Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:46–47
4:46Page 86
مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَٱسۡمَعۡ غَيۡرَ مُسۡمَعٖ وَرَٰعِنَا لَيَّۢا بِأَلۡسِنَتِهِمۡ وَطَعۡنٗا فِي ٱلدِّينِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَا وَٱسۡمَعۡ وَٱنظُرۡنَا لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَقۡوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ٤٦
Among the Jews are those who distort words from their [proper] places [i.e., usages] and say, "We hear and disobey" and "Hear but be not heard" and "Rāʿinā,"1 twisting their tongues and defaming the religion. And if they had said [instead], "We hear and obey" and "Wait for us [to understand]," it would have been better for them and more suitable. But Allāh has cursed them for their disbelief, so they believe not, except for a few.2
﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ ظاهِرُهُ الِانْقِطاعُ في الإعْرابِ عَنْ ما قَبْلَهُ، فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مَوْصُوفٍ هو مُبْتَدَأٌ، ومِنَ الَّذِينَ خَبَرُهُ، والتَّقْدِيرُ: مِنَ الَّذِينَ هادُوا قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ، وهَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وأبِي عَلِيٍّ، وحَذْفُ المَوْصُوفِ بَعْدَ (مِن) - جائِزٌ، وإنْ كانَتِ الصِّفَةُ فِعْلًا كَقَوْلِهِمْ: مِنّا ظَعَنَ، ومِنّا أقامَ أيْ: مِنّا نَفَرٌ ظَعَنَ، ومِنّا نَفَرٌ أقامَ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎وما الدَّهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنهُما أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ
يُرِيدُ: فَمِنهُما تارَةً أمُوتُ فِيها. وخَرَّجَهُ الفَرّاءُ عَلى إضْمارِ مَنِ المَوْصُولَةِ أيْ: مِنَ الَّذِينَ هادُوا مَن يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ، وهَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا يَجُوزُ. وتَأوَّلُوا ما جاءَ مِمّا يُشْبِهُ هَذا عَلى أنَّهُ مِن حَذْفِ المَوْصُوفِ وإقامَةِ الصِّفَةِ مَقامَهُ، قالَ الفَرّاءُ: ومِثْلُهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎فَظَلُّوا ومِنهم دَمْعُهُ سابِقٌ لَها ∗∗∗ وآخَرُ يُثْنِي دَمْعَةَ العَيْنِ بِاليَدِ
وهَذا لا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ المَحْذُوفُ مَوْصُولًا، بَلْ يَتَرَجَّحُ أنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا لِعَطْفِ النَّكِرَةِ عَلَيْهِ وهو آخَرُ، إذْ يَكُونُ التَّقْدِيرُ: فَظَلُّوا ومِنهم عاشِقٌ دَمْعُهُ سابِقٌ لَها. وقِيلَ: هو عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، التَّقْدِيرُ: هم مِنَ الَّذِينَ هادُوا، ويُحَرِّفُونَ حالٌ مِن ضَمِيرِ هادُوا، ومِنَ الَّذِينَ هادُوا مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ، فَقِيلَ: بِـ نَصِيرًا أيْ نَصِيرًا مِنَ الَّذِينَ هادُوا وعَدّاهُ بِـ (مِن) كَما عَدّاهُ في: ﴿ونَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٧] و﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٢٩] أيْ: (ومَنَعْناهُ) و(فَمَن يَمْنَعُنا) . وقِيلَ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ: بِأعْدائِكم، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الفاعِلِ في يُرِيدُونَ، قالَهُ أبُو البَقاءِ. قالَ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في أُوتُوا لِأنَّ شَيْئًا واحِدًا لا يَكُونُ لَهُ أكْثَرُ مِن حالٍ واحِدَةٍ، إلّا أنْ يَعْطِفَ بَعْضَ الأحْوالِ عَلى بَعْضٍ، ولا يَكُونُ حالًا مِنَ الَّذِينَ لِهَذا المَعْنى انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ ذا الحالِ إذا لَمْ يَكُنْ مُتَعَدِّدًا لا يَقْتَضِي أكْثَرَ مِن حالٍ واحِدَةٍ - مَسْألَةُ خِلافٍ، فَمِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن أجازَ ذَلِكَ. وقِيلَ: مِنَ الَّذِينَ هادُوا بَيانُ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ [النساء: ٤٤] لِأنَّهم يَهُودُ ونَصارى، وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكُمْ﴾ [النساء: ٤٥] ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ [النساء: ٤٥] ﴿وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥] جُمَلٌ تَوَسَّطَتْ بَيْنَ البَيانِ والمُبَيَّنِ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِراضِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وبَدَأ بِهِ. ويُضَعِّفُهُ أنَّ هَذِهِ جُمَلٌ ثَلاثٌ، وإذا كانَ الفارِسِيُّ قَدْ مَنَعَ أنْ يُعْتَرَضَ بِجُمْلَتَيْنِ، فَأحْرى أنْ يُمْنَعَ أنْ يُعْتَرَضَ بِثَلاثٍ.
﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾ أيْ: كَلِمَ التَّوْراةِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، أوْ كَلِمَ القُرْآنِ، وهو قَوْلُ طائِفَةٍ، أوْ كَلِمَ الرَّسُولِ ﷺ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ: كانَ اليَهُودُ يَأْتُونَ النَّبِيَّ ﷺ ويَسْألُونَهُ عَنِ الأمْرِ فَيُخْبِرُهم، ويَرى (p-٢٦٣)أنَّهم يَأْخُذُونَ بِقَوْلِهِ، فَإذا انْصَرَفُوا مِن عِنْدِهِ حَرَّفُوا الكَلامَ. وكَذا قالَ مَكِّيٌّ: إنَّهُ كَلامُ النَّبِيِّ ﷺ . فَتَحْرِيفُ كَلِمِ التَّوْراةِ بِتَغْيِيرِ اللَّفْظِ، وهو الأقَلُّ لِتَحْرِيفِهِمْ (أسْمَرَ رَبْعَةً) في صِفَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِـ (آدَمَ طُوالٍ) مَكانَهُ، وتَحْرِيفِهِمُ الرَّجْمَ بِالحَدِيدِ لَهُ، وبِتَغْيِيرِ التَّأْوِيلِ، وهو الأكْثَرُ قالَهُ الطَّبَرِيُّ. وكانُوا يَتَأوَّلُونَ التَّوْراةَ بِغَيْرِ التَّأْوِيلِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ مَعانِي ألْفاظِها لِأُمُورٍ يَخْتارُونَها ويَتَوَصَّلُونَ بِها إلى أمْوالِ سِفْلَتِهِمْ، وأنَّ التَّحْرِيفَ في كَلِمِ القُرْآنِ أوْ كَلِمِ الرَّسُولِ فَلا يَكُونُ إلّا في التَّأْوِيلِ.
وقُرِئَ: يُحَرِّفُونَ الكِلْمَ بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ اللّامِ، جَمْعُ كِلْمَةٍ تَخْفِيفِ كَلِمَةٍ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ وأبُو رَجاءٍ: يُحَرِّفُونَ الكَلامَ، وجاءَ هُنا ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾ . وفي المائِدَةِ جاءَ: ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣] وجاءَ ﴿مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أمّا ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾ فَعَلى ما فَسَّرْنا مِن إزالَتِهِ عَنْ مَواضِعِهِ الَّتِي أوْجَبَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ وضْعَهُ فِيها بِما اقْتَضَتْ شَهَواتُهم مِن إبْدالِ غَيْرِهِ مَكانَهُ. وأمّا ﴿مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] فالمَعْنى أنَّهُ كانَتْ لَهُ مَواضِعُ هو قَمِنٌ بَأنْ يَكُونَ فِيها، فَحِينَ حَرَّفُوهُ تَرَكُوهُ كالغَرِيبِ الَّذِي لا مَوْضِعَ لَهُ بَعْدَ مَواضِعِهِ ومَقارِّهِ، والمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُما سِياقانِ، فَحَيْثُ وُصِفُوا بِشِدَّةِ التَّمَرُّدِ والطُّغْيانِ، وإظْهارِ العَداوَةِ، واشْتِرائِهِمُ الضَّلالَةَ، ونَقْضِ المِيثاقِ، جاءَ ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ . ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ وقَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣] فَكَأنَّهم لَمْ يَتْرُكُوا الكَلِمَ مِنَ التَّحْرِيفِ عَنْ ما يُرادُ بِها، ولَمْ تَسْتَقِرَّ في مَواضِعِها، فَيَكُونُ التَّحْرِيفُ بَعْدَ اسْتِقْرارِها، بَلْ بادَرُوا إلى تَحْرِيفِها بِأوَّلِ وهْلَةٍ. وحَيْثُ وُصِفُوا بِبَعْضِ لِينٍ وتَرْدِيدٍ وتَحْكِيمٍ لِلرَّسُولِ في بَعْضِ الأمْرِ، جاءَ﴿مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] . ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٤١] وقَوْلِهِ بَعْدُ: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] فَكَأنَّهم لَمْ يُبادِرُوا بِالتَّحْرِيفِ، بَلْ عَرَضَ لَهُمُ التَّحْرِيفُ بَعْدَ اسْتِقْرارِ الكَلِمِ في مَواضِعِها. وقَدْ يُقالُ أنَّهُما شَيْئانِ، لَكِنَّهُ حَذَفَ هُنا وفي أوَّلِ المائِدَةِ: ﴿مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١]، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾ يَدُلُّ عَلى اسْتِقْرارِ مَواضِعَ لَهُ، وحُذِفَ في ثانِي المائِدَةِ ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣]؛ لِأنَّ التَّحْرِيفَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَحْرِيفٌ عَنْ مَواضِعِهِ، فالأصْلُ ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١] . فَحَذَفَ هُنا البَعْدِيَّةَ، وهُناكَ حَذَفَ عَنْها. كُلُّ ذَلِكَ تَوَسُّعٌ في العِبارَةِ، وكانَتِ البَداءَةُ هُنا بِقَوْلِهِ: عَنْ مَواضِعِهِ، لِأنَّهُ أخْصَرُ. وفِيهِ تَنْصِيصٌ بِاللَّفْظِ عَلى عَنْ، وعَلى المَواضِعِ، وإشارَةٌ إلى البَعْدِيَّةِ.
﴿ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ أيْ: سَمِعْنا قَوْلَكَ، وعَصَيْنا أمْرَكَ، أوْ سَمِعْناهُ جَهْرًا، وعَصَيْناهُ سِرًّا قَوْلانِ. والظّاهِرُ أنَّهم شافَهُوا بِالجُمْلَتَيْنِ النَّبِيَّ ﷺ مُبالَغَةً مِنهم في عُتُوِّهِمْ في الكُفْرِ، وجَرْيًا عَلى عادَتِهِمْ مَعَ الأنْبِياءِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ [البقرة: ٩٣] .
﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ هَذا الكَلامُ غَيْرُ مُوَجَّهٍ، ويَحْتَمِلُ وُجُوهًا. والظّاهِرُ أنَّهم أرادُوا بِهِ الوَجْهَ المَكْرُوهَ لِسِياقِ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: سَمِعْنا وعَصَيْنا، فَيَكُونُ مَعْناهُ: اسْمَعْ لا سَمِعْتَ. دَعَوْا عَلَيْهِ بِالمَوْتِ أوْ بِالصَّمَمِ، وأرادُوا ذَلِكَ في الباطِنِ، وأرادُوا في الظّاهِرِ تَعْظِيمَهُ بِذَلِكَ. إذْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: واسْمَعْ غَيْرَ مَأْمُورٍ وغَيْرَ صالِحٍ أنْ تَسْمَعَ مَأْمُورًا بِذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوِ اسْمَعْ غَيْرَ مُجابٍ إلى ما تَدْعُو إلَيْهِ ومَعْناهُ: غَيْرَ مُسْمَعٍ جَوابًا يُوافِقُكَ، فَكَأنَّكَ لَمْ تَسْمَعْ شَيْئًا انْتَهى، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوِ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ كَلامًا تَرْضاهُ، فَسَمْعُكَ عَنْهُ نابٍ. ويَجُوزُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ غَيْرُ مَسْمَعٍ مَفْعُولَ اسْمَعْ، أيِ: اسْمَعْ كَلامًا غَيْرَ مُسْمَعٍ إيّاكَ، لِأنَّ أُذُنَكَ لا تَعِيهِ نُبُوًّا عَنْهُ. ويُحْتَمَلُ المَدْحُ أيِ: اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ مَكْرُوهًا مِن قَوْلِكَ: أسْمَعَ فُلانٌ فُلانًا إذا سَبَّهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَن قالَ: غَيْرَ مُسْمَعٍ غَيْرَ مَقْبُولٍ مِنكَ، فَإنَّهُ لا يُساعِدُهُ التَّصْرِيفُ، وقَدْ حَكاهُ الطَّبَرِيُّ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ انْتَهى. ووَجْهُ أنَّ التَّصْرِيفَ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ هو (p-٢٦٤)أنَّ العَرَبَ لا تَقُولُ أسْمَعْتُكَ بِمَعْنى قَبِلْتُ مِنكَ، وإنَّما تَقُولُ: سَمِعْتُ مِنكَ بِمَعْنى قَبِلْتُ، فَيُعَبِّرُونَ عَنِ القَبُولِ بِالسَّماعِ عَلى جِهَةِ المَجازِ، لا بِالأسْماعِ. ولَوْ أُرِيدَ ما قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ لَكانَ اللَّفْظُ: واسْمَعْ غَيْرَ مَسْمُوعٍ مِنكَ.
﴿وراعِنا لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ وطَعْنًا في الدِّينِ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ راعِنا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا﴾ [البقرة: ١٠٤] ومَعْنى ﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ أيْ فَتْلًا بِها. وتَحْرِيفًا عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ حَيْثُ يَضَعُونَ راعِنا مَكانَ انْظُرْنا، وغَيْرَ مُسْمَعٍ مَكانَ لا أُسْمِعْتَ مَكْرُوهًا. أوْ يَفْتِلُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما يُضْمِرُونَهُ مِنَ الشَّتْمِ إلى ما يُظْهِرُونَهُ مِنَ التَّوْقِيرِ نِفاقًا. وانْتِصابُ ﴿غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ عَلى الحالِ مِنَ المُضْمَرِ في اسْمَعْ، وتَقَدَّمَ إعْرابُ الزَّمَخْشَرِيِّ إيّاهُ مَفْعُولًا في أحَدِ التَّقادِيرِ، وانْتِصابُ لَيًّا وطَعْنًا عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ. وقِيلَ: هُما مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ: لاوِينَ وطاعِنِينَ. ومَعْنى: وطَعْنًا في الدِّينِ، أيْ بِاللِّسانِ. وطَعْنُهم فِيهِ إنْكارُ نُبُوَّتِهِ، وتَغْيِيرُ نَعْتِهِ، أوْ عَيْبُ أحْكامِ شَرِيعَتِهِ، أوْ تَجْهِيلُهُ. وقَوْلُهم: لَوْ كانَ نَبِيًّا لَدَرى أنّا نَسُبُّهُ، أوِ اسْتِخْفافُهم واعْتِراضُهم وتَشْكِيكُهُمُ أتْباعَهُ أقْوالٌ أرْبَعَةٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا اللَّيُّ بِاللِّسانِ إلى خِلافِ ما في القَلْبِ مَوْجُودٌ حَتّى الآنَ في بَنِي إسْرائِيلَ، ويُحْفَظُ مِنهُ في عَصْرِنا أمْثِلَةٌ، إلّا أنَّهُ لا يَلِيقُ ذِكْرُها بِهَذا الكِتابِ. انْتَهى. وهو يُحْكى عَنْ يَهُودِ الأنْدَلُسِ، وقَدْ شاهَدْناهم وشاهَدْنا يَهُودَ دِيارِ مِصْرَ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وكَأنَّهم يُرَبُّونَ أوْلادَهُمُ الصِّغارَ عَلى ذَلِكَ، ويُحَفِّظُونَهم ما يُخاطِبُونَ بِهِ المُسْلِمِينَ مِمّا ظاهِرُهُ التَّوْقِيرُ ويُرِيدُونَ بِهِ التَّحْقِيرَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جاءُوا بِالقَوْلِ المُحْتَمِلِ ذِي الوَجْهَيْنِ، بَعْدَما صَرَّحُوا وقالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا ؟ قُلْتُ: جَمِيعُ الكَفَرَةِ كانُوا يُواجِهُونَهُ بِالكُفْرِ والعِصْيانِ، ولا يُواجِهُونَهُ بِالسَّبِّ ودُعاءِ السُّوءِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَقُولُوهُ فِيما بَيْنَهم، ويَجُوزُ أنْ لا يَنْطِقُوا بِذَلِكَ، ولَكِنَّهم لَمّا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ جَعَلُوا كَأنَّهم نَطَقُوا بِهِ.
﴿ولَوْ أنَّهم قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا واسْمَعْ وانْظُرْنا لَكانَ خَيْرًا لَهم وأقْوَمَ﴾ أيْ: لَوْ تَبَدَّلُوا بِالعِصْيانِ الطّاعَةَ، ومِنَ الطّاعَةِ الإيمانُ بِكَ، واقْتَصَرُوا عَلى لَفْظِ اسْمَعْ، وتَبَدَّلُوا بِراعِنا قَوْلَهم: وانْظُرْنا، فَعَدَلُوا عَنِ الألْفاظِ الدّالَّةِ عَلى عَدَمِ الِانْقِيادِ، والمُوهِمَةِ إلى ما أُمِرُوا بِهِ، لَكانَ أيْ: ذَلِكَ القَوْلُ، خَيْرًا لَهم عِنْدَ اللَّهِ وأعْدَلَ أيْ: أقْوَمُ وأصْوَبُ. قالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما: أنْظِرْنا أيِ انْتَظِرْنا بِمَعْنى أفْهِمْنا وتَمَهَّلْ عَلَيْنا حَتّى نَفْهَمَ عَنْكَ ونَعِيَ قَوْلَكَ، كَما قالَ الحُطَيْئَةُ:
؎وقَدْ نَظَرْتُكُمُ أثْناءَ صادِرَةٍ ∗∗∗ لِلْخَمْسِ طالَ بِها مَسْحِي وإبْساسِي
وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ انْظُرْ إلَيْنا، وكَأنَّهُ اسْتِدْعاءُ اهْتِبالٍ وتَحَفٍّ مِنهم. ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ قَيْسِ الرُّقَيّاتِ:
؎ظاهِراتُ الجَمالِ والحُسْنِ يَنْظُرْ ∗∗∗ نَ كَما تَنْظُرُ الأراكَ الظِّباءُ
وقَرَأ أُبَيٌّ: وأنْظِرْنا مِنَ الإنْظارِ وهو الإمْهالُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: المَعْنى ولَوْ ثَبَتَ قَوْلُهم سَمِعْنا وأطَعْنا لَكانَ قَوْلُهم ذَلِكَ خَيْرًا لَهم وأقْوَمَ وأعْدَلَ وأسَدَّ انْتَهى. فَسَبَكَ مِن أنَّهم قالُوا مَصْدَرًا مُرْتَفِعًا بِثَبْتٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ، وهَذا مَذْهَبُ المُبَرِّدِ خِلافًا لِسِيبَوَيْهِ. إذْ يَرى سِيبَوَيْهِ أنَّ أنْ بَعْدَ لَوْ مَعَ ما عَمِلَتْ فِيهِ مُقَدَّرٌ بِاسْمٍ مُبْتَدَأٍ، وهَلِ الخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أمْ لا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ خَبَرٍ لِجَرَيانِ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ في صِلَةِ أنْ ؟ قَوْلانِ أصَحُّهُما هَذا. فالزَّمَخْشَرِيُّ وافَقَ مَذْهَبَ المُبَرِّدِ، وهو مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ في عِلْمِ النَّحْوِ.
﴿ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ أيْ: أبْعَدَهُمُ اللَّهُ عَنِ الهُدى بِسَبَبِ كُفْرِهِمُ السّابِقِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ خَذَلَهم بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ وأبْعَدَهم عَنْ ألْطافِهِ. انْتَهى. وهَذا عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِيِّ.
﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ اسْتِثْناءٌ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ في لَعَنَهم أيْ: إلّا قَلِيلًا لَمْ يَلْعَنْهم فَآمَنُوا، أوِ اسْتِثْناءٌ مِنَ الفاعِلِ في: فَلا يُؤْمِنُونَ، أيْ: إلّا قَلِيلًا فَآمَنُوا كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وكَعْبِ الأحْبارِ، وغَيْرِهِما. أوْ هو راجِعٌ إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: فَلا يُؤْمِنُونَ أيْ: إلّا إيمانًا قَلِيلًا قَلَّلَهُ إذْ آمَنُوا بِالتَّوْحِيدِ، وكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ (p-٢٦٥)وبِشَرائِعِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إلّا إيمانًا قَلِيلًا أيْ: ضَعِيفًا رَكِيكًا لا يُعْبَأُ بِهِ، وهو إيمانُهم بِمَن خَلَقَهم مَعَ كُفْرِهِمْ بِغَيْرِهِ. وأرادَ بِالقِلَّةِ العَدَمَ كَقَوْلِهِ:
؎قَلِيلُ التَّشَكِّي لِلْهُمُومِ تُصِيبُهُ
أيْ: عَدِيمُ التَّشَكِّي. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَن عَبَّرَ بِالقِلَّةِ عَنِ الإيمانِ قالَ: هي عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِهِ ما حَكى سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: أرْضٌ قَلَّما تُنْبِتُ كَذا، وهي لا تُنْبِتُهُ جُمْلَةً. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ مِن أنَّ التَّقْلِيلَ يُرادُ بِهِ العَدَمُ هو صَحِيحٌ في نَفْسِهِ، لَكِنْ لَيْسَ هَذا التَّرْكِيبُ الِاسْتِثْنائِيُّ مِن تَراكِيبِهِ. فَإذا قُلْتَ: لا أقُومُ إلّا قَلِيلًا، لَمْ يُوضَعْ هَذا لِانْتِقاءِ القِيامِ ألْبَتَّةَ، بَلْ هَذا يَدُلُّ عَلى انْتِفاءِ القِيامِ مِنكَ إلّا قَلِيلًا فَيُوجَدُ مِنكَ. وإذا قُلْتَ: قَلَّما يَقُومُ أحَدٌ إلّا زِيدٌ، وأقَلُّ رَجُلٍ يَقُولُ ذَلِكَ، احْتَمَلَ هَذا أنْ يُرادَ بِهِ التَّقْلِيلُ المُقابِلُ لِلتَّكْثِيرِ، واحْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِهِ النَّفْيُ المَحْضُ. وكَأنَّكَ قُلْتَ: ما يَقُومُ أحَدٌ إلّا زِيدٌ، وما رَجُلٌ يَقُولُ ذَلِكَ. إمّا أنْ تَنْفِيَ ثُمَّ تُوجِبَ ويَصِيرُ الإيجابُ بَعْدَ النَّفْيِ يَدُلُّ عَلى النَّفْيِ، فَلا إذْ تَكُونُ إلّا وما بَعْدَها عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، جِيءَ بِها لَغْوًا لا فائِدَةَ فِيهِ، إذِ الِانْتِفاءُ قَدْ فُهِمَ مِن قَوْلِكِ: لا أقُومُ. فَأيُّ فائِدَةٍ في اسْتِثْناءٍ مُثْبَتٍ يُرادُ بِهِ الِانْتِفاءُ المَفْهُومُ مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، وأيْضًا، فَإنَّهُ يُؤَدِّي إلى أنْ يَكُونَ ما بَعْدَ (إلّا) مُوافِقًا لِما قَبْلَها في المَعْنى. وبابُ الِاسْتِثْناءِ لا يَكُونُ فِيهِ ما بَعْدَ (إلّا) مُوافِقًا لِما قَبْلَها، وظاهِرُ قَوْلِهِ: فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا، إذا جَعَلْناهُ عائِدًا إلى الإيمانِ - أنَّ الإيمانَ يَتَجَزَّأُ بِالقِلَّةِ والكَثْرَةِ، فَيَزِيدُ ويَنْقُصُ، والجَوابُ: أنَّ زِيادَتَهُ ونَقَصَهُ هو بِحَسَبِ قِلَّةِ المُتَعَلِّقاتِ وكَثْرَتِها. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَلاغَةِ والبَدِيعِ. قالُوا: التَّجَوُّزُ بِإطْلاقِ الشَّيْءِ عَلى ما يُقارِبُهُ في المَعْنى في قَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ، أطْلَقَ الظُّلْمَ عَلى انْتِقاصِ الأجْرِ مِن حَيْثُ إنَّ نَقْصَهُ عَنِ المَوْعُودِ بِهِ قَرِيبٌ في المَعْنى مِنَ الظُّلْمِ، والتَّنْبِيهُ بِما هو أدْنى عَلى ما هو أعْلى في قَوْلِهِ: ﴿مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] . والإبْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿يُضاعِفْها﴾ [النساء: ٤٠]، إذْ لَمْ يُبَيِّنْ فِيهِ المُضاعَفَةَ في الأجْرِ. والسُّؤالُ عَنِ المَعْلُومِ لِتَوْبِيخِ السّامِعِ، أوْ تَقْرِيرِهِ لِنَفْسِهِ في: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا﴾ [النساء: ٤١] . والعُدُولُ مِن بِناءٍ إلى بِناءٍ لِمَعْنى في: ﴿بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] . والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في: ﴿وجِئْنا﴾ [النساء: ٤١] وفي: ﴿وجِئْنا﴾ [النساء: ٤١] وفي: ﴿بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] وشَهِيدًا. والتَّجْنِيسُ المُغايِرُ: في ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ . والتَّجَوُّزُ بِإطْلاقِ المَحَلِّ عَلى الحالِّ فِيهِ في: ﴿مِنَ الغائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] . والكِنايَةُ في: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ [النساء: ٤٣] . والتَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ في: ﴿إلّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] . والِاسْتِفْهامُ المُرادُ بِهِ التَّعَجُّبُ في: ﴿ألَمْ تَرَ﴾ [النساء: ٤٩] . والِاسْتِعارَةُ في: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ [النساء: ٤٤] . والطِّباقُ في: (هَذا) أيْ: بِالهُدى، والطِّباقُ الظّاهِرُ في: ﴿وعَصَيْنا﴾ وأطَعْنا. والتَّكْرارُ في: ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ [النساء: ٤٥]، وكَفى بِاللَّهِ، وفي ﴿سَمِعْنا﴾ و﴿سَمِعْنا﴾ . والحَذْفُ في عِدَّةِ مَواضِعَ.
4:47Page 86
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلۡنَا مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبۡلِ أَن نَّطۡمِسَ وُجُوهٗا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدۡبَارِهَآ أَوۡ نَلۡعَنَهُمۡ كَمَا لَعَنَّآ أَصۡحَٰبَ ٱلسَّبۡتِۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولًا ٤٧
O you who were given the Scripture, believe in what We have sent down [to Prophet Muḥammad (ﷺ)], confirming that which is with you, before We obliterate faces and turn them toward their backs or curse them as We cursed the sabbath-breakers.1 And ever is the matter [i.e., decree] of Allāh accomplished.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكم مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٤٩] ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٥٠] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٢] ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٥٣] ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤] ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ٥٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦] طَمَسَ: مُتَعَدٍّ ولازِمٌ. تَقُولُ: طَمَسَ المَطَرُ الأعْلامَ، أيْ: مَحا آثارَها، وطُمِسَتِ الأعْلامُ دَرَسَتْ، وطَمَسَ الطَّرِيقُ دَرَسَ وعَفَتْ أعْلامُهُ، قالَهُ أبُو زَيْدٍ. ومِنَ (p-٢٦٦)المُتَعَدِّي: ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨] أيِ اسْتُؤْصِلَتْ. وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ في قَوْلِهِ: ﴿اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨] أيْ أذْهِبْها كُلِّيَّةً، وأعْمى مَطْمُوسٌ، أيْ: مَسْدُودُ العَيْنَيْنِ. وقالَ كَعْبٌ:
؎مِن كُلِّ نَضّاخَةِ الذِّفْرى إذا عَرِقَتْ عُرْضَتُها طامِسُ الأعْلامِ مَجْهُولُ
والطَّمْسُ والطَّسْمُ والطَّلْسُ والدَّرْسُ كُلُّها مُتَقارِبَةٌ في المَعْنى. الفَتِيلُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. فَقِيلَ: هو الخَيْطُ الَّذِي في شِقِّ نَواةِ التَّمْرَةِ. وقِيلَ: ما خَرَجَ مِنَ الوَسَخِ مِن بَيْنِ كَفَّيْكَ وأُصْبُعَيْكَ إذا فَتَلْتَهُما. الجِبْتُ: اسْمٌ لِصَنَمٍ ثُمَّ صارَ مُسْتَعْمَلًا لِكُلِّ باطِلٍ، ولِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ فِيهِ أقاوِيلُ المُفَسِّرِينَ عَلى ما سَيَأْتِي. وقالَ قُطْرُبٌ: الجِبْتُ الجِبْسُ، وهو الَّذِي لا خَيْرَ عِنْدَهُ، قُلِبَتِ السِّينُ تاءً. قِيلَ: وإنَّما قالَ هَذا لِأنَّ الجِبْتَ مُهْمَلٌ. النَّقِيرُ: النُّقْطَةُ الَّتِي عَلى ظَهْرِ النَّواةِ مِنها تَنْبُتُ النَّخْلَةُ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: هو البَياضُ الَّذِي في وسَطِها. النُّضْجُ: أخْذُ الشَّيْءِ في التَّهَرِّي وتَفَرَّقُ أجْزائِهِ، ومِنهُ نُضْجُ اللَّحْمِ، ونُضْجُ الثَّمَرَةِ. يُقالُ: نَضِجَ الشَّيْءُ يَنْضَجُ نُضْجًا ونِضاجًا. الجِلْدُ مَعْرُوفٌ.
﴿ياأيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ دَعا رَسُولُ اللَّهِ أحْبارَ اليَهُودِ مِنهم الأعْمَشِ بْنُ صُورِيا إلى الإسْلامِ وقالَ لَهم: (إنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنَّ الَّذِي جِئْتُ بِهِ حَقٌّ) فَقالُوا: ما نَعْرِفُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى لَمّا رَجّاهم بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّهم قالُوا﴾ [النساء: ٤٦] الآيَةَ. خاطَبَ مَن يُرْجى إيمانُهُ مِنهم بِالأمْرِ بِالإيمانِ، وقَرَنَ بِالوَعِيدِ البالِغِ عَلى تَرْكِهِ لِيَكُونَ أدْعى لَهم إلى الإيمانِ والتَّصْدِيقِ بِهِ، ثُمَّ أزالَ خَوْفَهم مِن سُوءِ الكَبائِرِ السّابِقَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] الآيَةَ. وأعْلَمَهم أنَّ تَزْكِيَتَهم أنْفُسَهم بِما لَمْ يُزَكِّهِمْ بِهِ اللَّهُ لا يَنْفَعُ.
والَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ هُنا اليَهُودُ، والكِتابُ التَّوْراةُ قالَهُ: الجُمْهُورُ، أوِ اليَهُودُ والنَّصارى قالَهُ: الماوَرْدِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ. والكِتابُ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، و﴿بِما نَزَّلْنا﴾ هو القُرْآنُ بِلا خِلافٍ، ولِما مَعَكم مِن شَرْعٍ ومِلَّةٍ لا لِما مَعَهم مِن مُبَدَّلٍ ومُغَيَّرٍ، ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ . قَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿نَطْمِسَ﴾ بِكَسْرِ المِيمِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: بِضَمِّها. وهُما لُغَتانِ، والظّاهِرُ أنْ يُرادَ بِالوُجُوهِ مَدْلُولُها الحَقِيقِيُّ، وأمّا طَمْسُها فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: هو أنْ تُزالَ العَيْنانِ خاصَّةً مِنها وتُرَدَّ في القَفا، فَيَكُونُ ذَلِكَ رَدًّا عَلى الدُّبُرِ ويَمْشِي القَهْقَرى. وعَلى هَذا يَكُونُ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ عُيُونَ وُجُوهٍ، ولا يُرادُ بِذَلِكَ مُطْلَقُ وُجُوهٍ، بَلِ المَعْنى وُجُوهُكم. وقالَتْ طائِفَةٌ: طَمْسُ الوُجُوهِ أنْ يُعَفّى آثارُ الحَواسِّ مِنها فَتَرْجِعَ كَسائِرِ الأعْضاءِ في الخُلُوِّ مِن آثارِ الحَواسِّ مِنها، والرَّدُّ عَلى الأدْبارِ هو بِالمَعْنى أيْ: خُلُوُّهُ مِنَ الحَواسِّ دَثِرَ الوَجْهُ لِكَوْنِهِ عابِرًا بِها، وحَسَّنَ هَذا القَوْلَ الزَّمَخْشَرِيُّ وجَوَّزَهُ وأوْضَحَهُ، فَقالَ: أنْ (p-٢٦٧)نَطْمِسَ وُجُوهًا، أيْ: نَمْحُوَ تَخْطِيطَ صُوَرِها مِن عَيْنٍ وحاجِبٍ وأنْفٍ وفَمٍ، فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها، فَنَجْعَلَها عَلى هَيْئَةِ أدْبارِها وهي الأقْفاءُ، مَطْمُوسَةً مِثْلَها. والفاءُ لِلتَّسْبِيبِ، وإنْ جَعَلْتَها لِلتَّعْقِيبِ عَلى أنَّهم تُوُعِّدُوا بِالعِقابَيْنِ أحَدُهُما عَقِيبَ الآخَرِ رَدُّها عَلى أدْبارِها بَعْدَ طَمْسِها، فالمَعْنى: أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنُنَكِّسَها، الوُجُوهُ إلى خَلْفُ، والأقْفاءُ إلى قُدّامُ انْتَهى. والطَّمْسُ بِمَعْنى المَحْوِ الَّذِي ذَكَرَهُ - مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ القُتَبِيُّ. وقالَ قَتادَةُ والضَّحّاكُ: مَعْناهُ نُعْمِي أعْيُنَها. وذَكَرَ الوُجُوهَ وأرادَ العُيُونَ، لِأنَّ الطَّمْسَ مِن نُعُوتِ العَيْنِ. قالَ تَعالى: ﴿فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾ [القمر: ٣٧] . ويُرْوى هَذا أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ الفَرّاءُ: طَمْسُ الوُجُوهِ جَعْلُها مَنابِتَ لِلشَّعْرِ كَوُجُوهِ القِرَدَةِ. وقِيلَ: رَدُّها إلى صُورَةٍ بَشِعَةٍ كَوُجُوهِ الخَنازِيرِ والقِرَدَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ والحَسَنُ: ذَلِكَ تَجَوُّزٌ، والمُرادُ وُجُوهُ الهُدى والرُّشْدِ، وطَمْسُها حَتْمُ الإضْلالِ والصَّدِّ عَنْها، والرَّدُّ عَلى الأدْبارِ التَّصْيِيرُ إلى الكُفْرِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الوُجُوهُ هي أوْطانُهم وسُكْناهم في بِلادِهِمُ الَّتِي خَرَجُوا إلَيْها، وطَمْسُها إخْراجُهم مِنها. والرَّدُّ عَلى الأدْبارِ رُجُوعُهم إلى الشّامِ مِن حَيْثُ أتَوْا أوَّلًا. وحَسَّنَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ، فَقالَ: ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنْ يُرادَ بِالطَّمْسِ القَلْبُ والتَّغْيِيرُ، كَما طَمَسَ أمْوالَ القِبْطِ فَقَلَبَها حِجارَةً، وبِالوُجُوهِ رُءُوسُهم ووُجَهاؤُهم أيْ: مِن قَبْلِ أنْ نُغَيِّرَ أحْوالَ وُجَهائِهِمْ فَنَسْلُبَهم إقْبالَهم ووَجاهَتَهم، وتَكْسُوها صِغارُهم وأدْبارُهم، أوْ نَرُدُّهم إلى حَيْثُ جاءُوا مِنهُ. وهي أذْرِعاتُ الشّامِ، يُرِيدُ إجْلاءَ بَنِي النَّضِيرِ انْتَهى.
﴿أوْ نَلْعَنَهُمْ﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: أنْ نَطْمِسَ. وظاهِرُ اللَّعْنَةِ هو المُتَعارَفُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠] . وقالَ الحَسَنُ: مَعْناهُ نَمْسَخُهم كَما مَسَخْنا أصْحابَ السَّبْتِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هم أصْحابُ أيْلَةَ الَّذِينَ اعْتَدَوْا في السَّبْتِ بِالصَّيْدِ، وكانَتْ لَعْنَتُهم أنْ مُسِخُوا خَنازِيرَ وقِرْدَةً. وقِيلَ: مَعْناهُ نَهِيمُهم في التِّيهِ حَتّى يَمُوتَ أكْثَرُهم.
وظاهِرُ قَوْلِهِ: مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ أوْ نَلْعَنَ - أنَّ ذَلِكَ يَكُونُ في الدُّنْيا. ولِذَلِكَ رُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ لَمّا سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ أهْلَهُ ويَدُهُ عَلى وجْهِهِ فَأسْلَمَ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما كُنْتُ أرى أنْ أصِلَ إلَيْكَ حَتّى يُحَوَّلَ وجْهِي في قَفايَ. وقالَ مالِكٌ: كانَ إسْلامُ كَعْبِ الأحْبارِ أنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ مِنَ اللَّيْلِ وهو يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ، فَوَضَعَ كَفَّهُ عَلى وجْهِهِ ورَجَعَ القَهْقَرى إلى بَيْتِهِ فَأسْلَمَ مَكانَهُ، وقالَ: واللَّهِ لَقَدْ خِفْتُ أنْ لا أبْلُغُ بَيْتِي حَتّى يُطْمَسَ وجْهِي. وقِيلَ: الطَّمْسُ المَسْخُ لِلْيَهُودِ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ ولا بُدَّ. وقِيلَ: المُرادُ أنَّهُ يَحِلُّ بِهِمْ في القِيامَةِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أنَكى لَهم لِفَضِيحَتِهِمْ بَيْنَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، ويَكُونُ ذَلِكَ أوَّلَ ما عُجِّلَ لَهم مِنَ العَذابِ. وهَذا إذا حُمِلَ طَمْسُ الوُجُوهِ عَلى الحَقِيقَةِ، وإمّا إنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ تَغْيِيرُ أحْوالِ وُجَهائِهِمْ أوْ وُجُوهِ الهُدى والرُّشْدِ، فَقَدْ وقَعَ ذَلِكَ. وإنْ كانَ الطَّمْسُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ اللَّعْنُ، فَإنَّهم مَلْعُونُونَ بِكُلِّ لِسانٍ. وتَعْلِيقُ الإيمانِ بِقَبْلِيَّةِ أحَدِ أمْرَيْنِ لا يَلْزَمُ مِنهُ وُقُوعُهُما، بَلْ مَتى وقَعَ أحَدُهُما صَحَّ التَّعْلِيقُ، ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ تَعْيِينُ أحَدِهِما. وقِيلَ: الوَعِيدُ مَشْرُوطٌ بِالإيمانِ، وقَدْ آمَنَ مِنهم ناسٌ. و(مِن قَبْلُ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (آمَنُوا)، و﴿عَلى أدْبارِها﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿فَنَرُدَّها﴾ .
وقالَ أبُو البَقاءِ: عَلى أدْبارِها حالٌ مِن ضَمِيرِ الوُجُوهِ، والضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ﴿نَلْعَنَهُمْ﴾ .
قِيلَ: عائِدٌ عَلى الوُجُوهِ إنْ أُرِيدَ بِهِ الوُجَهاءُ، أوْ عائِدٌ عَلى أصْحابِ الوُجُوهِ، لِأنَّ المَعْنى: مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهَ قَوْمٍ، أوْ عَلى الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ، وهَذا عِنْدِي أحْسَنُ. ومُحَسِّنُ هَذا الِالتِفاتِ هو أنَّهُ تَعالى لَمّا ناداهم كانَ ذَلِكَ تَشْرِيفًا لَهم، وهَزَّ السَّماعِ ما يُلْقِيهِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ ألْقى إلَيْهِمُ الأمْرَ بِالإيمانِ بِما نَزَلَ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ الَّذِي نَزَلَ هو مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم مِن كِتابٍ، فَكانَ ذَلِكَ أدْعى إلى الإيمانِ، ثُمَّ ذَكَرَ هَذا الوَعِيدَ البالِغَ فَحَذَفَ المُضافَ إلَيْهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ (p-٢٦٨)والمَعْنى: وُجُوهَكم، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿أوْ نَلْعَنَهُمْ﴾، فَأتى بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ، لِأنَّ الخِطابَ حِينَ كانَ الوَعِيدُ بِطَمْسِ الوُجُوهِ وبِاللَّعْنَةِ لَيْسَ لَهم لِيَبْقى التَّأْنِيسُ والهَمُّ والِاسْتِدْعاءُ إلى الإيمانِ غَيْرَ مَشُوبٍ بِمُفاجَأةِ الخِطابِ الَّذِي يُوحِشُ السّامِعَ ويُرَوِّعُ القَلْبَ ويَصِيرُ أدْعى إلى عَدَمِ القَبُولِ، وهَذا مِن جَلِيلِ المُخاطَبَةِ. وبَدِيعِ المُحاوَرَةِ.
﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ الأمْرُ هُنا واحِدُ الأُمُورِ، واكْتَفى بِهِ لِأنَّهُ دالٌّ عَلى الجِنْسِ، وهو عِبارَةٌ عَنِ المَخْلُوقاتِ: كالعَذابِ، واللَّعْنَةِ، والمَغْفِرَةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المَأْمُورُ، مَصْدَرٌ وقَعَ مَوْقِعُ المَفْعُولِ، والمَعْنى: الَّذِي أرادَهُ أوْجَدَهُ. وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّ كُلَّ أمْرٍ أُخِّرَ تَكْوِينُهُ فَهو كائِنٌ لا مَحالَةَ والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى لا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ شَيْءٌ يُرِيدُ أنْ يَفْعَلَهُ. وقالَ: وكانَ إخْبارًا عَنْ جَرَيانِ عادَةِ اللَّهِ في تَهْدِيدِهِ الأُمَمَ السّالِفَةَ، وأنَّ ذَلِكَ واقِعٌ لا مَحالَةَ، فاحْتَرِزُوا وكُونُوا عَلى حَذَرٍ مِن هَذا الوَعِيدِ. ولِذَلِكَ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا بُدَّ أنْ يَقَعَ أحَدُ الأمْرَيْنِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، يَعْنِي الطَّمْسَ واللَّعْنَةَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences