Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:29–31
4:29Page 83
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡۚ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٢٩
O you who have believed, do not consume one another's wealth unjustly1 but only [in lawful] business by mutual consent. And do not kill yourselves [or one another]. Indeed, Allāh is to you ever Merciful.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكم ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: ٣٠] ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ونُدْخِلْكم مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] ﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٣٢] ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهم إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٣٣] ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ وبِما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ فالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ واللّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤] ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها إنْ يُرِيدا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥] ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وبِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ والجارِ ذِي القُرْبى والجارِ الجُنُبِ والصّاحِبِ بِالجَنْبِ وابْنِ السَّبِيلِ وما مَلَكَتْ أيْمانُكم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ويَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ٣٧] ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨] (p-٢٣٠)الجارُ: القَرِيبُ المَسْكَنِ مِنكَ، وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ واوٍ لِقَوْلِهِمْ: جاوَرْتُ، ويُجْمَعُ عَلى جِيرانٍ وجِيرَةٍ. والجُنُبُ: البَعِيدُ. والجَنابَةُ البُعْدُ، قالَ:
؎فَلا تَحْرِمَنِّي نائِلًا عَنْ جَنابَةٍ فَإنِّي امْرُؤٌ وسَطَ القِبابِ غَرِيبُ
وهُوَ مِنَ الِاجْتِنابِ، وهو أنْ يُتْرَكَ الرَّجُلُ جانِبًا. وقالَ تَعالى: (واجْنُبْنِي) أيْ بَعِّدْنِي، وهو وصْفٌ عَلى فِعْلٍ كَناقَةٍ سَرَحٍ.
المُخْتالُ: المُتَكَبِّرُ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِنِ اخْتالَ، وألِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ ياءٍ؛ لِقَوْلِهِمُ: الخُيَلاءُ والمَخِيلَةُ. ويُقالُ: خالَ الرَّجُلُ يَخُولُ خَوْلًا إذا تَكَبَّرَ وأُعْجِبَ بِنَفْسِهِ، فَتَكُونُ هَذِهِ مادَّةً أُخْرى، لِأنَّ تِلْكَ مُرَكَّبَةٌ مِن خَيَلَ (خ ي ل)، وهَذِهِ مادَّةٌ مِن (خ و ل) . الفَخُورُ: فَعُولٌ مِن فَخَرَ، والفَخْرُ عَدُّ المَناقِبِ عَلى سَبِيلِ الشُّغُوفِ والتَّطاوُلِ.
القَرِينُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفاعِلٍ، مِن قارَنَهُ إذا لازَمَهُ وخالَطَهُ، ومِنهُ سُمِّيَتِ الزَّوْجَةُ قَرِينَةً. ومِنهُ قِيلَ لَمّا يَلْزَمْنَ الإبِلَ والبَقَرَ: قَرِينانِ، ولِلْحَبَلِ الَّذِي يَشُدّانِ بِهِ قَرْنٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وابْنُ اللَّبُونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ ∗∗∗ لَمْ يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْلِ القَناعِيسِ
وقالَ:
؎كَمُدْخِلٍ رَأْسَهُ لَمْ يُدْنِهِ أحَدٌ ∗∗∗ مِنَ القَرِينَيْنِ حَتّى لَزَّهُ القَرَنُ
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ وتُدْلُوا﴾ [البقرة: ١٨٨] ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها: أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ التَّصَرُّفِ في النُّفُوسِ بِالنِّكاحِ، بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ التَّصَرُّفِ في الأمْوالِ المُوَصِّلَةِ إلى النِّكاحِ، وإلى مِلْكِ اليَمِينِ، وأنَّ المُهُورَ والأثْمانَ المَبْذُولَةَ في ذَلِكَ لا تَكُونُ مِمّا مُلِكَتْ بِالباطِلِ، والباطِلُ هو كُلُّ طَرِيقٍ لَمْ تُبِحْهُ الشَّرِيعَةُ، فَيَدْخُلُ فِيهِ: السَّرِقَةُ، والخِيانَةُ، والغَصْبُ، والقِمارُ، وعُقُودُ الرِّبا، وأثْمانُ البَياعاتِ الفاسِدَةِ، فَيَدْخُلُ فِيهِ بَيْعُ العُرْبانِ، وهو أنْ يَأْخُذَ مِنكَ السِّلْعَةَ ويَكْرِيَ الدّابَّةَ ويُعْطِيَ دِرْهَمًا مَثَلًا عُرْبانًا، فَإنِ اشْتَرى، أوْ رَكِبَ، فالدِّرْهَمُ مِن ثَمَنِ السِّلْعَةِ أوِ الكِراءِ، وإلّا فَهو لِلْبائِعِ. فَهَذا لا يَصِحُّ ولا يَجُوزُ عِنْدَ جَماهِيرِ الفُقَهاءِ، لِأنَّهُ مِن بابِ أكْلِ المالِ بِالباطِلِ. وأجازَ قَوْمٌ، مِنهُمُ ابْنُ سِيرِينَ، ومُجاهِدٌ، ونافِعُ بْنُ عُبَيْدٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: بَيْعَ العُرْبانِ عَلى ما وصَفْناهُ، والحُجَجُ في كُتُبِ الفِقْهِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: بِالباطِلِ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: هو أنْ يَأْكُلَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ. وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي مَنسُوخَةٌ، إذْ يَجُوزُ أكْلُ المالِ بِغَيْرِ عِوَضٍ إذا كانَ هِبَةً أوْ صَدَقَةً أوْ تَمْلِيكًا أوْ وارِثًا، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمّا أباحَتِ الشَّرِيعَةُ أخْذَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: هو أنْ يَأْكُلَ بِالرِّبا والقِمارِ والبَخْسِ والظُّلْمِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لَمْ يُبِحِ اللَّهُ (p-٢٣١)تَعالى أكْلَ المالِ بِهِ. وعَلى هَذا تَكُونُ الآيَةُ مَحْكَمَةً وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ والجُمْهُورِ. وقالَ بَعْضُهُمُ: الآيَةُ مُجْمَلَةٌ، لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: بِالباطِلِ، بِطَرِيقٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ. ولَمّا لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الطَّرِيقُ المَشْرُوعَةُ مَذْكُورَةً هُنا عَلى التَّفْصِيلِ، صارَتِ الآيَةُ مُجْمَلَةً. وإضافَةُ الأمْوالِ إلى المُخاطَبِينَ مَعْناهُ: أمْوالُ بَعْضِكم. كَما قالَ تَعالى: ﴿فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٥] وقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ وقِيلَ: يَشْمَلُ قَوْلُهُ (أمْوالُكم) مالَ الغَيْرِ ومالَ نَفْسِهِ. فَنَهى أنْ يَأْكُلَ مالَ غَيْرِهِ إلّا بِطَرِيقٍ مَشْرُوعٍ، ونَهى أنْ يَأْكُلَ مالَ نَفْسِهِ بِالباطِلِ، وهو: إنْفاقُهُ في مَعاصِي اللَّهِ تَعالى. وعَبَّرَ هُنا عَنْ أخْذِ المالِ بِالأكْلِ، لِأنَّ الأكْلَ مِن أغْلَبِ مَقاصِدِهِ وألْزَمِها.
* *
﴿إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ هَذا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ التِّجارَةَ لَمْ تَنْدَرِجْ في الأمْوالِ المَأْكُولَةِ بِالباطِلِ فَتُسْتَثْنى مِنها، سَواءٌ أفَسَّرْتَ قَوْلَهُ بِالباطِلِ بِغَيْرِ عِوَضٍ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، أمْ بِغَيْرِ طَرِيقٍ شَرْعِيٍّ كَما قالَهُ غَيْرُهُ. والثّانِي: أنَّ الِاسْتِثْناءَ إنَّما وقَعَ عَلى الكَوْنِ، والكَوْنُ مَعْنًى مِنَ المَعانِي لَيْسَ مالًا مِنَ الأمْوالِ. ومَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ فَغَيْرُ مُصِيبٍ لِما ذَكَرْناهُ. وهَذا الِاسْتِثْناءُ المُنْقَطِعُ لا يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ في أنَّهُ لا يَجُوزُ أكْلُ المالِ إلّا بِالتِّجارَةِ فَقَطْ، بَلْ ذُكِرَ نَوْعٌ غالِبٌ مِن أكْلِ المالِ بِهِ، وهو التِّجارَةُ، إذْ أسْبابُ الرِّزْقِ أكْثَرُها مُتَعَلِّقٌ بِها.
وفِي قَوْلِهِ: عَنْ تَراضٍ دَلالَةٌ عَلى أنَّ ما كانَ عَلى طَرِيقِ التِّجارَةِ فَشَرْطُهُ التَّراضِي، وهو مِنِ اثْنَيْنِ: الباذِلِ لِلثَّمَنِ، والبائِعِ لِلْعَيْنِ. ولَمْ يُذْكَرْ في الآيَةِ غَيْرُ التَّراضِي، فَعَلى هَذا ظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَوْ باعَ ما يُساوِي مِائَةً بِدِرْهَمٍ جازَ إذا تَراضَيا عَلى ذَلِكَ، وسَواءٌ أعَلِمَ مِقْدارَ ما يُساوِي أمْ لَمْ يَعْلَمْ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إذا لَمْ يَعْلَمْ قَدْرَ الغَبْنِ وتَجاوَزَ الثُّلُثَ، رُدَّ البَيْعُ. وظاهِرُها يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إذا تَعاقَدَ بِالكَلامِ أنَّهُ تَراضٍ مِنهُما ولا خِيارَ لَهُما، وإنْ لَمْ يَتَفَرَّقا. وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، ومالِكٌ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عُمَرَ. وقالَ الثَّوْرِيُّ، واللَّيْثُ، وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ، والشّافِعِيُّ: إذا عَقَدا فَهُما عَلى الخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا، واسْتَثْنَوْا صُوَرًا لا يُشْتَرَطُ فِيها التَّفَرُّقُ، واخْتَلَفُوا في التَّفَرُّقِ. فَقِيلَ: بِأنْ يَتَوارى كُلٌّ مِنهُما عَنْ صاحِبِهِ. وقالَ اللَّيْثُ: بِقِيامِ كُلٍّ مِنهُما مِنَ المَجْلِسِ. وكُلُّ مَن أوْجَبَ الخِيارَ يَقُولُ إذا خَيَّرَهُ في المَجْلِسِ فاخْتارَ، فَقَدْ وجَبَ البَيْعُ. ورُوِيَ خِيارُ المَجْلِسِ عَنْ عُمَرَ أيْضًا. وأطالَ المُفَسِّرُونَ بِذِكْرِ الِاحْتِجاجِ لِكُلٍّ مِن هَذِهِ المَذاهِبِ، ومَوْضُوعُ ذَلِكَ كُتُبِ الفِقْهِ.
والتِّجارَةُ اسْمٌ يَقَعُ عَلى عُقُودِ المُعاوَضاتِ، المَقْصُودُ مِنها طَلَبُ الأرْباحِ. وأنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أيْ: لَكِنَّ كَوْنَ تِجارَةٍ عَنْ تَراضٍ غَيْرُ مَنهِيٍّ عَنْهُ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: تِجارَةً بِالنَّصْبِ، عَلى أنْ تَكُونَ ناقِصَةً عَلى تَقْدِيرِ مُضْمَرٍ فِيها يَعُودُ عَلى الأمْوالِ، أوْ يُفَسِّرُهُ التِّجارَةُ، والتَّقْدِيرُ: إلّا أنْ تَكُونَ الأمْوالُ تِجارَةً، أوْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: إلّا أنْ تَكُونَ التِّجارَةُ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكم. كَما قالَ: إذا كانَ يَوْمًا ذا كَوْكَبٍ أشْنَعا. أيْ إذا كانَ هَوايَ اليَوْمَ يَوْمًا ذا كَوْكَبٍ. واخْتارَ قِراءَةَ الكُوفِيِّينَ أبُو عُبَيْدٍ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (تِجارَةٌ) بِالرَّفْعِ، عَلى أنَّ (كانَ) تامَّةٌ. وقالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: الأكْثَرُ في كَلامِ العَرَبِ أنَّ قَوْلَهم إلّا أنْ تَكُونَ في الِاسْتِثْناءِ بِغَيْرِ ضَمِيرٍ فِيها عَلى مَعْنى يَحْدُثُ أوْ يَقَعُ، وهَذا مُخالِفٌ لِاخْتِيارِ أبِي عُبَيْدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَمامُ (كانَ) يَتَرَجَّحُ عِنْدَ بَعْضٍ؛ لِأنَّها صِلَةٌ، فَهي مَحْطُوطَةٌ عَنْ دَرَجَتِها إذا كانَتْ سَلِيمَةً مِن صِلَةٍ وغَيْرِها، وهَذا تَرْجِيحٌ لَيْسَ بِالقَوِيِّ، ولَكِنَّهُ حَسَنٌ. انْتَهى ما ذَكَرَهُ. ويَحْتاجُ هَذا الكَلامُ إلى فِكْرٍ، ولَعَلَّهُ نَقَصَ مِنَ النُّسْخَةِ شَيْءٌ يَتَّضِحُ بِهِ هَذا المَعْنى الَّذِي أرادَهُ. و﴿عَنْ تَراضٍ﴾ صِفَةٌ لِلتِّجارَةِ، أيْ: تِجارَةٌ صادِرَةٌ عَنْ تَراضٍ.
* *
﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ ظاهِرُهُ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ الإنْسانِ نَفْسَهُ كَما يَفْعَلُهُ بَعْضُ الجَهَلَةِ بِقَصْدٍ مِنهُ، أوْ بِحَمْلِها عَلى غَرَرٍ يَمُوتُ بِسَبَبِهِ، كَما يَصْنَعُ بَعْضُ الفُتّاكِ بِالمُلُوكِ، فَإنَّهم يَقْتُلُونَ المَلِكَ ويُقْتَلُونَ بِلا شَكٍّ. وقَدِ احْتَجَّ عَمْرُو بْنُ العاصِ بِهَذِهِ الآيَةِ حِينَ امْتَنَعَ مِنَ الِاغْتِسالِ بِالماءِ البارِدِ، وأقَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (p-٢٣٢)احْتِجاجَهُ. وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا تَفْعَلُوا ما تَسْتَحِقُّونَ بِهِ القَتْلَ مِنَ القَتْلِ والرِّدَّةِ والزِّنا بَعْدَ الإحْصانِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأجْمَعُ المُتَأوِّلُونَ أنَّ القَصْدَ النَّهْيُ عَنْ أنْ يَقْتُلَ بَعْضُ النّاسِ بَعْضًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنِ الحَسَنِ: إنَّ المَعْنى لا تَقْتُلُوا إخْوانَكُمُ انْتَهى. وعَلى هَذا المَعْنى أضافَ القَتْلَ إلى أنْفُسِهِمْ لِأنَّهم كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، أوْ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، أوْ مِن جَوْهَرٍ واحِدٍ. ولِأنَّهُ إذا قَتَلَ قَتَلَ عَلى سَبِيلِ القِصاصِ، وكَأنَّهُ هو الَّذِي قَتَلَ نَفْسَهُ. وما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ مِن إجْماعِ المُتَأوِّلِينَ ذَكَرَ غَيْرُهُ فِيهِ الخِلافَ. قالَ ما مُلَخَّصُهُ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ حَقِيقَةُ القَتْلِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا يَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا يَقْتُلْ أحَدٌ نَفْسَهُ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ، أوْ ظُلْمٍ أصابَهُ، أوْ جُرْحٍ أخْرَجَهُ عَنْ حَدِّ الِاسْتِقامَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ مَجازُ القَتْلِ أيْ: يَأْكُلُ المالَ بِالباطِلِ، أوْ بِطَلَبِ المالِ والِانْهِماكِ فِيهِ، أوْ يَحْمِلُ نَفْسَهُ عَلى الغَرَرِ المُؤَدِّي إلى الهَلاكِ، أوْ بِفِعْلِ هَذِهِ المَعاصِي والِاسْتِمْرارِ عَلَيْها. فَيَكُونُ القَتْلُ عُبِّرَ بِهِ عَنِ الهَلاكِ مَجازًا كَما جاءَ: شاهِدٌ قَتَلَ ثَلاثًا: نَفْسَهُ، والمَشْهُودَ لَهُ، والمَشْهُودَ عَلَيْهِ، أيْ: أهْلَكَ. وقَرَأ عَلِيٌّ والحَسَنُ: (ولا تَقْتُلُوا) بِالتَّشْدِيدِ.
* *
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ حَيْثُ نَهاكم عَنْ إتْلافِ النُّفُوسِ، وعَنْ أكْلِ الحَرامِ، وبَيَّنَ لَكم جِهَةَ الحِلِّ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ قِوامَ الأنْفُسِ وحَياتَها بِما يُكْتَسَبُ مِنها، لِأنَّ طِيبَ الكَسْبِ يَنْبَنِي عَلَيْهِ صَلاحُ العِباداتِ وقَبُولُها. ألا تَرى إلى ما ورَدَ: مَن حَجَّ بِمالٍ حَرامٍ أنَّهُ إذا قالَ: لَبَّيْكَ، قالَ اللَّهُ لَهُ: لا لَبَّيْكَ ولا سَعْدَيْكَ، وحَجُّكَ مَرْدُودٌ عَلَيْكَ. وألا تَرى إلى الدّاعِي رَبَّهُ، ومَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرامٌ، كَيْفَ جاءَ: أنّى يُسْتَجابُ لَهُ ؟ وكانَ النَّهْيُ عَنْ أكْلِ المالِ بِالباطِلِ مُتَقَدِّمًا عَلى النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ أنْفُسِهِمْ، لِأنَّهُ أكْثَرُ وُقُوعًا، وأفْشى في النّاسِ مِنَ القَتْلِ، لا سِيَّما إنْ كانَ المُرادُ ظاهِرَ الآيَةِ مِن أنَّهُ نَهى أنْ يَقْتُلَ الإنْسانُ نَفْسَهُ، فَإنَّ هَذِهِ الحالَةَ نادِرَةٌ. وقِيلَ: رَحِيمًا حَيْثُ لَمْ يُكَلِّفْكم قَتْلَ أنْفُسِكم حِينَ التَّوْبَةِ كَما كَلَّفَ بَنِي إسْرائِيلَ قَتْلَهم أنْفُسَهم، وجَعَلَ ذَلِكَ تَوْبَةً لَهم وتَمْحِيصًا لِخَطاياهم.
4:30Page 83
وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ عُدۡوَٰنٗا وَظُلۡمٗا فَسَوۡفَ نُصۡلِيهِ نَارٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا ٣٠
And whoever does that in aggression and injustice - then We will drive him into a Fire. And that, for Allāh, is [always] easy.
﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما وقَعَ النَّهْيُ عَنْهُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ مِن أكْلِ المالِ بِالباطِلِ، وقَتْلِ الأنْفُسِ. لِأنَّ النَّهْيَ عَنْهُما جاءَ مُتَّسِقًا مَسْرُودًا، ثُمَّ ورَدَ الوَعِيدُ حَسَبَ النَّهْيِ. وذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ جَماعَةٌ. وتَقْيِيدُ أكْلِ المالِ بِالباطِلِ بِالِاعْتِداءِ والظُّلْمِ عَلى هَذا القَوْلِ لَيْسَ المَعْنى أنْ يَقَعَ عَلى جِهَةٍ لا يَكُونُ اعْتِداءً وظُلْمًا، بَلْ هو مِنَ الأوْصافِ الَّتِي لا يَقَعُ الفِعْلُ إلّا عَلَيْهِ. وقِيلَ: إنَّما قالَ: عُدْوانًا وظُلْمًا لِيَخْرُجَ مِنهُ السَّهْوُ والغَلَطُ، وما كانَ طَرِيقُهُ الِاجْتِهادَ في الأحْكامِ. وأمّا تَقْيِيدُ قَتْلِ الأنْفُسِ عَلى تَفْسِيرِ قَتْلِ بَعْضِنا بَعْضًا بِقَوْلِهِ: عُدْوانًا وظُلْمًا، فَإنَّما ذَلِكَ لِأنَّ القَتْلَ يَقَعُ كَذَلِكَ، ويَقَعُ خَطَأً واقْتِصاصًا. وقِيلَ الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ وهو: قَتْلُ الأنْفُسِ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ، واخْتِيارُ الزَّمَخْشَرِيِّ. قالَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى القَتْلِ أيْ: ومَن يُقْدِمُ عَلى قَتْلِ الأنْفُسِ عُدْوانًا وظُلْمًا لا خَطَأً ولا اقْتِصاصًا انْتَهى. ويَكُونُ نَظِيرَ قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] وذَهَبَ الطَّبَرِيُّ إلى أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما سَبَقَ مِنَ النَّهْيِ الَّذِي لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ وعِيدٌ، وهو مِن قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا ولا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩] إلى هَذا النَّهْيِ الَّذِي هو ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم، فَأمّا ما قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ النَّهْيِ فَقَدِ اقْتَرَنَ بِهِ الوَعِيدُ. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَّبَرِيُّ بَعِيدٌ جِدًّا لِأنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ قَدِ اسْتَقَلَّتْ بِنَفْسِها، ولا يَظْهَرُ لَها تَعَلُّقٌ بِما بَعْدَها إلّا تَعَلُّقَ المُناسَبَةِ، ولا تَعَلُّقَ اضْطِرارِ المَعْنى. وأبْعَدُ مِن قَوْلِ الطَّبَرِيِّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ جَماعَةٌ مِن أنَّ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى كُلِّ ما نَهى عَنْهُ مِنَ القَضايا، مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى النَّهْيِ الَّذِي أعْقَبَهُ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ . وجَوَّزَ الماتُرِيدِيُّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى أكْلِ المالِ بِالباطِلِ، قالَ: وذَلِكَ يَرْجِعُ إلى ما سَبَقَ مِن أكْلِ المالِ بِالباطِلِ، أوْ قَتْلِ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ، (p-٢٣٣)أوْ إلَيْهِما جَمِيعًا. انْتَهى. فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ في المُشارِ إلَيْهِ بِذَلِكَ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
وانْتِصابُ ﴿عُدْوانًا وظُلْمًا﴾ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونا مَصْدَرَيْنِ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُعْتَدِينَ وظالِمِينَ. وقُرِئَ: (عِدْوانًا) بِالكَسْرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: نُصْلِيهِ بِضَمِّ النُّونِ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ والأعْمَشُ: بِفَتْحِها مِن صَلاهُ، ومِنهُ شاةٌ مَصْلِيَّةٌ. وقُرِئَ أيْضًا: (نُصَلِّيهِ) مُشَدَّدًا. وقُرِئَ: (يُصْلِيهِ) بِالياءِ، والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ هو ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اللَّهِ، أيْ: فَسَوْفَ يُصْلِيهِ هو، أيِ اللَّهُ تَعالى. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى ذَلِكَ، قالَ: لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِلْمُصَلِّي، وفِيهِ بُعْدٌ. ومَدْلُولُ (نارًا) مُطْلَقٌ، والمُرادُ - واللَّهُ أعْلَمُ - تَقْيِيدُها بِوَصْفِ الشِّدَّةِ، أوْ ما يُناسِبُ هَذا الجِرْمَ العَظِيمَ مِن أكْلِ المالِ بِالباطِلِ وقَتْلِ الأنْفُسِ.
﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى إصْلائِهِ النّارَ، ويُسْرُهُ عَلَيْهِ تَعالى سُهُولَتُهُ، لِأنَّ حُجَّتَهُ بالِغَةٌ وحُكْمَهُ لا مُعَقِّبَ لَهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ الحِكْمَةَ تَدْعُو إلَيْهِ، ولا صارِفَ عَنْهُ مِن ظُلْمٍ أوْ نَحْوِهِ. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.
4:31Page 83
إِن تَجۡتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنۡهَوۡنَ عَنۡهُ نُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَنُدۡخِلۡكُم مُّدۡخَلٗا كَرِيمٗا ٣١
If you avoid the major sins which you are forbidden, We will remove from you your lesser sins and admit you to a noble entrance [into Paradise].
﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ونُدْخِلْكم مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ ظاهِرَةٌ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الوَعِيدَ عَلى فِعْلِ بَعْضِ الكَبائِرِ، ذَكَرَ الوَعْدَ عَلى اجْتِنابِ الكَبائِرِ. والظّاهِرُ أنَّ الذُّنُوبَ تَنْقَسِمُ إلى كَبائِرَ وسَيِّئاتٍ، وهي الَّتِي عَبَّرَ عَنْها أكْثَرُ العُلَماءِ بِالصَّغائِرِ. وقَدِ اخْتَلَفُوا في ذَلِكَ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى انْقِسامِ الذُّنُوبِ إلى كَبائِرَ وصَغائِرَ، فَمِنَ الصَّغائِرِ النَّظْرَةُ واللَّمْسَةُ والقُبْلَةُ ونَحْوُ ذَلِكَ مِمّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ التَّحْرِيمِ، وتُكَفَّرُ الصَّغائِرُ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ. وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ الأُصُولِيِّينَ، مِنهُمُ الأُسْتاذُ أبُو إسْحاقَ الإسْفَرايِينِيُّ، وأبُو المَعالِي، وأبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ القُشَيْرِيُّ: إلى أنَّ الذُّنُوبَ كُلَّها كَبائِرُ، وإنَّما يُقالُ لِبَعْضِها صَغِيرَةٌ بِالإضافَةِ إلى ما هو أكْبَرُ مِنها، كَما يُقالُ: الزِّنا صَغِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُفْرِ، والقُبْلَةُ المُحَرَّمَةُ صَغِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الزِّنا، ولا ذَنْبَ يُغْفَرُ بِاجْتِنابِ ذَنْبٍ آخَرَ، بَلْ كُلُّ ذَنْبٍ كَبِيرَةٌ وصاحِبُهُ ومُرْتَكِبُهُ في المَشِيئَةِ غَيْرَ الكُفْرِ. وحَمَلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ عَلى أنْواعِ الشِّرْكِ والكُفْرِ، قالُوا: ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ (كَبِيرٌ) عَلى التَّوْحِيدِ، وقَوْلُهُ ﷺ: «(مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النّارَ وحَرَّمَ عَلَيْهِ الجَنَّةَ) فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ وإنْ كانَ يَسِيرًا ؟ قالَ: (وإنْ كانَ قَضِيبًا مِن أراكٍ)» فَقَدْ جاءَ الوَعِيدُ عَلى اليَسِيرِ، كَما جاءَ عَلى الكَثِيرِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلُ قَوْلِ هَؤُلاءِ قالَ: كُلُّ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ فَهو كَبِيرَةٌ.
والَّذِينَ ذَهَبُوا إلى انْقِسامِ الذُّنُوبِ إلى كَبائِرَ وصَغائِرَ، وأنَّ الصَّغائِرَ تُكَفَّرُ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ عَلى ما اقْتَضاهُ ظاهِرُ الآيَةِ وعَضَّدَهُ الحَدِيثُ الثّابِتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن قَوْلِهِ: (ما مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ (p-٢٣٤)تَحْضُرُهُ صَلاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وضَوْءَها وخُشُوعَها ورُكُوعَها إلّا كانَتْ كَفّارَةً لِما قَبْلَها مِنَ الذُّنُوبِ ما لَمْ يَأْتِ كَبِيرَةً وذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ) وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: (الصَّلَواتُ الخَمْسُ والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ ورَمَضانُ إلى رَمَضانَ مُكَفِّراتٌ لِما بَيْنَهُنَّ إذا اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ) .
واخْتَلَفُوا في الكَبائِرِ فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هي ثَلاثٌ، القُنُوطُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، واليَأْسُ مِن رُوحِ اللَّهِ، والأمْنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ. ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّها أرْبَعٌ: فَزادَ الإشْراكَ بِاللَّهِ. وقالَ عَلِيٌّ: هي سَبْعٌ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، وقَذْفُ المُحْصَنَةِ، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، وأكْلُ الرِّبا، والفِرارُ يَوْمَ الزَّحْفِ، والتَّعَرُّبِ بَعْدَ الهِجْرَةِ. وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: الكَبائِرُ سَبْعٌ كَقَوْلِ عَلِيٍّ، في كُلِّ واحِدَةٍ مِنها آيَةٌ في كِتابِ اللَّهِ، وجَعَلَ الآيَةَ في التَّعَرُّبِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾ [محمد: ٢٥] الآيَةَ وفي البُخارِيِّ: (اتَّقُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ) فَذَكَرَ هَذِهِ إلّا التَّعَرُّبَ، فَجاءَ بَدَلَهُ السِّحْرُ. وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ هَذِهِ الكَبائِرَ هي هَذِهِ السَّبْعُ الَّتِي ثَبَتَتْ في البُخارِيِّ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: فَذَكَرَ هَذِهِ إلّا السِّحْرَ، وزادَ الإلْحادَ في المَسْجِدِ الحَرامِ. والَّذِي يَسْتَسْخِرُ بِالوالِدَيْنِ مِنَ العُقُوقِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ أيْضًا والنَّخَعِيُّ: هي جَمِيعُ ما نُهِيَ عَنْهُ مِن أوَّلِ سُورَةِ النِّساءِ إلى ثَلاثِينَ آيَةً مِنها، وهي: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا فِيما رُوِيَ عَنْهُ: هي إلى السَّبْعِينَ أقْرَبُ مِنها إلى السَّبْعِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: الكَبائِرُ كُلُّ ما ورَدَ عَلَيْهِ وعِيدٌ بِنارٍ، أوْ عَذابٍ، أوْ لَعْنَةٍ، أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ. وإلى نَحْوٍ مِن هَذا ذَهَبَ أبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ أحْمَدَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَزْمٍ الفارِسِيُّ القُرْطُبِيُّ، قالَ: قَدْ أطَلْتُ التَّفْتِيشَ عَنْ هَذا مُنْذُ سِنِينَ فَصَحَّ لِي أنَّ كُلَّ ما تَوَعَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنّارِ فَهو مِنَ الكَبائِرِ، ووَجَدْناهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ أدْخَلَ في الكَبائِرِ بِنَصِّ لَفْظِهِ أشْياءَ غَيْرَ الَّتِي ذَكَرَ في الحَدِيثِ - يَعْنِي الَّذِي في البُخارِيِّ - فَمِنها: قَوْلُ الزُّورِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، والكَذِبُ عَلَيْهِ، وتَعْرِيضُ المَرْءِ أبَوَيْهِ لِلسَّبِّ بِأنْ يَسُبَّ آباءَ النّاسِ، وذَكَرَ عَلَيْهِ السَّلامُ الوَعِيدَ الشَّدِيدَ بِالنّارِ عَلى الكِبْرِ، وعَلى كُفْرِ نِعْمَةِ المُحْسِنِ في الحَقِّ، وعَلى النِّياحَةِ في المَآتِمِ، وحَلْقِ الشَّعْرِ فِيها، وخَرْقِ الجُيُوبِ، والنَّمِيمَةِ، وتَرْكِ التَّحَفُّظِ مِنَ البَوْلِ، وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وعَلى الخَمْرِ، وعَلى تَعْذِيبِ الحَيَوانِ بِغَيْرِ الذَّكاةِ لِأكْلِ ما يَحِلُّ أكْلُهُ مِنها أوْ ما أُبِيحَ أكْلُهُ مِنها، وعَلى إسْبالِ الإزارِ عَلى سَبِيلِ التَّجَوُّهِ، وعَلى المَنّانِ بِما يَفْعَلُ مِنَ الخَيْرِ، وعَلى المُنْفِقِ سِلْعَتَهُ بِالحَلِفِ الكاذِبِ، وعَلى المانِعِ فَضْلَ مائِهِ مِنَ الشّارِبِ، وعَلى الغَلُولِ، وعَلى مُتابَعَةِ الأئِمَّةِ لِلدُّنْيا فَإنْ أُعْطُوا مِنها وُفِّيَ لَهم وإنْ لَمْ يُعْطُوا مِنها لَمْ يُوَفَّ لَهم، وعَلى المُقْتَطِعِ بِيَمِينِهِ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، وعَلى الإمامِ الغاشِّ لِرَعِيَّتِهِ، ومَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ أبِيهِ، وعَلى العَبْدِ الآبِقِ، وعَلى مَن غَلَّ، ومَنِ ادَّعى ما لَيْسَ لَهُ، وعَلى لاعِنِ مَن لا يَسْتَحِقُّ اللَّعْنَ، وعَلى بُغْضِ الأنْصارِ، وعَلى تارِكِ الصَّلاةِ، وعَلى تارِكِ الزَّكاةِ، وعَلى بُغْضِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ووَجَدْنا الوَعِيدَ الشَّدِيدَ في نَصِّ القُرْآنِ قَدْ جاءَ عَلى الزُّناةِ، وعَلى المُفْسِدِينَ في الأرْضِ بِالحِرابَةِ، فَصَحَّ بِهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. انْتَهى كَلامُهُ. يَعْنِي قَوْلُهُ: هي إلى السَّبْعِينَ أقْرَبُ مِنها إلى السَّبْعِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هي إلى سَبْعِمِائَةٍ أقْرَبُ، لِأنَّهُ لا صَغِيرَةَ مَعَ الإصْرارِ، ولا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفارِ.
وقَدِ اخْتَلَفَ القائِلُونَ بِأنَّهُ يُكَفَّرُ الصَّغائِرُ بِاجْتِنابِ الكَبائِرِ، هَلِ التَّكْفِيرُ قَطْعِيٌّ ؟ أوْ غالِبُ ظَنٍّ ؟ فَجَماعَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ وأهْلِ الحَدِيثِ ذَهَبُوا إلى أنَّهُ قَطْعِيٌّ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ والأحادِيثُ، والأُصُولِيُّونَ قالُوا: هو عَلى غَلَبَةِ الظَّنِّ، وقالُوا: لَوْ كانَ ذَلِكَ قَطْعِيًّا لَكانَتِ الصَّغائِرُ في حُكْمِ المُباحِ يُقْطَعُ بِأنْ لا تَبِعَةَ فِيهِ، ووَصَفَ (مُدْخَلًا) بِقَوْلِهِ: (كَرِيمًا)، ومَعْنى كَرَمِهِ: فَضِيلَتُهُ، ونَفى العُيُوبَ عَنْهُ كَما تَقُولُ: ثَوْبٌ كَرِيمٌ، وفُلانٌ كَرِيمُ المَحْتِدِ. ومَعْنى تَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ إزالَةُ ما يُسْتَحَقُّ عَلَيْها مِنَ العُقُوباتِ، وجَعْلُها كَأنْ لَمْ تَكُنْ، وذَلِكَ مُرَتَّبٌ عَلى اجْتِنابِ الكَبائِرِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ (إنْ تَجْتَنِبُوا كَبِيرَ) عَلى الإفْرادِ، وقَدْ ذَكَرْنا مَنِ (p-٢٣٥)احْتَجَّ بِهِ عَلى أنَّهُ أُرِيدَ الكُفْرُ. وأمّا مَن لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فَهو عِنْدَهُ جِنْسٌ.
وقَرَأ المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: (يُكَفِّرْ ويُدْخِلْكم) بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: (مِن سَيِّئاتِكم) بِزِيادَةِ (مِن) .
وقَرَأ نافِعٌ: (مُدْخَلًا) هُنا، وفي الحَجِّ بِفَتْحِ المِيمِ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي بَكْرٍ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّها وانْتِصابِ المَضْمُومِ المِيمِ إمّا عَلى المَصْدَرِ أيْ: إدْخالًا، والمُدْخَلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ، أيْ: ويُدْخِلْكُمُ الجَنَّةَ إدْخالًا كَرِيمًا. وإمّا عَلى أنَّهُ مَكانُ الدُّخُولِ، فَيَجِيءُ الخِلافُ الَّذِي في دَخَلَ، أهِيَ مُتَعَدِّيَةٌ لِهَذِهِ الأماكِنِ عَلى سَبِيلِ التَّعْدِيَةِ لِلْمَفْعُولِ ؟ أمْ عَلى سَبِيلِ الظَّرْفِ ؟ فَإذا دَخَلَتْ هَمْزَةُ النَّقْلِ فالخِلافُ. وأمّا انْتِصابُ المَفْتُوحِ المِيمِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ الدَّخْلِ المُطاوِعِ لِأدْخَلَ، التَّقْدِيرُ: ويُدْخِلْكم فَتَدْخُلُونَ دُخُولًا كَرِيمًا، وحَذَفَ (فَتَدْخُلُونَ) لِدَلالَةِ المُطاوِعِ عَلَيْهِ، ولِدَلالَةِ مَصْدَرِهِ أيْضًا. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَكانُ، فَيَنْتَصِبُ إذْ ذاكَ إمّا بِـ (يُدْخِلْكم)، وإمّا بِـ (دَخَلْتُمُ) المَحْذُوفَةِ عَلى الخِلافِ، أهُوَ مَفْعُولٌ بِهِ أوْ ظَرْفٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences