Abu HayyanAn‑Nisa · 4:117–126

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:117–126, continued

﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ حَنِيفًا في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] واتِّباعُهُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في التَّوْحِيدِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: في القِيامِ لِلَّهِ بِما فَرَضَهُ. وقِيلَ: في جَمِيعِ شَرِيعَتِهِ إلّا ما نُسِخَ مِنها.

﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا﴾ هَذا مَجازٌ عَنِ اصْطِفائِهِ واخْتِصاصِهِ بِكَرامَةٍ تُشْبِهُ كَرامَةَ الخَلِيلِ عِنْدَ خَلِيلِهِ. وتَقَدَّمَ اشْتِقاقُ الخَلِيلِ في المُفْرَداتِ. والجُمْهُورُ: عَلى أنَّها مِنَ الخُلَّةِ وهي المَوَدَّةُ الَّتِي لَيْسَ فِيها خَلَلٌ. وقَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسى الهاشِمِيِّ: إنَّهُ إنَّما سُمِّيَ خَلِيلًا لِأنَّهُ تَخَلّى عَمّا سِوى خَلِيلِهِ. فَإنْ كانَ فَسَّرَ المَعْنى فَيُمْكِنُ، وإنْ كانَ أرادَ الِاشْتِقاقَ فَلا يَصِحُّ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ. «وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: يا جِبْرِيلُ بِمَ اتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا ؟ قالَ: لِإطْعامِهِ الطَّعامَ»، والكَرامَةُ الَّتِي أكْرَمَهُ اللَّهُ بِها ذَكَرُوها في قِصَّةٍ مُطَوَّلَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَضْمُونُها: (p-٣٥٧)أنَّ اللَّهَ قَلَبَ لَهُ غَرائِرَ الرَّمْلِ دَقِيقًا حُوّارًى عَجَنَ وخَبَزَ وأطْعَمَ النّاسَ مِنهُ.

وعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «اتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا ومُوسى نَجِيًّا واتَّخَذَنِي حَبِيبًا ثُمَّ قالَ: وعِزَّتِي وجَلالِي لَأُوثِرَنَّ حَبِيبِي عَلى خَلِيلِي ونَجِيِّي» لَمّا أثْنى عَلى مَنِ اتَّبَعَ مِلَّةً إبْراهِيمَ أخْبَرَ بِمَزِيَّتِهِ عِنْدَهُ واصْطِفائِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أدْعى إلى اتِّباعِهِ. لِأنَّ مَنِ اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِالخُلَّةِ جَدِيرٌ بِأنْ يُتَّبَعَ أوْ لِيُبَيِّنَ أنَّ تِلْكَ الخُلَّةَ إنَّما سَبَبُها حَنِيفِيَّةُ إبْراهِيمَ عَنْ سائِرِ الأدْيانِ إلى دِينِ الحَقِّ كَقَوْلِهِ: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] أيْ قُدْوَةً لِإتْمامِكَ تِلْكَ الكَلِماتِ. ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ مَن عَمِلَ بِشَرْعِهِ كانَ لَهُ نَصِيبٌ مِن مَقامِهِ. ولَيْسَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى الجُمْلَةِ قَبْلَها، لِأنَّ الجُمْلَةَ قَبْلَها مَعْطُوفَةٌ عَلى صِلَةِ (مَن)، ولا تَصْلُحُ هَذِهِ لِلصِّلَةِ؛ وإنَّما هي مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ الَّتِي مَعْناها الخَبَرُ، أيْ: لا أحَدَ أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ، نَبَّهَتْ عَلى شَرَفِ المَنبَعِ وفَوْزِ المُتَّبِعِ.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ ؟ قُلْتُ: هي جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ كَنَحْوِ ما يَجِيءُ في الشِّعْرِ مِن قَوْلِهِمْ: والحَوادِثُ جَمَّةٌ، وفائِدَتُها تَأْكِيدُ وُجُوبِ اتِّباعِ مِلَّتِهِ؛ لِأنَّ مَن بَلَغَ مِنَ الزُّلْفى عِنْدَ اللَّهِ أنِ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا كانَ جَدِيرًا بِأنْ تُتَّبَعَ مِلَّتُهُ وطَرِيقَتُهُ، انْتَهى. فَإنْ عَنى بِالِاعْتِراضِ غَيْرَ المُصْطَلَحِ عَلَيْهِ في الضَّوْءِ فَيُمْكِنُ أنْ يَصِحَّ قَوْلُهُ؛ كَأنَّهُ يَقُولُ: اعْتَرَضْتُ الكَلامَ. وإنْ عَنى بِالِاعْتِراضِ المُصْطَلَحَ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، إذْ لا يَعْتَرِضُ إلّا بَيْنَ مُفْتَقِرَيْنِ كَصِلَةٍ ومَوْصُولٍ، وشَرْطٍ وجَزاءٍ، وقَسَمٍ ومُقْسَمٍ عَلَيْهِ، وتابِعٍ ومَتْبُوعٍ، وعامِلٍ ومَعْمُولٍ. وقَوْلُهُ: كَنَحْوِ ما يَجِيءُ في الشِّعْرِ مِن قَوْلِهِمْ: والحَوادِثُ جَمَّةٌ، فالَّذِي نَحْفَظُهُ أنَّ مَجِيءَ الحَوادِثِ جَمَّةً إنَّما هو بَيْنَ مُفْتَقِرَيْنِ نَحْوَ قَوْلِهِ:

؎وقَدْ أدْرَكَتْنِي والحَوادِثُ جَمَّةٌ ∗∗∗ أسِنَّةُ قَوْمٍ لا ضِعافٌ ولا عُزْلُ

ونَحْوَ قَوْلِ الآخَرِ:

؎ألا هَلْ أتاها والحَوادِثُ جَمَّةٌ ∗∗∗ بِأنَّ أمْرَأ القَيْسِ بْنَ تَمْلِكَ بَيْقَرا

ولا نَحْفَظُهُ جاءَ آخِرَ كَلامٍ.

4:126Page 98

وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٖ مُّحِيطٗا ١٢٦

And to Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And ever is Allāh, of all things, encompassing.

﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ عامِلِ السُّوءِ وعامِلِ الصّالِحاتِ أخْبَرَ بِعَظِيمِ مُلْكِهِ. ومُلْكُهُ بِجَمِيعِ ما في السَّماواتِ، وما في الأرْضِ، والعالَمُ مَمْلُوكٌ لَهُ، وعَلى المَمْلُوكِ طاعَةُ مالِكِهِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها ظاهِرَةٌ لِما ذَكَرْناهُ، ولَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ الخُلَّةِ؛ فَذَكَرَ أنَّهُ مَعَ الخُلَّةِ عَبْدُ اللَّهِ، وأنَّ الخُلَّةَ لَيْسَتْ لِاحْتِياجٍ؛ وإنَّما هي خُلَّةُ تَشْرِيفٍ مِنهُ تَعالى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ بَقائِهِ عَلى العُبُودِيَّةِ.

﴿وكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ أيْ: عالِمًا بِكُلِّ شَيْءٍ مِنَ الجُزْئِيّاتِ والكُلِّيّاتِ؛ فَهو يُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ خَيْرِها وشَرِّها، قَلِيلِها وكَثِيرِها. وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ والبَيانِ والبَدِيعِ. مِنها التَّجْنِيسُ المُغايِرُ في: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا﴾ [النساء: ١١٦]، وفي ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا﴾ [النساء: ١١٩]، وفي (ومَن أحْسَنُ) و(هو مُحْسِنٌ) . والتَّكْرارُ في: (لا يَغْفِرُ) و(يَغْفِرُ)، وفي: (يُشْرِكُ) و(مَن يُشْرِكْ)، وفي (لَآمُرَنَّهم)، وفي: اسْمِ الشَّيْطانِ، وفي: (يَعِدُهم) (وما يَعِدُهم)، وفي الجَلالَةِ في مَواضِعَ، وفي: ﴿بِأمانِيِّكُمْ﴾ [النساء: ١٢٣] ﴿ولا أمانِيِّ﴾ [النساء: ١٢٣]، وفي: (مَن يَعْمَلْ) و(مَن يَعْمَلْ)، وفي: إبْراهِيمَ. والطِّباقُ المَعْنَوِيُّ في: ﴿ومَن يُشاقِقِ﴾ [النساء: ١١٥] و(الهُدى)، وفي: (أنْ يُشْرَكَ بِهِ) و(لِمَن يَشاءُ) يَعْنِي المُؤْمِنَ، وفي: (سَواءٌ) و(الصّالِحاتِ) . والِاخْتِصاصُ في: ﴿بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ﴾ [النساء: ١١٤]، وفي ﴿وهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: ١٢٤] و﴿مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ [النساء: ١٢٥]، وفي: ﴿ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ . والمُقابَلَةُ في: ﴿مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ [النساء: ١٢٤] . والتَّأْكِيدُ بِالمَصْدَرِ في: ﴿وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ [النساء: ١٢٢] . والِاسْتِعارَةُ في: ﴿وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٢٥]، عَبَّرَ بِهِ عَنِ القَصْدِ أوِ الجِهَةِ، وفي: ﴿مُحِيطًا﴾ عَبَّرَ بِهِ عَنِ العِلْمِ بِالشَّيْءِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ. والحَذْفُ في عِدَّةِ مَواضِعَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском