Abu HayyanAn‑Nisa · 4:1–2

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:1–2, continued

وفِي الحَدِيثِ: (مَن أبِرُّ ؟ قالَ: أمَّكَ) وفِيهِ: (أنْتَ ومالُكَ لِأبِيكَ)، وقالَ تَعالى في ذَمِّ مَن أضَلَّهُ مِنَ الفاسِقِينَ ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ﴾ [البقرة: ٢٧] . وقِيلَ: النَّصْبُ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ (بِهِ) كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرًا. لَمّا لَمْ يُشارِكْهُ في الإتْباعِ عَلى اللَّفْظِ أُتْبِعَ عَلى مَوْضِعِهِ. ويُؤَيِّدُ هَذا القَوْلَ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: (تَساءَلُونَ بِهِ وبِالأرْحامِ) . أمّا الرَّفْعُ فَوُجِّهَ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، قَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأرْحامُ أهْلٌ أنْ تُوصَلَ. وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: والأرْحامُ مِمّا يُتَّقى، أوْ مِمّا يُتَساءَلُ بِهِ، وتَقْدِيرُهُ أحْسَنُ مِن تَقْدِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ، إذْ قَدَّرَ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ السّابِقُ، وابْنُ عَطِيَّةَ قَدَّرَ مِنَ المَعْنى. وأمّا الجَرُّ فَظاهِرُهُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى المُضْمَرِ المَجْرُورِ مِن غَيْرِ إعادَةِ الجارِّ، وعَلى هَذا فَسَّرَها الحَسَنُ والنَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ. ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: (وبِالأرْحامِ) . وكانُوا يَتَناشَدُونَ بِذِكْرِ اللَّهِ والرَّحِمِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَيْسَ بِسَدِيدٍ، يَعْنِي الجَرَّ عَطْفًا عَلى الضَّمِيرِ. قالَ: لِأنَّ الضَّمِيرَ المُتَّصِلَ مُتَّصِلٌ كاسْمِهِ، والجارَّ والمَجْرُورَ كَشَيْءٍ واحِدٍ، فَكانا في قَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِهِ وزَيْدٍ، وهَذا غُلامُهُ وزَيْدٍ - شَدِيدِي الِاتِّصالِ، فَلَمّا اشْتَدَّ الِاتِّصالُ (p-١٥٨)لِتَكَرُّرِهِ اشْتَبَهَ العَطْفُ عَلى بَعْضِ الكَلِمَةِ فَلَمْ يُجَرَّ، ووَجَبَ تَكْرِيرُ العامِلِ كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِهِ وبِزَيْدٍ، وهَذا غُلامُهُ وغُلامُ زَيْدٍ. ألا تَرى إلى صِحَّةِ رَأيْتُكَ وزَيْدًا، ومَرَرْتُ بِزَيْدٍ وعَمْرٍو، لَمّا لَمْ يَقْوَ الِاتِّصالُ لِأنَّهُ لَمْ يَتَكَرَّرْ ؟ وقَدْ تَمَحَّلَ لِصِحَّةِ هَذِهِ القِراءَةِ بِأنَّها عَلى تَقْدِيرِ تَكْرِيرِ الجارِّ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎فَما بِكَ والأيّامِ مِن عَجَبِ

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذِهِ القِراءَةُ عِنْدَ رُؤَساءِ نَحْوِيِّي البَصْرَةِ لا تَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ عِنْدَهم أنْ يُعْطَفَ ظاهِرٌ عَلى مُضْمَرٍ مَخْفُوضٍ. قالَ الزَّجّاجُ عَنِ المازِنِيِّ: لِأنَّ المَعْطُوفَ والمَعْطُوفَ عَلَيْهِ شَرِيكانِ، يَحِلُّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مَحَلَّ صاحِبِهِ. فَكَما لا يَجُوزُ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وكَ، فَكَذَلِكَ لا يَجُوزُ مَرَرْتُ بِكَ وزَيْدٍ. وأمّا سِيبَوَيْهِ فَهي عِنْدَهُ قَبِيحَةٌ لا تَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ كَما قالَ:

؎فاليَوْمَ قَدْ بِتَّ تَهْجُونا وتَشْتُمُنا ∗∗∗ فاذْهَبْ فَما بِكَ والأيّامِ مِن عَجَبِ

وكَما قالَ:

؎تُعَلَّقُ في مِثْلِ السَّوارِي سُيُوفُنا ∗∗∗ وما بَيْنَها والكَفُّ غَوْطٌ تَعانَفُ

واسْتَسْهَلَها بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ. انْتَهى كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ. وتَعْلِيلُ المازِنِيِّ مُعْتَرَضٌ بِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: رَأيْتُكَ وزَيْدًا، ولا يَجُوزُ رَأيْتُ زَيْدًا وكَ، فَكانَ القِياسُ رَأيْتُكَ وزَيْدًا - أنْ لا يَجُوزَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا: المُضْمَرُ المَخْفُوضُ لا يَنْفَصِلُ، فَهو كَحَرْفٍ مِنَ الكَلِمَةِ، ولا يُعْطَفُ عَلى حَرْفٍ.

ويَرُدُّ عِنْدِي هَذِهِ القِراءَةَ مِنَ المَعْنى وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ ذِكْرَ الأرْحامِ مِمّا تَساءَلَ بِهِ لا مَعْنى لَهُ في الحَضِّ عَلى تَقْوى اللَّهِ تَعالى، ولا فائِدَةَ فِيهِ أكْثَرَ مِنَ الإخْبارِ بِأنَّ الأرْحامَ يُتَساءَلُ بِها، وهَذا تَفْرِيقٌ في مَعْنى الكَلامِ وغَضٌّ مِن فَصاحَتِهِ، وإنَّما الفَصاحَةُ في أنْ تَكُونَ في ذِكْرِ الأرْحامِ فائِدَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ. والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ في ذِكْرِها عَلى ذَلِكَ تَقْدِيرَ التَّساؤُلِ بِها والقَسَمِ بِحُرْمَتِها، والحَدِيثُ الصَّحِيحُ يَرُدُّ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: (مَن كانَ حالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أوْ لِيَصْمُتْ) انْتَهى كَلامُهُ. وذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّ الواوَ في ﴿والأرْحامَ﴾ واوُ القَسَمِ لا واوُ العَطْفِ، والمُتَلَقّى بِهِ القَسَمُ هي الجُمْلَةُ بَعْدَهُ. ولِلَّهِ تَعالى أنْ يُقْسِمَ بِما شاءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ عَلى ما جاءَ في غَيْرِ ما آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، وذَهَبُوا إلى تَخْرِيجِ ذَلِكَ فِرارًا مِنَ العَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِغَيْرِ إعادَةِ الجارِّ، وذَهابًا إلى أنَّ في القَسَمِ بِها تَنْبِيهًا عَلى صِلَتِها وتَعْظِيمًا لِشَأْنِها، وأنَّها مِنَ اللَّهِ تَعالى بِمَكانٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ يَأْباهُ نَظْمُ الكَلامِ وسِرُّهُ. انْتَهى. وما ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ (p-١٥٩)البَصْرَةِ وتَبِعَهم فِيهِ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: مِنِ امْتِناعِ العَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ إلّا بِإعادَةِ الجارِّ، ومِنِ اعْتِلالِهِمْ لِذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلِ الصَّحِيحُ مَذْهَبُالكُوفِيِّينَ في ذَلِكَ وأنَّهُ يَجُوزُ. وقَدْ أطَلْنا الِاحْتِجاجَ في ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ٢١٧] . وذَكَرْنا ثُبُوتَ ذَلِكَ في لِسانِ العَرَبِ نَثْرِها ونَظْمِها، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

وأمّا قَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ: ويَرُدُّ عِنْدِي هَذِهِ القِراءَةَ مِنَ المَعْنى وجْهانِ، فَجَسارَةٌ قَبِيحَةٌ مِنهُ لا تَلِيقُ بِحالِهِ ولا بِطَهارَةِ لِسانِهِ؛ إذْ عَمَدَ إلى قِراءَةٍ مُتَواتِرَةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَرَأ بِها سَلَفُ الأُمَّةِ، واتَّصَلَتْ بِأكابِرِ قُرّاءِ الصَّحابَةِ الَّذِينَ تَلَقَّوُا القُرْآنَ مِن في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِغَيْرِ واسِطَةٍ: عُثْمانَ وعَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وأقْرَأِ الصَّحابَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - عَمَدَ إلى رَدِّها بِشَيْءٍ خَطَرَ لَهُ في ذِهْنِهِ، وجَسارَتُهُ هَذِهِ لا تَلِيقُ إلّا بِالمُعْتَزِلَةِ كَ الزَّمَخْشَرِيِّ، فَإنَّهُ كَثِيرًا ما يَطْعَنُ في نَقْلِ القُرّاءِ وقِراءَتِهِمْ. وحَمْزَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أخَذَ القُرْآنَ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ مِهْرانَ الأعْمَشِ، وحُمْرانَ بْنِ أعْيَنَ، ومُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، وجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصّادِقِ، ولَمْ يَقْرَأْ حَمْزَةُ حَرْفًا مِن كِتابِ اللَّهِ إلّا بِأثَرٍ. وكانَ حَمْزَةُ صالِحًا ورِعًا ثِقَةً في الحَدِيثِ، وهو مِنَ الطَّبَقَةِ الثّالِثَةِ، وُلِدَ سَنَةَ ثَمانِينَ وأحْكَمَ القِراءَةَ ولَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وأمَّ النّاسَ سَنَةَ مِائَةٍ، وعَرَضَ عَلَيْهِ القُرْآنَ مِن نُظَرائِهِ جَماعَةٌ، مِنهم: سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ. ومِن تَلامِيذِهِ جَماعَةٌ، مِنهم إمامُ الكُوفَةِ في القِراءَةِ والعَرَبِيَّةِ أبُو الحَسَنِ الكِسائِيُّ. وقالَ الثَّوْرِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ ويَحْيى بْنُ آدَمَ: غَلَبَ حَمْزَةُ النّاسَ عَلى القُرْآنِ والفَرائِضِ. وإنَّما ذَكَرْتُ هَذا وأطَلْتُ فِيهِ لِئَلّا يَطَّلِعَ غَمْرٌ عَلى كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ في هَذِهِ القِراءَةِ فَيُسِيءَ ظَنًّا بِها وبِقارِئِها، فَيُقارِبَ أنْ يَقَعَ في الكُفْرِ بِالطَّعْنِ في ذَلِكَ. ولَسْنا مُتَعَبَّدِينَ بِقَوْلِ نُحاةِ البَصْرَةِ ولا غَيْرِهِمْ مِمَّنْ خالَفَهم، فَكَمْ حُكْمٍ ثَبَتَ بِنَقْلِ الكُوفِيِّينَ مِن كَلامِ العَرَبِ لَمْ يَنْقُلْهُ البَصْرِيُّونَ، وكَمْ حُكْمٍ ثَبَتَ بِنَقْلِ البَصْرِيِّينَ لَمْ يَنْقُلْهُ الكُوفِيُّونَ، وإنَّما يَعْرِفُ ذَلِكَ مَن لَهُ اسْتِبْحارٌ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ، لا أصْحابُ الكَنانِيسِ المُشْتَغِلُونَ بِضُرُوبٍ مِنَ العُلُومِ الآخِذُونَ عَنِ الصُّحُفِ دُونَ الشُّيُوخِ.

﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكم رَقِيبًا﴾ لا يُرادُ بِـ (كانَ) تَقْيِيدُ الخَبَرِ بِالمُخْبَرِ عَنْهُ في الزَّمانِ الماضِي المُنْقَطِعِ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى، وإنْ كانَ مَوْضُوعُ (كانَ) ذَلِكَ، بَلِ المَعْنى عَلى الدَّيْمُومَةِ، فَهو تَعالى رَقِيبٌ في الماضِي وغَيْرِهِ عَلَيْنا، والرَّقِيبُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في المُفْرَداتِ. وقالَ بَعْضُهم: هُنا هو العَلِيمُ، والمَعْنى: أنَّهُ مُراعٍ لَكم لا يَخْفى عَلَيْهِ مِن أمْرِكم شَيْءٌ فاتَّقُوهُ

4:2Page 77

وَءَاتُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰٓ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ ٱلۡخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِۖ وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَهُمۡ إِلَىٰٓ أَمۡوَٰلِكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبٗا كَبِيرٗا ٢

And give to the orphans their properties and do not substitute the defective [of your own] for the good [of theirs]. And do not consume their properties into your own. Indeed, that is ever a great sin.

﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِن غَطَفانَ كانَ عِنْدَهُ مالٌ كَثِيرٌ لِابْنِ أخٍ لَهُ يَتِيمٍ، فَلَمّا بَلَغَ طَلَبَ المالِ فَمَنَعَهُ. ومُناسَبَتُها لِما قَبْلَها أنَّهُ لَمّا وصَلَ الأرْحامَ أتْبَعَ بِالأيْتامِ؛ لِأنَّهم صارُوا بِحَيْثُ لا كافِلَ لَهم، فَفارَقَ حالُهم حالَ مَن لَهُ رَحِمٌ ماسَّةٌ. وظاهِرُهُ الأمْرُ بِإعْطاءِ اليَتامى أمْوالَهم.

واليُتْمُ في بَنِي آدَمَ: فَقْدُ الأبِ، وهو جَمْعٌ يَشْمَلُ الذُّكُورَ والإناثَ. ويَنْقَطِعُ هَذا الِاسْمُ شَرْعًا بِالبُلُوغِ، فَلا بُدَّ مِن مَجازٍ، إمّا في اليَتامى لِإطْلاقِهِ عَلى البالِغِينَ اعْتِبارًا وتَسْمِيَةً بِما كانُوا عَلَيْهِ شَرْعًا قَبْلَ البُلُوغِ مِنِ اسْمِ اليُتْمِ، فَيَكُونُ الأوْلِياءُ قَدْ أُمِرُوا بِأنْ لا تُؤَخَّرَ الأمْوالُ عَنْ حَدِّ البُلُوغِ، ولا يُمْطَلُوا إنْ أُونِسَ مِنهُمُ الرُّشْدُ، وإمّا أنْ يَكُونَ المَجازُ في (أُوتُوا)، ويَكُونَ مَعْنى إيتائِهِمُ الأمْوالَ - الإنْفاقَ عَلَيْهِمْ مِنها شَيْئًا فَشَيْئًا، وأنْ لا يَطْمَعَ فِيها الأوْلِياءُ والأوْصِياءُ، ويَكُفُّوا عَنْها أيْدِيَهُمُ الخاطِئَةَ. وعَلى كِلا المَعْنَيَيْنِ الخِطابُ لِمَن لَهُ وضْعُ اليَدِ عَلى مالِ اليَتِيمِ شَرْعًا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الخِطابُ لِمَن كانَتْ عادَتُهُ مِنَ العَرَبِ أنْ لا يَرِثَ الصَّغِيرُ مِنَ الأوْلادِ مَعَ الكَبِيرِ، فَقِيلَ لَهم: ورِّثُوهم أمْوالَهم، ولا تَتْرُكُوا أيُّها الكِبارُ حُظُوظَكم حَلالًا طَيِّبًا حَرامًا خَبِيثًا، فَيَجِيءُ فِعْلُكم ذَلِكَ تَبَدُّلًا. وقِيلَ: كانَ الوَلِيُّ يَرْبَحُ عَلى يَتِيمِهِ فَتَسْتَنْفِدُ تِلْكَ الأرْباحُ مالَ اليَتِيمِ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. واحْتَجَّ أبُو بَكْرٍ (p-١٦٠)الرّازِيُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى السَّفِيهِ لا يُحْجَرُ عَلَيْهِ بَعْدَ بُلُوغِهِ خَمْسًا وعِشْرِينَ سَنَةً. قالَ: لِأنَّ ﴿وآتُوا اليَتامى﴾ مُطْلَقٌ يَتَناوَلُ سَفِيهًا وغَيْرَهُ، أُونِسَ مِنهُ الرُّشْدُ أوْ لا، تُرِكَ العَمَلُ بِهِ قَبْلَ السِّنِّ المَذْكُورِ بِالإنْفاقِ عَلى أنَّ إيناسَ الرُّشْدِ قَبْلَ بُلُوغِ هَذا السِّنِّ شَرْطٌ في وُجُوبِ دَفْعِ المالِ إلَيْهِ، وهَذا الإجْماعُ لَمْ يُوجَدْ بَعْدَ هَذا السِّنِّ، فَوَجَبَ إجْراءُ الأمْرِ بَعْدَ هَذا السِّنِّ عَلى حُكْمِ ظاهِرِهِ. وأُجِيبَ بِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ عامَّةٌ وخُصِّصَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى﴾ [النساء: ٦] ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ﴾ [النساء: ٥]، ولا شَكَّ أنَّ الخاصَّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ ﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ والنَّخَعِيُّ والزُّهْرِيُّ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: كانَ بَعْضُهم يُبَدِّلُ الشّاةَ السَّمِينَةَ مِن مالِ اليَتِيمِ بِالهَزِيلَةِ مِن مالِهِ، والدِّرْهَمَ الطَّيِّبَ بِالزَّيْفِ مِن مالِهِ. وقالَمُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ: المَعْنى: ولا تَتَعَجَّلُوا أكْلَ الخَبِيثِ مِن أمْوالِهِمْ، وتَدَعُوا انْتِظارَ الرِّزْقِ الحَلالِ مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقِيلَ: المَعْنى ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم خَبِيثًا وتَدَعُوا أمْوالَكم طَيِّبًا. وقِيلَ: المَعْنى لا تَأْخُذُوا مالَ اليَتِيمِ وهو خَبِيثٌ لِيُؤْخَذَ مِنكُمُ المالُ الَّذِي لَكم وهو طَيِّبٌ. وقِيلَ: لا تَأْكُلُوا أمْوالَهم في الدُّنْيا، فَتَكُونَ هي نارًا تَأْكُلُونَها وتَتْرُكُونَ المَوْعُودَ لَكم في الآخِرَةِ بِسَبَبِ إبْقاءِ الخَبائِثِ والمُحَرَّماتِ، وقِيلَ: لا تَسْتَبْدِلُوا الأمْرَ الخَبِيثَ، وهو اخْتِزالُ أمْوالِ اليَتامى - بِالأمْرِ الطَّيِّبِ، وهو حِفْظُها والتَّوَرُّعُ مِنها. وتَفَعَّلَ هُنا بِمَعْنى اسْتَفْعَلَ كَتَعَجَّلَ وتَأخَّرَ بِمَعْنى اسْتَعْجَلَ واسْتَأْخَرَ. وظاهِرُهُ أنَّ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ وصْفانِ في الأجْرامِ المُتَبَدِّلَةِ والمُتَبَدَّلِ بِهِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ اللُّغَةِ فَيَكُونانِ بِمَعْنى الكَرِيهِ المُتَناوَلِ واللَّذِيذِ، وإمّا أنْ يَكُونَ بِاعْتِبارِ الشَّرْعِ فَيَكُونانِ بِمَعْنى الحَرامِ والحَلالِ. أمّا أنْ يَكُونا وصْفَيْنِ لِاخْتِزالِ الأمْوالِ وحِفْظِها فَفِيهِ بُعْدٌ ظاهِرٌ، وإنْ كانَ لَهُ تَعَلُّقٌ ما بِقَوْلِهِ: ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ .

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: (ولا تَبَدَّلُوا) بِإدْغامِ التّاءِ الأُولى في الثّانِيَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском