن قَبْلِ تَخْوِيلِ النِّعْمَةِ، وهو زَمانُ الضَّرَرِ.
﴿وجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا﴾ أيْ: أمْثالًا يُضادُّ بَعْضُها بَعْضًا ويُعارِضُ. قالَ قَتادَةُ أيْ: مِنَ الرِّجالِ يُطِيعُونَهم في المَعْصِيَةِ. وقالَ غَيْرُهُ: أوْثانًا، وهَذا مِنَ سَخْفِ عُقُولِهِمْ. حِينَ مَسَّ الضُّرُّ دَعَوُا اللَّهَ ولَمْ يَلْتَجِئُوا في كَشْفِهِ إلّا إلَيْهِ؛ وحِينَ كَشَفَ ذَلِكَ وخَوَّلَ النِّعْمَةَ أشْرَكُوا بِهِ، فاللّامُ لامُ العِلَّةِ، وقِيلَ: لامُ العاقِبَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لِيُضِلَّ)، بِضَمِّ الياءِ أيْ: ما اكْتَفى بِضَلالِ نَفْسِهِ حَتّى جَعَلَ غَيْرَهُ يَضِلُّ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عُمَرَ، وعِيسى: بِفَتْحِها، ثُمَّ أتى بِصِيغَةِ الأمْرِ فَقالَ: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ أيْ: تَلَذَّذْ واصْنَعْ ما شِئْتَ قَلِيلًا، أيْ: عُمْرًا قَلِيلًا، والخِطابُ لِلْكافِرِ جاعِلِ الأنْدادِ لِلَّهِ.
﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ أيْ: مِن سُكّانِها المُخَلَّدِينَ فِيها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهُ ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾، أيْ: مِن بابِ الخِذْلانِ والتَّخْلِيَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: إذْ قَدْ أبَيْتَ قَبْلُ ما أُمِرْتَ بِهِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ، فَمِن حَقِّكِ أنْ لا تُؤْمَرَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. ويُؤْمَرُ بِتَرْكِهِ مُبالَغَةَ خِذْلانِهِ وتَخْلِيَتِهِ وشَأْنَهُ؛ لِأنَّهُ لا مُبالَغَةَ في الخِذْلانِ أشَدُّ مِنَ أنْ يُبْعَثَ عَلى عَكْسِ ما أُمِرُوا بِهِ، ونَظِيرُهُ في المَعْنى: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ [آل عمران: ١٩٧] . انْتَهى.
ولَمّا شَرَحَ تَعالى شَيْئًا مِن أحْوالِ الظّالِمِينَ الضّالِّينَ المُشْرِكِينَ، أرْدَفَهُ بِشَرْحِ أحْوالِ المُهْتَدِينَ المُوَحِّدِينَ فَقالَ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ﴾ . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وحَمْزَةُ، والأعْمَشُ، وعِيسى، وشَيْبَةُ، والحَسَنُ في رِوايَةٍ: (أمَن)، بِتَخْفِيفِ المِيمِ. والظّاهِرُ أنَّ الهَمْزَةَ لِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِ، ومُقابِلُهُ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: أهَذا القانِتُ خَيْرٌ أمِ الكافِرُ المُخاطَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ ؟ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ . ومِن حَذْفِ المُقابِلِ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎دَعانِي إلَيْها القَلْبُ إنِّي لِأمْرِها سَمِيعٌ فَما أدْرِي أرُشْدٌ طِلابُها
تَقْدِيرُهُ: أمْ غَيٌّ.
وقالَ الفَرّاءُ: الهَمْزَةُ لِلنِّداءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يا مَن هو قانِتٌ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: (قُلْ) خِطابًا لَهُ، وهَذا القَوْلُ أجْنَبِيُّ مِمّا قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ. وضَعَّفَ هَذا القَوْلَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، ولا التِفاتَ لِتَضْعِيفِ الأخْفَشِ وأبِي حاتِمٍ هَذِهِ القِراءَةَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، والأعْرَجُ، وأبُو جَعْفَرٍ: (أمَّنْ)، بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وهي أمْ أُدْغِمَتْ مِيمُها في مِيمِ مَن، فاحْتَمَلَتْ أمْ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً، ومُعادِلُها مَحْذُوفٌ قَبْلَها، تَقْدِيرُهُ: أهَذا الكافِرُ خَيْرٌ أمْ مَن هو قانِتٌ ؟ قالَ مَعْناهُ الأخْفَشُ، ويَحْتاجُ مِثْلُ هَذا التَّقْدِيرِ (p-٤١٩)إلى سَماعٍ مِنَ العَرَبِ، وهو أنْ يُحْذَفَ المُعادِلُ الأوَّلُ.
واحْتَمَلَتْ أمْ أنْ تَكُونَ مُنْقَطِعَةً تَتَقَدَّرُ بِبَلْ والهَمْزَةِ، والتَّقْدِيرُ: بَلْ أمْ مَن هو قانِتٌ صِفَتُهُ كَذا، كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ. وقالَ النَّحّاسُ: (أمْ) بِمَعْنى بَلْ، و(مَن) بِمَعْنى الَّذِي، والتَّقْدِيرُ: بَلِ الَّذِي هو قانِتٌ أفْضَلُ مِمَّنْ ذُكِرَ قَبْلَهُ. انْتَهى.
ولا فَضْلَ لِمَن قَبْلَهُ حَتّى يُجْعَلَ هَذا أفْضَلُ، بَلْ يُقَدَّرُ الخَبَرُ مِن أصْحابِ الجَنَّةِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مُقابِلُهُ: ﴿إنَّكَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ . والقانِتُ: المُطِيعُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في القُنُوتِ في البَقَرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ساجِدًا وقائِمًا﴾، بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ؛ والضَّحّاكُ: بِرَفْعِهِما إمّا عَلى النَّعْتِ لِـ (قانِتٌ) وإمّا عَلى أنَّهُ خَبْرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، والواوُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الصِّفَتَيْنِ.
﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ أيْ: عَذابَ الآخِرَةِ، ﴿ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ أيْ: حُصُولَها، وقِيلَ: نَعِيمَ الجَنَّةِ، وهَذا المُتَّصِفُ بِالقُنُوتِ إلى سائِرِ الأوْصافِ، قالَ مُقاتِلٌ: عَمّارٌ، وصُهَيْبٌ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو ذَرٍّ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: عُثْمانُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ: أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ. وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . والظّاهِرُ أنَّهُ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الأوْصافِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى فَضْلِ قِيامِ اللَّيْلِ، وأنَّهُ أرْجَحُ مِن قِيامِ النَّهارِ.
ولَمّا ذَكَرَ العَمَلَ ذَكَرَ العِلْمَ فَقالَ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾، فَدَلَّ أنَّ كَمالَ الإنْسانِ مَحْصُورٌ في هَذَيْنِ المَقْصُودَيْنِ، فَكَما لا يَسْتَوِي هَذانِ، كَذَلِكَ لا يَسْتَوِي المُطِيعُ والعاصِي. والمُرادُ بِالعِلْمِ هُنا: ما أدّى إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ ونَجاةِ العَبْدِ مِن سُخْطِهِ. وقَرَأ: (يَذَّكَّرُ) بِإدْغامِ تاءِ يَتَذَكَّرُ في الذّالِ.
﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾، ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ وأصْحابِهِ حِينَ عَزَمُوا عَلى الهِجْرَةِ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، وعَدَهم تَعالى فَقالَ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ . والظّاهِرُ تَعَلُّقُ (في هَذِهِ) بِـ (أحْسَنُوا)، وأنَّ المُحْسِنِينَ في الدُّنْيا لَهم في الآخِرَةِ حَسَنَةٌ، أيْ: حَسَنَةٌ عَظِيمَةٌ، وهي الجَنَّةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والصِّفَةُ مَحْذُوفَةٌ يَدُلُّ عَلَيْها المَعْنى؛ لِأنَّ مَن أحْسَنَ في الدُّنْيا لا يُوعَدُ أنْ يَكُونَ لَهُ في الآخِرَةِ مُطْلَقُ حَسَنَةٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: (في هَذِهِ) مِن تَمامِ (حَسَنَةٍ)، أيْ: ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً، أيْ: الَّذِينَ يُحْسِنُونَ لَهم حَسَنَةٌ كائِنَةٌ في الدُّنْيا. فَلَمّا تَقَدَّمَ انْتَصَبَ عَلى الحالِ، والحَسَنَةُ الَّتِي لَهم في الدُّنْيا هي العافِيَةُ والظُّهُورُ ووِلايَةُ اللَّهِ تَعالى.
ثُمَّ حَضَّ عَلى الهِجْرَةِ فَقالَ: ﴿وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾، كَقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧]، أيْ: لا عُذْرَ لِلْمُفَرِّطِينَ ألْبَتَّةَ، حَتّى لَوِ اعْتَلُّوا بِأوْطانِهِمْ، وأنَّهم لا يَتَمَكَّنُونَ فِيها مِن أعْمالِ الطّاعاتِ، قِيلَ لَهم: إنَّ بِلادَ اللَّهِ كَثِيرَةٌ واسِعَةٌ، فَتَحَوَّلُوا إلى الأماكِنِ الَّتِي تُمْكِنُكم فِيها الطّاعاتُ.
وقالَ عَطاءٌ: ﴿وأرْضُ اللَّهِ﴾ المَدِينَةُ لِلْهِجْرَةِ، قِيلَ: فَعَلى هَذا يَكُونُ أحْسَنُوا: هاجَرُوا، وحَسَنَةٌ: راحَةٌ مِنَ الأعْداءِ.
وقالَ قَوْمٌ: (أرْضُ اللَّهِ) هُنا: الجَنَّةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا القَوْلُ تَحَكُّمٌ، لا دَلِيلَ عَلَيْهِ. انْتَهى.
وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: لا يَمْتَنِعُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّقْوى؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ مَنِ اتَّقى لَهُ في الآخِرَةِ الحَسَنَةُ، وهي الخُلُودُ في الجَنَّةِ؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أرْضَ اللَّهِ واسِعَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤]، وقَوْلِهِ: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] .
ولَمّا كانَتْ رُتْبَةُ الإحْسانِ مُنْتَهى الرُّتَبِ، كَما جاءَ: ما الإحْسانُ ؟ قالَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ. وكانَ الصَّبْرُ عَلى ذَلِكَ مِن أشَقِّ الأشْياءِ، وخُصُوصًا مَن فارَقَ وطَنَهُ وعَشِيرَتَهُ وصَبَرَ عَلى بَلاءِ الغُرْبَةِ. ذَكَرَ أنَّ الصّابِرِينَ يُوَفَّوْنَ أُجُورَهم بِغَيْرِ حِسابٍ، أيْ: لا يُحاسَبُونَ في الآخِرَةِ، كَما يُحاسَبُ غَيْرُهم؛ أوْ يُوَفَّوْنَ ما لا يَحْصُرُهُ حِسابٌ مِنَ الكَثْرَةِ.
﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾: أمَرَهُ تَعالى أنْ يُصْدِعَ الكُفّارَ بِما أُمِرَ بِهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ، يُخَلِّصَها مِنَ الشَّوائِبِ، (وأُمِرْتُ) أيْ: أُمِرْتُ بِما أُمِرْتُ، لِأكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ، أيِ: انْقادَ لِلَّهِ تَعالى، ويَعْنِي مِن أهْلِ عَصْرِهِ أوْ مِن قَوْمِهِ؛ لِأنَّهُ أوَّلُ مَن خالَفَ عُبّادَ الأصْنامِ، أوْ أوَّلُ مَن دَعَوْتُهم إلى الإسْلامِ إسْلامًا، أوْ أوَّلُ مَن دَعا نَفْسَهُ إلى ما دَعا إلَيْهِ غَيْرَهُ، لِأكُونَ مُقْتَدًى بِي قَوْلًا وفِعْلًا، (p-٤٢٠)لا كالمُلُوكِ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِما لا يَفْعَلُونَ، أوْ أنْ أفْعَلَ ما أسْتَحِقُّ بِهِ الأوَّلِيَّةَ مِنَ أعْمالِ السّابِقَيْنِ دَلالَةً عَلى السَّبَبِ بِالمُسَبَّبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ عُطِفَ أُمِرْتُ عَلى أُمِرْتُ وهُما واحِدٌ ؟ (قُلْتُ): لَيْسا بِواحِدٍ لِاخْتِلافِ جِهَتَيْهِما، وذَلِكَ أنَّ الأمْرَ بِالإخْلاصِ وتَكْلِيفَهُ شَيْءٌ، والأمْرَ بِهِ لِتُحْرِزَ بِهِ قَصَبَ السَّبْقِ في الدِّينِ شَيْءٌ. وإذا اخْتَلَفَ وجْها الشَّيْءِ وصِفَتاهُ يُنَزَّلُ بِذَلِكَ مَنزِلَةَ شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، ولَكَ أنْ تَجْعَلَ اللّامَ مَزِيدَةً مِثْلَها في أرَدْتُ؛ لِأنَّ أفْعَلَ لا تُزادُ إلّا مَعَ أنْ خاصَّةً دُونَ الِاسْمِ الصَّرِيحِ، كَأنَّها زِيدَتْ عِوَضًا مِن تَرْكِ الأصْلِ إلى ما يَقُومُ مَقامَهُ، كَما عَوَّضَ السِّينَ في اسْطاعَ عِوَضًا مِن تَرْكِ الأصْلِ الَّذِي هو أطْوَعُ. والدَّلِيلُ عَلى هَذا الوَجْهِ مَجِيئُهُ بِغَيْرِ لامٍ في قَوْلِهِ: (وأُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ) . انْتَهى.
ويُحْتَمَلُ في (أنْ أكُونَ) في ثَلاثَةِ المَواضِعِ أصْلُهُ " لِأنْ أكُونُ )، فَيَكُونُ قَدْ حُذِفَتِ اللّامُ، والمَأْمُورُ بِهِ مَحْذُوفٌ، وهو المُصَرَّحُ بِهِ هُنا ﴿إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾ .
﴿قُلْ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ، مَقُولُ القَوْلِ في سُورَةِ يُونُسَ.
ولَمّا أمَرَهُ أوَّلًا أنْ يُخْبِرَ بِأنَّهُ أُمِرَ بِعِبادَةِ اللَّهِ، أمَرَ ثانِيًا أنْ يُخْبِرَ بِأنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ. وتَقْدِيمُ الجَلالَةِ دالٌّ عَلى الِاهْتِمامِ بِمَن يُعْبَدُ، وعِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ، قالَ: ولِدَلالَتِهِ عَلى ذَلِكَ، قَدَّمَ المَعْبُودَ عَلى فِعْلِ العِبادَةِ، وأخَّرَهُ في الأوَّلِ. فالكَلامُ أوَّلًا واقِعٌ في الفِعْلِ في نَفْسِهِ وإيجادِهِ، وثانِيًا فِيمَن يُفْعَلُ الفِعْلُ لِأجْلِهِ، ولِذَلِكَ رُتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ . والمُرادُ بِهَذا الأمْرِ الوارِدِ عَلى وجْهِ التَّخْيِيرِ المُبالَغَةُ في الخِذْلانِ والتَّخْلِيَةِ. انْتَهى.
وقالَ غَيْرُهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ﴾: صِيغَةُ أمْرٍ عَلى جِهَةِ التَّهْدِيدِ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ﴾ .
﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ﴾ أيْ: حَقِيقَةُ الخُسْرانِ، (الَّذِينَ خَسِرُوا) أيْ: هُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم، حَيْثُ صارُوا مِن أهْلِ النّارِ، وأهْلِيهِمُ الَّذِينَ كانُوا مَعَهم في الدُّنْيا، حَيْثُ كانُوا مَعَهم في النّارِ، فَلَمْ يَنْتَفِعُوا مِنهم بِشَيْءٍ، وإنْ كانَ أهْلُوهم قَدْ آمَنُوا، فُخُسْرانُهم إيّاهم كَوْنُهم لا يَجْتَمِعُونَ بِهِمْ ولا يَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ.
وقالَ قَتادَةُ: كَأنَّ اللَّهَ قَدْ أعَدَّ لَهم أهْلًا في الجَنَّةِ فَخَسِرُوهم، وقالَ مَعْناهُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ. وقالَ الحَسَنُ: هي الحُورُ العِينُ.
ثُمَّ ذَكَرَ ذَلِكَ الخُسْرانَ وبالَغَ فِيهِ في التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ أوَّلًا، والإشارَةِ إلَيْهِ، وتَأْكِيدِهِ بِالفِعْلِ، وتَعْرِيفِهِ بِألْ، ووَصْفِهِ بِأنَّهُ المُبِينُ أيِ: الواضِحُ لِمَن تَأمَّلَهُ أدْنى تَأمُّلٍ.
ولَمّا ذَكَرَ خُسْرانَهم أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ، ذَكَرَ حالَهم في جَهَنَّمَ، وأنَّهُ مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ، فَيُظْهِرُ أنَّ النّارَ تَغْشاهم مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِهِمْ، وسَمّى ما تَحْتَهم ظُلَلًا لِمُقابَلَةِ ما فَوْقَهم، كَما قالَ: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، وقالَ لَهم: ﴿مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ ومِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ [الأعراف: ٤١] وقِيلَ: هي ظُلَلٌ لِلَّذِينِ هم تَحْتَهم، إذِ النّارُ طِباقٌ. وقِيلَ: إنَّما تَحْتُهم يَلْتَهِبُ ويَتَصاعَدُ مِنهُ شَيْءٌ حَتّى يَكُونَ ظُلَّةً، فَسُمِّيَ ظُلَّةً بِاعْتِبارِ ما آلَ إلَيْهِ أخِيرًا.
(ذَلِكَ) أيْ: ذَلِكَ العَذابُ، يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ؛ لِيَعْلَمُوا ما يُخَلِّصُكم مِنهُ، ثُمَّ ناداهم وأمَرَهم فَقالَ: ﴿ياعِبادِ فاتَّقُونِ﴾ أيِ: اتَّقَوْا عَذابِي.
39:17–22Page 460
وَٱلَّذِينَ ٱجۡتَنَبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ أَن يَعۡبُدُوهَا وَأَنَابُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰۚ فَبَشِّرۡ عِبَادِ ١٧
But those who have avoided ṭāghūt,1 lest they worship it, and turned back to Allāh - for them are good tidings. So give good tidings to My servants
ٱلَّذِينَ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٨
Who listen to speech and follow the best of it. Those are the ones Allāh has guided, and those are people of understanding.
أَفَمَنۡ حَقَّ عَلَيۡهِ كَلِمَةُ ٱلۡعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي ٱلنَّارِ ١٩
Then, is one who has deserved the decree of punishment [to be guided]? Then, can you save one who is in the Fire?
لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ غُرَفٞ مِّن فَوۡقِهَا غُرَفٞ مَّبۡنِيَّةٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ ٱلۡمِيعَادَ ٢٠
But those who have feared their Lord - for them are chambers,1 above them chambers built high, beneath which rivers flow. [This is] the promise of Allāh. Allāh does not fail in [His] promise.
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَلَكَهُۥ يَنَٰبِيعَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ يُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَجۡعَلُهُۥ حُطَٰمًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢١
Do you not see that Allāh sends down rain from the sky and makes it flow as springs [and rivers] in the earth; then He produces thereby crops of varying colors; then they dry and you see them turned yellow; then He makes them [scattered] debris. Indeed in that is a reminder for those of understanding.
أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٖ مِّن رَّبِّهِۦۚ فَوَيۡلٞ لِّلۡقَٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٢٢
So is one whose breast Allāh has expanded to [accept] Islām and he is upon [i.e., guided by] a light from his Lord [like one whose heart rejects it]? Then woe to those whose hearts are hardened against the remembrance of Allāh. Those are in manifest error.
(p-٤٢١)﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها وأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وأُولَئِكَ هم أُولُو الألْبابِ﴾ ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعادَ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ﴾ ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ .
قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ﴾ في زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وسَلْمانَ، وأبِي ذَرٍّ.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: الإشارَةُ بِها إلى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، وسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، والزُّبَيْرِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَ أبُو بَكْرٍ، سَمِعُوا ذَلِكَ فَجاءُوهُ وقالُوا: أسْلَمْتَ ؟ قالَ: نَعَمْ، وذَكَّرَهم بِاللَّهِ، فَآمَنُوا بِأجْمَعِهِمْ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ، وهي مُحْكَمَةٌ في النّاسِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
والطّاغُوتُ: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في البَقَرَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ: (الطَّواغِيتَ) جَمْعًا.
﴿أنْ يَعْبُدُوها﴾ أيْ: عِبادَتَها، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ.
(لَهُمُ البُشْرى) أيْ: مِنَ اللَّهِ تَعالى بِالثَّوابِ.
(فَبَشِّرْ عِبادِ): هُمُ المُجْتَنِبُونَ الطّاغُوتَ إلى اللَّهِ. وضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم هم، ولِيَتَرَتَّبَ عَلى الظّاهِرِ الوَصْفُ، وهو: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ﴾، وهو عامٌّ في جَمِيعِ الأقْوالِ، ﴿فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾: ثَناءٌ عَلَيْهِمْ بِنُفُوذِ بَصائِرِهِمْ وتَمْيِيزِهِمُ الأحْسَنَ، فَإذا سَمِعُوا قَوْلًا تَبَصَّرُوهُ.
قِيلَ: وأحْسَنُ القَوْلِ: القُرْآنُ وما يَرْجِعُ إلَيْهِ. وقِيلَ: القَوْلُ: القُرْآنُ، وأحْسَنُهُ: ما فِيهِ مِن صَفْحٍ وعَفْوٍ واحْتِمالٍ ونَحْوِ ذَلِكَ. وقالَ قَتادَةُ: أحْسَنُ القَوْلِ طاعَةُ اللَّهِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هو الرَّجُلُ يَجْلِسُ مَعَ القَوْمِ، فَيَسْمَعُ الحَدِيثَ فِيهِ مَحاسِنُ ومَساوٍ، فَيُحَدِّثُ بِأحْسَنِ ما سَمِعَ، ويَكُفُّ عَنْ ما سِواهُ.
و(الَّذِينَ): وصْفٌ لِـ (عِبادِ) . وقِيلَ: الوَقْفُ عَلى عِبادِ، والَّذِينَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ أُولَئِكَ وما بَعْدَهُ.
﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ﴾: قِيلَ نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، أيْ: نَفَّذَ عَلَيْهِ الوَعِيدَ بِالعَذابِ. والظّاهِرُ أنَّها جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ، و(مَن) مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، فَقِيلَ تَقْدِيرُهُ: يَتَأسَّفُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: يَتَخَلَّصُ مِنهُ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَأنْتَ تُخَلِّصُهُ، قالَ: حُذِفَ لِدَلالَةِ ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ﴾ عَلَيْهِ. وقَدَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَيْنَ الهَمْزَةِ والفاءِ جُمْلَةً حَتّى تَقَرَّ الهَمْزَةُ في مَكانِها والفاءُ في مَكانِها، فَقالَ: التَّقْدِيرُ: أأنْتَ مالِكُ أمْرِهِمْ ؟ فَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، وهو قَوْلٌ انْفَرَدَ بِهِ فِيما عَلِمْناهُ.
والَّذِي تَقُولُهُ النُّحاةُ أنَّ الفاءَ لِلْعَطْفِ ومَوْضِعُها التَّقْدِيمُ عَلى الهَمْزَةِ، لَكِنَّ الهَمْزَةَ لَمّا كانَ لَها صَدْرُ الكَلامِ، قُدِّمَتْ، فالأصْلُ عِنْدَهم: فَأمَن حَقَّ عَلَيْهِ، وعَلى القَوْلِ أنَّها جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾، اسْتِفْهامُ تَوْقِيفٍ، وقُدِّمَ فِيهِ الضَّمِيرُ إشْعارًا بِأنَّكَ لَسْتَ تَقْدِرُ أنْ تُنْقِذَهُ مِنَ النّارِ، بَلْ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ أحَدٌ إلّا اللَّهُ. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ، مِنهُمُ الحَوْفَيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ، إلى أنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ، وجَوابُ الشَّرْطِ أفَأنْتِ، فالفاءُ فاءُ الجَوابِ دَخَلَتْ عَلى جُمْلَةِ الجَزاءِ، وأُعِيدَتِ الهَمْزَةُ لِتَوْكِيدِ مَعْنى الإنْكارِ والِاسْتِبْعادِ، ووُضِعَ مَن في النّارِ، وهو ظاهِرٌ، مَوْضِعَ المُضْمَرِ، إذْ كانَ الأصْلُ تُنْقِذُهُ، وإنَّما أُظْهِرَ تَشْهِيرًا لِحالِهِمْ وإظْهارًا لِخِسَّةِ مَنازِلِهِمْ. قالَ الحَوْفِيُّ: وجِيءَ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ لَمّا طالَ الكَلامُ تَوْكِيدًا، ولَوْلا طُولُهُ، لَمْ يَجُزِ الإتْيانُ بِها؛ لِأنَّهُ لا يَصْلُحُ في العَرَبِيَّةِ أنْ يَأْتِيَ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ في الِاسْمِ، وألِفٌ أُخْرى في الجَزاءِ. ومَعْنى الكَلامِ: أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ ؟ انْتَهى.
وعَلى هَذا القَوْلِ، يَكُونُ قَدِ اجْتَمَعَ اسْتِفْهامٌ وشَرْطٌ عَلى قَوْلِ الجَماعَةِ أنَّ الهَمْزَةَ قَدَّمَتْ مَن تَأخَّرَ، فَيَجِيءُ الخِلافُ بَيْنَ سِيبَوَيْهِ ويُونُسَ: هَلِ الجُمْلَةُ الأخِيرَةُ هي لِلْمُسْتَفْهِمِ عَنْها أوْ هي جَوابُ الشَّرْطِ ؟ وعَلى تَقْدِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ: لَمْ تَدْخُلِ الهَمْزَةُ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ، فَلَمْ يَجْتَمِعِ اسْتِفْهامٌ وشَرْطٌ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ عِنْدَهُ دَخَلَ عَلى الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ عِنْدَهُ، وهو: أأنْتَ مالِكُ أمْرِهِمْ ؟ وفَمَن مَعْطُوفٌ عَلى تِلْكَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ، عُطِفَتْ جُمْلَةُ الشَّرْطِ عَلى جُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِ، ونَزَلَ اسْتِحْقاقُهُمُ العَذابَ، وهم في الدُّنْيا بِمَنزِلَةِ دُخُولِهِمُ النّارَ، ونَزَلَ اجْتِهادُ (p-٤٢٢)الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في دُعائِهِمْ إلى الإيمانِ مَنزِلَةَ انْقاذِهِمْ مِنَ النّارِ.
ولَمّا ذَكَرَ حالَ الكُفّارِ في النّارِ، وأنَّ الخاسِرِينَ لَهم ظُلَلٌ، ذَكَرَ حالَ المُؤْمِنِينَ، وناسَبَ الِاسْتِدْراكَ هُنا، إذْ هو واقِعٌ بَيْنِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، فَقالَ: (لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا) . فَفي ذَلِكَ حَضٌّ عَلى التَّقْوى، لَهم عَلالِيُّ مُرْتَفِعَةٌ فَوْقَها عَلالِيُّ مَبْنِيَّةٌ، أيْ: بِناءَ المَنازِلِ الَّتِي سُوِّيَتْ عَلى الأرْضِ. والضَّمِيرُ في (مِن تَحْتِها) عائِدٌ عَلى الجَمْعَيْنِ، أيْ: مِن تَحْتِ الغُرَفِ السُّفْلى والغُرَفِ العُلْيا، لا تَفاوُتَ بَيْنَ أعْلاها وأسْفَلِها وانْتَصَبَ (وعْدَ اللَّهِ) عَلى المَصْدَرِ المُؤَكِّدِ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ قَبْلَهُ، إذْ تَضَمَّنَتْ مَعْنى الوَعْدِ.
(ألَمْ تَرَ): خِطابٌ وتَوْقِيفٌ لِلسّامِعِ عَلى ما يَعْتَبِرُ بِهِ مِن أفْعالِ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى فَناءِ الدُّنْيا واضْمِحْلالِها.
﴿فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ﴾ أيْ: أدْخَلَهُ مَسالِكَ وعُيُونًا. والظّاهِرُ أنَّ ماءَ العُيُونِ هو مِن ماءِ المَطَرِ، تَحْبِسُهُ الأرْضُ ويَخْرُجُ شَيْئًا فَشَيْئًا.
﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾، ذَكَرَ مِنَّتَهُ تَعالى عَلَيْنا بِما تَقُومُ بِهِ مَعِيشَتُنا.
(مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ): مِن أحْمَرَ وأبْيَضَ وأصْفَرَ، وشَمِلَ لَفْظُ الزَّرْعِ جَمِيعَ ما يُزْرَعُ مِن مُقْتاتٍ وغَيْرِهِ، أوْ مُخْتَلِفًا أصْنافُهُ مِن بُرٍّ وشَعِيرٍ وسِمْسِمٍ وغَيْرِ ذَلِكَ.
(ثُمَّ يَهِيجُ): يُقارِبُ الثِّمارَ، (فَتَراهُ مُصْفَرًّا) أيْ: زالَتْ خُضْرَتُهُ ونَضارَتُهُ.
وقَرَأ أبُو بِشْرٍ: (ثُمَّ يَجْعَلَهُ) بِالنَّصْبِ في اللّامِ. قالَ صاحِبُ الكامِلِ وهو ضَعِيفٌ. انْتَهى.
(إنَّ في ذَلِكَ) أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن إنْزالِ المَطَرِ وإخْراجِ الزَّرْعِ بِهِ وتَنَقُّلاتِهِ إلى حالَةِ الحُطامِيَّةِ، (لَذِكْرى) أيْ: لَتَذْكِرَةً وتَنْبِيهًا عَلى حِكْمَةِ فاعِلِ ذَلِكَ وقُدْرَتِهِ.
﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾: نَزَلَتْ في حَمْزَةَ، وعَلِيٍّ، و(مَن) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ تَقْدِيرُهُ: كالقاسِي المُعْرِضِ عَنِ الإسْلامِ، وأبُو لَهَبٍ وابْنُهُ كانا مِنَ القاسِيَةِ قُلُوبُهم، وشَرْحُ الصَّدْرِ اسْتِعارَةٌ عَنْ قَبُولِهِ لِلْإيمانِ والخَيْرِ والنُّورِ والهِدايَةِ. وفي الحَدِيثِ: (كَيْفَ انْشِراحُ الصُّدُورِ ؟ قالَ: إذا دَخَلَ النُّورُ القَلْبَ انْشَرَحَ وانْفَسَحَ، قُلْنا: وما عَلامَةُ ذَلِكَ ؟ قالَ: الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ والتَّأهُّبُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ المَوْتِ) .
﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن أجْلِ ذِكْرِهِ، أيْ: إذا ذُكِرَ اللَّهُ عِنْدَهم قَسَتْ قُلُوبُهم. وقالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: ما ضُرِبَ عَبْدٌ بِعُقُوبَةٍ أعْظَمَ مِن قَسْوَةِ قَلْبٍ.
(أُولَئِكَ) أيِ: القاسِيَةُ قُلُوبُهم، (في ضَلالٍ مُبِينٍ) أيْ: في حَيْرَةٍ واضِحَةٍ، لا تَخْفى عَلى مَن تَأمَّلَها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences