Abu HayyanAn‑Nisa · 4:160–175

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:160–175, continued

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيدًا﴾؛ أيْ ضَلالًا لا يَقْرُبُ رُجُوعُهم عَنْهُ، ولا تَخَلُّصُهم مِنهُ؛ لِأنَّهُ يَعْتَقِدُ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ مُحِقٌ ثُمَّ يَتَوَسَّلُ بِذَلِكَ الضَّلالِ إلى (p-٤٠٠)اكْتِسابِ المالِ والجاهِ وإلْقاءِ غَيْرِهِ فِيهِ، فَهو ضَلالٌ في أقْصى غاياتِهِ. وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وابْنُ هُرْمُزَ: وصُدُّوا بِضَمِّ الصّادِ، قِيلَ، وهي في اليَهُودِ.

4:168–169Page 104

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمۡ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ طَرِيقًا ١٦٨

Indeed, those who disbelieve and commit wrong [or injustice] - never will Allāh forgive them, nor will He guide them to a path,

إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا ١٦٩

Except the path of Hell; they will abide therein forever. And that, for Allāh, is [always] easy.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ قِيلَ هَذِهِ في المُشْرِكِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لامِ الجُحُودِ وما بَعْدَها وأنَّ الإتْيانَ بِها أبْلَغُ مِنَ الإتْيانِ بِالفِعْلِ المُجَرَّدِ عَنْها. وهَذا الحُكْمُ مُقَيَّدٌ بِالمُوافاةِ عَلى الكُفْرِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: المَعْنى لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَسْتُرَ عَلَيْهِمْ قَبِيحَ أفْعالِهِمْ، بَلْ يَفْضَحُهم في الدُّنْيا، ويُعاقِبُهم بِالقَتْلِ والجَلاءِ والسَّبْيِ، وفي الآخِرَةِ بِالنّارِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَفَرُوا وظَلَمُوا، جَمَعُوا بَيْنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وكانَ بَعْضُهم كافِرِينَ، وبَعْضُهم ظالِمِينَ أصْحابُ الكَبائِرِ؛ لِأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ في أنَّهُ لا يَغْفِرُ لَهُما إلّا بِالتَّوْبَةِ، ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا لا يَلْطُفُ بِهِمْ فَيَسْلُكُونَ الطَّرِيقَ المُوصِلَ إلى جَهَنَّمَ، ولا لِيَهْدِيَهم يَوْمَ القِيامَةِ إلّا طَرِيقَها، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ في أنَّ صاحِبَ الكَبائِرِ لا يُغْفَرُ لَهُ ما لَمْ يَتُبْ مِنها، وإنْ أُرِيدَ بِقَوْلِهِ: طَرِيقًا مَخْصُوصًا؛ أيْ عَمَلًا صالِحًا يَدْخُلُونَ بِهِ الجَنَّةَ؛ كانَ قَوْلُهُ: ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا.

﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ٣٠]؛ أيِ انْتِفاءُ غُفْرانِهِ وهِدايَتِهِ إيّاهم وطَرْدُهم في النّارِ سَهْلًا لا صارِفَ لَهُ عَنْهُ، وهَذا تَحْقِيرٌ لِأمْرِهِمْ وأنَّهُ تَعالى لا يَعْبَأُ بِهِمْ ولا يُبالِي.

4:170Page 104

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلۡحَقِّ مِن رَّبِّكُمۡ فَـَٔامِنُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ وَإِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١٧٠

O mankind, the Messenger has come to you with the truth from your Lord, so believe; it is better for you. But if you disbelieve - then indeed, to Allāh belongs whatever is in the heavens and earth. And ever is Allāh Knowing and Wise.

﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالحَقِّ مِن رَبِّكم فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ هَذا خِطابٌ لِجَمِيعِ النّاسِ. وإنْ كانَتِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةً فالمَأْمُورُ بِهِ أمْرٌ عامٌّ، ولَوْ كانَ خاصًّا بِتَكْلِيفٍ (ما) لَكانَ النِّداءُ خاصًّا بِالمُؤْمِنِينَ في الغالِبِ. والرَّسُولُ هَنا مُحَمَّدٌ والحَقُّ هو شَرْعُهُ، وقَدْ فُسِّرَ بِالقُرْآنِ وبِالدِّينِ، وبِشَهادَةِ التَّوْحِيدِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ. وفي انْتِصابِ ﴿خَيْرًا لَكُمْ﴾ هُنا. وفي قَوْلِهِ ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] في تَقْدِيرِ النّاصِبِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ. وأْتُوا خَيْرًا لَكم، وهو فِعْلٌ يَجِبُ إضْمارُهُ. ومَذْهَبُ الكِسائِيِّ، وأبِي عُبَيْدَةَ: يَكُنْ خَيْرًا لَكم ويُضْمَرُ ﴿إنْ يَكُنْ﴾ [النساء: ١٣٥]، ومَذْهَبُ الفَرّاءِ إيمانًا خَيْرًا لَكم، وانْتِهاءً خَيْرًا لَكم، بِجَعْلِ خَيْرًا نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الفِعْلُ الَّذِي قَبْلَهُ. والتَّرْجِيحُ بَيْنَ هَذِهِ الأوْجُهِ مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.

﴿وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا.

﴿وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧] عَلِيمًا بِما يَكُونُ مِنكم مِن كُفْرٍ، وإيمانٍ فَيُجازِيكم عَلَيْهِ، حَكِيمًا في تَكْلِيفِكم مَعَ عِلْمِهِ تَعالى بِما يَكُونُ مِنكم.

4:171Page 105

يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۖ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌۚ ٱنتَهُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٞۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ١٧١

O People of the Scripture, do not commit excess in your religion1 or say about Allāh except the truth. The Messiah, Jesus the son of Mary, was but a messenger of Allāh and His word which He directed to Mary and a soul [created at a command] from Him. So believe in Allāh and His messengers. And do not say, "Three"; desist - it is better for you. Indeed, Allāh is but one God. Exalted is He above having a son. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And sufficient is Allāh as Disposer of affairs.

﴿ياأهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾ قِيلَ نَزَلَتْ في نَصارى نَجْرانَ قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ الجُمْهُورُ: في عامَّةِ النَّصارى؛ فَإنَّهم يَعْتَقِدُونَ الثّالُوتَ، يَقُولُونَ: الأبُ والِابْنُ، ورُوحُ القُدُسِ إلَهٌ واحِدٌ. وقِيلَ في اليَهُودِ والنَّصارى، نَهاهم عَنْ تَجاوُزِ الحَدِّ. والمَعْنى: في دِينِكُمُ الَّذِي أنْتُمْ مَطْلُوبُونَ بِهِ، ولَيْسَتِ الإشارَةُ إلى دِينِهِمُ المُضَلِّلِ، ولا أُمِرُوا بِالثُّبُوتِ عَلَيْهِ دُونَ غُلُوٍّ، وإنَّما أُمِرُوا بِتَرْكِ الغُلُوِّ في دِينِ اللَّهِ عَلى الإطْلاقِ. وغَلَتِ اليَهُودُ في حَطِّ المَسِيحِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ مَنزِلَتِهِ حَيْثُ جَعَلَتْهُ مَوْلُودًا لِغَيْرِ رُشْدِهِ. وغَلَتِ النَّصارى فِيهِ حَيْثُ جَعَلُوهُ إلَهًا. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ: يا أهْلَ الكِتابِ خِطابٌ لِلنَّصارى بِدَلِيلِ آخِرِ الآيَةِ. ولَمّا أجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْ شُبَهِ اليَهُودِ الَّذِينَ يُبالِغُونَ في الطَّعْنِ عَلى المَسِيحِ أخَذَ في أمْرِ النَّصارى الَّذِينَ يُفَرِّطُونَ في تَعْظِيمِ المَسِيحِ حَتّى ادَّعَوْا فِيهِ ما ادَّعَوْا.

﴿ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾، وهو تَنْزِيهُهُ عَنِ الشَّرِيكِ والوَلَدِ والحُلُولِ والِاتِّحادِ.

﴿إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ﴾ قَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: إنَّما المِسِّيحُ عَلى وزْنِ السِّكِّيتِ. وتَقَدَّمَ شَرْحُ الكَلِمَةِ في ﴿بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ﴾ [آل عمران: ٤٥]، ومَعْناها ألْقاها إلى مَرْيَمَ أوْجَدَ هَذا الحادِثَ في مَرْيَمَ، وحَصَّلَهُ فِيها. وهَذِهِ الجُمْلَةُ قِيلَ حالٌ. وقِيلَ صِفَةٌ عَلى تَقْدِيرِ نِيَّةِ الِانْفِصالِ؛ أيْ وكَلِمَةٌ مِنهُ. ومَعْنى رُوحٍ مِنهُ أيْ صادِرَةٌ؛ لِأنَّهُ ذُو رُوحٍ وُجِدَ مِن غَيْرِ جُزْءٍ مِن ذِي رُوحٍ، كالنُّطْفَةِ المُنْفَصِلَةِ مِن (p-٤٠١)الأبُ الحَيُّ، وإنَّما اخْتُرِعَ اخْتِراعًا مِن عِنْدِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ. وقالَ أبي بن كعب: عِيسى رُوحٌ مِن أرْواحِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي خَلَقَها واسْتَنْطَقَها بِقَوْلِهِ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] بَعَثَهُ اللَّهُ إلى مَرْيَمَ فَدَخَلَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ وأبُو رَوْقٍ: ورُوحٌ مِنهُ؛ أيْ: نَفْخَةٌ مِنهُ، إذْ هي مِن جِبْرِيلَ بِأمْرِهِ. وأنْشَدَ بَيْتَ ذِي الرُّمَّةِ:

؎فَقُلْتُ لَهُ اضْمُمْها إلَيْكَ وأحْيِها بِرُوحِكَ واجْعَلْهُ لَها قِيتَةً قَدْرا

يَصِفُ سَقْطَ النّارِ وسُمِّيَ رُوحًا لِأنَّهُ حَدَثَ عَنْ نَفْخَةِ جِبْرِيلَ. وقِيلَ: ومَعْنى ورُوحٌ مِنهُ؛ أيْ: رَحْمَةٌ. ومِنهُ ﴿وأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] . وقِيلَ: سُمِّيَ رُوحًا لِإحْياءِ النّاسِ بِهِ كَما يَحْيَوْنَ بِالأرْواحِ، ولِهَذا سُمِّيَ القُرْآنُ رُوحًا. وقِيلَ: المَعْنِيُّ بِالرُّوحِ هُنا الوَحْيُ؛ أيْ: ووَحْيٌ إلى جِبْرِيلَ بِالنَّفْخِ في دِرْعِها، أوْ إلى ذاتِ عِيسى أنْ كُنْ، ونُكِّرَ ”ورُوحٌ“ لِأنَّ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ صِفَةٍ لا عَلى إطْلاقِ رُوحٍ؛ أيْ: ورُوحٌ شَرِيفَةٌ نَفِيسَةٌ مِن قِبَلِهِ تَعالى. و(مِن) هُنا لِابْتِداءِ الغايَةِ، ولَيْسَتْ لِلتَّبْعِيضِ كَما فَهِمَهُ بَعْضُ النَّصارى فادَّعى أنَّ عِيسى جُزْءٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَرَدَّ عَلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ بْنِ وافِدٍ المَرْوَزِيُّ حِينَ اسْتَدَلَّ النَّصْرانِيُّ بِأنَّ في القُرْآنِ ما يَشْهَدُ لِمَذْهَبِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ورُوحٌ مِنهُ﴾ فَأجابَهُ ابْنُ وافِدٍ بِقَوْلِهِ: ﴿وسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ [الجاثية: ١٣] . وقالَ: إنْ كانَ يَجِبُ بِهَذا أنْ يَكُونَ عِيسى جُزْءًا مِنهُ وجَبَ أنْ يَكُونَ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جُزْءًا مِنهُ، فانْقَطَعَ النَّصْرانِيُّ وأسْلَمَ. وصَنَّفَ ابْنُ فايِدٍ إذْ ذاكَ كِتابَ النَّظائِرِ. (فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ) أيْ: الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ عِيسى ومُحَمَّدٌ، عَلَيْهِما السَّلامُ.

﴿ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: الآلِهَةُ ثَلاثَةٌ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ التَّصْرِيحُ مِنهم بِأنَّ اللَّهَ والمَسِيحَ ومَرْيَمَ ثَلاثَةُ آلِهَةٍ، وأنَّ المَسِيحَ ولَدُ اللَّهِ مِن مَرْيَمَ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] . وقالَتِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، والمَشْهُورُ المُسْتَفِيضُ عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ: في المَسِيحِ لاهُوتِيَّتُهُ وناسُوتِيَّتُهُ مِن جِهَةِ الأبِ والأُمِّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، فَأثْبَتَ أنَّهُ ولَدٌ لِمَرْيَمَ اتَّصَلَ بِها اتِّصالَ الأوْلادِ بِأُمَّهاتِهِمْ، وأنَّ اتِّصالَهُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِن حَيْثُ إنَّهُ رَسُولُهُ، وإنَّهُ مَوْجُودٌ بِأمْرِهِ، وابْتِداعُهُ جَسَدًا حَيًّا مِن غَيْرِ أبٍ يَنْفِي أنَّهُ يَتَّصِلُ بِهِ اتِّصالَ الأبْناءِ بِالآباءِ. وقَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ وحِكايَةُ اللَّهِ أوْثَقُ مِن حِكايَةِ غَيْرِهِ، وهَذا الَّذِي رَجَّحَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ قالَهُ يُرِيدُ بِالتَّثْلِيثِ: اللَّهَ تَعالى، وصاحِبَتَهُ، وابْنَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا إنْ صَحَّتِ الحِكايَةُ عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ هو جَوْهَرٌ واحِدٌ ثَلاثَةُ أقانِيمَ: أُقْنُومُ الأبِ، وأُقْنُومُ الِابْنِ، وأُقْنُومُ رُوحِ القُدُسِ، وأنَّهم يُرِيدُونَ بِأُقْنُومِ الأبِ الذّاتَ، وبِأُقْنُومِ الِابْنِ العِلْمَ، وبِأُقْنُومِ رُوحِ القُدُسِ الحَياةَ، فَتَقْدِيرُهُ اللَّهُ ثَلاثَةٌ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: المَعْبُودُ ثَلاثَةٌ، أوِ الآلِهَةُ ثَلاثَةٌ، أوِ الأقانِيمُ ثَلاثَةٌ. وكَيْفَما تَشَعَّبَ اخْتِلافُ عِباراتِ النَّصارى فَإنَّهُ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ ذَلِكَ التَّقْدِيرِ انْتَهى. وقالَ الزَّجّاجُ: تَقْدِيرُهُ آلِهَةٌ ثَلاثَةٌ. وقالَ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدٍ: تَقْدِيرُهُ ثَلاثَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ﴾ [الكهف: ٢٢] وقالَ أبُو عَلِيٍّ: التَّقْدِيرُ اللَّهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، حُذِفَ المُبْتَدَأُ والمُضافُ. انْتَهى. أرادَ أبُو عَلِيٍّ مُوافَقَةَ قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] أيْ: أحَدُ آلِهَةٍ ثَلاثَةٍ والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الَّذِي أثْبَتُوهُ هو ما أُثْبِتَ في الآيَةِ خِلافُهُ، والَّذِي أُثْبِتَ في الآيَةِ بِطَرِيقِ الحَصْرِ إنَّما هو وحْدانِيَّةُ اللَّهِ تَعالى، وتَنْزِيهُهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ولا تَقُولُوا اللَّهُ ثَلاثَةٌ. ويَتَرَجَّحُ قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ بِمُوافَقَتِهِ الآيَةَ الَّتِي ذَكَرْناها، وبِقَوْلِهِ تَعالى ﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾، والنَّصارى وإنِ اخْتَلَفَتْ فِرَقُهم فَهم مُجْمِعُونَ عَلى التَّثْلِيثِ.

﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في انْتِصابِ خَيْرًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في تَقْدِيرِ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ في نَصْبِهِ لَمّا بَعَثَهم عَلى الإيمانِ يَعْنِي في قَوْلِهِ: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧٠] وعَلى الِانْتِهاءِ عَنِ التَّثْلِيثِ يَعْنِي في قَوْلِهِ: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾، عُلِمَ أنَّهُ يَحْمِلُهم عَلى أمْرٍ فَقالَ: خَيْرًا لَكم؛ أيِ: (p-٤٠٢)اقْصُدُوا وأْتُوا خَيْرًا لَكم مِمّا أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الكُفْرِ والتَّثْلِيثِ، وهو الإيمانُ والتَّوْحِيدُ. انْتَهى. وهو تَقْدِيرُ سِيبَوَيْهِ في الآيَةِ.

﴿إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إنَّما في هَذِهِ الآيَةِ حاصِرَةٌ، اقْتَضى ذَلِكَ العَقْلُ في المَعْنى المُتَكَلَّمِ فِيهِ، ولَيْسَتْ صِيغَةُ (إنَّما) تَقْتَضِي الحَصْرَ، ولَكِنَّها تَصْلُحُ لِلْحَصْرِ والمُبالَغَةِ في الصِّفَةِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ حَصْرٌ؛ نَحْوَ: إنَّما الشُّجاعُ عَنْتَرَةُ، وغَيْرُ ذَلِكَ. انْتَهى كَلامُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ كَلامُنا مُشْبَعًا في (إنَّما) في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١] وكَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ فِيها هُنا أنَّها لا تَقْتَضِي بِوَضْعِها الحَصْرَ - صَحِيحٌ، وإنْ كانَ خِلافَ ما في أذْهانِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ.

﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾ مَعْناهُ: تَنْزِيهًا لَهُ وتَعْظِيمًا مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ كَما تَزْعُمُ النَّصارى في أمْرِهِ، إذْ قَدْ نَقَلُوا أُبُوَّةَ الحَنانِ والرَّأْفَةِ إلى أُبُوَّةِ النَّسْلِ. وقَرَأ الحَسَنُ: إنْ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ؛ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وضَمِّ النُّونِ مِن يَكُونُ، عَلى أنَّ (إنْ) نافِيَةٌ؛ أيْ: ما يَكُونُ لَهُ ولَدٌ فَيَكُونُ التَّنْزِيهُ عَنِ التَّثْلِيثِ، والإخْبارُ بِانْتِفاءِ الوَلَدِ، فالكَلامُ جُمْلَتانِ، وفي قِراءَةِ الجَماعَةِ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ.

﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ إخْبارٌ لِمِلْكِهِ بِجَمِيعِ مَن فِيهِنَّ، فَيَسْتَغْرِقُ مِلْكُهُ عِيسى وغَيْرَهُ. ومَن كانَ مِلْكًا لا يَكُونُ جُزْءًا مِنَ المالِكِ عَلى أنَّ الجُزْئِيَّةَ لا تَصِحُّ إلّا في الجِسْمِ، واللَّهُ تَعالى نُزِّهَ عَنِ الجِسْمِ والعَرَضِ.

﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ [النساء: ٨١] أيْ: كافِيًا في تَدْبِيرِ مَخْلُوقاتِهِ وحِفْظِها، فَلا حاجَةَ إلى صاحِبَةٍ ولا ولَدٍ ولا مُعِينٍ. وقِيلَ: مَعْناهُ كَفِيلًا لِأوْلِيائِهِ. وقِيلَ: المَعْنى يَكِلُ الخَلْقُ إلَيْهِ أُمُورَهم، فَهو الغَنِيُّ عَنْهم، وهُمُ الفُقَراءُ إلَيْهِ.

4:172–173Page 105

لَّن يَسۡتَنكِفَ ٱلۡمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبۡدٗا لِّلَّهِ وَلَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ٱلۡمُقَرَّبُونَۚ وَمَن يَسۡتَنكِفۡ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيَسۡتَكۡبِرۡ فَسَيَحۡشُرُهُمۡ إِلَيۡهِ جَمِيعٗا ١٧٢

Never would the Messiah disdain to be a servant of Allāh, nor would the angels near [to Him]. And whoever disdains His worship and is arrogant - He will gather them to Himself all together.

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِۦۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡتَنكَفُواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ١٧٣

And as for those who believed and did righteous deeds, He will give them in full their rewards and grant them extra from His bounty. But as for those who disdained and were arrogant, He will punish them with a painful punishment, and they will not find for themselves besides Allāh any protector or helper.

﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ رُوِيَ أنَّ «وفْدَ نَجْرانَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ: لِمَ تَعِيبُ صاحِبَنا ؟ قالَ: وما صاحِبُكُمُ ؟ قالُوا: عِيسى، قالَ: وأيَّ شَيْءٍ أقُولُ ؟ قالُوا: تَقُولُ إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، قالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِعارٍ أنْ يَكُونَ عَبْدًا، قالُوا: بَلى» . فَنَزَلَتْ؛ أيْ: لا يَسْتَنْكِفُ عِيسى مِن ذَلِكَ فَلا تَسْتَنْكِفُوا لَهُ مِنهُ، فَلَوْ كانَ مَوْضِعَ اسْتِنْكافٍ لَكانَ هو أوْلى بِأنْ يَسْتَنْكِفَ لِأنَّ العارَ ألْصَقُ بِهِ؛ أيْ: لَنْ يَأْنَفَ ويَرْتَفِعَ ويَتَعاظَمَ. وقَرَأ عَلِيٌّ: عُبَيْدًا للَّهِ، عَلى التَّصْغِيرِ. والمُقَرَّبُونَ؛ أيْ: الكَرُوبِيُّونَ الَّذِينَ هم حَوْلَ العَرْشِ كَجِبْرِيلَ، ومِيكائِيلَ، وإسْرافِيلَ، ومَن في طَبَقَتِهِمْ؛ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم حَمَلَةُ العَرْشِ. وقالَ الضَّحّاكُ: مَن قَرُبَ مِنهم مِنَ السَّماءِ السّابِعَةِ. انْتَهى. وعُطِفُوا عَلى عِيسى لِأنَّ مِنَ الكُفّارِ مَن يَعْبُدُ المَلائِكَةَ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، التَّقْدِيرُ: ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ أنْ يَكُونُوا عَبِيدًا لِلَّهِ، فَإنْ ضُمِّنَ عَبْدًا مَعْنى مِلْكًا لِلَّهِ لَمْ يَحْتَجْ إلى هَذا التَّقْدِيرِ، ويَكُونَ إذْ ذاكَ ولا المَلائِكَةُ مِن بابِ عَطْفِ المُفْرَداتِ، بِخِلافِ ما إذا لُحِظَ في عَبْدٍ الوَحْدَةُ. فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا المَلائِكَةُ﴾ يَكُونُ مِن بابِ عَطْفِ الجُمَلِ لِاخْتِلافِ الخَبَرِ. وإنْ لُحِظَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا المَلائِكَةُ﴾ مَعْنى ولا كُلُّ واحِدٍ مِنَ المَلائِكَةِ، كانَ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ. وقَدْ تَشَبَّثَ بِهَذِهِ الآيَةِ مَن زَعَمَ أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنَ الأنْبِياءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ زِيادَةٌ في الحُجَّةِ وتَقْرِيبٌ مِنَ الأذْهانِ؛ أيْ: ولا هَؤُلاءِ الَّذِينَ هم في أعْلى دَرَجاتِ المَخْلُوقِينَ لا يَسْتَنْكِفُونَ عَنْ ذَلِكَ، فَكَيْفَ مَن سِواهُمُ ؟ وفي هَذِهِ الآيَةِ الدَّلِيلُ الواضِحُ عَلى تَفْضِيلِ المَلائِكَةِ عَلى الأنْبِياءِ. انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ) مِن أيْنَ دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ عَلى أنَّ المَعْنى ولا مَن فَوْقَهُ ؟ (p-٤٠٣)(قُلْتُ): مِن حَيْثُ إنَّ عِلْمَ المَعانِي لا يَقْتَضِي غَيْرَ ذَلِكَ، وذَلِكَ أنَّ الكَلامَ إنَّما سِيقَ لِرَدِّ مَذْهَبِ النَّصارى وغُلُوِّهِمْ في رَفْعِ المَسِيحِ عَنْ مَرْتَبَةِ العُبُودِيَّةِ، فَوَجَبَ أنْ يُقالَ لَهم: لَنْ يَرْتَفِعَ عِيسى عَنِ العُبُودِيَّةِ، ولا مَن هو أرْفَعُ مِنهُ دَرَجَةً. كَأنَّهُ قِيلَ: لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ مِنَ العُبُودِيَّةِ، فَكَيْفَ بِالمَسِيحِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ دَلالَةً ظاهِرَةً بَيِّنَةً تَخْصِيصُ المُقَرَّبِينَ لِكَوْنِهِمْ أرْفَعَ المَلائِكَةِ دَرَجَةً وأعْلاهم مَنزِلَةً، ومِثالُهُ قَوْلُ القائِلِ:

؎وما مِثْلُهُ مِمَّنْ يُجاوِدُ حاتِمٌ ولا البَحْرُ ذُو الأمْواجِ يَلْتَجُّ زاخِرُهْ

لا شُبْهَةَ بِأنَّهُ قَصَدَ بِالبَحْرِ ذِي الأمْواجِ ما هو فَوْقَ حاتِمٍ في الجُودِ. ومَن كانَ لَهُ ذَوْقٌ فَلْيَذُقْ مَعَ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلَهُ: ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصَـارى﴾ [البقرة: ١٢٠] - حَتّى يَعْتَرِفَ بِالفَرْقِ البَيِّنِ. انْتَهى كَلامُهُ.

والتَّفْضِيلُ بَيْنَ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ إنَّما يَكُونُ بِالسَّمْعِ، إذْ نَحْنُ لا نُدْرِكُ جِهَةَ التَّفْضِيلِ بِالعَقْلِ، وأمّا الآيَةُ فَقَدْ يُقالُ: مَتى نُفِيَ شَيْءٌ عَنِ اثْنَيْنِ فَلا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الثّانِيَ أرْفَعُ مِنَ الأوَّلِ، ولا أنْ ذَلِكَ مِن بابِ التَّرَقِّي. (فَإذا قُلْتَ): لَنْ يَأْنَفَ فُلانٌ أنْ يَسْجُدَ لِلَّهِ ولا عَمْرٌو، فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّ عَمْرًا أفْضَلُ مِن زَيْدٍ. وإنْ سَلَّمْنا ذَلِكَ فَلَيْسَتِ (p-٤٠٤)الآيَةُ مِن هَذا القَبِيلِ، لِأنَّهُ قابَلَ مُفْرَدًا بِجَمْعٍ، ولَمْ يُقابِلْ مُفْرَدًا بِمُفْرَدٍ ولا جَمْعًا بِجَمْعٍ. فَقَدْ يُقالُ: الجَمْعُ أفْضَلُ مِنَ المُفْرَدِ، ولا يَلْزَمُ مِنَ الآيَةِ تَفْضِيلُ الجَمْعِ عَلى الجَمْعِ، ولا المُفْرَدُ عَلى المُفْرَدِ. وإنْ سَلَّمْنا أنَّ المَعْطُوفَ في الآيَةِ أرْفَعُ مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ بِحَسَبِ ما أُلْقِيَ في أذْهانِ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ مِن تَعْظِيمِ المَلَكِ وتَرْفِيعِهِ، حَتّى إنَّهم يَنْفُونَ البَشَرِيَّةَ عَنِ المَمْدُوحِ ويُثْبِتُونَ لَهُ المَلَكِيَّةَ، ولا يَدُلُّ تَخَيُّلُهم ذَلِكَ عَلى أنَّهُ في نَفْسِ الأمْرِ أفْضَلُ وأعْظَمُ ثَوابًا ومِمّا ورَدَ مِن ذَلِكَ عَلى حَسَبِ ما أُلْقِيَ في الأذْهانِ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ النِّسْوَةِ الَّتِي فاجَأهُنَّ حُسْنُ يُوسُفَ: ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ وقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] وقالَ الشّاعِرُ:

؎فَلَسْتَ بِإنْسِيٍّ ولَكِنْ لِمَلْأكٍ ∗∗∗ تَنَزَّلَ مِن جَوْفِ السَّماءِ يُصَوِّبُ

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): عَلامَ عُطِفَ ﴿ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ ؟ (قُلْتُ): إمّا أنْ يُعْطَفَ عَلى المَسِيحِ، أوْ عَلى اسْمِ (يَكُونَ) أوْ عَلى المُسْتَتِرِ في عَبْدًا لِما فِيهِ مِن مَعْنى الوَصْفِ، لِدَلالَتِهِ عَلى مَعْنى العِبادَةِ، وقَوْلُكَ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ عَبْدٌ أبُوهُ، فالعَطْفُ عَلى المَسِيحِ هو الظّاهِرُ لِأداءِ غَيْرِهِ إلى ما فِيهِ بَعْضُ انْحِرافٍ عَنِ الغَرَضِ، وهو أنَّ المَسِيحَ لا يَأْنَفُ أنْ يَكُونَ هو ولا مَن فَوْقَهُ مَوْصُوفِينَ بِالعُبُودِيَّةِ، أوْ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ هو ومَن فَوْقَهُ. انْتَهى. والِانْحِرافُ عَنِ الغَرَضِ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ هو كَوْنُ الِاسْتِنْكافِ يَكُونُ مُخْتَصًّا بِالمَسِيحِ، والمَعْنى القائِمُ اشْتِراكُ المَلائِكَةِ مَعَ المَسِيحِ في انْتِفاءِ الِاسْتِنْكافِ عَنِ العُبُودِيَّةِ، لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنِ اسْتِنْكافِهِ وحْدَهُ أنْ يَكُونَ هو والمَلائِكَةُ عَبِيدًا، أوْ أنْ يَكُونَ هو وهم يَعْبُدُ رَبَّهُ - اسْتِنْكافُهم هم، فَقَدْ يَرْضى شَخْصٌ أنْ يَضْرِبَ هو وزَيْدٌ عَمْرًا ولا يَرْضى ذَلِكَ زَيْدٌ ويَظْهَرُ أيْضًا مَرْجُوحِيَّـةُ الوَجْهَيْنِ مِن جِهَةِ دُخُولِ لا، إذْ لَوْ أُرِيدَ العَطْفُ عَلى الضَّمِيرِ في يَكُونَ، أوْ عَلى المُسْتَتِرِ في عَبْدًا؛ لَمْ تَدْخُلْ لا، بَلْ كانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ بِدُونِها تَقُولُ: ما يُرِيدُ زَيْدٌ أنْ يَكُونَ هو وأبُوهُ قائِمَيْنِ، وتَقُولُ: ما يُرِيدُ زَيْدٌ أنْ يَصْطَلِحَ هو وعَمْرٌو، فَهَذانِ ونَحْوُهُما لَيْسا مِن مَظِنّاتِ دُخُولِ لا، فَإنْ وُجِدَ مِن لِسانِ العَرَبِ دُخُولُ لا في نَحْوٍ مِن هَذا فَهي زائِدَةٌ.

﴿ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهم إلَيْهِ جَمِيعًا﴾ حُمِلَ أوَّلًا عَلى لَفْظِ (مَن) فَأفْرَدَ الضَّمِيرَ في (يَسْتَنْكِفْ) (ويَسْتَكْبِرْ)، ثُمَّ حُمِلَ عَلى المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾، فالضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى مَعْنى (مَن) هَذا هو الظّاهِرُ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عامًّا عائِدًا عَلى الخَلْقِ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، لِأنَّ الحَشْرَ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالمُسْتَنْكِفِ، ولِأنَّ التَّفْصِيلَ بَعْدَهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ. ويَكُونُ رَبْطُ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ جَوابًا (p-٤٠٥)لِاسْمِ الشَّرْطِ بِالعُمُومِ الَّذِي فِيها، ويَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى مَعْنى (مَن)، ويَكُونُ قَدْ حُذِفَ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ لِمُقابَلَتِهِ إيّاهُ؛ التَّقْدِيرُ: فَسَيَحْشُرُهم ومَن لَمْ يَسْتَنْكِفْ إلَيْهِ جَمِيعًا كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أيْ: والبَرْدَ. وعَلى هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ يَكُونُ ما فُصِّلَ بِإمّا مُطابِقًا لِما قَبْلَهُ، وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لا يُطابِقُ. والإخْبارُ بِالحَشْرِ إلَيْهِ وعِيدٌ، إذِ المَعْنِيُّ بِهِ الجَمْعُ يَوْمَ القِيامَةِ حَيْثُ يُذَلُّ المُسْتَنْكِفُ المُسْتَكْبِرُ. وقَرَأ الحَسَنُ: بِالنُّونِ بَدَلَ الياءِ في ﴿فَسَيَحْشُرُهُمْ﴾، وباءُ ﴿فَيُعَذِّبُهُمْ﴾ عَلى التَّخْفِيفِ.

﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: لا يَبْخَسُ أحَدًا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا، والزِّيادَةُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ في أنَّ الحَسَنَةَ بِعَشْرٍ إلى سَبْعِمِائَةٍ، والتَّضْعِيفُ الَّذِي لَيْسَ بِمَحْصُورٍ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١] . قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، ﴿وأمّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا واسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهم عَذابًا ألِيمًا ولا يَجِدُونَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ لِلَّذِينِ يَتْرُكُونَ عِبادَةَ اللَّهِ أنَفَةً تَكَبُّرًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا الِاسْتِنْكافُ إنَّما يَكُونُ مِنَ الكُفّارِ عَنِ اتِّباعِ الأنْبِياءِ وما جَرى مَجْراهُ كَفِعْلِ حُيَـيِّ بْنِ أخْطَبَ وأخِيهِ أبِي ياسِرٍ وأبِي جَهْلٍ وغَيْرِهِمْ بِالرَّسُولِ، فَإذا فَرَضْتَ أحَدًا مِنَ البَشَرِ عَرَفَ اللَّهَ فَمُحالٌ أنْ تَجِدَهُ يَكْفُرُ بِهِ تَكَبُّرًا عَلَيْهِ، والعِنادُ إنَّما يَسُوقُ إلَيْهِ الِاسْتِكْبارُ عَلى البَشَرِ، ومَعَ تَفاوُتِ المَنازِلِ في ظَنِّ المُسْتَكْبِرِ. انْتَهى. وقَدَّمَ ذِكْرَ ثَوابِ المُؤْمِنِ لِأنَّ الإحْسانَ إلَيْهِ مِمّا يَعُمُّ المُسْتَنْكِفَ إذا كانَ داخِلًا في جُمْلَةِ التَّنْكِيلِ بِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ومَن يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ ويَسْتَكْبِرْ فَسَيُعَذَّبُ بِالحَشْرِ إذا رَأى أُجُورَ العامِلِينَ، وبِما يُصِيبُهُ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى.

4:174–175Page 105

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُم بُرۡهَٰنٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ نُورٗا مُّبِينٗا ١٧٤

O mankind, there has come to you a conclusive proof from your Lord, and We have sent down to you a clear light.1

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعۡتَصَمُواْ بِهِۦ فَسَيُدۡخِلُهُمۡ فِي رَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَفَضۡلٖ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَيۡهِ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا ١٧٥

So those who believe in Allāh and hold fast to Him - He will admit them to mercy from Himself and bounty and guide them to Himself on a straight path.

﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكم وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ البُرْهانَ هُ ومُحَمَّدٌ، ﷺ، وسَمّاهُ بُرْهانًا لِأنَّ مِنهُ البُرْهانَ، وهو المُعْجِزَةُ. وقالَ مُجاهِدٌ: البُرْهانُ هُنا الحُجَّةُ، وقِيلَ: الإسْلامُ، والنُّورُ المُبِينُ هو القُرْآنُ.

﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهم في رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ ويَهْدِيهِمْ إلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى (اللَّهِ) لِقُرْبِهِ وصِحَّةِ المَعْنى، ولِقَوْلِهِ: ﴿واعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٤٦] . ويَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى القُرْآنِ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ وفي الحَدِيثِ: «القُرْآنُ حَبْلُ اللَّهِ المَتِينُ مَن تَمَسَّكَ بِهِ عُصِمَ» . والرَّحْمَةُ والفَضْلُ: الجَنَّةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فِي رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ﴾ في ثَوابٍ مُسْتَحَقٍّ وتَفَضُّلٍ. انْتَهى. ولَفْظُ مُسْتَحَقٍّ مِن ألْفاظِ المُعْتَزِلَةِ. وقِيلَ: الرَّحْمَةُ زِيادَةُ تَرْقِيَةٍ، ورَفْعُ دَرَجاتٍ. وقِيلَ: الرَّحْمَةُ التَّوْفِيقُ، والفَضْلُ القَبُولُ. والضَّمِيرُ في (إلَيْهِ) عائِدٌ عَلى الفَضْلِ، وهي هِدايَةُ طَرِيقِ الجِنانِ كَما قالَ تَعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهم ويُدْخِلُهُمُ﴾ [محمد: ٥] لِأنَّ هِدايَةَ الإرْشادِ قَدْ تَقَدَّمَتْ وتَحَصَّلَتْ حِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ واعْتَصَمُوا، وعَلى هَذا الصِّراطِ طَرِيقُ الجَنَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَهْدِيهِمْ إلى عِبادَتِهِ، فَجَعَلَ الضَّمِيرَ عائِدًا عَلى اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ وهَذا هو الظّاهِرُ، لِأنَّهُ المُحَدَّثُ عَنْهُ، وفي رَحْمَةٍ مِنهُ وفَضْلٍ لَيْسَ مُحَدَّثًا عَنْهُما. قالَ أبُو عَلِيٍّ: هي راجِعَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى؛ والمَعْنى: ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطِهِ، فَإذا جَعَلْنا صِراطًا مُسْتَقِيمًا نَصْبًا عَلى الحالِ كانَتِ الحالُ مِن هَذا المَحْذُوفِ. انْتَهى. ويَعْنِي: دِينَ الإسْلامِ. وقِيلَ: الهاءُ عائِدَةٌ عَلى الرَّحْمَةِ والفَضْلِ لِأنَّهُما في مَعْنى الثَّوابِ. وقِيلَ: هي عائِدَةٌ عَلى القُرْآنِ. وقِيلَ: مَعْنى صِراطًا مُسْتَقِيمًا عَمَلًا صالِحًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском