Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:43–45, continued
وظاهِرُ الكَلامِ: أنَّ التَّيَمُّمَ مَسْحُ الوَجْهِ واليَدَيْنِ مِنَ الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ، فَمَتى حَصَلَتْ هَذِهِ الكَيْفِيَّةُ حَصَلَ التَّيَمُّمُ. والعَطْفُ بِالواوِ لا يَقْتَضِي تَرْتِيبًا بَيْنَ الوَجْهِ واليَدَيْنِ (p-٢٦٠)والباءُ في ﴿بِوُجُوهِكُمْ﴾ مِمّا يُعَدّى بِها الفِعْلُ تارَةً، وتارَةً بِنَفْسِهِ. حَكى سِيبَوَيْهِ: مَسَحْتُ رَأْسَهُ وبِرَأْسِهِ، وخَشَنْتُ صَدْرَهُ وبِصَدْرِهِ عَلى مَعْنًى واحِدٍ. وظاهِرُ مَسْحِ الوَجْهِ التَّعْمِيمُ، فَيَمْسَحُهُ جَمِيعَهُ كَما يَغْسِلُهُ بِالماءِ جَمِيعَهُ. وأجازَ بَعْضُهم ألّا يَتَتَبَّعَ الغُضُونَ. وأمّا اليَدانِ فَظاهِرُ مَسْحِهِما تَعْمِيمُ مَدْلُولِهِما، وهي تَنْطَلِقُ لُغَةً إلى المَناكِبِ، وبِهِ قالَ ابْنُ شِهابٍ، قالَ: يَمْسَحُ إلى الآباطِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وفي سُنَنِ أبِي داوُدَ: (أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَسَحَ إلى أنْصافِ ذِراعَيْهِ) قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِهَذا الحَدِيثِ فِيما حَفِظْتُ. انْتَهى. وذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ، وأصْحابُهُما، والثَّوْرِيُّ، وابْنُ أبِي سَلَمَةَ، واللَّيْثُ: أنَّهُ يَمْسَحُ إلى بُلُوغِ المِرْفَقَيْنِ فَرْضًا واجِبًا، وهو قَوْلُ جابِرٍ، وابْنِ عُمَرَ، والحَسَنِ، وإبْراهِيمَ. وذَهَبَ طائِفَةٌ إلى أنَّهُ يَبْلُغُ بِهِ إلى الكُوعَيْنِ وهُما الرُّسْغانِ، وهو قَوْلُ عَلِيٍّ، وعَطاءٍ، والشَّعْبِيِّ، ومَكْحُولٍ، والأوْزاعِيِّ، وأحْمَدَ، وإسْحاقَ، وداوُدَ بْنِ عَلِيٍّ، والطَّبَرِيِّ، والشّافِعِيِّ في القَدِيمِ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ. وذَهَبَ الشَّعْبِيُّ إلى أنَّهُ يَمْسَحُ كَفَّيْهِ فَقَطْ، وبِهِ قالَ بَعْضُ فُقَهاءِ الحَدِيثِ، وهو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُذْهَبَ إلَيْهِ لِصِحَّتِهِ في الحَدِيثِ. فَفي مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عَمّارٍ (إنَّما كانَ يَكْفِيكَ أنْ تَضْرِبَ بِيَدِكَ الأرْضَ ثُمَّ تَنْفُخَ وتَمْسَحَ بِها وجْهَكَ وكَفَّيْكَ) وعَنْهُ في هَذا الحَدِيثِ: (وضَرَبَ بِيَدِهِ الأرْضَ فَنَفَضَ يَدَيْهِ، فَمَسَحَ وجْهَهُ وكَفَّيْهِ)، ولِلْبُخارِيِّ: (أدْناهُما مِن فِيهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِما وجْهَهُ وكَفَّيْهِ) وفي مُسْلِمٍ أيْضًا: (أما يَكْفِيكَ أنْ تَقُولَ بِيَدِكَ هَكَذا، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ الأرْضَ ضَرْبَةً واحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمالَ عَلى اليَمِينِ وظاهِرَ كَفَّيْهِ ووَجْهَهُ) وعِنْدَ أبِي داوُدَ (فَضَرَبَ بِيَدِهِ الأرْضَ فَقَبَضَها، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمالِهِ عَلى يَمِينِهِ وبِيَمِينِهِ عَلى شِمالِهِ عَلى الكَفَّيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ وجْهَهُ) . فَهَذِهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ مُبِيِّنَةٌ ما تَطَرَّقَ إلَيْهِ الِاحْتِمالُ في الآيَةِ مِن مَحَلِّ المَسْحِ وكَيْفِيَّتِهِ. وظاهِرُ هَذِهِ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى الِاجْتِزاءِ بِضَرْبَةٍ واحِدَةٍ لِلْوَجْهِ واليَدَيْنِ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ والشَّعْبِيِّ في رِوايَةٍ، والأوْزاعِيِّ في الأشْهَرِ عَنْهُ، وأحْمَدَ وإسْحاقَ وداوُدَ والطَّبَرِيِّ. وذَهَبَ مالِكٌ في المُدَوَّنَةِ، والأوْزاعِيُّ في رِوايَةٍ، وأبُو حَنِيفَةَ والشّافِعِيُّ وأصْحابُهم، والثَّوْرِيُّ، واللَّيْثُ، وابْنُ أبِي سَلَمَةَ: إلى وُجُوبِ ضَرْبَتَيْنِ: ضَرْبَةٍ لِلْوَجْهِ، وضَرْبَةٍ لِلْيَدَيْنِ، وذَهَبَ ابْنُ أبِي لَيْلى والحَسَنُ إلى أنَّهُ ضَرْبَتانِ، ويَمْسَحُ بِكُلِّ ضَرْبَةٍ مِنهُما وجْهَهُ وذِراعَيْهِ ومِرْفَقَيْهِ، ولَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ أحَدٌ مِن أهْلِ العِلْمِ غَيْرَهُما. وأحْكامُ التَّيَمُّمِ ومَسائِلُهُ كَثِيرَةٌ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ، ولَمْ يُذْكَرْ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنهُ، وذُكِرَ ذَلِكَ في المائِدَةِ، فَدَلَّتْ عَلى مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ في نَقْلِ شَيْءٍ مِنَ المَمْسُوحِ بِهِ إلى الوَجْهِ والكَفَّيْنِ، وحُمِلَ هَذا المُطْلَقُ عَلى ذَلِكَ المُقَيَّدِ، ولِذَلِكَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: فَما تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ﴾ [المائدة: ٦] أيْ بَعْضَهُ وهَذا لا يَتَأتّى في الصَّخْرِ الَّذِي لا تُرابَ عَلَيْهِ ؟ قُلْتُ: قالُوا: إنَّها - أيْ: مِن - لِابْتِداءِ الغايَةِ. فَإنْ قُلْتَ: قَوْلُهم إنَّها لِابْتِداءِ الغايَةِ قَوْلٌ مُتَعَسِّفٌ، ولا يَفْهَمُ أحَدٌ مِنَ العَرَبِ مِن قَوْلِ القائِلِ: مَسَحْتُ بِرَأْسِهِ مِنَ الدُّهْنِ، ومِنَ الماءِ، ومِنَ التُّرابِ - إلّا مَعْنى التَّبْعِيضِ؛ قُلْتُ: هو كَما تَقُولُ، والإذْعانُ لِلْحَقِّ أحَقُّ مِنَ المِراءِ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ كِنايَةٌ عَنِ التَّرْخِيصِ والتَّيْسِيرِ، لِأنَّ مَن كانَتْ عادَتُهُ أنْ يَعْفُوَ عَنِ الخَطّائِينَ ويَغْفِرَ لَهم، آثَرَ أنْ يَكُونَ مُيَسِّرًا غَيْرَ مُعَسِّرٍ انْتَهى كَلامُهُ. والعَجَبُ مِنهُ إذْ أذَعْنَ إلى الحَقِّ، ولَيْسَ مَن عادَتِهِ، بَلْ عادَتُهُ أنْ يُحَرِّفَ الكَلامَ عَنْ ظاهِرِهِ ويَحْمِلَهُ عَلى غَيْرِ مَحْمَلِهِ لِأجْلِ ما تَقَرَّرَ مِن مَذْهَبِهِ. وأيْضًا فَكَلامُهُ أخِيرًا حَيْثُ أطْلَقَ أنَّ اللَّهَ يَعْفُو عَنِ الخَطّائِينَ ويَغْفِرُ لَهم، العَجَبُ لَهُ إذْ لَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِالتَّوْبَةِ عَلى مَذْهَبِهِ وعادَتِهِ فِيما هو يُشْبِهُ هَذا الكَلامَ.
4:44–45Page 85
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يَشۡتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ ٤٤
Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, purchasing error [in exchange for it] and wishing you would lose the way?
وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِأَعۡدَآئِكُمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّٗا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرٗا ٤٥
And Allāh is most knowing of your enemies; and sufficient is Allāh as an ally, and sufficient is Allāh as a helper.
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ. وفي رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في رِفاعَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ. وقِيلَ: في غَيْرِهِ مِنَ اليَهُودِ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ شَيْئًا مِن أحْوالِ (p-٢٦١)الآخِرَةِ، وأنَّ الكُفّارَ إذْ ذاكَ يَوَدُّونَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا، وجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ كالِاعْتِراضِ بَيْنَ ذِكْرِ أحْوالِ الكُفّارِ في الآخِرَةِ، وذِكْرِ أحْوالِهِمْ في الدُّنْيا وما هم عَلَيْهِ مِن مُعاداةِ المُؤْمِنِينَ، وكَيْفَ يُعامِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الَّذِي يَأْتِي شَهِيدًا عَلَيْهِمْ وعَلى غَيْرِهِمْ. ولَمّا كانَ اليَهُودُ أشَدَّ إنْكارًا لِلْحَقِّ، وأبْعَدَ مِن قَبُولِ الخَيْرِ. وكانَ قَدْ تَقَدَّمَ أيْضًا ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ ويَكْتُمُونَ﴾ [النساء: ٣٧]، وهم أشَدُّ النّاسِ تَحَلِّيًا بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، أخَذَ يُذَكِّرُهم بِخُصُوصِيَّتِهِمْ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ﴾ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ.
والنَّصِيبُ: الحَظُّ. ومِنَ الكِتابِ: يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِـ ﴿أُوتُوا﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَ نَصِيبًا. وظاهِرُ لَفْظِ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا﴾ يَشْمَلُ اليَهُودَ والنَّصارى، ويَكُونُ الكِتابُ عِبارَةً عَنِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. وقِيلَ: الكِتابُ هُنا التَّوْراةُ، والنَّصِيبُ قِيلَ: بَعْضُ عِلْمِ التَّوْراةِ، لا العَمَلِ بِما فِيها. وقِيلَ: عِلْمُ ما هو حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ مِنهُ فَحَسْبُ. وقِيلَ: كُفْرُهم بِهِ. وقِيلَ: عِلْمُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ.
﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ المَعْنى: يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ بِالهُدى، كَما قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اسْتَبْدَلُوا الضَّلالَةَ بِالإيمانِ. وقالَ مُقاتِلٌ: اسْتَبْدَلُوا التَّكْذِيبَ بِالنَّبِيِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ بِإيمانِهِمْ بِهِ قَبْلَ ظُهُورِهِ واسْتِنْصارِهِمْ بِهِ انْتَهى. ودَلَّ لَفْظُ الِاشْتِراءِ عَلى إيثارِ الضَّلالَةِ عَلى الهُدى، فَصارَ ذَلِكَ بَغْيًا شَدِيدًا عَلَيْهِمْ، وتَوْبِيخًا فاضِحًا لَهم، حَيْثُ هم عِنْدَهم حَظٌّ مِن عِلْمِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، ومَعَ ذَلِكَ آثَرُوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ. وكِتابُهم طافِحٌ بِوُجُوبِ اتِّباعِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. وقِيلَ: اشْتِراءُ الضَّلالَةِ هُنا هو ما كانُوا يَبْذُلُونَ مِن أمْوالِهِمْ لِأحْبارِهِمْ عَلى تَثْبِيتِ دِينِهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ أيْ: لَمْ يَكْفِهِمْ أنْ ضَلُّوا في أنْفُسِهِمْ حَتّى تَعَلَّقَتْ آمالُهم بِضَلالِكم أنْتُمْ أيُّها المُؤْمِنُونَ عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ، لِأنَّهم لَمّا عَلِمُوا أنَّهم قَدْ خَرَجُوا مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ كَرِهُوا أنْ يَكُونَ المُؤْمِنُونَ مُخْتَصِّينَ بِاتِّباعِ الحَقِّ، فَأرادُوا أنْ يَضِلُّوا كَما ضَلُّوا هم كَما قالَ تَعالى: ﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ [النساء: ٨٩] وقَرَأ النَّخَعِيُّ: وتُرِيدُونَ بِالتّاءِ بِاثْنَتَيْنِ مِن فَوْقُ، قِيلَ: مَعْناهُ وتُرِيدُونَ أيُّها المُؤْمِنُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ أيْ: تَدَّعُونَ الصَّوابَ في اجْتِنابِهِمْ، وتَحْسَبُونَهم غَيْرَ أعْداءِ اللَّهِ. وقُرِئَ: أنْ يَضِلُّوا بِالياءِ وفَتْحِ الضّادِ وكَسْرِها.
﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكُمْ﴾ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى الوَصْفِ المُنافِي لِوِدادِ الخَيْرِ لِلْمُؤْمِنِينَ وهي العَداوَةُ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى التَّحْذِيرِ مِنهم، وتَوْبِيخٌ عَلى الِاسْتِنامَةِ إلَيْهِمْ والرُّكُونِ، والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى قَدْ أخْبَرَ بِعَداوَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَيَجِبُ حَذَرُهم كَما قالَ تَعالى: ﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤] و(أعْلَمُ) عَلى بابِها مِنَ التَّفْضِيلِ، أيْ: أعْلَمُ بِأعْدائِكم مِنكم. وقِيلَ: بِمَعْنى عَلِيمٍ، أيْ: عَلِيمٌ بِأعْدائِكم.
﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ ومَن كانَ اللَّهُ ولَيَّهُ ونَصِيرَهُ فَلا يُبالِي بِالأعْداءِ، فَثِقُوا بِوِلايَتِهِ ونُصْرَتِهِ دُونَهم أوْ لا تُبالُوا بِهِمْ، فَإنَّهُ يَنْصُرُكم عَلَيْهِمْ، ويَكْفِيكم مَكْرَهم. وقِيلَ: المَعْنى ولِيًّا لِرَسُولِهِ، نَصِيرًا لِدِينِهِ.
والباءُ في (بِاللَّهِ) زائِدَةٌ، ويَجُوزُ حَذْفُها كَما قالَ: سُحَيْمٌ:
؎كَفى الشَّيْبُ والإسْلامُ لِلْمَرْءِ ناهِيًا
وزِيادَتُها في فاعِلِ كَفى وفاعِلِ يَكْفِي مُطَّرِدَةٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] وقالَ الزَّجّاجُ: دَخَلَتِ الباءُ في الفاعِلِ، لِأنَّ مَعْنى الكَلامِ الأمْرُ، أيِ: اكْتَفُوا بِاللَّهِ. وكَلامُ الزَّجّاجِ مُشْعِرٌ أنَّ الباءَ لَيْسَتْ بِزائِدَةٍ، ولا يَصِحُّ ما قالَ مِنَ المَعْنى، لِأنَّ الأمْرَ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ فاعِلُهُ هُمُ المُخاطِبُونَ، ويَكُونُ (بِاللَّهِ) مُتَعَلِّقًا بِهِ. وكَوْنُ الباءِ دَخَلَتْ في الفاعِلِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ الفاعِلُ هو اللَّهُ لا المُخاطَبُونَ، فَتُناقِضُ قَوْلَهُ. وقالَ ابْنُ السَّرّاجِ: مَعْناهُ كَفى الِاكْتِفاءُ بِاللَّهِ، وهَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى أنَّ الباءَ لَيْسَتْ زائِدَةً إذْ تَتَعَلَّقُ بِالِاكْتِفاءِ، فالِاكْتِفاءُ هو الفاعِلُ لِكَفى. وهَذا أيْضًا لا يَصِحُّ لِأنَّ فِيهِ حَذْفَ المَصْدَرِ وهو مَوْصُولٌ، وإبْقاءَ مَعْمُولِهِ (p-٢٦٢)وهُوَ لا يَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎هَلْ تَذْكُرُنَّ إلى الدِّيرَيْنِ هِجْرَتَكم ∗∗∗ ومَسْحَكم صُلْبَكم رَحْمانَ قُرْبانا
التَّقْدِيرُ: وقَوْلُكم يا رَحْمَنُ قُرْبانا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِاللَّهِ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِتَقْدِيرِ زِيادَةِ الخافِضِ، وفائِدَةُ زِيادَتِهِ تَبْيِينُ مَعْنى الأمْرِ في صُورَةِ الخَبَرِ، أيِ: اكْتَفَوْا بِاللَّهِ، فالباءُ تَدُلُّ عَلى المُرادِ مِن ذَلِكَ. وهَذا الَّذِي قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ مُلَفَّقٌ بَعْضُهُ مِن كَلامِ الزَّجّاجِ، وهو أفْسَدُ مِن قَوْلِ الزَّجّاجِ، لِأنَّهُ زادَ عَلى تَناقُضِ اخْتِلافِ الفاعِلِ اخْتِلافَ مَعْنى الحَرْفِ، إذْ بِالنِّسْبَةِ لِكَوْنِ اللَّهِ فاعِلًا هو زائِدٌ، وبِالنِّسْبَةِ إلى أنَّ مَعْناهُ اكْتَفُوا بِاللَّهِ هو غَيْرُ زائِدٍ. وقالَ ابْنُ عِيسى: إنَّما دَخَلَتِ الباءُ في (كَفى بِاللَّهِ) لِأنَّهُ كانَ يَتَّصِلُ الفاعِلُ، وبِدُخُولِ الباءِ اتَّصَلَ اتِّصالَ المُضافِ واتِّصالَ الفاعِلِ، لِأنَّ الكِفايَةَ مِنهُ لَيْسَتْ كالكِفايَةِ مِن غَيْرِهِ، فَضُوعِفَ لَفْظُها المُضاعَفَةَ مَعْناها، وهو كَلامٌ يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى كَفى بِاللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٦] لَكِنْ تَكَرَّرَ هُنا لِما تَضَمَّنَ مِن مَزِيدِ نُقُولٍ ورَدَ بَعْضُها. وانْتِصابُ ولِيًّا ونَصِيرًا قِيلَ: عَلى الحالِ. وقِيلَ: عَلى التَّمْيِيزِ، وهو أجْوَدُ لِجَوازِ دُخُولِ مِن.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences