Abu HayyanAn‑Nisa · 4:9–10

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:9–10

4:9Page 78

وَلۡيَخۡشَ ٱلَّذِينَ لَوۡ تَرَكُواْ مِنۡ خَلۡفِهِمۡ ذُرِّيَّةٗ ضِعَٰفًا خَافُواْ عَلَيۡهِمۡ فَلۡيَتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡيَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدًا ٩

And let those [executors and guardians] fear [injustice] as if they [themselves] had left weak offspring behind and feared for them. So let them fear Allāh and speak words of appropriate justice.

﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ ولْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ أنَّهُ أمَرَ بِخَشْيَةِ اللَّهِ واتِّقائِهِ. والقَوْلُ السَّدِيدُ مَن يَنْظُرُ في حالِ ذَرِّيَّةٍ ضِعافٍ لِتَنْبِيهِهِ عَلى وذَلِكَ بِكَوْنِهِ هو يَتْرُكُ ذُرِّيَّةً ضِعافًا، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ وُلاةُ الأيْتامِ، وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ. والَّذِي يَنْهى المُحْتَضِرَ عَنِ الوَصِيَّةِ لِذَوِي القُرْبى، ومَن يَسْتَحِقُّ ويَحْسُنُ لَهُ الإمْساكُ عَلى قَرابَتِهِ وأوْلادِهِ. وبِهِ فَسَّرَ مِقْسَمٌ وحَضْرَمِيٌّ، والَّذِي يَأْمُرُ المُحْتَضِرَ بِالوَصِيَّةِ لِفُلانٍ وفُلانٍ ويُذَكِّرُهُ بِأنْ يُقَدِّمَ لِنَفْسِهِ، وقَصْدُهُ إيذاءُ ورَثَتِهِ بِذَلِكَ. وبِهِ فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ وابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ ومُجاهِدٌ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ جَمِيعُ النّاسِ أُمِرُوا بِاتِّقاءِ اللَّهِ في الأيْتامِ وأوْلادِ النّاسِ، وإنْ لَمْ يَكُونُوا في حِجْرِهِمْ. وأنَّ يُسَدِّدُوا لَهُمُ القَوْلَ كَما يُحِبُّونَ أنْ يُفْعَلَ بِأوْلادِهِمْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَتَّصِلَ بِما قَبْلَهُ، وأنْ يَكُونَ آمِرًا لِلْوَرَثَةِ بِالشَّفَقَةِ عَلى الَّذِينَ يَحْضُرُونَ القِسْمَةَ مِن ضُعَفاءِ أقارِبِهِمْ واليَتامى والمَساكِينِ، وأنْ يَتَصَوَّرَ أنَّهم لَوْ كانُوا أوْلادَهم بَقُوا خَلْفَهم ضائِعِينَ مُحْتاجِينَ، هَلْ كانُوا يَخافُونَ عَلَيْهِمُ الحِرْمانَ والخَشْيَةَ ؟ انْتَهى كَلامُهُ. وهو مُمْكِنٌ أنْ يَكُونَ مُرادًا. قالَ القاضِي: الألْيَقُ بِما تَقَدَّمَ وما تَأخَّرَ أنْ يَكُونَ مِنَ الآياتِ الوارِدَةِ في الأيْتامِ، فَجَعَلَ تَعالى آخِرَ ما دَعاهم بِهِ إلى حِفْظِ مالِ اليَتِيمِ أنْ يُنَبِّهَهم عَلى حالِ أنْفُسِهِمْ وذُرِّيَّتِهِمْ إذا تَصَوَّرُوها، ولا شَكَّ أنَّ هَذا مِن أقْوى البَواعِثِ في هَذا المَقْصُودِ عَلى الِاحْتِياطِ فِيهِ.

وقَرَأ الزُّهْرِيُّ والحَسَنُ وأبُو حَيْوَةَ وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِكَسْرِ لامِ الأمْرِ في: (ولِيَخْشَ)، وفي: (فَلِيَتَّقُوا)، (ولِيَقُولُوا) . وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالإسْكانِ. ومَفْعُولُ (ولْيَخْشَ) مَحْذُوفٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ الجَلالَةِ، أيِ اللَّهَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا الحَذْفُ عَلى طَرِيقِ الإعْمالِ، أعْمَلَ (فَلْيَتَّقُوا) . وحَذَفَ مَعْمُولَ الأوَّلِ، إذْ هو مَنصُوبٌ يَجُوزُ أنْ يُحْذَفَ اقْتِصارًا، فَكانَ حَذْفُهُ اخْتِصارًا أجْوَزَ، ويَصِيرُ نَحْوَ قَوْلِكَ: أكْرَمْتُ فَبَرَرْتُ زَيْدًا. وصِلَةُ (الَّذِينَ) الجُمْلَةُ مِن (لَوْ) وجَوابِها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَقْدِيرُهُ: لَوْ تَرَكُوا لَخانُوا. ويَجُوزُ حَذْفُ اللّامِ في جَوابِ (لَوْ)، تَقُولُ: لَوْ قامَ زَيْدٌ لَقامَ عَمْرٌو، ولَوْ قامَ زَيْدٌ قامَ عَمْرٌو، انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ ولْيَخْشَ الَّذِينَ صِفَتُهم وحالُهم أنَّهم لَوْ شارَفُوا أنْ يَتْرُكُوا خَلْفَهم ذُرِّيَّةً ضِعافًا وذَلِكَ عِنْدَ احْتِضارِهِمْ، خافُوا عَلَيْهِمُ الضَّياعَ بَعْدَهم لِذَهابِ كافِلِهِمْ وكاسِبِهِمْ كَما قالَ القائِلُ:

؎لَقَدْ زادَ الحَياةَ إلَيَّ حُبًّا بَناتِي إنَّهُنَّ مِنَ الضِّعافِ

؎أُحاذِرُ أنْ يَرِثْنَ البُؤْسَ بَعْدِي ∗∗∗ وأنْ يَشْرَبْنَ رَنْقًا بَعْدَ صافِ

انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ غَيْرُهُما: لَوْ تَرَكُوا، (لَوْ) يَمْتَنِعُ بِها الشَّيْءُ لِامْتِناعِ غَيْرِهِ، و(خافُوا) جَوابُ (لَوِ) . انْتَهى.

فَظاهِرُ هَذِهِ النُّصُوصِ أنَّ (لَوْ) هُنا الَّتِي تَكُونُ تَعْلِيقًا في الماضِي، وهي الَّتِي يُعَبِّرُ عَنْها سِيبَوَيْهِ بِأنَّها حَرْفٌ لِما كانَ يَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ. ويُعَبِّرُ غَيْرُهُ عَنْها بِأنَّها حَرْفٌ يَدُلُّ عَلى امْتِناعِ الشَّيْءِ لِامْتِناعِ غَيْرِهِ. وذَهَبَ صاحِبُ التَّسْهِيلِ: إلى أنَّ (لَوْ) هُنا شَرْطِيَّةٌ بِمَعْنى (إنْ) فَتَقْلِبُ الماضِيَ إلى مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، والتَّقْدِيرُ: ولْيَخْشَ الَّذِينَ إنْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ. قالَ: ولَوْ وقَعَ بَعْدَ (لَوْ) هَذِهِ مُضارِعٌ لَكانَ مُسْتَقْبَلَ المَعْنى، كَما يَكُونُ بَعْدَ (إنْ)، قالَ الشّاعِرُ:

؎لا يُلْفِكَ الرّاجُوكَ إلّا مُظْهِرًا ∗∗∗ خُلُقَ الكَرِيمِ ولَوْ تَكُونُ عَدِيما

وكَأنَّ قائِلَ هَذا تَوَهَّمَ أنَّهُ لَمّا أُمِرُوا بِالخَشْيَةِ، والأمْرُ مُسْتَقْبَلٌ، ومُتَعَلِّقُ الأمْرِ هو مَوْصُولٌ - لَمْ يَصْلُحْ أنْ تَكُونَ الصِّلَةُ ماضِيَةً عَلى تَقْدِيرِ دالَّةٍ عَلى العَدَمِ الَّذِي يُنافِي امْتِثالَ الأمْرِ. وحَسُنَ مَكانَ (لَوْ) لَفْظُ (إنْ) فَقالَ: (p-١٧٨)إنَّها تَعْلِيقٌ في المُسْتَقْبَلِ، وأنَّها بِمَعْنى (إنْ) . وكَأنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ عَرَضَ لَهُ هَذا التَّوَهُّمُ، فَلِذَلِكَ قالَ: مَعْناهُ ولْيَخْشَ الَّذِينَ صِفَتُهم وحالُهم أنَّهم لَوْ شارَفُوا أنْ يُتْرَكُوا، فَلَمْ تَدْخُلْ (لَوْ) عَلى مُسْتَقْبَلٍ، بَلْ أُدْخِلَتْ عَلى (شارَفُوا) الَّذِي هو ماضٍ أُسْنِدَ لِلْمَوْصُولِ حالَةَ الأمْرِ. وهَذا الَّذِي تَوَهَّمُوهُ لا يَلْزَمُ في الصِّلَةِ إلّا إنْ كانَتِ الصِّلَةُ ماضِيَةً في المَعْنى، واقِعَةً بِالفِعْلِ. إذْ مَعْنى: لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ، أيْ ماتُوا فَتَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ، فَلَوْ كانَ كَذَلِكَ لَلَزِمَ التَّأْوِيلُ في (لَوْ) أنْ تَكُونَ بِمَعْنى (إنْ)، إذْ لا يُجامَعُ الأمْرُ بِإيقاعِ فِعْلِ مَن ماتَ بِالفِعْلِ. أمّا إذا كانَ ماضِيًا عَلى تَقْدِيرٍ يَصِحُّ أنْ يَقَعَ صِلَةً، وأنْ يَكُونَ العامِلُ في المَوْصُولِ الفِعْلَ المُسْتَقْبَلَ، نَحْوُ قَوْلِكَ: لِيَزُرْنا الَّذِي لَوْ ماتَ أمْسِ بَكَيْناهُ. وأصْلُ (لَوْ) أنْ تَكُونَ تَعْلِيقًا في الماضِي، ولا يُذْهَبُ إلى أنَّهُ يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ بِمَعْنى: إنْ، إلّا إذْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَرِينَةٌ كالبَيْتِ المُتَقَدِّمِ. لِأنَّ جَوابَ (لَوْ) فِيهِ مَحْذُوفٌ مُسْتَقْبَلٌ لِاسْتِقْبالِ ما دَلَّ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: لا يُلْفِكَ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ:

؎قَوْمٌ إذا حارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهم ∗∗∗ دُونَ النِّساءِ ولَوْ باتَتْ بِأطْهارِ

لِدُخُولِ ما بَعْدَها في حَيِّزِ (إذا)، و(إذا) لِلْمُسْتَقْبَلِ. ولَوْ قالَ قائِلٌ: لَوْ قامَ زَيْدٌ قامَ عُمَرُ، ولَتَبادَرَ إلى الذِّهْنِ أنَّهُ تَعْلِيقٌ في الماضِي دُونَ المُسْتَقْبَلِ. و(مِن خَلْفِهِمْ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (تَرَكُوا) . وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن (ذُرِّيَّةً) .

وقَرَأ الجُمْهُورُ (ضِعافًا) جَمْعُ ضَعِيفٍ، كَظَرِيفٍ وظِرافٍ. وأمالَ فَتْحَةَ العَيْنِ حَمْزَةُ، وجَمْعُهُ عَلى فِعالٍ قِياسٌ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: ضُعُفًا بِضَمَّتَيْنِ، وتَنْوِينِ الفاءِ. وقَرَأتْ عائِشَةُ، والسُّلَمِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ أيْضًا: ضُعَفاءَ بِضَمِّ الضّادِ والمَدِّ، كَظَرِيفٍ وظُرَفاءَ، وهو أيْضًا قِياسٌ. وقُرِئَ: (ضُعافى) و(ضَعافى) بِالإمالَةِ، نَحْوَ سُكارى وسَكارى. وأمالَ حَمْزَةُ (خافُوا) لِلْكَسْرَةِ الَّتِي تَعْرِضُ لَهُ في نَحْوِ: خِفْتُ. وانْظُرْ إلى حُسْنِ تَرْتِيبِ هَذِهِ الأوامِرِ حَيْثُ بَدَأ أوَّلًا بِالخَشْيَةِ الَّتِي مَحَلُّها القَلْبُ وهي الِاحْتِرازُ مِنَ الشَّيْءِ بِمُقْتَضى العِلْمِ، وهي الحامِلَةُ عَلى التَّقْوى، ثُمَّ أمَرَ بِالتَّقْوى ثانِيًا وهي مُتَسَبِّبَةٌ عَنِ الخَشْيَةِ، إذْ هي جَعْلُ المَرْءِ نَفْسَهُ في وِقايَةٍ مِمّا يَخْشاهُ. ثُمَّ أمَرَ بِالقَوْلِ السَّدِيدِ، وهو ما يَظْهَرُ مِنَ الفِعْلِ النّاشِئِ عَنِ التَّقْوى النّاشِئَةِ عَنِ الخَشْيَةِ. ولا يُرادُ تَخْصِيصُ القَوْلِ السَّدِيدِ فَقَطْ، بَلِ المَعْنى عَلى الفِعْلِ والقَوْلِ السَّدِيدَيْنِ. وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى القَوْلِ السَّدِيدِ لِسُهُولَةِ ذَلِكَ عَلى الإنْسانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أقَلُّ ما يُسْلَكُ هو القَوْلُ السَّدِيدُ. قالَ مُجاهِدٌ: يَقُولُونَ لِلَّذِينَ يُفَرِّقُونَ المالَ زِدْ فُلانًا وأعْطِ فُلانًا. وقِيلَ: هو الأمْرُ بِإخْراجِ الثُّلُثِ فَقَطْ. وقِيلَ: هو تَلْقِينُ المُحْتَضِرِ الشَّهادَةَ. وقِيلَ: الصِّدْقُ في الشَّهادَةِ. وقِيلَ: المُوافِقُ لِلْحَقِّ. وقِيلَ: لِلْعَدْلِ. وقِيلَ: لِلْقَصْدِ. وكُلُّها مُتَقارِبَةٌ.

والسَّدادُ: الِاسْتِواءُ في القَوْلِ والفِعْلِ. وأصْلُ السَّدِّ إزالَةُ الِاخْتِلالِ. والسَّدِيدُ يُقالُ في مَعْنى الفاعِلِ، وفي مَعْنى المَفْعُولِ. ورَجُلٌ سَدِيدٌ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ، فَإنَّهُ يُسَدَّدُ مِن قِبَلِ مَتْبُوعِهِ، ويُسَدِّدُ لِتابِعِهِ.

4:10Page 78

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗاۖ وَسَيَصۡلَوۡنَ سَعِيرٗا ١٠

Indeed, those who devour the property of orphans unjustly are only consuming into their bellies fire. And they will be burned in a Blaze [i.e., Hellfire].

﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ كانُوا يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ولا يُوَرِّثُونَهم ولا النِّساءَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وقِيلَ: في حَنْظَلَةَ بْنِ الشَّمَرْدَلِ، ولِيَ يَتِيمًا فَأكَلَ مالَهُ. وقِيلَ: في زَيْدِ بْنِ زَيْدٍ الغَطَفانِيِّ ولِيَ مالَ ابْنِ أخِيهِ فَأكَلَهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ الأكْثَرُونَ: نَزَلَتْ في الأوْصِياءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ مِن أمْوالِ اليَتامى ما لَمْ يُبَحْ لَهم، وهي تَتَناوَلُ كُلَّ أكْلٍ بِظُلْمٍ لَمْ يَكُنْ وصِيًّا، وانْتِصابُ (ظُلْمًا) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وخَبَرُ (إنَّ) هي الجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: إنَّما يَأْكُلُونَ. وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ وُقُوعِ الجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِـ (إنَّ) خَبَرًا لِـ (إنَّ)، وفي ذَلِكَ خِلافٌ. وحَسَّنَ ذَلِكَ هُنا تَباعُدُهُما بِكَوْنِ اسْمِ إنَّ مَوْصُولًا، فَطالَ الكَلامُ بِذِكْرِ صِلَتِهِ. وفي بُطُونِهِمْ: مَعْناهُ مِلْءُ بُطُونِهِمْ، يُقالُ: أكَلَ في بَطْنِهِ، وفي بَعْضِ بَطْنِهِ. كَما قالَ:(p-١٧٩)

؎كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَعِفُّوا فَإنَّ زَمانَكم زَمَنٌ خَمِيصُ

والظّاهِرُ: تَعَلُّقُ ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ بِـ (يَأْكُلُونَ)، وقالَهُ الحَوْفِيُّ. وقالَ أبُو البَقاءِ: هو في مَوْضِعِ الحالِ مِن قَوْلِهِ نارًا. ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ عَلى نَقْصِهِمْ، ووَصْفِهِمْ بِالشَّرَهِ في الأكْلِ، والتَّهافُتِ في نَيْلِ الحَرامِ بِسَبَبِ البَطْنِ. وأيْنَ يَكُونُ هَؤُلاءِ مِن قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎تَراهُ خَمِيصَ البَطْنِ والزّادُ حاضِرُ

وقَوْلِ الشَّنْفَرى:

؎وإنْ مُدَّتِ الأيْدِي إلى الزّادِ لَمْ أكُنْ ∗∗∗ بِأعْجَلِهِمْ إذْ أجْشَعُ القَوْمِ أعْجَلُ

وظاهِرُ قَوْلِهِ: نارًا أنَّهم يَأْكُلُونَ نارًا حَقِيقَةً. وفي حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ عَنْ لَيْلَةِ الإسْراءِ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (رَأيْتُ قَوْمًا لَهم مَشافِرُ كَمَشافِرِ الإبِلِ، وقَدْ وُكِلَ بِهِمْ مَن يَأْخُذُ بِمَشافِرِهِمْ ثُمَّ يُجْعَلُ في أفْواهِهِمْ صَخْرًا مِن نارٍ يَخْرُجُ مِن أسافِلِهِمْ، فَقُلْتُ: يا جِبْرِيلُ مَن هَؤُلاءِ ؟ قالَ: هُمُ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا) وبِأكْلِهِمُ النّارَ حَقِيقَةً قالَتْ طائِفَةٌ. وقِيلَ: هو مُجازٌ، لَمّا كانَ أكْلُ مالِ اليَتِيمِ يَجُرُّ إلى النّارِ والتَّعْذِيبِ بِها، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالأكْلِ في البَطْنِ، ونَبَّهَ عَلى الحامِلِ عَلى أخْذِ المالِ، وهو البَطْنُ الَّذِي هو أخَسُّ الأشْياءِ الَّتِي يُنْتَفَعُ بِالمالِ لِأجْلِها، إذْ مَآلُ ما يُوضَعُ فِيهِ إلى الِاضْمِحْلالِ والذَّهابِ في أقْرَبِ زَمانٍ. ولِذَلِكَ قالَ: (ما مَلَأ الإنْسانُ وِعاءً شَرًّا مِن بَطْنِهِ) .

وقَرَأ الجُمْهُورُ: وسَيَصْلَوْنَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مِنَ الثُّلاثِيِّ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو بَكْرٍ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ اللّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِنَ الثُّلاثِيِّ. وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الصّادِ واللّامِ مُشَدَّدَةً مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. والصَّلى مِنَ: التَّسَخُّنِ بِقُرْبِ النّارِ، والإحْراقُ: إتْلافُ الشَّيْءِ بِالنّارِ. وعَبَّرَ بِالصَّلى بِالنّارِ عَنِ العَذابِ الدّائِمِ بِها، إذِ النّارُ لا تُذْهِبُ ذَواتِهِمْ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ كَما قالَ: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ [النساء: ٥٦] وهَذا وعِيدٌ عَظِيمٌ عَلى هَذِهِ المَعْصِيَةِ. وجاءَ (يَأْكُلُونَ) بِالمُضارِعِ دُونَ سِينِ الِاسْتِقْبالِ، و(سَيَصْلَوْنَ) بِالسِّينِ، فَإنْ كانَ الأكْلُ لِلنّارِ حَقِيقَةً فَهو مُسْتَقْبَلٌ، واسْتَغْنى عَنْ تَقْيِيدِهِ بِالسِّينِ بِعَطْفِ المُسْتَقْبَلِ عَلَيْهِ. وإنْ كانَ مَجازًا فَلَيْسَ بِمُسْتَقْبَلٍ، إذِ المَعْنى: يَأْكُلُونَ ما يَجُرُّ إلى النّارِ ويَكُونُ سَبَبًا إلى العَذابِ بِها. ولَمّا كانَ لَفْظُ نارٍ مُطْلَقًا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾، قُيِّدَ في قَوْلِهِ سَعِيرًا، إذْ هو الجَمْرُ المُتَّقِدُ.

وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ مِن ضُرُوبِ البَيانِ والفَصاحَةِ: الطِّباقَ في: (واحِدَةٍ) و(زَوْجَها)، وفي (غَنِيًّا) و(فَقِيرًا)، وفي: (قَلَّ أوْ كَثُرَ) . والتَّكْرارَ في: (اتَّقُوا)، وفي: (خَلَقَ)، وفي: (خِفْتُمْ)، و(أنْ لا تُقْسِطُوا)، و(أنْ لا تَعْدِلُوا) مِن جِهَةِ المَعْنى، وفي (اليَتامى)، وفي (النِّساءِ)، وفي ﴿فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، ﴿فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، وفي ﴿نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧]، وفي قَوْلِهِ: (ولْيَخْشَ)، و(خافُوا)، مِن جِهَةِ المَعْنى عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَهُما مُتَرادِفَيْنِ، وإطْلاقَ اسْمِ المُسَبِّبِ عَلى السَّبَبِ في: (ولا تَأْكُلُوا) وشِبْهِهِ؛ لِأنَّ الأخْذَ سَبَبٌ لِلْأكْلِ. وتَسْمِيَةَ الشَّيْءِ بِاسْمِ ما كانَ عَلَيْهِ في: ﴿وآتُوا اليَتامى﴾ [النساء: ٢]، سَمّاهم يَتامى بَعْدَ البُلُوغِ. والتَّأْكِيدَ بِالإتْباعِ في: ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]، وتَسْمِيَةَ الشَّيْءِ بِاسْمِ ما يَئُولُ إلَيْهِ في: ﴿نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ﴾ [النساء: ٧]، وفي (نارًا) عَلى قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّها حَقِيقَةٌ. والتَّجْنِيسَ المُماثِلَ في: (فادْفَعُوا)، (فَإذا دَفَعْتُمْ)، والمُغايِرَ في: ﴿وقُولُوا لَهم قَوْلًا﴾ [النساء: ٨] . والزِّيادَةَ لِلزِّيادَةِ في المَعْنى في: ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: ٦] . وإطْلاقَ كُلٍّ عَلى بَعْضٍ في: (الأقْرَبُونَ)، إذِ المُرادُ أرْبابُ الفَرائِضِ. وإقامَةَ الظَّرْفِ المَكانِيِّ مَقامَ الزَّمانِيِّ في: (خَلْفِهِمْ)، أيْ مِن بَعْدِ وفاتِهِمْ. والِاخْتِصاصَ في: (بُطُونِهِمْ)، خَصَّها دُونَ غَيْرِها لِأنَّها مَحَلٌّ لِلْمَأْكُولاتِ. والتَّعْرِيضَ في: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾، عَرَّضَ بِذِكْرِ البُطُونِ لِحُسْنِهِمْ وسُقُوطِ هِمَمِهِمْ، والعَرَبُ تَذُمُّ بِذَلِكَ قالَ:

؎دَعِ المَكارِمَ لا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِها ∗∗∗ واقْعُدْ فَإنَّكَ أنْتَ الطّاعِمُ الكاسِي

وتَأْكِيدَ الحَقِيقَةِ بِما يَرْفَعُ احْتِمالَ المَجازِ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ . رُفِعَ المَجازُ العارِضُ في قَوْلِهِ: ﴿أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢] وهَذا عَلى قَوْلِ مَن حَمَلَهُ عَلى الحَقِيقَةِ، ومَن حَمَلَهُ عَلى المَجازِ، فَيَكُونُ عِنْدَهُ مِن (p-١٨٠)تَرْشِيحِ المَجازِ، ونَظِيرُ كَوْنِهِ رافِعًا لِلْمَجازِ قَوْلُهُ: ﴿يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقَوْلُهُ: ﴿يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]، والحَذْفَ في عِدَّةِ مَواضِعَ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] . لَمّا أبْهَمَ في قَوْلِهِ: ﴿نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] في المِقْدارِ والأقْرَبِينَ - بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ المَقادِيرَ ومَن يَرِثُ مِنَ الأقْرَبِينَ، وبَدَأ بِالأوْلادِ وإرْثِهِمْ مِن والِدَيْهِمْ، كَما بَدَأ في قَوْلِهِ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ﴾ [النساء: ٧] بِهِمْ. وفي قَوْلِهِ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] - إجْمالٌ أيْضًا بَيَّنَهُ بَعْدُ. وبَدَأ بِقَوْلِهِ: لِلذَّكَرِ، وتَبَيَّنَ ما لَهُ دَلالَةٌ عَلى فَضْلِهِ. وكانَ تَقْدِيمُ الذَّكَرِ أدَلَّ عَلى فَضْلِهِ مِن ذِكْرِ بَيانِ نَقْصِ الأُنْثى عَنْهُ؛ ولِأنَّهم كانُوا يُوَرِّثُونَ الذُّكُورَ دُونَ الإناثِ، فَكَفاهم إنْ ضُوعِفَ لَهم نَصِيبُ الإناثِ فَلا يُحْرَمْنَ، إذْ هُنَّ يُدْلِينَ بِما يُدْلُونَ بِهِ مِنَ الوَلَدِيَّةِ.

وقَدِ اخْتَلَفَ القَوْلُ في سَبَبِ النُّزُولِ، ومُضْمَنُ أكْثَرِ تِلْكَ الأقاوِيلِ: أنَّهم كانُوا لا يُوَرِّثُونَ البَناتِ كَما تَقَدَّمَ، فَنَزَلَتْ تَبْيِينًا لِذَلِكَ ولِغَيْرِهِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في جابِرٍ إذْ مَرِضَ، فَعادَهُ الرَّسُولُ ﷺ فَقالَ: كَيْفَ أصْنَعُ في مالِي ؟ وقِيلَ: كانَ الإرْثُ لِلْوَلَدِ والوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ، فَنُسِخَ بِهَذِهِ الآياتِ. قِيلَ: مَعْنى يُوصِيكم يَأْمُرُكم. كَقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾ [الأنعام: ١٥١] وعَدَلَ إلى لَفْظِ الإيصاءِ لِأنَّهُ أبْلَغُ وأدَلُّ عَلى الِاهْتِمامِ وطَلَبِ حُصُولِهِ سُرْعَةً، وقِيلَ: يَعْهَدُ إلَيْكم كَقَوْلِهِ: ﴿ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] وقِيلَ: يُبَيِّنُ لَكم في أوْلادِكم مَقادِيرَ ما أثْبَتَ لَهم مِنَ الحَقِّ مُطْلَقًا بِقَوْلِهِ (لِلرِّجالِ) ﴿وأُولُو الأرْحامِ﴾ [الأنفال: ٧٥] وقِيلَ: يَفْرِضُ لَكم. وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ.

والخِطابُ في: (يُوصِيكم) لِلْمُؤْمِنِينَ، وفي (أوْلادِكم): هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ. أيْ: في أوْلادِ مَوْتاكم، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُخاطَبَ الحَيُّ بِقِسْمَةِ المِيراثِ في أوْلادِهِ ويُفْرَضَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وإنْ كانَ المَعْنِيُّ بِـ (يُوصِيكم) (يُبَيِّنُ) جازَ أنْ يُخاطِبَ الحَيَّ، ولا يَحْتاجَ إلى حَذْفِ مُضافٍ. والأوْلادُ يَشْمَلُ الذُّكُورَ والإناثَ، إلّا أنَّهُ خَصَّ مِن هَذا العُمُومِ مَن قامَ بِهِ مانِعُ الإرْثِ، فَأمّا الرِّقُّ فَمانِعٌ بِالإجْماعِ، وأمّا الكُفْرُ فَكَذَلِكَ، إلّا ما ذَهَبَ إلَيْهِ مُعاذٌ مِن أنَّ المُسْلِمَ يَرِثُ الكافِرَ. وأمّا القَتْلُ فَإنْ قَتَلَ أباهُ لَمْ يَرِثْ، وكَذا إذا قَتَلَ جَدَّهُ وأخاهُ أوْ عَمَّهُ، لا يَرِثُ مِنَ الدِّيَةِ، هَذا مَذْهَبُ ابْنِ المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، والزُّهْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، ومالِكٍ، وإسْحاقَ، وأبِي ثَوْرٍ، وابْنِ المُنْذِرِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وسُفْيانُ وأصْحابُ الرَّأْيِ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ: لا يَرِثُ مِنَ المالِ، ولا مِنَ الدِّيَةِ شَيْئًا. واسْتَثْنى النَّخَعِيُّ مِن عُمُومِ (أوْلادِكُمُ) الأسِيرَ، فَقالَ: لا يَرِثُ.

وقالَ الجُمْهُورُ: إذا عُلِمَتْ حَياتُهُ يَرِثُ، فَإنْ جُهِلَتْ فَحُكْمُهُ حُكْمُ المَفْقُودِ. واسْتُثْنِيَ مِنَ العُمُومِ المِيراثُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، وأمّا الجَنِينُ فَإنْ خَرَجَ مَيْتًا لَمْ يَرِثْ، وإنْ خَرَجَ حَيًّا، فَقالَ القاسِمُ، وابْنُ سِيرِينَ، والسُّدِّيُّ، والشَّعْبِيُّ، والزُّهْرِيُّ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ: يَسْتَهِلُّ صارِخًا، ولَوْ عَطَسَ أوْ تَحَرَّكَ أوْ صاحَ أوْ رَضَعَ أوْ كانَ فِيهِ نَفَسٌ. وقالَ الأوْزاعِيُّ وسُفْيانُ والشّافِعِيُّ: إذا عُرِفَتْ حَياتُهُ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ، وإنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الحَيِّ في الإرْثِ. وأمّا الجَنِينُ في بَطْنِ أُمِّهِ فَلا خِلافَ في أنَّهُ يَرِثُ، وإنَّما الخِلافُ في قِسْمَةِ المالِ الَّذِي لَهُ فِيهِ سَهْمٌ. وذَلِكَ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. وأمّا الخُنْثى فَداخِلٌ في عُمُومِ (أوْلادِكم)، ولا خِلافَ في تَوْرِيثِهِ، والخِلافُ فِيما يَرِثُ وفِيما يُعْرَفُ بِهِ أنَّهُ خُنْثى، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في كُتُبِ الفِقْهِ. وأمّا المَفْقُودُ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يَرِثُ في حالِ فَقْدِهِ مِن أحَدٍ شَيْئًا.

وقالَ الشّافِعِيُّ: يُوقَفُ نَصِيبُهُ حَتّى يُتَحَقَّقَ مَوْتُهُ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ مالِكٍ. وأمّا المَجْنُونُ والمَعْتُوهُ والسَّفِيهُ فَيَرِثُونَ إجْماعًا، والوَلَدُ حَقِيقَةٌ في ولَدِ الصُّلْبِ، ويُسْتَعْمَلُ في ولَدِ الِابْنِ، والظّاهِرُ أنَّهُ مَجازٌ. إذْ لَوْ كانَ حَقِيقَةً بِطْرِيقِ الِاشْتِراكِ أوِ التَّواطُؤِ لَشارَكَ ولَدَ الصُّلْبِ مُطْلَقًا، والحُكْمُ أنَّهُ لا يَرِثُ إلّا عِنْدَ عَدَمِ ولَدِ الصُّلْبِ، أوْ عِنْدَ وُجُودِ مَن لا يَأْخُذُ جَمِيعَ المِيراثِ مِنهم.

وهَذا البَحْثُ جارٍ في الأبِ والجَدِّ والأُمِّ والجَدَّةِ، والأظْهَرُ أنَّهُ لَيْسَ عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ لِاتِّفاقِ الصَّحابَةِ عَلى أنَّ الجَدَّ لَيْسَ لَهُ حُكْمٌ مَذْكُورٌ في القُرْآنِ، ولَوْ كانَ اسْمُ الأبِ يَتَناوَلُهُ حَقِيقَةً لَما صَحَّ هَذا الِاتِّفاقُ. ولَوْ أوْصى لِوَلَدِ فُلانٍ فَعِنْدَ الشّافِعِيِّ لا يَدْخُلُ ولَدُ الوَلَدِ، وعِنْدَ مالِكٍ يَدْخُلُ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ يَدْخُلُ إنْ لَمْ (p-١٨١)يَكُنْ لِفُلانٍ ولَدُ صُلْبٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском