Abu HayyanAn‑Nisa · 4:39–42

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:39–42

4:39Page 85

وَمَاذَا عَلَيۡهِمۡ لَوۡ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِمۡ عَلِيمًا ٣٩

And what [harm would come] upon them if they believed in Allāh and the Last Day and spent out of what Allāh provided for them? And Allāh is ever, about them, Knowing.

﴿وماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ ظاهِرُ هَذا الكَلامِ أنَّهُ مُلْتَحِمٌ لُحْمَةً واحِدَةً، والمُرادُ بِذَلِكَ: ذَمُّهم وتَوْبِيخُهم وتَجْهِيلُهم بِمَكانِ سَعادَتِهِمْ، وإلّا فَكَلُّ الفَلاحِ والمَنفَعَةِ في اتِّصافِهِمْ بِما ذَكَرَ تَعالى. فَعَلى هَذا الظّاهِرِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ جُمْلَتَيْنِ، وتَكُونُ لَوْ عَلى بابِها مِن كَوْنِها حَرْفًا لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، والتَّقْدِيرُ: وماذا عَلَيْهِمْ في الإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ لَحَصَلَتْ لَهُمُ السَّعادَةُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً واحِدَةً، وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ مَن يُثْبِتُ أنَّ لَوْ تَكُونُ مَصْدَرِيَّةً في مَعْنى: أنْ، كَأنَّهُ قِيلَ: وماذا عَلَيْهِمْ أنْ آمَنُوا، أيْ في الإيمانِ بِاللَّهِ، ولا جَوابَ لَها إذْ ذاكَ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ:

؎وماذا عَلَيْهِ أنْ ذَكَرْتُ أوانِسا كَغِزْلانِ رَمْلٍ في مَحارِيبِ أقْيالِ

قالُوا: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وماذا عَلَيْهِمْ، مُسْتَقِلًّا لا تَعَلُّقَ بِهِ بِما بَعْدَهُ، بَلْ ما بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفٌ. أيْ: وماذا عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ الوَبالِ والنَّكالِ بِاتِّصافِهِمْ بِالبُخْلِ وتِلْكَ الأوْصافِ المَذْمُومَةِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ وقالَ: لَوْ آمَنُوا، وحَذَفَ جَوابَ لَوْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجَوابُ لَوْ في قَوْلِهِ: ماذا، فَهو جَوابٌ مُقَدَّمٌ انْتَهى. فَإنْ أرادَ ظاهِرَ هَذا الكَلامِ فَلَيْسَ مُوافِقًا لِكَلامِ النَّحْوِيِّينَ، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لا يَقَعُ جَوابَ لَوْ، ولِأنَّ قَوْلَهم: أكْرَمْتُكَ لَوْ قامَ زَيْدٌ، إنْ ثَبَتَ أنَّهُ مِن كَلامِ العَرَبِ حُمِلَ عَلى أكْرَمْتُكَ دالٌّ عَلى الجَوابِ، لا جَوابٌ كَما قالُوا في قَوْلِهِمْ: أنْتَ ظالِمٌ إنْ فَعَلْتَ. وإنْ أرادَ تَفْسِيرَ المَعْنى فَيُمْكِنُ ما قالَهُ.

وماذا: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كُلُّها اسْتِفْهامًا، والخَبَرُ في عَلَيْهِمْ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (ما) هو الِاسْتِفْهامَ، و(ذا) بِمَعْنى الَّذِي وهو الخَبَرُ، وعَلَيْهِمْ صِلَةُ ذا. وإذا كانَ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ مِن مُتَعَلِّقاتِ قَوْلِهِ: وماذا عَلَيْهِمْ، كانَ في ذَلِكَ تَفَجُّعٌ عَلَيْهِمْ واحْتِياطٌ وشَفَقَةٌ، وقَدْ تَعَلَّقَتِ المُعْتَزِلَةُ بِذَلِكَ. قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: تَدُلُّ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ الجَهْمِيَّةِ أهَّلِ الجَبْرِ، لِأنَّهم لَوْ لَمْ يَكُونُوا مُسْتَطِيعِينَ لِلْإيمانِ بِاللَّهِ والإنْفاقِ لَما أجازَ أنْ يُقالَ ذَلِكَ فِيهِمْ، لِأنَّ عُذْرَهم واضِحٌ وهو أنَّهم غَيْرُ مُتَمَكِّنِينَ مِمّا دُعُوا إلَيْهِ، ولا قادِرِينَ، كَما لا يُقالُ لِلْأعْمى: ماذا عَلَيْهِ لَوْ أبْصَرَ، ولا يُقالُ لِلْمَرِيضِ ماذا عَلَيْهِ لَوْ كانَ صَحِيحًا. وفي ذَلِكَ أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ اللَّهَ قَدْ قَطَعَ عُذْرَهم في فِعْلِ ما كَلَّفَهم مِنَ الإيمانِ وسائِرِ الطّاعاتِ، وأنَّهم مُتَمَكِّنُونَ مِن فِعْلِها انْتَهى كَلامُهُ. وهو قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، والمَذاهِبُ في هَذا أرْبَعَةٌ كَما تَقَرَّرَ: الجَبْرِيَّةُ، والقَدَرِيَّةُ، والمُعْتَزِلَةُ، وأهْلُ السُّنَّةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والِانْفِصالُ عَنْ شُبْهَةِ المُعْتَزِلَةِ أنَّ المَطْلُوبَ إنَّما هو تَكَسُّبُهم واجْتِهادُهم وإقْبالُهم عَلى الإيمانِ، وأمّا الِاخْتِراعُ فاللَّهُ المُنْفَرِدُ بِهِ انْتَهى. ولَمّا وصَفَهم تَعالى بِتِلْكَ الأوْصافِ المَذْمُومَةِ كانَ فِيهِ التَّرَقِّي مِن وصْفٍ قَبِيحٍ إلى أقْبَحَ مِنهُ، فَبَدَأ أوَّلًا بِالبُخْلِ، ثُمَّ بِالأمْرِ بِهِ، ثُمَّ بِكِتْمانِ فَضْلِ اللَّهِ، ثُمَّ بِالإنْفاقِ رِياءً، ثُمَّ بِالكُفْرِ بِاللَّهِ (p-٢٥٠)وبِاليَوْمِ الآخِرِ. ولَمّا وبَّخَهم وتَلَطَّفَ في اسْتِدْعائِهِمْ بَدَأ بِالإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، إذْ بِذَلِكَ تَحْصُلُ السَّعادَةُ الأبَدِيَّةُ، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ الإنْفاقَ أيْ: في سَبِيلِ اللَّهِ، إذْ بِهِ يَحْصُلُ نَفْيُ تِلْكَ الأوْصافِ القَبِيحَةِ مِنَ البُخْلِ، والأمْرِ بِهِ وكِتْمانِ فَضْلِ اللَّهِ والإنْفاقِ رِئاءَ النّاسِ.

﴿وكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ خَبَرٌ يَتَضَمَّنُ وعِيدًا وتَنْبِيهًا عَلى سُوءِ بَواطِنِهِمْ، وأنَّهُ تَعالى مُطَّلِعٌ عَلى ما أخْفَوْهُ في أنْفُسِهِمْ.

* *

قِيلَ: وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ والبَدِيعِ: التَّكْرارُ وهو في: ﴿نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا﴾ [النساء: ٣٢]، و﴿نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: ٣٢]، والجَلالَةِ في ﴿واسْألُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ٣٢]، إنَّ اللَّهَ، و﴿حَكَمًا مِن أهْلِهِ﴾ [النساء: ٣٥]، وحَكَمًا مِن أهْلِها، و﴿بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٢]، ﴿والجارِ ذِي القُرْبى والجارِ الجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦]، ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٣٨] . وقَوْلِهِ: ﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ و(قَرِينًا) و(ساءَ قَرِينًا)، والجَلالَةِ في: ﴿مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾، وكانَ اللَّهُ. والتَّجْنِيسُ المُغايِرُ في: ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٤]، وفي: يَبْخَلُونَ وبِالبُخْلِ. ونَسَقُ الصِّفاتِ مِن غَيْرِ حَرْفٍ في: ﴿قانِتاتٌ حافِظاتٌ﴾ [النساء: ٣٤] . والنَّسَقُ بِالحُرُوفِ عَلى طَرِيقِ ذِكْرِ الأوْكَدِ فالأوْكَدِ في: وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا وما بَعْدَهُ. والطِّباقُ المَعْنَوِيُّ في: ﴿نُشُوزَهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، ﴿فَإنْ أطَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٣٤]، وفي: ﴿شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ [النساء: ٣٥]، و﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ﴾ [النساء: ٣٥] . والِاخْتِصاصُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن أهْلِهِ﴾ [النساء: ٣٥] ومِن أهْلِها، وفي قَوْلِهِ: (عاقَدَتْ أيْمانُكم) . والإبْهامُ في قَوْلِهِ: بِهِ شَيْئًا وإحْسانًا، وما مَلَكَتْ فَشُيُوعُ (شَيْئًا) و(إحْسانًا) و(ما) واضِحٌ. والتَّعْرِيضُ في: ﴿مُخْتالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦] . عَرَّضَ بِذَلِكَ إلى ذَمِّ الكِبْرِ المُؤَدِّي لِلْبُعْدِ عَنِ الأقارِبِ الفُقَراءِ واحْتِقارِهِمْ واحْتِقارِ مَن ذُكِرَ مَعَهم. والتَّأْكِيدُ بِإضافَةِ المِلْكِ إلى اليَمِينِ في: ﴿وما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦] . والتَّمْثِيلُ في: ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨] . والحَذْفُ في عِدَّةِ مَواضِعَ.

4:40Page 85

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةٗ يُضَٰعِفۡهَا وَيُؤۡتِ مِن لَّدُنۡهُ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٤٠

Indeed, Allāh does not do injustice, [even] as much as an atom's weight; while if there is a good deed, He multiplies it and gives from Himself a great reward.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ولا جُنُبًا إلّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣] . المِثْقالُ: مِفْعالٌ مِنَ الثِّقَلِ، ومِثْقالُ كُلِّ شَيْءٍ وزْنُهُ، ولا تَظُنَّ أنَّهُ الدِّينارُ لا غَيْرَ. الذَّرَّةُ: النَّمْلَةُ الصَّغِيرَةُ وقِيلَ: أصْغُرُ ما تَكُونُ إذا مَرَّ عَلَيْها حَوْلٌ، وقِيلَ في وصْفِها الحَمْراءُ. قِيلَ: إذا مَرَّ عَلَيْها حَوْلٌ صَغُرَتْ وجَرَتْ. قالَ:

؎مِنَ القاصِراتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنها لَأثَّرا

وقالَ حَسّانُ:

؎لَوْ يَدُبُّ الحَوْلِيُّ مِن ولَدِ الذَّرِّ ∗∗∗ عَلَيْها لَأنْدَبَتْها الكُلُومُ

وقِيلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الذَّرَّةُ رَأْسُ النَّمْلَةِ. وقِيلَ عَنْهُ: أدْخَلَ يَدَهُ في التُّرابِ ورَفَعَها ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ، وقالَ: كُلُّ واحِدَةٍ مِن هَؤُلاءِ ذَرَّةٌ. وقِيلَ: كُلُّ جُزْءِ الهَباءِ في الكُوَّةِ ذَرَّةٌ. وقِيلَ: الذَّرَّةُ هي الخَرْدَلَةُ.

السُّكْرُ: انْسِدادُ طَرِيقِ التَّمْيِيزِ بِشُرْبِ ما يُسْكِرُ مِن قَوْلِهِمْ: سَكِرَتْ عَيْنُ البازِي، إذا خالَها النَّوْمُ. ومِنهُ: سَكِرَ النَّهْرُ إذا انْسَدَّتْ مَجارِيهِ وسَكِرْتُهُ أنا. والسُّكْرُ: أيْضًا بِضَمِّ السِّينِ السَّدُّ. قالَ:

؎فَما زِلْنا عَلى الشُّرْبِ ∗∗∗ نُداوِي السُّكْرَ بِالسُّكْرِ

والسَّكَرُ: بِالفَتْحِ ما أسْكَرَ، أيْ مَنَعَ مِنَ التَّمْيِيزِ.

الغائِطُ: ما انْخَفَضَ مِنَ الأرْضِ، وجَمْعُهُ غِيطانُ. ويُقالُ: عَيْطٌ وغَوْطٌ. وزَعَمَ ابْنُ جِنِّي: أنَّ غَيْطًا فَعِيلٌ، إذْ أصْلُهُ عِنْدَهُ غَيِّطٌ مِثْلَ هَيِّنٍ وسَيِّدٍ إذا أخْفَفْتَهُما. والصَّحِيحُ: أنَّهُ فَعْلٌ. كَما أنَّ غَوْطًا فَعْلٌ، لِأنَّ العَرَبَ قالَتْ: غاطَ يَغُوطُ ويَغِيطُ، فَأتَتْ بِهِ مَرَّةً في ذَواتِ الياءِ، ومَرَّةً في ذَواتِ الواوِ. وجَمَعُوا غَوْطًا عَلى أغْواطٍ (p-٢٥١)ويُقالُ: تَغَوَّطَ إذا أحْدَثَ، وغاطَ في الأرْضِ يَغِيطُ ويَغُوطُ غابَ فِيها حَتّى لا يَظْهَرَ إلّا لِمَن وقَفَ عَلَيْهِ. وكانَ الرَّجُلُ إذا أرادَ التَّبَرُّزَ ارْتادَ غائِطًا مِنَ الأرْضِ يَسْتَتِرُ فِيهِ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ، ثُمَّ قِيلَ لِلْحَدَثِ نَفْسِهِ: غائِطًا، كَما قِيلَ: سالَ المِيزانُ وجَرى النَّهْرُ.

* *

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ نَزَلَتْ في المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ. وقِيلَ: في الخُصُومِ. وقِيلَ: في عامَّةِ المُؤْمِنِينَ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ لِما قَبْلَها واضِحَةٌ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِعِبادَتِهِ تَعالى وبِالإحْسانِ لِلْوالِدَيْنِ ومَن ذُكِرَ مَعَهم، ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ بِذَمِّ البُخْلِ والأوْصافِ المَذْكُورَةِ مَعَهُ، ثُمَّ وبَّخَ مَن لَمْ يُؤْمِن، ولَمْ يُنْفِقْ في طاعَةِ اللَّهِ، فَكانَ هَذا كُلُّهُ تَوْطِئَةً لِذِكْرِ الجَزاءِ عَلى الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ فَأخْبَرَ تَعالى بِصِفَةِ عَدْلِهِ، وأنَّهُ عَزَّ وجَلَّ لا يَظْلِمُ أدْنى شَيْءٍ، ثُمَّ أخْبَرَ بِصِفَةِ الإحْسانِ فَقالَ.

* *

﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ وضَرَبَ مَثَلًا لِأحْقَرِ الأشْياءِ وزْنَ ذَرَّةٍ، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ في الِانْتِفاءِ عَنِ الظُّلْمِ البَتَّةَ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: مِثْقالَ ذَرَّةٍ أنَّ الذَّرَّةَ لَها وزْنٌ. وقِيلَ: الذَّرَّةُ لا وزْنَ لَها، وأنَّهُ امْتَحَنَ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُنْ لَها وزْنٌ. وإذا كانَ تَعالى لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فَلِأنْ لا يَظْلِمُ فَوْقَ ذَلِكَ أبْلَغُ، ولَمّا كانَتِ الذَّرَّةُ أصْغَرَ المَوْجُوداتِ ضَرَبَ بِها المَثَلَ في القِلَّةِ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: (مِثْقالَ نَمْلَةٍ)، ولَعَلَّ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الشَّرْحِ لِلذَّرَّةِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَوْ نَقَصَ مِن أجْرِهِ أدْنى شَيْءٍ وأصْغُرُهُ، أوْ زادَ في العِقابِ، لَكانَ ظُلْمًا. وأنَّهُ لا يَفْعَلُهُ لِاسْتِحالَتِهِ في الحِكْمَةِ، لا لِاسْتِحالَتِهِ في القُدْرَةِ انْتَهى. وهي نَزْعَةٌ اعْتِزالِيَّةٌ. وثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطى بِها في الدُّنْيا ويُجْزى بِها في الآخِرَةِ وأمّا الكافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَناتِهِ ما عَمِلَ بِهِ في الدُّنْيا حَتّى إذا أفْضى إلى الآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزى بِها) و(يُظْلَمُ) يَتَعَدّى لِواحِدٍ، وهو مَحْذُوفٌ، وتَقْدِيرُهُ: لا يَظْلِمُ أحَدًا مِثْقالَ ذَرَّةٍ. ويَنْتَصِبُ (مِثْقالَ) عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: ظُلْمًا وزَنَ ذَرَّةٍ، كَما تَقُولُ: لا أظْلِمُ قَلِيلًا ولا كَثِيرًا. وقِيلَ: ضُمِّنَتْ مَعْنى ما يَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، فانْتَصَبَ (مِثْقالَ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، والأوَّلُ مَحْذُوفٌ، التَّقْدِيرِ: لا يَنْقُصُ، أوْ لا يَغْصِبُ، أوْ لا يَبْخَسُ أحَدًا مِثْقالَ ذَرَّةٍ مِنَ الخَيْرِ أوِ الشَّرِّ، ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ .

حُذِفَتِ النُّونُ مِن تِلْكَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، وكانَ القِياسُ إثْباتَ الواوِ، لِأنَّ الواوَ إنَّما حُذِفَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. فَكانَ يَنْبَغِي أنَّهُ إذا حُذِفَتْ تَرْجِعُ الواوُ، ولِأنَّ المُوجِبَ لِحَذْفِها قَدْ زالَ. ولِجَوازِ حَذْفِها شَرْطٌ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وهو أنْ تُلاقِيَ ساكِنانِ، فَإنْ لاقَتْهُ نَحْوَ: لَمْ يَكُنِ ابْنُكَ قائِمًا، ولَمْ يَكُنِ الرَّجُلُ ذاهِبًا، لَمْ يَجُزْ حَذْفُها. وأجازَهُ يُونُسُ، وشَرْطُ جَوازِ هَذا الحَذْفِ دُخُولُ جازِمٍ عَلى مُضارِعٍ مُعْرَبٍ مَرْفُوعٍ بِالضَّمَّةِ، فَلَوْ كانَ مَبْنِيًّا عَلى نُونِ التَّوْكِيدِ، أوْ نُونِ الإناثِ، أوْ مَرْفُوعًا بِالنُّونِ، لَمْ يَجُزْ حَذْفُها.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: حَسَنَةً بِالنَّصْبِ، فَتَكُونُ ناقِصَةً، واسْمُها مُسْتَتِرٌ فِيها عائِدٌ عَلى مِثْقالٍ. وأنَّثَ الفِعْلَ لِعَوْدِهِ عَلى مُضافٍ إلى مُؤَنَّثٍ، أوْ عَلى مُراعاةِ المَعْنى، لِأنَّ مِثْقالَ مَعْناهُ زِنَةٌ أيْ: وإنْ تَكْ زِنَةَ ذَرَّةٍ. وقَرَأ الحَسَنُ والحَرَمِيّانِ: (حَسَنَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ (تَكُ) تامَّةٌ، التَّقْدِيرُ: وإنْ تَقَعْ أوْ تُوجَدْ حَسَنَةٌ. وقَرَأ الِابْنانِ: (يُضَعِّفْها) مُشَدَّدَةً مِن غَيْرِ ألِفٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: المَعْنى فِيهِما واحِدٌ، وهُما لُغَتانِ. ويَدُلُّ عَلى هَذا قِراءَةُ مَن قَرَأ (يُضَعَّفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ) و(فَيُضَعِّفَ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً) . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ في كِتابِ المَجازِ والطَّبَرِيُّ: ضاعَفَ يَقْتَضِي مِرارًا كَثِيرَةً، وضَعَّفَ يَقْتَضِي مَرَّتَيْنِ، وكَلامُ العَرَبِ يَقْتَضِي عَكْسَ هَذا. لِأنَّ المُضاعَفَةَ تَقْتَضِي زِيادَةَ المِثْلِ، فَإذا شُدِّدَتِ اقْتَضَتِ البِنْيَةُ التَّكْثِيرَ فَوْقَ مَرَّتَيْنِ إلى أقْصى ما يَزِيدُ مِنَ العَدَدِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا الكَلامُ في هَذا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُضاعَفُ ثَوابُها لِاسْتِحْقاقِها ضِدَّهُ الثَّوابَ في كُلِّ وقْتٍ مِنَ (p-٢٥٢)الأوْقاتِ المُسْتَقْبَلَةِ غَيْرِ المُتَناهِيَةِ. ووَرَدَ تَضْعِيفُ الحَسَنَةِ لِعَشْرِ أمْثالِها في كِتابِ اللَّهِ، وتَضْعِيفُ النَّفَقَةِ إلى سَبْعِمِائَةٍ، ووَرَدَتْ أحادِيثُ بِالتَّضْعِيفِ ألْفًا وألْفَ ألْفٍ، ولا تَضادَّ في ذَلِكَ، إذِ المُرادُ الكَثْرَةُ لا التَّحْدِيدُ. وإنْ أُرِيدَ التَّحْدِيدُ فَلا تَضادَّ أيْضًا، لِأنَّ المَوْعُودَ بِذَلِكَ جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ، ويَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ الأعْمالِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ الآيَةَ أنَّها عامَّةٌ في كُلِّ أحَدٍ، وتَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالمُهاجِرِينَ غَيْرُ ظاهِرٍ. (مِن لَدُنْهُ) أيْ: مِن عِنْدِهِ عَلى سَبِيلِ التَّفَضُّلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَمّاهُ أجْرًا لِأنَّهُ تابِعٌ لِلْأجْرِ لا يَثْبُتُ إلّا بِثَباتِهِ. انْتَهى. قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: الأجْرُ هُنا الجَنَّةُ. وقِيلَ: لا حَدَّ لَهُ ولا عَدَّ.

4:41Page 85

فَكَيۡفَ إِذَا جِئۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةِۭ بِشَهِيدٖ وَجِئۡنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدٗا ٤١

So how [will it be] when We bring from every nation a witness and We bring you, [O Muḥammad], against these [people] as a witness?

﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ هو نَبِيُّهم يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِما فَعَلُوا كَما قالَ تَعالى: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] والأُمَّةُ هُنا مَن بُعِثَ إلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ مِن مُؤْمِنٍ بِهِ وكافِرٍ. لَمّا أعْلَمَ تَعالى بِعَدْلِهِ وإيتاءِ فَضْلِهِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِأنْ نُبِّهَ عَلى الحالَةِ الَّتِي يَحْضُرُونَها لِلْجَزاءِ ويَشْهَدُ عَلَيْهِمْ فِيها.

و(كَيْفَ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ إنْ كانَ المَحْذُوفُ مُبْتَدَأً، التَّقْدِيرُ: فَكَيْفَ حالُ هَؤُلاءِ السّابِقِ ذِكْرُهم، أوْ كَيْفَ صُنْعُهم. وهَذا المُبْتَدَأُ هو العامِلُ في إذا، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ إنْ كانَ المَحْذُوفُ فِعْلًا أيْ: فَكَيْفَ يَصْنَعُونَ، أوْ كَيْفَ يَكُونُونَ. والفِعْلُ أيْضًا هو العامِلُ في إذا. ونَقَلَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ مَكِّيٍّ: أنَّ العامِلَ في (كَيْفَ) (جِئْنا) . قالَ: وهو خَطَأٌ، والِاسْتِفْهامُ هُنا لِلتَّوْبِيخِ، والتَّقْرِيعِ، والإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى أُمَّةِ الرَّسُولِ ﷺ . وقالَ مُقاتِلٌ: إلى الكُفّارِ. وقِيلَ: إلى اليَهُودِ والنَّصارى. وقِيلَ: إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ. وقِيلَ: إلى المُكَذِّبِينَ وشَهادَتُهُ بِالتَّبْلِيغِ لِأُمَّتِهِ قالَهُ: ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ. أوْ بِإيمانِهِمْ قالَهُ أبُو العالِيَةِ، أوْ بِأعْمالِهِمْ قالَهُ: مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ. والظّاهِرُ أنَّ الشَّهادَةَ تَكُونُ عَلى المَشْهُودِ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: عَلى بِمَعْنى اللّامِ، أيْ: وجِئْنا بِكَ لِهَؤُلاءِ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ. وقالَ الزَّجّاجِيُّ: يَشْهَدُ لَهم وعَلَيْهِمْ، وحُذِفَ المَشْهُودُ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ لِجَرَيانِ ذِكْرِهِ في الجارِّ والمَجْرُورِ فاخْتُصِرَ، والتَّقْدِيرُ: مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ عَلى أُمَّتِهِ. وظاهِرُ المُقابَلَةِ يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ الشَّهادَةُ عَلَيْهِمْ لا لَهم، ولا يَكُونُ عَلَيْهِمْ إلّا والمَشْهُودُ عَلَيْهِمْ كانُوا مُنْكِرِينَ مُكَذِّبِينَ بِما شَهِدَ عَلَيْهِمْ بِهِ. ورُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فاضَتْ عَيْناهُ، وكَذَلِكَ حِينَ قَرَأ عَلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ ذَرَفَتْ عَيْناهُ وبُكاؤُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - هو إشْفاقٌ عَلى أُمَّتِهِ ورَحْمَةٌ لَهم مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: وجِئْنا بِكَ، أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ. وقِيلَ: حالٌ عَلى تَقْدِيرِ قَدْ أيْ وقَدْ جِئْنا.

4:42Page 85

يَوۡمَئِذٖ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوۡ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضُ وَلَا يَكۡتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثٗا ٤٢

That Day, those who disbelieved and disobeyed the Messenger will wish they could be covered by the earth. And they will not conceal from Allāh a [single] statement.

﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ التَّنْوِينُ في (يَوْمَئِذٍ) هو تَنْوِينُ العِوَضِ، حُذِفَتِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ وعُوِّضَ مِنها هَذا التَّنْوِينُ، والتَّقْدِيرُ: يَوْمَ إذْ جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَّرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ أيْ: كَفَرُوا بِاللَّهِ وعَصَوْا رَسُولَهُ. والرَّسُولُ: هُنا اسْمُ جِنْسٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّنْوِينُ عِوَضًا مِنَ الجُمْلَةِ الأخِيرَةِ، ويَكُونُ الرَّسُولُ مُحَمَّدًا ﷺ . وأُبْرِزَ ظاهِرًا، ولَمْ يَأْتِ وعَصَوْكَ لِما في ذِكْرِ الرَّسُولِ مِنَ الشَّرَفِ والتَّنْوِيهِ بِالرِّسالَةِ الَّتِي هي أشْرَفُ ما تَحَمَّلَها الإنْسانُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، إذْ هي سَبَبُ السَّعادَةِ الدُّنْيَوِيَّةَ والأُخْرَوِيَّةِ، والعامِلَ في: (يَوْمَ) (يَوَدُّ) . ومَعْنى يَوَدُّ: يَتَمَنّى. وظاهَرُ (وعَصَوْا) أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (كَفَرُوا) . وقِيلَ: هو عَلى إضْمارِ مَوْصُولٍ آخَرَ أيْ: والَّذِينَ عَصَوْا فَهُما فِرْقَتانِ. وقِيلَ: الواوُ واوُ الحالِ أيْ: كَفَرُوا وقَدْ عَصَوُا الرَّسُولَ. وقالَ الحَوْفِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (يَوْمَ) مَبْنِيًّا مَعَ إذْ، لِأنَّ الظَّرْفَ إذا (p-٢٥٣)أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ جازَ بِناؤُهُ مَعَهُ. و(إذْ) في هَذا المَوْضِعِ اسْمٌ لَيْسَتْ بِظَرْفٍ، لِأنَّ الظُّرُوفَ إذا أُضِيفَ إلَيْها خَرَجَتْ إلى مَعْنى الِاسْمِيَّةِ مِن أجْلِ تَخْصِيصِ المُضافِ إلَيْها، كَما تُخَصَّصُ الأسْماءُ، ومَعَ اسْتِحْقاقِها الجَرَّ، والجَرُّ لَيْسَ مِن عَلاماتِ الظُّرُوفِ انْتَهى، وهو كَلامٌ جَيِّدٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: وعَصَوُا الرَّسُولَ بِضَمِّ الواوِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمَرَ وأبُو السَّمّالِ: (وعَصَوُا الرَّسُولَ) بِكَسْرِ الواوِ عَلى أصْلِ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: تُسَوّى بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ السِّينِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهو مُضارِعُ سَوّى. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: بِفَتْحِ التّاءِ وتَشْدِيدِ السِّينِ، وأصْلُهُ تَتَسَوّى، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ، وهو مُضارِعُ تَسَوّى. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: (تَسَوّى) بِفَتْحِ التّاءِ وتَخْفِيفِ السِّينِ، وذَلِكَ عَلى حَذْفِ التّاءِ، إذْ أصْلُهُ تَتَسَوّى وهو مُضارِعُ تَسَوّى. فَعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ تَتَسَوّى وتُسَوّى فَتَكُونُ الأرْضُ فاعِلَةً. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ لَوْ تَنْشَقُّ الأرْضُ ويَكُونُونَ فِيها، وتَتَسَوّى هي في نَفْسِها عَلَيْهِمْ. والباءُ بِمَعْنى عَلى. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ لَوْ تُسَوّى هي مَعَهم في أنْ يَكُونُوا تُرابًا كالبَهائِمِ، فَجاءَ اللَّفْظُ عَلى أنَّ الأرْضَ هي المُسَوِّيَةُ مَعَهم، والمَعْنى: إنَّما هو أنَّهم يَسْتَوُونَ مَعَ الأرْضِ. فَفي اللَّفْظِ قَلْبٌ يَخْرُجُ عَلى قَوْلِهِمْ: أدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي. وعَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: تُسَوّى مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، فالمَعْنى أنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ المَعْنَيَيْنِ السّابِقَيْنِ. وقِيلَ: المَعْنى لَوْ يُدْفَنُونَ فَتُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ كَما تُسَوّى بِالمَوْتى، ومَعْنى هَذا القَوْلِ هو مَعْنى القَوْلِ الأوَّلِ. وقِيلَ: المَعْنى لَوْ تُعْدَلُ بِهِمُ الأرْضُ أيْ: يُؤْخَذُ مِنهم ما عَلَيْها فِدْيَةً.

والعامِلُ في ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ﴾، ومَفْعُولُ يَوَدُّ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: تَسْوِيَةَ الأرْضِ بِهِمْ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ. ولَوْ حَرْفٌ لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرِهِ: لَسُرُّوا بِذَلِكَ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ يَوَدُّ عَلَيْهِ. ومَن أجازَ في لَوْ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً مِثْلَ أنْ جَوَّزَ ذَلِكَ هُنا، وكانَتْ إذْ ذاكَ لا جَوابَ لَها، بَلْ تَكُونُ في مَوْضِعِ مَفْعُولِ يَوَدُّ.

* *

﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ مَعْنى هَذِهِ: ودُّوا إذْ فَضَحَتْهم جَوارِحُهم أنَّهم لَمْ يَكْتُمُوا اللَّهَ شِرْكَهم. ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا: أنَّهم لَمّا شَهِدَتْ عَلَيْهِمْ جَوارِحُهم لَمْ يَكْتُمُوا اللَّهَ شَيْئًا. وقالَ الحَسَنُ: القِيامَةُ مَواقِفُ، فَفي مَوْطِنٍ يَعْرِفُونَ سُوءَ أعْمالِهِمْ ويَسْألُونَ أنْ يُرَدُّوا إلى الدُّنْيا، وفي مَوْطِنٍ يَكْتُمُونَ ويَقُولُونَ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] . وقالَ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ: هو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لا يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: وتُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ، والمَعْنى: لا يَقْدِرُونَ عَلى كِتْمانِ الحَدِيثِ لِأنَّهُ ظاهِرٌ عِنْدَ اللَّهِ. وقِيلَ: ودُّوا لَوْ سُوِّيَتْ بِهِمُ الأرْضُ، وأنَّهم لَمْ يَكْتُمُوا اللَّهَ حَدِيثًا. وقِيلَ: لَمْ يَعْتَقِدُوا أنَّهم مُشْرِكُونَ، وإنَّما اعْتَقَدُوا أنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ طاعَةٌ، ذَكَرَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قالَ القاضِي: أخْبَرُوا بِما تَوَهَّمُوا، وكانُوا يَظُنُّونَ أنَّهم لَيْسُوا بِمُشْرِكِينَ، وذَلِكَ لا يُخْرِجُهم أنَّهم قَدْ كَذَّبُوا. وإذا كانَتِ الجُمْلَةُ مُنْدَرِجَةً تَحْتَ يَوَدُّ فَقالَ الجُمْهُورُ: هو قَوْلُهم ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ، وهَذا يَتَعَلَّقُ بِالآخِرَةِ. وقالَ عَطاءٌ: أمْرُ الرَّسُولِ ونَعْتُهُ وبَعْثُهُ، وهَذا مُتَعَلِّقٌ بِالدُّنْيا. انْتَهى ما لُخِّصَّ مِن كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ما مُلَخَّصُهُ: اسْتَأْنَفَ الكَلامَ وأخْبَرَ أنَّهم لا يَكْتُمُونَ حَدِيثًا لِنُطْقِ جَوارِحِهِمْ بِذَلِكَ كُلِّهِ حَتّى يَقُولَ بَعْضُهم: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: كَذَبْتُمْ، ثُمَّ تَنْطِقُ جَوارِحُهم فَلا تَكْتُمُ حَدِيثًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَتْ طائِفَةٌ مِثْلَهُ: إلّا أنَّها قالَتِ: اسْتَأْنَفَ لِيُخْبِرَ أنَّ الكَتْمَ لا يَنْفَعُ وإنْ كَتَمُوا لَعَلِمَ اللَّهُ جَمِيعَ أسْرارِهِمْ، فالمَعْنى: لَيْسَ ذَلِكَ المَقامُ الهائِلُ مَقامًا يَنْفَعُ فِيهِ الكَتْمُ. والفَرْقُ بَيْنَ هَذا والأوَّلِ، أنَّ الأوَّلَ يَقْتَضِي أنَّ الكَتْمَ لا يَقَعُ بِوَجْهٍ، والآخَرُ يَقْتَضِي أنَّ الكَتْمَ لا يَنْفَعُ وقَعَ أوْ لَمْ يَقَعْ، كَما تَقُولُ: هَذا مَجْلِسٌ لا يُقالُ فِيهِ باطِلٌ، وأنْتَ تُرِيدُ أنَّهُ لا يَنْفَعُ فِيهِ ولا يَسْتَمِعُ إلَيْهِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: الكَلامُ كُلُّهُ مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: ويَوَدُّونَ أنَّهم لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا. ووَدُّهم (p-٢٥٤)ذَلِكَ إنَّما هو نَدَمٌ عَلى كَذِبِهِمْ حِينَ قالُوا: واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ. وقالَتْ طائِفَةٌ: هي مَواطِنُ وفِرَقٌ انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَقْدِرُونَ عَلى كِتْمانِهِ، لِأنَّ جَوارِحَهم تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ.

وقِيلَ: الواوُ لِلْحالِ يَوَدُّونَ أنْ يُدْفَنُوا تَحْتَ الأرْضِ، وأنَّهم لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا، ولا يَكْذِبُونَ في قَوْلِهِمْ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] . لِأنَّهم إذا قالُوا ذَلِكَ وجَحَدُوا شِرْكَهم، خَتَمَ اللَّهُ عَلى أفْواهِهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ وتَكَلَّمَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِتَكْذِيبِهِمْ، والشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ بِالشِّرْكِ. فَلِشِدَّةِ الأمْرِ عَلَيْهِمْ يَتَمَنَّوْنَ أنْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ انْتَهى. والَّذِي يَتَلَخَّصُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ أنَّ الواوَ في قَوْلِهِ: ولا يَكْتُمُونَ إمّا أنْ تَكُونَ لِلْحالِ، أوْ لِلْعَطْفِ فَإنْ كانَتْ لِلْحالِ كانَ المَعْنى: أنَّهم يَوْمَ القِيامَةِ يَوَدُّونَ إنْ كانُوا ماتُوا وسُوِّيَتْ بِهِمُ الأرْضُ، غَيْرَ كاتِمِينَ اللَّهَ حَدِيثًا، فَهي حالٌ مِن بِهِمْ، والعامِلُ فِيها تُسَوّى. وهَذِهِ الحالُ عَلى جَعْلِ لَوْ مَصْدَرِيَّةً بِمَعْنى أنْ، ويَصِحُّ أيْضًا الحالُ عَلى جَعْلِ (لَوْ) حَرْفًا لِما سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، أيْ: لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ غَيْرَ كاتِمِينَ اللَّهَ حَدِيثًا لَكانَ بُغْيَتَهَمْ وطِلْبَتَهم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، والعامِلُ يَوَدُّ عَلى تَقْدِيرِ أنْ تَكُونَ لَوْ مَصْدَرِيَّةً أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ كانُوا سُوِّيَتْ بِهِمُ الأرْضُ غَيْرَ كاتِمِينَ، وتَكُونُ هَذِهِ الحالُ قَيْدًا في الوِدادَةِ. أيْ تَقَعُ الوِدادَةُ مِنهم لِما ذُكِرَ في حالِ انْتِفاءِ الكِتْمانِ، وهي حالَةُ إقْرارِهِمْ بِما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ، ويَكُونُ إقْرارُهم في مَوْطِنٍ دُونَ مَوْطِنٍ، إذْ قَدْ ورَدَ أنَّهم يَكْتُمُونَ، ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ حالًا عَلى هَذا الوَجْهِ. ولَوْ حَرْفٌ لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ لِلْفَصْلِ بَيْنَ الحالِ، وعامِلِها بِالجُمْلَةِ. وإنْ كانَتِ الواوُ في: ولا يَكْتُمُونَ، لِلْعَطْفِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ، ومِن عَطْفِ الجُمَلِ. فَإنْ كانَتْ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ كانَ ذَلِكَ مَعْطُوفًا عَلى مَفْعُولِ يَوَدُّ أيْ: يَوَدُّونَ تَسْوِيَةَ الأرْضِ بِهِمْ وانْتِفاءَ الكِتْمانِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ انْتِفاءُ الكِتْمانِ في الدُّنْيا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ، وهو قَوْلُهم: واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ. ويَبْعُدُ جِدًّا أنْ يَكُونَ عُطِفَ عَلى مَفْعُولِ يَوَدُّ المَحْذُوفِ، ولَوْ حَرْفٌ لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ. وإنْ كانَتْ مِن عَطْفِ الجُمَلِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى يَوَدُّ، أيْ: يَوَدُّونَ كَذا ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا، فَأخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِخَبْرَيْنِ الوِدادَةِ وانْتِفاءِ الكِتْمانِ، ويَكُونُ انْتِفاءُ الكِتْمانِ في بَعْضِ مَواقِفِ القِيامَةِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولُ يَوَدُّ مَحْذُوفًا كَما قَرَّرْناهُ، ولَوْ حَرْفٌ لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، وجَوابُها مَحْذُوفٌ كَما تَقَدَّمَ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ولا يَكْتُمُونَ مَعْطُوفَةٌ عَلى لَوْ ومُقْتَضِيَتُها، ويَكُونُ تَعالى قَدْ أخْبَرَ بِثَلاثِ جُمَلٍ: جُمْلَةِ الوِدادَةِ، والجُمْلَةِ التَّعْلِيقِيَّةِ مِن لَوْ وجَوابِها، وجُمْلَةِ انْتِفاءِ الكِتْمانِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском