Abu HayyanAn‑Nisa · 4:3–5

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:3–5, continued

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿صَدُقاتِهِنَّ﴾ [النساء: ٤] جَمْعُ صَدُقَةٍ، عَلى وزْنِ سَمُرَةٍ. وقَرَأ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: بِإسْكانِ الدّالِ وضَمِّ الصّادِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ ومُوسى بْنُ الزُّبَيْرِ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ وغَيْرُهم: بِضَمِّها. وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ: (صَدُقَتَهِنَّ) بِضَمِّها والإفْرادِ، وانْتَصَبَ (نِحْلَةً) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ الصَّدْرِ، لِأنَّ مَعْنى (وآتُوا) انْحَلُوا فالنَّصْبُ فِيها بِـ (آتُوا) . وقِيلَ: بِـ (انْحَلُوهُنَّ) مُضْمَرَةً. وقِيلَ: مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، إمّا عَنِ الفاعِلِينَ، أيْ: ناحِلِينَ، وإمّا مِنَ المَفْعُولِ الأوَّلِ أوِ الثّانِي، أيْ: مَنحُولاتٍ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ بِمَعْنى شَرَعَ، أيْ: أنْحَلَ اللَّهُ ذَلِكَ نِحْلَةً، أيْ شَرَعَهُ شِرْعَةً ودِينًا. وقِيلَ: إذا كانَ بِمَعْنى شِرْعَةٍ فَيَجُوزُ انْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، أوْ حالٌ مِنَ الصَّدُقاتِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ﴾ [النساء: ٤] دَلالَةٌ عَلى وُجُوبِ الصَّداقِ لِلْمَرْأةِ، وهو مُجْمَعٌ عَلَيْهِ إلّا ما رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِراقِ: أنَّ السَّيِّدَ إذا زَوَّجَ عَبْدَهُ بِأمَتِهِ لا يَجِبُ فِيهِ صَداقٌ، ولَيْسَ في الآيَةِ تَعَرُّضٌ لِمِقْدارِ الصَّداقِ، ولا لِشَيْءٍ مِن أحْكامِهِ. وقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ في ذَلِكَ هُنا، ومَحَلُّ الكَلامِ في ذَلِكَ هو كُتُبُ الفِقْهِ.

4:4Page 77

وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةٗۚ فَإِن طِبۡنَ لَكُمۡ عَن شَيۡءٖ مِّنۡهُ نَفۡسٗا فَكُلُوهُ هَنِيٓـٔٗا مَّرِيٓـٔٗا ٤

And give the women [upon marriage] their [bridal] gifts1 graciously. But if they give up willingly to you anything of it, then take it in satisfaction and ease.2

﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ الخِطابُ فِيهِ الخِلافُ: أهْوَ لِلْأزْواجِ ؟ أوْ لِلْأوْلِياءِ ؟ وهو مَبْنِيٌّ عَلى الخِلافِ في: ﴿وآتُوا النِّساءَ﴾ . وقالَ حَضْرَمِيٌّ: سَبَبُ نُزُولِها أنَّ قَوْمًا تَحَرَّجُوا أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ شَيْءٌ مِمّا دَفَعُوا إلى الزَّوْجاتِ، والضَّمِيرُ في (مِنهُ) عائِدٌ عَلى الصَّداقِ، قالَهُ عِكْرِمَةٌ. إذْ لَوْ وقَعَ مَكانَ (صَدُقاتِهِنَّ) لَكانَ جائِزًا وصارَ شَبِيهًا بِقَوْلِهِمْ: هو أحْسَنُ الفِتْيانِ وأجْمَلُهُ لِصَلاحِيَّةِ: هو أحْسَنُ فَتًى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَذْكِيرُ الضَّمِيرِ لِيَنْصَرِفَ إلى الصَّداقِ الواحِدِ، فَيَكُونَ مُتَناوِلًا بَعْضَهُ. فَلَوْ أنَّثَ لَتَناوَلَ ظاهِرُهُ هِبَةَ الصَّداقِ كُلِّهِ، لِأنَّ بَعْضَ الصَّدَقاتِ واحِدٌ مِنها فَصاعِدًا. انْتَهى. وأقُولُ: حَسُنَ تَذْكِيرُ الضَّمِيرِ، لِأنَّ مَعْنى فَإنْ طِبْنَ: فَإنْ طابَتْ كُلُّ واحِدَةٍ، فَلِذَلِكَ قالَ (مِنهُ)، أيْ: مِن صَداقِها، وهو (p-١٦٧)نَظِيرُ ﴿وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [يوسف: ٣١] أيْ لِكُلِّ واحِدَةٍ، ولِذَلِكَ أفْرَدَ (مُتَّكَأً) . وقِيلَ: يَعُودُ عَلى (صَدُقاتِهِنَّ) مَسْلُوكًا بِهِ مَسْلَكَ اسْمِ الإشارَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. واسْمُ الإشارَةِ وإنْ كانَ مُفْرَدًا قَدْ يُشارُ بِهِ إلى مَجْمُوعٍ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥] . وقَدْ تَقَدَّمَتْ عَلَيْهِ أشْياءُ كَثِيرَةٌ. وقِيلَ لِرُؤْبَةَ: كَيْفَ قُلْتَ:

؎كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ

وقَدْ تَقَدَّمَ:

؎فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ

فَقالَ: أرَدْتُ كانَ ذاكَ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المالِ، وهو غَيْرُ مَذْكُورٍ، ولَكِنْ يَدُلُّ عَلَيْهِ (صَدُقاتِهِنَّ) . وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الإيتاءِ وهو المَصْدَرُ الدّالُّ عَلَيْهِ (وآتُوا)، قالَهُ الرّاغِبُ، وذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. ويَتَعَلَّقُ المَجْرُورانِ بِقَوْلِهِ: طِبْنَ، و(مِنهُ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِشَيْءٍ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وظاهِرُ (مِنِ) التَّبْعِيضُ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ ما تَهَبُهُ يَكُونُ بَعْضًا مِنَ الصَّداقِ، ولِذَلِكَ ذَهَبَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ تَبَرُّعُها لَهُ إلّا بِاليَسِيرِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِن تَتَضَمَّنُ الجِنْسَ هاهُنا. وكَذَلِكَ يَجُوزُ أنْ تَهَبَ المَهْرَ كُلَّهُ، ولَوْ وقَعَتْ عَلى التَّبْعِيضِ لَما جازَ ذَلِكَ.

وانْتَصَبَ (نَفَسًا) عَلى التَّمْيِيزِ، وهو مِنَ التَّمْيِيزِ المَنقُولِ مِنَ الفاعِلِ. وإذا جاءَ التَّمْيِيزُ بَعْدَ جَمْعٍ وكانَ مُنْتَصِبًا عَنْ تَمامِ الجُمْلَةِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مُوافِقًا لِما قَبْلَهُ في المَعْنى، أوْ مُخالِفًا، فَإنْ كانَ مُوافِقًا طابَقَهُ في الجَمْعِيَّةِ، نَحْوُ: كَرُمَ الزَّيْدُونَ رِجالًا، كَما يُطابِقُ لَوْ كانَ خَبَرًا. وإنْ كانَ مُخالِفًا، فَإمّا أنْ يَكُونَ مُفْرَدَ المَدْلُولِ أوْ مُخْتَلِفَهُ، إنْ كانَ مُفْرَدَ المَدْلُولِ لَزِمَ إفْرادُ اللَّفْظِ الدّالِّ كَقَوْلِكَ في أبْناءِ رَجُلٍ واحِدٍ: كَرُمَ بَنُو فُلانٍ أصْلًا وأبًا. وكَقَوْلِكَ: زَكا الأتْقِياءُ مُتَّقِيًا، وجادَ الأذْكِياءُ وعْيًا. وذَلِكَ إذا لَمْ تَقْصِدْ بِالمَصْدَرِ اخْتِلافَ الأنْواعِ لِاخْتِلافِ مَحالِّهِ. وإنْ كانَ مُخْتَلِفَ المَدْلُولِ، فَإمّا أنْ يَلْبَسَ أفْرادُهُ لَوْ أُفْرِدَ، أوْ لا يَلْبَسَ. فَإنْ ألْبَسَ وجَبَتِ المُطابَقَةُ، نَحْوُ: كَرُمَ الزَّيْدُونَ آباءً، أيْ: كَرُمَ آباءُ الزَّيْدِينَ. ولَوْ قُلْتَ: كَرُمَ الزَّيْدُونَ أبًا، لَأوْهَمَ أنَّ أباهم واحِدٌ مَوْصُوفٌ بِالكَرَمِ. وإنْ لَمْ يَلْبَسْ جازَ الإفْرادُ والجَمْعُ. والإفْرادُ أوْلى، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا﴾؛ إذْ مَعْلُومٌ أنَّ لِكُلٍّ نَفْسًا، وأنَّهُنَّ لَسْنَ مُشْتَرِكاتٍ في نَفْسٍ واحِدَةٍ. وقَرَّ الزَّيْدُونَ عَيْنًا، ويَجُوزُ أنْفُسًا وأعْيُنًا. وحَسَّنَ الإفْرادَ أيْضًا في الآيَةِ ما ذَكَرْناهُ قَبْلُ مِن مُحَسِّنِ تَذْكِيرِ الضَّمِيرِ وإفْرادِهِ، وهو أنَّ المَعْنى: فَإنْ طابَتْ كُلُّ واحِدَةٍ عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا.

وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: أرادَ بِالنَّفْسِ الهَوى. والهَوى مَصْدَرٌ، والمَصادِرُ لا تُثَنّى ولا تُجْمَعُ. وجَوابُ الشَّرْطِ: فَكُلُوهُ، وهو أمْرُ إباحَةٍ. والمَعْنى: فانْتَفِعُوا بِهِ. وعَبَّرَ بِالأكْلِ لِأنَّهُ مُعْظَمُ الِانْتِفاعِ.

وهَنِيئًا مَرِيئًا، أيْ: شافِيًا سائِغًا. وقالَ أبُو حَمْزَةَ: هَنِيئًا لا إثْمَ فِيهِ، مَرِيئًا لا داءَ فِيهِ. وقِيلَ: هَنِيئًا لَذِيذًا، مَرِيئًا مَحْمُودَ العاقِبَةِ. وقِيلَ: هَنِيئًا مَرِيئًا أيْ ما لا تَنْغِيصَ فِيهِ. وقِيلَ: ما ساغَ في مَجْراهُ ولا غَصَّ بِهِ مَن تَحَسّاهُ. وقِيلَ: هَنِيئًا مَرِيئًا أيْ: حَلالًا طَيِّبًا. وقَرَأ الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ: (هَنِيًّا مَرِيًّا) دُونَ هَمْزَةٍ، أبْدَلُوا الهَمْزَةَ الَّتِي هي لامُ الكَلِمَةِ ياءً، وأدْغَمُوا فِيها ياءَ المَدِّ. وانْتِصابُ هَنِيئًا عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: فَكُلُوهُ أكْلًا هَنِيئًا، أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ المَفْعُولِ، هَكَذا أعْرَبَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ. وهو قَوْلٌ مُخالِفٌ لِقَوْلِ أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ، لِأنَّهُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وغَيْرِهِ - مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ لا يَجُوزُ إظْهارُهُ. وقَدْ ذَكَرْنا في المُفْرَداتِ نَصَّ سِيبَوَيْهِ عَلى ذَلِكَ. فَعَلى ما قالَهُ أئِمَّةُ العَرَبِيَّةِ يَكُونُ ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ مِن جُمْلَةٍ أُخْرى غَيْرِ قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾، ولا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ مِن حَيْثُ الإعْرابِ، بَلْ مِن حَيْثُ المَعْنى. وجِماعُ القَوْلِ في (هَنِيئًا): أنَّها حالٌ قائِمَةٌ مَقامَ الفاعِلِ النّاصِبِ لَها. فَإذا قِيلَ: إنَّ فُلانًا أصابَ خَيْرًا فَقُلْتَ هَنِيئًا لَهُ ذَلِكَ، فالأصْلُ: ثَبَتَ لَهُ ذَلِكَ هَنِيئًا، فَحُذِفَ (ثَبَتَ)، وأُقِيمَ (هَنِيئًا) مَقامَهُ. واخْتَلَفُوا إذْ ذاكَ فِيما يَرْتَفِعُ بِهِ ذَلِكَ. فَذَهَبَ السِّيرافِيُّ إلى أنَّهُ مَرْفُوعٌ بِذَلِكَ الفِعْلِ المُخْتَزَلِ الَّذِي هو (ثَبَتَ)، و(هَنِيئًا) حالٌ مِن ذَلِكَ، وفي (هَنِيئًا) ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى ذَلِكَ. وإذا قُلْتَ: (هَنِيئًا)، ولَمْ تَقُلْ لَهُ ذَلِكَ، بَلِ اقْتَصَرْتَ عَلى قَوْلِكَ: هَنِيئًا، فَفِيهِ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ يَعُودُ عَلى ذِي الحالِ، وهو ضَمِيرُ الفاعِلِ الَّذِي اسْتَتَرَ في (ثَبَتَ) المَحْذُوفَةِ. وذَهَبَ الفارِسِيُّ (p-١٦٨)إلى أنَّ ذَلِكَ إذا قُلْتَ: هَنِيئًا لَهُ ذَلِكَ، مَرْفُوعٌ بِهَنِيئًا القائِمِ مَقامَ الفِعْلِ المَحْذُوفِ، لِأنَّهُ صارَ عِوَضًا مِنهُ، فَعَمِلَ عَمَلَهُ. كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: زَيْدٌ في الدّارِ، رَفَعَ المَجْرُورُ الضَّمِيرَ الَّذِي كانَ مَرْفُوعًا بِمُسْتَقِرٍّ، لِأنَّهُ عِوَضٌ مِنهُ. ولا يَكُونُ في (هَنِيئًا) ضَمِيرٌ، لِأنَّهُ قَدْ رَفَعَ الظّاهِرَ الَّذِي هو اسْمُ الإشارَةِ. وإذا قُلْتَ: هَنِيئًا فَفِيهِ ضَمِيرٌ فاعِلٌ بِها، وهو الضَّمِيرُ فاعِلًا لَثَبَتَ، ويَكُونُ هَنِيئًا قَدْ قامَ مَقامَ الفِعْلِ المُخْتَزَلِ مُفَرَّعًا مِنَ الفِعْلِ. وإذا قُلْتَ: هَنِيئًا مَرِيئًا، فاخْتَلَفُوا في نَصْبِ مَرِيءٍ. فَذَهَبَ بَعْضُهم: إلى أنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِكَ هَنِيئًا، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ الحَوْفِيُّ. وذَهَبَ الفارِسِيُّ: إلى أنَّ انْتِصابَهُ انْتِصابُ قَوْلِكَ (هَنِيئًا)، فالتَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: ثَبَتَ مَرِيئًا، ولا يَجُوزُ عِنْدَهُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِـ(هَنِيئًا)، مِن جِهَةِ أنَّ (هَنِيئًا) لَمّا كانَ عِوَضًا مِنَ الفِعْلِ صارَ حُكْمُهُ حُكْمَ الفِعْلِ الَّذِي نابَ مَنابَهُ، والفِعْلُ لا يُوصَفُ، فَكَذَلِكَ لا يُوصَفُ هو. وقَدْ ألَمَّ الزَّمَخْشَرِيُّ بِشَيْءٍ مِمّا قالَهُ النُّحاةُ في (هَنِيئًا)؛ لَكِنَّهُ حَرَّفَهُ، فَقالَ بَعْدَ أنْ قَدَّمَ أنَّ انْتِصابَهُ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِلْمَصْدَرِ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (فَكُلُوهُ) أيْ: كُلُوهُ وهو هَنِيءٌ مَرِيءٌ - قالَ: وقَدْ يُوقَفُ عَلى (فَكُلُوهُ)، ويُبْتَدَأُ ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ عَلى الدُّعاءِ، وعَلى أنَّهُما صِفَتانِ أُقِيمَتا مَقامَ المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَنِئًا مَرِئًا، انْتَهى. وتَحْرِيفُهُ أنَّهُ جَعَلَهُما أقِيما مَقامَ المَصْدَرِ، فانْتِصابُهُما عَلى هَذا انْتِصابُ المَصْدَرِ، ولِذَلِكَ قالَ: كَأنَّهُ قِيلَ هَنَأً مَرَأً، فَصارَ كَقَوْلِكَ: سَقْيًا ورَعْيًا، أيْ: هَناءَةً ومَراءَةً. والنُّحاةُ يَجْعَلُونَ انْتِصابَ (هَنِيئًا) عَلى الحالِ، وانْتِصابَ مَرِيئًا عَلى ما ذَكَرْناهُ مِنَ الخِلافِ. إمّا عَلى الحالِ، وإمّا عَلى الوَصْفِ. ويَدُلُّ عَلى فَسادِ ما حَرَّفَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وصِحَّةِ قَوْلِ النُّحاةِ - ارْتِفاعُ الأسْماءِ الظّاهِرَةِ بَعْدَ ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ . ولَوْ كانا يَنْتَصِبانِ انْتِصابَ المَصادِرِ، والمُرادُ بِها: الدُّعاءُ - أجازَ ذَلِكَ فِيها تَقُولُ: سَقْيًا لَكَ ورَعْيًا، ولا يَجُوزُ سَقْيًا اللَّهُ لَكَ، ولا رَعْيًا اللَّهُ لَكَ، وإنْ كانَ ذَلِكَ جائِزًا في فِعْلِهِ فَتَقُولُ: سَقاكَ اللَّهُ ورَعاكَ. والدَّلِيلُ عَلى جَوازِ رَفْعِ الأسْماءِ الظّاهِرَةِ بَعْدَها قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎هَنِيئًا مَرِيئًا غَيْرَ داءٍ مُخامِرٍ ∗∗∗ لِعَزَّةٍ مِن أعْراضِنا ما اسْتَحَلَّتِ

فَـ(ما): مَرْفُوعٌ بِما تَقَدَّمَ مِن هَنِيءٍ أوْ مَرِيءٍ. أوْ بِـ (ثَبَتَ) المَحْذُوفَةِ عَلى اخْتِلافِ السِّيرافِيِّ وأبِي عَلِيٍّ عَلى طَرِيقِ الإعْمالِ. وجازَ الإعْمالُ في هَذِهِ المَسْألَةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُما رابِطُ عَطْفٍ، لِكَوْنِ (مَرِيئًا) لا يُسْتَعْمَلُ إلّا تابِعًا لِـ(هَنِيئًا)، فَصارا كَأنَّهُما مُرْتَبِطانِ لِذَلِكَ. ولَوْ كانَ ذَلِكَ في الفِعْلِ لَمْ يَجُزْ لَوْ قُلْتَ: قامَ خَرَجَ زَيْدٌ، لَمْ يَصِحَّ أنْ يَكُونَ مِنَ الإعْمالِ إلّا عَلى نِيَّةِ حَرْفِ العَطْفِ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ مَرِيئًا يُسْتَعْمَلُ وحْدَهُ غَيْرَ تابِعٍ لِـ(هَنِيئًا)، ولا يُحْفَظُ ذَلِكَ مِن كَلامِ العَرَبِ، و﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ اسْما فاعِلٍ لِلْمُبالَغَةِ. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونا مَصْدَرَيْنِ جاءا عَلى وزْنِ فَعِيلٍ، كالصَّهِيلِ والهَدِيرِ، ولَيْسا مِن بابِ ما يَطَّرِدُ فِيهِ فَعِيلٌ في المَصْدَرِ.

وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَرْأةَ إذا وهَبَتْ لِزَوْجِها شَيْئًا مِن صَداقِها طَيِّبَةً بِها نَفْسُها غَيْرَ مُضْطَرَّةٍ إلى ذَلِكَ بِإلْحاحٍ أوْ شَكاسَةِ خُلُقٍ، أوْ سُوءِ مُعاشَرَةٍ، فَيَجُوزُ لَهُ أنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ مِنها ويَتَمَلَّكَهُ ويَنْتَفِعَ بِهِ. ولَمْ يُوَقَّتْ هَذا التَّبَرُّعُ بِوَقْتٍ، ولا اسْتِثْناءٍ فِيهِ رُجُوعٌ. وذَهَبَ الأوْزاعِيُّ: إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ تَبَرُّعُها ما لَمْ تَلِدْ، أوْ تُقِمْ في بَيْتِ زَوْجِها سَنَةً، فَلَوْ رَجَعَتْ بَعْدَ الهِبَةِ فَقالَ شُرَيْحٌ وعَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوانَ: لَها أنْ تَرْجِعَ. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عُمَرَ. كَتَبَ عُمَرُ إلى قُضاتِهِ: أنَّ النِّساءَ يُعْطِينَ رَغْبَةً ورَهْبَةً، فَأيُّما امْرَأةٍ أعْطَتْ زَوْجَها ثُمَّ أرادَتْ أنْ تَرْجِعَ فَلَها ذَلِكَ. قالَ شُرَيْحٌ: لَوْ طابَتْ نَفْسُها لَما رَجَعَتْ. وقالَ عَبْدُ المَلِكِ: قالَ تَعالى: (p-١٦٩)﴿فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] وكِلا القَوْلَيْنِ خِلافُ الظّاهِرِ مِن هَذِهِ الآيَةِ. وفي تَعْلِيقِ القَبُولِ عَلى طِيبِ النَّفْسِ دُونَ لَفْظَةِ الهِبَةِ أوِ الإسْماحِ - دَلالَةٌ عَلى وُجُوبِ الِاحْتِياطِ في الأخْذِ، وإعْلامٌ أنَّ المُراعى هو طِيبُ نَفْسِها بِالمَوْهُوبِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ مُبالَغَةٌ في الإباحَةِ والقَبُولِ وزَوالِ التَّبِعَةِ.

4:5Page 77

وَلَا تُؤۡتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمۡوَٰلَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ قِيَٰمٗا وَٱرۡزُقُوهُمۡ فِيهَا وَٱكۡسُوهُمۡ وَقُولُواْ لَهُمۡ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا ٥

And do not give the weak-minded your property,1 which Allāh has made a means of sustenance for you, but provide for them with it and clothe them and speak to them words of appropriate kindness.

﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم: نَزَلَتْ في ولَدِ الرَّجُلِ الصِّغارِ وامْرَأتِهِ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: في المَحْجُورِينَ. وقالَ مُجاهِدٌ: في النِّساءِ خاصَّةً. وقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ والطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُما: نَزَلَتْ في كُلِّ مَنِ اقْتَضى الصِّفَةَ الَّتِي شَرَطَ اللَّهُ مِنَ السَّفَهِ كائِنًا مَن كانَ. ويُضْعِفُ قَوْلَ مُجاهِدٍ أنَّها في النِّساءِ - كَوْنُها جَمْعَ سَفِيهَةٍ، والعَرَبُ إنَّما تَجْمَعُ فَعِيلَةً عَلى فَعائِلَ أوْ فَعِيلاتٍ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. ونَقَلُوا أنَّ العَرَبَ جَمَعَتْ سَفِيهَةً عَلى سُفَهاءَ، فَهَذا اللَّفْظُ قَدْ قالَتْهُ العَرَبُ لِلْمُؤَنَّثِ، فَلا يَضْعُفُ قَوْلُ مُجاهِدٍ. وإنْ كانَ جَمْعُ فَعَيْلَةٍ الصِّفَةِ - لِلْمُؤَنَّثِ نادِرًا لَكِنَّهُ قَدْ نُقِلَ في هَذا اللَّفْظِ خُصُوصًا. وتَخْصِيصُ ابْنِ عَطِيَّةَ جَمْعَ فَعِيلَةٍ بِفَعائِلَ أوْ فَعَيْلاتٍ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّهُ يَطَّرِدُ فِيهِ فِعالٌ كَظَرِيفَةٍ وظِرافٍ، وكَرِيمَةٍ وكِرامٍ، ويُوافِقُ في ذَلِكَ المُذَكَّرَ. وإطْلاقُهُ فَعِيلَةً دُونَ أنْ يَخُصَّها بِأنْ لا يَكُونُ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ، نَحْوُ: قَتِيلَةٍ، لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ فَعِيلَةً لا تُجْمَعُ عَلى فَعائِلَ.

وقِيلَ: عَنى بِالسُّفَهاءِ الوارِثِينَ الَّذِينَ يُعْلَمُ مِن حالِهِمْ أنَّهم يَتَسَفَّهُونَ في اسْتِعْمالِ ما تَنالُهُ أيْدِيهِمْ، فَنَهى عَنْ جَمْعِ المالِ الَّذِي تَرِثُهُ السُّفَهاءُ. والسُّفَهاءُ: هُمُ المُبَذِّرُونَ الأمْوالَ بِالإنْفاقِ فِيما لا يَنْبَغِي، ولا يَدَ لَهم بِإصْلاحِها وتَثْمِيرِها والتَّصَرُّفِ فِيها. والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: أمْوالَكم أنَّ المالَ مُضافٌ إلى المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ولا تُؤْتُوا. قالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ والسُّدِّيُّ: نَهى أنْ يُدْفَعَ إلى السَّفِيهِ شَيْءٌ مِن مالِ غَيْرِهِ، وإذا وقَعَ النَّهْيُ عَنْ هَذا فَأنْ لا يُؤْتى شَيْئًا مِن مالِ نَفْسِهِ أوْلى وأحْرى بِالنَّهْيِ، وعَلى هَذا القَوْلِ: وهو أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِأرْبابِ الأمْوالِ؛ قِيلَ: يَكُونُ في ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّ الوَصِيَّةَ لِلْمَرْأةِ جائِزَةٌ، وهو قَوْلُ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ. وأوْصى عُمَرُ إلى حَفْصَةَ. ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ: أنَّها لا تَكُونُ وصِيًّا. قالَ: ولَوْ فَعَلَ حُوِّلَتْ إلى رَجُلٍ مِن قَوْمِهِ.

قِيلَ: ويَنْدَرِجُ تَحْتَها الجاهِلُ بِأحْكامِ البَيْعِ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: (مَن لَمْ يَتَفَقَّهْ في الدِّينِ فَلا يَتَّجِرْ في أسْواقِنا) - والكُفّارُ. وكَرِهَ العُلَماءُ أنْ يُوَكِّلَ المُسْلِمُ ذِمِّيًّا بِالبَيْعِ والشِّراءِ، أوْ يَدْفَعَ إلَيْهِ يُضارِبَهُ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: يُرِيدُ أمْوالَ السُّفَهاءِ، وأضافَها إلى المُخاطِبِينَ تَغْبِيطًا بِالأمْوالِ، أيْ: هي لَهم إذا احْتاجُوها كَأمْوالِكُمُ الَّتِي تَقِي أعْراضَكم وتَصُونُكم وتُعَظِّمُ أقْدارَكم. ومِن مِثْلِ هَذا: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وما جَرى مَجْراهُ. وهَذا القَوْلُ ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أوَّلًا قالَ: والخِطابُ لِلْأوْلِياءِ، وأضافَ الأمْوالَ إلَيْهِمْ لِأنَّها مِن جِنْسِ ما يُقِيمُ بِهِ النّاسُ مَعائِشَهم. كَما قالَ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، ﴿فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ [النساء: ٢٥]، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِلْأوْلِياءِ في أمْوالِ اليَتامى قَوْلُهُ: ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ .

وقَرَأ الحَسَنُ والنَّخَعِيُّ: (اللّاتِي) . وقَرَأ الجُمْهُورُ: الَّتِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأمْوالُ جَمْعٌ لا يَعْقِلُ، فالأصْوَبُ فِيهِ قِراءَةُ الجَماعَةِ. انْتَهى. واللّاتِي جَمْعٌ في المَعْنى لِلَّتِي، فَكانَ قِياسُهُ أنْ لا يُوصَفُ بِهِ الإماءُ وصْفَ مُفْرَدِهِ بِالَّتِي، والمُذَكَّرُ لا يُوصَفُ بِالَّتِي، سَواءٌ كانَ عاقِلًا أوْ غَيْرَ عاقِلٍ، فَكانَ قِياسُ جَمْعِهِ أنْ لا يُوصَفُ بِجَمْعِ الَّتِي، الَّذِي هو اللّاتِي. والوَصْفُ بِالَّتِي يَجْرِي مَجْرى الوَصْفِ بِغَيْرِهِ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي تَلْحَقُها التّاءُ لِلْمُؤَنَّثِ. فَإذا كانَ لَنا جَمْعٌ لا يَعْقِلُ فَيَجُوزُ أنْ يَجْرِيَ الوَصْفُ عَلَيْهِ كَجَرَيانِهِ عَلى الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَجْرِيَ الوَصْفُ عَلَيْهِ كَجَرَيانِهِ عَلى جَمْعِ المُؤَنَّثاتِ، فَتَقُولُ: عِنْدِي جُذُوعٌ مُنْكَسِرَةٌ، كَما تَقُولُ: امْرَأةٌ طَوِيلَةٌ، وجُذُوعٌ مُنْكَسِراتٌ. كَما تَقُولُ: نِساءٌ صالِحاتٌ جَرى الوَصْفُ في ذَلِكَ مَجْرى الفِعْلِ. والأوْلى في الكَلامِ مُعامَلَتُهُ مُعامَلَةَ ما جَرى عَلى الواحِدَةِ، هَذا إذا كانَ جَمْعُ ما لا يَعْقِلُ لِلْكَثْرَةِ. فَإذا كانَ جَمْعَ قِلَّةٍ، فالأوْلى (p-١٧٠)عَكْسُ هَذا الحُكْمِ: فَأجْذاعٌ مُنْكَسِراتٌ أوْلى مِن أجْذاعٍ مُنْكَسِرَةٍ، وهَذا فِيما وُجِدَ لَهُ الجَمْعانِ: جَمْعُ القِلَّةِ، وجَمْعُ الكَثْرَةِ. أمّا ما لا يُجْمَعُ إلّا عَلى أحَدِهِما، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حُكْمُهُ عَلى حَسَبِ ما تُطْلِقُهُ عَلَيْهِ مِنَ القِلَّةِ والكَثْرَةِ. وإذا تَقَرَّرَ هَذا نَتَجَ أنَّ الَّتِي أوْلى مِنَ اللّاتِي؛ لِأنَّهُ تابِعٌ لِجَمْعٍ لا يَعْقِلُ. ولَمْ يُجْمَعُ مالٌ عَلى غَيْرِهِ، ولا يُرادُ بِهِ القِلَّةُ لِجَرَيانِ الوَصْفِ بِهِ مَجْرى الوَصْفِ بِالصِّفَةِ الَّتِي تَلْحَقُها التّاءُ لِلْمُؤَنَّثِ، فَلِذَلِكَ كانَتْ قِراءَةُ الجَماعَةِ أصْوَبَ. وقالَ الفَرّاءُ: تَقُولُ العَرَبُ في النِّساءِ: اللّاتِي، أكْثَرَ مِمّا تَقُولُ الَّتِي. وفي الأمْوالِ تَقُولُ الَّتِي أكْثَرَ مِمّا تَقُولُ اللّاتِي، وكِلاهُما في كِلَيْهِما جائِزٌ. وقُرِئَ شاذًّا: (اللَّواتِي)، وهو أيْضًا في المَعْنى جَمْعُ الَّتِي. ومَعْنى (قِيامًا): تَقُومُونَ بِها وتَنْتَعِشُونَ بِها، ولَوْ ضَيَّعْتُمُوها لَتَلِفَتْ أحْوالُكم. قالَ الضَّحّاكُ: جَعَلَها اللَّهُ قِيامًا لِأنَّهُ يُقامُ بِها الحَجُّ والجِهادُ وإكْمالُ البِرِّ، وبِها فِكاكُ الرِّقابِ مِن رِقٍّ ومِنَ النّارِ، وكانَ السَّلَفُ تَقُولُ: المالُ سِلاحُ المُؤْمِنِ، ولَأنْ أتْرُكَ ما يُحاسِبُنِي اللَّهُ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِن أنْ أحْتاجَ إلى النّاسِ. وعَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ وكانَتْ لَهُ بِضاعَةٌ يُقَلِّبُها: لَوْلاها لَتَمَندَلَ، أيْ: بَنُو العَبّاسِ. وكانُوا يَقُولُونَ: اتَّجِرُوا فَإنَّكم في زَمانٍ إذا احْتاجَ أحَدُكم كانَ أوَّلُ ما يُؤْكَلُ دِينَهُ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: (قِيَمًا)، وجُمْهُورُ السَّبْعَةِ: قِيامًا، والأعْمَشِ بْنُ عُمَرَ: (قِوامًا) بِكَسْرِ القافِ، والحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: (قَوامًا) بِفَتْحِها. ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو. وقُرِئَ شاذًّا: (قِوَمًا) . فَأمّا (قِيَمًا) فَمُقَدَّرٌ كالقِيامِ والقِيامِ، قالَهُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ والأخْفَشُ، ولَيْسَ مَقْصُورًا مِن قِيامٍ. وقِيلَ: هو مَقْصُورٌ مِنهُ. قالُوا: وحُذِفَتِ الألِفُ كَما حُذِفَتْ في خِيَمٍ وأصْلُهُ خِيامٌ، أوْ جَمْعُ قِيمَةٍ كَدِيَمٍ جَمْعِ دِيمَةٍ، قالَهُ البَصْرِيُّونَ غَيْرَ الأخْفَشِ. ورَدَّهُ أبُو عَلِيٍّ: بِأنَّهُ وُصِفَ بِهِ في قَوْلِهِ: (دِينًا قِيَمًا) والقِيَمُ لا يُوصَفُ بِهِ، وإنَّما هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى القِيامِ الَّذِي يُرادُ بِهِ الثَّباتُ والدَّوامُ. ورُدَّ هَذا بِأنَّهُ لَوْ كانَ مَصْدَرًا لَما أُعِلَّ كَما لَمْ يُعِلُّوا حِوَلًا وعِوَضًا؛ لِأنَّهُ عَلى غَيْرِ مِثالِ الفِعْلِ، لا سِيَّما الثُّلاثِيَّةَ المُجَرَّدَةَ. وأُجِيبُ: بِأنَّهُ اتَّبَعَ فِعْلَهُ في الإعْلالِ فَأُعِلَّ، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى القِيامِ، فَكَما أُعِلَّ القِيامُ أُعِلَّ هو. وحَكى الأخْفَشُ: قِيَمًا وقِوَمًا، قالَ: والقِياسُ تَصْحِيحُ الواوِ، وإنَّما اعْتَلَّتْ عَلى وجْهِ الشُّذُوذِ كَقَوْلِهِمْ: تِيرَةٌ، وقَوْلِ بَنِي ضَبَّةَ: طِيالٌ في جَمْعِ طَوِيلٍ، وقَوْلِ الجَمِيعِ: جِيادٌ في جَمْعِ جَوادٍ. وإذا أعَلُّوا دِيَمًا لِاعْتِلالِ دِيمَةٍ، فَإنَّ إعْلالَ المَصْدَرِ لِاعْتِلالِ فِعْلِهِ أوْلى. ألا تَرى إلى صِحَّةِ الجَمْعِ مَعَ اعْتِلالِ مُفْرَدِهِ في مَعِيشَةٍ ومَعائِشَ، ومَقامَةٍ ومَقاوِمَ، ولَمْ يُصَحِّحُوا مَصْدَرًا أعَلُّوا فِعْلَهُ. وقِيلَ: يُحْتَمَلُ هُنا أنْ يَكُونَ جَمْعَ قِيمَةٍ، وإنْ كانَ لا يَحْتَمِلُهُ ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ [الأنعام: ١٦١] . وأمّا قِيامٌ فَظاهِرٌ فِيهِ المَصْدَرُ، وأمّا قِوامٌ فَقِيلَ: مَصْدَرُ قاوَمَ. وقِيلَ: هو اسْمٌ غَيْرُ مَصْدَرٍ، وهو ما يُقامُ بِهِ كَقَوْلِكَ: هو مِلاكُ الأمْرِ لِما يُمْلَكُ بِهِ. وأمّا قِوامٌ فَخَطَأٌ عِنْدَ أبِي حاتِمٍ. وقالَ: القِوامُ: امْتِدادُ القامَةِ، وجَوَّزَهُ الكِسائِيُّ. وقالَ: هو في مَعْنى القَوامِ، يَعْنِي أنَّهُ مَصْدَرٌ. وقِيلَ: اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ. وقِيلَ: القِوامُ القامَةُ، والمَعْنى: الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ سَبَبَ بَقاءِ قاماتِكم.

﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ أيْ: أطْعِمُوهم واجْعَلُوا لَهم نَصِيبًا. قِيلَ: مَعْناهُ فِيمَن يَلْزَمُ الرَّجُلَ نَفَقَتُهُ مِن زَوْجَتِهِ وبَنِيهِ الصِّغارِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تَعْمِدْ إلى هَلاكِ الشَّيْءِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَكَ مَعِيشَةً فَتُعْطِيَهُ امْرَأتَكَ أوْ بَنِيَكَ ثُمَّ تُنْظَرَ إلى ما في أيْدِيهِمْ، وأمْسِكْ ذَلِكَ وأصْلِحْهُ، وكُنْ أنْتَ تُنْفِقُ عَلَيْهِمْ في رِزْقِهِمْ وكِسْوَتِهِمْ ومَئُونَتِهِمْ. وقِيلَ: في المَحْجُورِينَ، وهو خِلافٌ مُرَتَّبٌ عَلى الخِلافِ في المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: وآتُوا مَن هم ؟ والمَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ: اجْعَلُوها مَكانًا لِرِزْقِهِمْ بِأنْ تَتَّجِرُوا فِيها وتَرْبَحُوا، حَتّى تَكُونَ نَفَقَتُهم مِنَ الأرْباحِ لا مِن صُلْبِ المالِ، فَلا يَأْكُلُها الإنْفاقُ. قِيلَ: وقالَ (فِيها): ولَمْ يَقُلْ مِنها تَنْبِيهًا عَلى ما قالَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: (ابْتَغُوا في أمْوالِ اليَتامى التِّجارَةَ لا تَأْكُلَها الزَّكاةُ) والمُسْتَحَبُّ أنْ يَكُونَ الإنْفاقُ عَلَيْهِمْ مِن فَضَلاتِها المُكْتَسَبَةِ. وقِيلَ: (في) بِمَعْنى (مِن)، أيْ: مِنها.

﴿وقُولُوا لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ المَعْرُوفُ: ما تَأْلَفُهُ النُّفُوسُ وتَأْنَسُ إلَيْهِ ويَقْتَضِيهِ (p-١٧١)الشَّرْعُ، فَإنْ كانَ المُرادُ بِالسُّفَهاءِ المَحْجُورِينَ، فَمِنَ المَعْرُوفِ وعْدُهُمُ الوَعْدَ الحَسَنَ بِأنَّكم إذا رَشَدْتُمْ سَلَّمَنا إلَيْكم أمْوالَكم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعَطاءٌ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ جُرَيْجٍ. وقالَ عَطاءٌ: إذا رَبِحْتُ أعْطَيْتُكَ، وإذا غَنِمْتُ في غَزاتِي، جَعَلْتُ لَكَ حَظًّا. وإنْ كانَ المُرادُ النِّساءَ والبَنِينَ الأصاغِرَ والسُّفَهاءَ الأجانِبَ، فَتَدْعُو لَهم: بارَكَ اللَّهُ فِيكم، وحاطَكم وشِبْهُهُ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وقالَ الضَّحّاكُ: الرَّدُّ الجَمِيلُ. ولَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى أوَّلًا بِإيتاءِ اليَتامى بِقَوْلِهِ: ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] وأمَرَ ثانِيًا بِإيتاءِ أمْوالِ النِّساءِ بِقَوْلِهِ: ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ﴾ [النساء: ٤] وكانَ ذَلِكَ عامًّا مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ ذَلِكَ الإيتاءَ إنَّما هو لِغَيْرِ السَّفِيهِ، وخَصَّ ذَلِكَ العُمُومَ، وقَيَّدَ الإطْلاقَ الَّذِي في الأمْرِ بِالإيتاءِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском