Abu HayyanAn‑Nisa · 4:54–58

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:54–58

4:54–56Page 87

أَمۡ يَحۡسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۖ فَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ ءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَءَاتَيۡنَٰهُم مُّلۡكًا عَظِيمٗا ٥٤

Or do they envy people for what Allāh has given them of His bounty? But We had already given the family of Abraham the Scripture and wisdom1 and conferred upon them a great kingdom.

فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن صَدَّ عَنۡهُۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ٥٥

And some among them believed in it,1 and some among them were averse to it. And sufficient is Hell as a blaze.

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا سَوۡفَ نُصۡلِيهِمۡ نَارٗا كُلَّمَا نَضِجَتۡ جُلُودُهُم بَدَّلۡنَٰهُمۡ جُلُودًا غَيۡرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمٗا ٥٦

Indeed, those who disbelieve in Our verses - We will drive them into a fire. Every time their skins are roasted through, We will replace them with other skins so they may taste the punishment. Indeed, Allāh is ever Exalted in Might and Wise.

﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ (أمْ) أيْضًا مُنْقَطِعَةٌ فَتُقَدَّرُ بِـ (بَلْ) . والهَمْزَةُ قِيلَ: لِلِانْتِقالِ مِن كَلامٍ إلى كَلامٍ. والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الَّذِي يَصْحَبُهُ الإنْكارُ. أنْكَرَ عَلَيْهِمْ أوَّلًا البُخْلَ، ثُمَّ ثانِيًا الحَسَدَ. فالبُخْلُ مَنعُ وُصُولِ خَيْرٍ مِنَ الإنْسانِ إلى غَيْرِهِ، والحَسَدُ تَمَنِّي زَوالِ ما أعْطى اللَّهُ الإنْسانَ مِنَ الخَيْرِ، وإيتاؤُهُ لَهُ. نَعى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ تَحَلِّيَهم بِهاتَيْنِ الخَصْلَتَيْنِ الذَّمِيمَتَيْنِ. ولَمّا كانَ الحَسَدُ شَرَّ الخَصْلَتَيْنِ تَرَقّى إلى ذِكْرِهِ بَعْدَ ذِكْرِ البُخْلِ. والنّاسُ هُنا: النَّبِيُّ ﷺ . والفَضْلُ: النُّبُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ والضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ أيْضًا: والفَضْلُ ما أُبِيحَ لَهُ مِنَ النِّساءِ. وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ عِنْدَهم أنَّ اليَهُودَ قالَتْ لِكُفّارِ العَرَبِ: انْظُرُوا إلى هَذا الَّذِي يَقُولُ إنَّهُ بُعِثَ بِالتَّواضُعِ، وإنَّهُ لا يَمْلَأُ بَطْنَهُ طَعامًا، لَيْسَ هَمُّهُ إلّا في النِّساءِ، ونَحْوَ هَذا؛ فَنَزَلَتْ. والمَعْنى: لِمَ تَخُصُّونَهُ بِالحَسَدِ، ولا تَحْسُدُونَ آلَ إبْراهِيمَ - يَعْنِي -: سُلَيْمانَ وداوُدَ في أنَّهُما أُعْطِيا النُّبُوَّةَ والكِتابَ، وأُعْطِيا مَعَ ذَلِكَ مُلْكًا عَظِيمًا في أمْرِ النِّساءِ؛ وهو ما رُوِيَ أنَّهُ كانَ لِسُلَيْمانَ سَبْعُمِائَةِ امْرَأةٍ، وثَلاثُمِائَةِ سُرِّيَّةٍ، ولِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ. فالمُلْكُ في هَذا القَوْلِ إباحَةُ النِّساءِ، كَأنَّهُ المَقْصُودُ أوَّلًا بِالذِّكْرِ. وقالَ قَتادَةُ: النّاسُ هُنا العَرَبُ حَسَدَتْها بَنُو إسْرائِيلَ أنْ كانَ الرَّسُولُ ﷺ مِنها، والفَضْلُ هُنا الرَّسُولُ. والمَعْنى: لِمَ يَحْسُدُونَ العَرَبَ عَلى هَذا النَّبِيِّ، وقَدْ أُوتِيَ أسْلافُهم أنْبِياءً وكُتُبًا كالتَّوْراةِ والزَّبُورِ، وحِكْمَةً وهي الفَهْمُ في الدِّينِ مِمّا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الكِتابُ ؟ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: نَحْنُ النّاسُ يُرِيدُ قُرَيْشًا.

﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ أيْ مُلْكَ سُلَيْمانَ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: هو النُّبُوَّةُ. وقالَ هَمّامُ بْنُ الحارِثِ، وأبُو مَسْلَمَةَ، وابْنُ زَيْدٍ: هو التَّأْيِيدُ بِالمَلائِكَةِ. وقِيلَ النّاسُ هُنا الرَّسُولُ وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ. والكِتابُ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ أوْ هُما والزَّبُورُ أقْوالٌ، والحِكْمَةُ: النُّبُوَّةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، أوِ الفِقْهُ في الدِّينِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. وقِيلَ المُلْكُ العَظِيمُ هو الجَمْعُ بَيْنَ سِياسَةِ الدُّنْيا وشَرْعِ الدِّينِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أمْ يَحْسُدُونَهم عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ النُّصْرَةِ والغَلَبَةِ وازْدِيادِ العِزِّ والتَّقَدُّمِ كُلَّ يَوْمٍ. (فَقَدْ آتَيْنا) إلْزامٌ لَهم بِما عَرَفُوهُ مِن إيتاءِ اللَّهِ الكِتابِ والحِكْمَةِ آلَ إبْراهِيمَ الَّذِينَ هم أسْلافُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأنَّهُ لَيْسَ بِبِدْعٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ مِثْلَ ما أُوتِيَ أسْلافُهُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: المُلْكُ في آلِ إبْراهِيمَ مُلْكُ يُوسُفَ وداوُدَ وسُلَيْمانَ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو كَلامٌ حَسَنٌ.

﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾ أيْ مِن آلِ إبْراهِيمَ مَن آمَنَ بِإبْراهِيمَ، ومِنهم مَن كَفَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦]؛ قالَهُ السُّدِّيُّ: أوْ فَمِن آلِ إبْراهِيمَ مَن آمَنَ بِالكِتابِ، أوْ فَمِنَ اليَهُودِ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا﴾ [النساء: ٤٧] . مَن آمَنَ بِهِ أيْ بِالقُرْآنِ، وهو المَأْمُورُ بِالإيمانِ بِهِ في قَوْلِهِ: بِما نَزَّلْنا؛ قالَهُ مُجاهِدٌ، ومُقاتِلٌ والفَرّاءُ والجُمْهُورُ (p-٢٧٤)ولِذَلِكَ ارْتَفَعَ الطَّمْسُ، ولَمْ يَقَعْ. أوْ فَمِنَ اليَهُودِ مَن آمَنَ بِالفَضْلِ الَّذِي أُوتِيَهُ الرَّسُولُ ﷺ أوِ العَرَبُ عَلى ما تَقَدَّمَ. أوْ فَمِنَ اليَهُودِ مَن آمَنَ بِهِ؛ أيْ بِما ذُكِرَ مِن حَدِيثِ آلِ إبْراهِيمَ. أوْ فَمِنَ اليَهُودِ مَن آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ، ومِنهم مَن أنْكَرَ نُبُوَّتَهُ. والظّاهِرُ أنَّهُ تَعالى لَمّا أنْكَرَ عَلى اليَهُودِ حَسَدَهُمُ النّاسَ عَلى فَضْلِ اللَّهِ الَّذِي آتاهم؛ أتى بِما بَعْدَهُ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِطْرادِ والنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي لَكم أنْ تَحْسُدُوا فَقَدْ حازَ أسْلافُكم مِنَ الشَّرَفِ ما يَنْبَغِي أنْ لا تَحْسُدُوا أحَدًا.

وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ ﷺ في كَوْنِهِمْ يَحْسُدُونَهُ ولا يَتَّبِعُونَهُ؛ فَذَكَرَ أنَّهم أيْضًا مَعَ أسْلافِهِمْ وأنْبِيائِهِمُ انْقَسَمُوا إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ. هَذا وهم أسْلافُهم فَكَيْفَ بِنَبِيٍّ لَيْسَ هو مِنهم ؟ .

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ يَعْمَرَ، والجَحْدَرِيُّ: (ومَن صُدَّ عَنْهُ) بِرَفْعِ الصّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ أُبَيٌّ، وأبُو الحَوْراءِ، وأبُو رَجاءٍ والحَوْفِيُّ، بِكَسْرِ الصّادِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. والمُضاعَفُ المُدْغَمُ الثُّلاثِيُّ يَجُوزُ فِيهِ إذا بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ ما جازَ في باعَ إذا بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ؛ فَتَقُولُ: حُبُّ زَيْدٍ بِالضَّمِّ، وحِبٌّ بِالكَسْرِ. ويَجُوزُ الإشْمامُ. والصَّدُّ لَيْسَ مُقابِلًا لِلْإيمانِ إلّا مِن حَيْثُ المَعْنى؛ وكانَ المَعْنى واللَّهُ أعْلَمُ: فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ واتَّبَعَهُ، ومِنهم مَن كَذَّبَ بِهِ وصَدَّ عَنْهُ.

﴿وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أيِ احْتِراقًا والتِهابًا أيْ لِمَن صَدَّ عَنْهُ. وسَعِيرًا تَمْيِيزٌ وهو شِدَّةُ تَوَقُّدِ النّارِ. والتَّقْدِيرُ: وكَفى بِسَعِيرِ جَهَنَّمَ سَعِيرًا؛ وهو كِنايَةٌ عَنْ شِدَّةِ العَذابِ والعُقُوبَةِ.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا﴾ لَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما أعَدَّ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ بِآياتِهِ؛ ثُمَّ بَعْدُ يُتْبَعُ بِما أعَدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ، وصارَ نَظِيرَ ﴿وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿نُصْلِيهِمْ﴾ مِن أصْلى. وقَرَأ حُمَيْدٌ: نَصْلِيهِمْ مِن صَلِيَتْ. وقَرَأ سَلّامٌ ويَعْقُوبُ: ﴿نُصْلِيهِمْ﴾ بِضَمِّ الهاءِ.

﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ انْتِصابٌ عَلى (كُلِّ) الظَّرْفِ لِأنَّهُ مُضافٌ إلى (ما) المَصْدَرِيَّةِ الظَّرْفِيَّةِ، والعامِلُ فِيهِ بَدَّلْناهم؛ وهي جُمْلَةٌ فِيها مَعْنى الشَّرْطِ. وهي في مَوْضِعِ الحالِ، والعامِلُ فِيها ﴿نُصْلِيهِمْ﴾ . والتَّبْدِيلُ عَلى مَعْنَيَيْنِ: تَبْدِيلٌ في الصِّفاتِ مَعَ بَقاءِ العَيْنِ، وتَبْدِيلٌ في الذَّواتِ بِأنْ تَذْهَبَ العَيْنُ وتَجِيءَ مَكانَها عَيْنٌ أُخْرى؛ يُقالُ: هَذا بَدَلُ هَذا. والظّاهِرُ في الآيَةِ هَذا المَعْنى. الثّانِي. وأنَّهُ إذا نَضِجَ ذَلِكَ الجِلْدُ وتَهَرّى وتَلاشى جِيءَ بِجِلْدٍ آخَرَ مَكانَهُ؛ ولِهَذا قالَ: جُلُودًا غَيْرَها. قالَ السُّدِّيُّ: إنَّ الجُلُودَ تُخْلَقُ مِنَ اللَّحْمِ؛ فَإذا أُحْرِقَ جِلْدٌ بَدَّلَهُ اللَّهُ مِن لَحْمِ الكافِرِ جِلْدًا آخَرَ. وقِيلَ: هي بِعَيْنِها تُعادُ بَعْدَ إحْراقِها؛ كَما تُعادُ الأجْسادُ بَعْدَ البِلى في القُبُورِ؛ فَيَكُونُ ذَلِكَ عائِدًا إلى الصِّفَةِ، لا إلى الذّاتِ. وقالَ الفُضَيْلُ: يُجْعَلُ النُّضْجُ غَيْرَ نَضِيجٍ. وقِيلَ: تُبَدَّلُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعَ مَرّاتٍ. وقالَ الحَسَنُ: سَبْعِينَ. وأبْعَدُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الجُلُودَ هي سَرابِيلُ مِن قَطِرانٍ تُخالِطُ جُلُودَهم مُخالَطَةً لا يُمْكِنُ إزالَتُها. فَيُبَدِّلُ اللَّهُ تِلْكَ السَّرابِيلَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ. أوْ كَما قِيلَ: مِائَةَ ألْفِ مَرَّةٍ. وسُمِّيَتْ جُلُودًا لِمُلابَسَتِها الجُلُودَ. وأبْعَدُ - أيْضًا - مَن ذَهَبَ إلى أنَّ هَذا اسْتِعارَةٌ عَنِ الدَّوامِ؛ كُلَّما انْتَهى فَقَدِ ابْتَدَأ مِن أوَّلِهِ، يَعْنِي: كُلَّما ظَنُّوا أنَّهم نَضِجُوا واحْتَرَقُوا وانْتَهَوْا إلى الهَلاكِ أعْطَيْناهم قُوَّةً جَدِيدَةً مِنَ الحَياةِ؛ بِحَيْثُ ظَنُّوا أنَّهُمُ الآنَ حَدَّثُوا ووَجَدُوا؛ فَيَكُونُ المَقْصُودُ بَيانُ دَوامِ العَذابِ وعَدَمِ انْقِطاعِهِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُلْبِسُهُمُ اللَّهُ جُلُودًا بَيْضاءَ كَأنَّها قَراطِيسُ. وقالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى: يَلْبَسُ أهْلُ النّارِ جُلُودًا تُؤْلِمُهم ولا تُؤْلَمُ هي.

﴿لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ أيْ ذَلِكَ التَّبْدِيلَ كُلَّما نَضِجَتِ الجُلُودُ، هو لِيَذُوقُوا ألَمَ العَذابِ. وأتى بِلَفْظِ الذَّوْقِ المُشْعِرِ بِالإحْساسِ الأوَّلِ وهو آلَمُ؛ فَجَعَلَ كُلَّما وقَعَ التَّبْدِيلُ كانَ لِذَوْقِ العَذابِ بِخِلافِ مَن تَمَرَّنَ عَلى العَذابِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِيَذُوقُوا العَذابَ لِيَدُومَ لَهم دُونَهُ ولا يَنْقَطِعَ؛ كَقَوْلِكَ لِلْعَزِيزِ: أعَزَّكَ اللَّهُ أيْ أدامَكَ عَلى عِزِّكَ، وزادَكَ فِيهِ.

﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أيْ عَزِيزًا (p-٢٧٥)لا يُغالَبُ، حَكِيمًا يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَزِيزٌ لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمّا يُرِيدُهُ بِالمُجْرِمِينَ، حَكِيمٌ لا يُعَذِّبُ إلّا بِعَدْلٍ مَن يَسْتَحِقُّهُ.

4:57Page 87

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ لَّهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَنُدۡخِلُهُمۡ ظِلّٗا ظَلِيلًا ٥٧

But those who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they abide forever. For them therein are purified spouses, and We will admit them to deepening shade.

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيهِ أبَدًا﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى وعِيدَ الكُفّارِ أعْقَبَ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ، وجاءَتْ جُمْلَةُ الكُفّارِ مُؤَكَّدَةً بِأنَّ عَلى سَبِيلِ تَحْقِيقِ الوَعِيدِ المُؤَكَّدِ. ولَمْ يَحْتَجْ إلى ذَلِكَ في جُمْلَةِ المُؤْمِنِينَ، وأتى فِيها بِالسِّينِ المُشْعِرَةِ بِقِصَرِ مُدَّةِ التَّنْفِيسِ عَلى سَبِيلِ تَقْرِيبِ الخَيْرِ مِنَ المُؤْمِنِ، وتَبْشِيرِهِ بِهِ.

﴿لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا.

﴿ونُدْخِلُهم ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ؛ أيْ يَقِي مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ. ويَصِحُّ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ ظِلٌّ لا يَنْتَقِلُ؛ كَما يَفْعَلُ ظِلُّ الدُّنْيا؛ فَأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ظَلِيلًا لِذَلِكَ. ويَصِحُّ أنْ يَصِفَهُ بِظَلِيلٍ لِامْتِدادِهِ؛ فَقَدْ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يُسَيِّرُ الرّاكِبُ الجَوادَ المُضْمَرَ في ظِلِّها مِائَةَ سَنَةٍ ما يَقْطَعُها» . انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: الظَّلِيلُ هو القَوِيُّ المُتَمَكِّنُ. قالَ: ونَعْتُ الشَّيْءِ بِمِثْلِ ما اشْتُقَّ مِن لَفْظِهِ يَكُونُ مُبالَغَةً كَقَوْلِهِمْ: لَيْلٌ ألْيَلُ، وداهِيَةٌ دَهْياءُ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: وإنَّما قالَ ظِلًّا ظَلِيلًا؛ لِأنَّ بِلادَ العَرَبِ في غايَةِ الحَرارَةِ؛ فَكانَ الظِّلُّ عِنْدَهم مِن أعْظَمِ أسْبابِ الرّاحَةِ؛ ولِهَذا المَعْنى جُعِلَ كِنايَةً عَنِ الرّاحَةِ، ووَصْفُهُ بِالظَّلِيلِ مُبالَغَةٌ في الرّاحَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ظَلِيلٌ صِفَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن لَفْظِ الظِّلِّ؛ لِتَأْكِيدِ مَعْناهُ، كَما يُقالُ: لَيْلٌ ألْيَلُ، ويَوْمٌ أيْوَمُ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ؛ وهو ما كانَ فَيْنانًا لا جَوْبَ فِيهِ، ودائِمًا لا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ. وسَجْسَجًا لا حَرَّ فِيهِ، ولا بَرْدَ، ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا ظَلُّ الجَنَّةِ رَزَقَنا اللَّهُ بِتَوْفِيقِهِ ما يُزْلِفُ إلَيْهِ التَّقَيُّؤَ تَحْتَ ذَلِكَ الظِّلِّ. وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (سَيُدْخِلُهم) بِالياءِ انْتَهى. وقالَ الحَسَنُ: قَدْ يَكُونُ ظِلًّا لَيْسَ بِظَلِيلٍ يَدْخُلُهُ الحَرُّ والشَّمْسُ؛ فَلِذَلِكَ وصَفَ ظَلَّ الجَنَّةِ بِأنَّهُ ظَلِيلٌ. وعَنِ الحَسَنِ: ظِلُّ أهْلِ الجَنَّةِ يَقِي الحَرَّ والسَّمُومِ، وظِلُّ أهْلِ النّارِ مِن يَحْمُومٍ لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ. ويُقالُ: إنَّ أوْقاتِ الجَنَّةِ كُلُّها سَواءٌ؛ اعْتِدالٌ لا حَرَّ فِيها ولا بَرْدَ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ: (سَيُدْخِلُهم) بِالياءِ، وكَذا (ويُدْخِلُهم ظِلًّا)؛ فَمَن قَرَأ بِالنُّونِ، وهُمُ الجُمْهُورُ فَلاحَظَ قَوْلَهُ في وعِيدِ الكُفّارِ: ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ﴾ [النساء: ٥٦]، ومَن قَرَأ بِالياءِ لاحَظَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦] فَأجْراهُ عَلى الغَيْبَةِ.

وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَيانِ والبَدِيعِ: الِاسْتِفْهامُ الَّذِي يُرادُ بِهِ التَّعَجُّبُ في: ألَمْ تَرَ في المَوْضِعَيْنِ، والخِطابُ العامُّ ويُرادُ بِهِ الخاصُّ في: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا﴾ [النساء: ٤٧]، وهو دُعاءُ الرَّسُولِ ﷺ ابْنَ صُورِيّا، وكَعْبًا، وغَيْرَهُما مِنَ الأحْبارِ إلى الإيمانِ حَسَبَ ما في سَبَبِ النُّزُولِ، والِاسْتِعارَةُ في قَوْلِهِ: مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا، في قَوْلِ مَن قالَ: هو الصَّرْفُ عَنِ الحَقِّ، وفي: لِيَذُوقُوا العَذابَ، أُطْلِقَ اسْمُ الذَّوْقِ الَّذِي هو مُخْتَصٌّ بِحاسَّةِ اللِّسانِ، وسَقْفِ الحَلْقِ عَلى وُصُولِ الألَمِ لِلْقَلْبِ. والطِّباقُ في: ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ [النساء: ٤٧]؛ والوَجْهُ ضِدُّ القَفا. وفي ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النساء: ٥١] . وفي: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ﴾ [النساء: ٥٦] . وفي: مَن آمَنَ، ومَن صَدَّ، وهَذا طِباقٌ مَعْنَوِيٌّ. والِاسْتِطْرادُ في: ﴿أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ﴾ [النساء: ٤٧] . والتَّكْرارُ في: يَغْفِرُ. وفي: لَفْظِ الجَلالَةِ، وفي: لَفْظِ النّاسِ. وفي: آتَيْنا وآتَيْناهم. وفي: فَمِنهم ومِنهم. وفي: جُلُودُهم، و﴿جُلُودًا﴾ [النساء: ٥٦]، وفي: سَنُدْخِلُهم، ونُدْخِلُهم. والتَّجْنِيسُ المُماثِلُ في: نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا. وفي: ﴿لا يَغْفِرُ﴾ [النساء: ٤٨]، ﴿ويَغْفِرُ﴾ [النساء: ٤٨] . وفي: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ٥٢]، ”ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ“، وفي ( ﴿لا يُؤْتُونَ النّاسَ﴾ [النساء: ٥٣] ﴿آتاهُمُ﴾ [النساء: ٥٤] ﴿آتَيْنا﴾ [النساء: ٥٤] ﴿وآتَيْناهُمْ﴾ [النساء: ٥٤] . وفي: يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ، وآمَنُوا أهْدى. والتَّعَجُّبُ: بِلَفْظِ الأمْرِ في قَوْلِهِ: ”انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ“ . وتَلْوِينُ الخِطابِ في: ﴿يَفْتَرُونَ﴾ [النساء: ٥٠] أقامَ المُضارِعَ مَقامَ الماضِي إعْلامًا أنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى ذَلِكَ. والِاسْتِفْهامُ الَّذِي مَعْناهُ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ في:﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٥٣] . وفي: أمْ يَحْسُدُونَ. والإشارَةُ في: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾ [النساء: ٥٢] . والتَّقْسِيمُ في: ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾ [النساء: ٥٥] . والتَّعْرِيضُ في: ﴿فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٥٣] عَرَّضَ بِشِدَّةِ بُخْلِهِمْ. (p-٢٧٦)وإطْلاقُ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ في: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ [النساء: ٥٤] إذًا فُسِّرَ بِالرَّسُولِ. وإقامَةُ المُنَكَّرِ مَقامَ المُعَرَّفِ لِمُلاحَظَةِ الشُّيُوعِ. والكَثْرَةُ في: ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا﴾ [النساء: ٥٦] . والِاخْتِصاصُ في: ﴿عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦] . والحَذْفُ في مَواضِعَ.

4:58Page 87

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا ٥٨

Indeed, Allāh commands you to render trusts to whom they are due and when you judge between people to judge with justice. Excellent is that which Allāh instructs you. Indeed, Allāh is ever Hearing and Seeing.

﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ إنَّ اللَّهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ إنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكم فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١] ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ [النساء: ٦٢] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣]

الزَّعْمُ: قَوْلٌ يَقْتَرِنُ بِهِ الِاعْتِقادُ الظَّنِّيُّ. وهو بِضَمِّ الزّايِ وفَتْحِها وكَسْرِها. قالَ الشّاعِرُ، وهو أبُو ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيُّ:

؎فَإنْ تَزْعُمِينِي كُنْتُ أجْهَلَ فِيكم فَإنِّي شَرَيْتُ الحِلْمَ بَعْدَكِ بِالجَهْلِ

وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: أكْثَرُ ما يَقَعُ عَلى الباطِلِ. وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”مَطِيَّةُ الرَّجُلِ زَعَمُوا“ . وقالَ الأعْشى:

؎ونُبِّئْتُ قَيْسًا ولَمْ أبْلُهُ

؎كَما زَعَمُوا خَيْرَ أهْلِ اليَمَن ∗∗∗

فَقالَ المَمْدُوحُ، وما هو إلّا الزَّعْمُ، وحَرَمَهُ. وإذا قالَ سِيبَوَيْهِ: زَعَمَ الخَلِيلُ؛ فَإنَّما يَسْتَعْمِلُها فِيما انْفَرَدَ الخَلِيلُ بِهِ، وكانَ أقْوى. وذَكَرَ صاحِبُ العَيْنِ: أنَّ الأحْسَنَ في زَعْمِ أنْ تُوقَعَ عَلى أنْ قالَ، قالَ: وقَدْ تُوقَعُ في الشِّعْرِ عَلى الِاسْمِ. وأنْشَدَ بَيْتَ أبِي ذُؤَيْبٍ هَذا، وقَوْلَ الآخَرِ:

؎زَعَمَتْنِي شَيْخًا ولَسْتُ بِشَيْخِ ∗∗∗ إنَّما الشَّيْخُ مَن يَدِبُّ دَبِيبًا

ويُقالُ: زَعَمَ بِمَعْنى كَفَلَ، وبِمَعْنى رَأسَ؛ فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ مَرَّةً، وبِحَرْفِ جَرٍّ أُخْرى. ويُقالُ: زَعَمَتِ الشّاةُ؛ أيْ سَمِنَتْ، وبِمَعْنى هَزَلَتْ، ولا يَتَعَدّى. التَّوْفِيقُ: مَصْدَرُ وفَقَ والوِفاقُ والوَفْقُ ضِدَّ المُخالَفَةِ.

﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾ سَبَبُ نُزُولِها فِيما رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَهُ مُجاهِدٌ والزُّهْرِيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ ومُقاتِلٌ: ما ذَكَرُوا في قِصَّةٍ مُطَوَّلَةٍ مَضْمُونُها: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أخَذَ مِفْتاحَ الكَعْبَةِ مِن سادِنِيها عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ، وابْنِ عَمِّهِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمانَ بَعْدَ تَأبٍّ مِن عُثْمانَ، ولَمْ يَكُنْ أسْلَمَ، فَسَألَ العَبّاسُ الرَّسُولَ ﷺ أنْ يَجْمَعَ لَهُ بَيْنَ السِّقايَةِ والسِّدانَةِ؛ فَنَزَلَتْ فَرَدَّ المِفْتاحَ إلَيْهِما، وأسْلَمَ عُثْمانُ. وقالَ الرَّسُولُ (p-٢٧٧)ﷺ: «خُذُوها يا بَنِي طَلْحَةَ خالِدَةً تالِدَةً لا يَأْخُذُها مِنكم إلّا ظالِمٌ» . ورَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، ومَكْحُولٌ، واخْتارَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: نَزَلَتْ في الأُمَراءِ أنْ يُؤَدُّوا الأمانَةَ فِيما ائْتَمَنَهُمُ اللَّهُ مِن أمْرِ رَعِيَّتِهِ. وقِيلَ نَزَلَتْ عامَّةً، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ: أُبَيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وقَتادَةَ.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ وعْدَ المُؤْمِنِينَ، وذَكَرَ عَمَلَ الصّالِحاتِ، نَبَّهَ عَلى هَذَيْنِ العَمَلَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ اللَّذَيْنِ مَنِ اتَّصَفَ بِهِما كانَ أحْرى أنْ يَتَّصِفَ بِغَيْرِهِما مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ؛ فَأحَدُهُما ما يَخْتَصُّ بِهِ الإنْسانُ فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ، وهو أداءُ الأمانَةِ الَّتِي عُرِضَتْ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها، والثّانِي ما يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِالحُكْمِ العَدْلِ الخالِي عَنِ الهَوى، وهو مِنَ الأعْمالِ العَظِيمَةِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها رُسُلَهُ وأنْبِياءَهُ والمُؤْمِنِينَ. ولَمّا كانَ التَّرْتِيبُ الصَّحِيحُ أنْ يَبْدَأ الإنْسانُ بِنَفْسِهِ في جَلْبِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، ثُمَّ يَشْتَغِلُ بِحالِ غَيْرِهِ، أُمِرَ بِأداءِ الأمانَةِ أوَّلًا ثُمَّ بَعْدَهُ بِالأمْرِ بِالحُكْمِ بِالحَقِّ. والظّاهِرُ في: يَأْمُرُكم أنَّ الخِطابَ عامٌّ لِكُلِّ أحَدٍ في كُلِّ أمانَةٍ.

وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ في شَأْنِ مِفْتاحِ الكَعْبَةِ. وقالَ عَلِيٌّ وابْنُ أسْلَمَ وشَهْرٌ وابْنُ زَيْدٍ: خِطابٌ لِوُلاةِ المُسْلِمِينَ خاصَّةً؛ فَهو لِلنَّبِيِّ ﷺ، وأُمَرائِهِ، ثُمَّ يَتَناوَلُ مَن بَعْدَهم. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في الوُلاةِ أنْ يَعِظُوا النِّساءَ في النُّشُوزِ، ونَحْوَهُ، ويَرُدُّوهُنَّ إلى الأزْواجِ. وقِيلَ خِطابٌ لِلْيَهُودِ أُمِرُوا بِرَدِّ ما عِنْدَهم مِنَ الأمانَةِ، مِن نَعْتِ الرَّسُولِ أنْ يُظْهِرُوهُ لِأهْلِهِ؛ إذِ الخِطابُ مَعَهم قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ. ونَقَلَ التَّبْرِيزِيُّ: أنَّها خِطابٌ لِأُمَراءِ السَّرايا بِحِفْظِ الغَنائِمِ، ووَضْعِها في أهْلِها. وقِيلَ ذَلِكَ عامٌّ فِيما كَلَّفَهُ العَبْدُ مِنَ العِباداتِ. والأظْهَرُ ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ الخِطابَ عامٌّ يَتَناوَلُ الوُلاةَ فِيما إلَيْهِمْ مِنَ الأماناتِ في قِسْمَةِ الأمْوالِ، ورَدِّ الظُّلاماتِ وعَدْلِ الحُكُوماتِ. ومِنهُ دُونَهم مِنَ النّاسِ في الوَدائِعِ والعَوارِي والشَّهاداتِ، والرَّجُلُ يَحْكُمُ في نازِلَةٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يُرَخِّصِ اللَّهُ لِمُوسِرٍ، ولا مُعْسِرٍ أنْ يُمْسِكَ الأمانَةَ.

وقُرِئَ: ”أنْ تُؤَدُّوا الأمانَةَ“ عَلى التَّوْحِيدِ، وأنْ تَحْكُمُوا؛ ظاهِرُهُ: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ”أنْ تُؤَدُّوا“، وفَصَلَ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ بِإذا. وقَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ بَعْضُ أصْحابِنا، وجَعَلَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] ﴿وجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [يس: ٩] ﴿سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢] فَفَصَلَ في هَذِهِ الآيَةِ بَيْنَ الواوِ والمَعْطُوفِ بِالمَجْرُورِ. وأبُو عَلِيٍّ يَخُصُّ هَذا بِالشِّعْرِ، ولَيْسَ بِصَوابٍ. فَإنْ كانَ المَعْطُوفُ مَجْرُورًا أُعِيدَ الجارُّ نَحْوَ: امْرُرْ بِزَيْدٍ، وغَدًا بِعَمْرٍو. ولَكِنْ قَوْلُهُ: ﴿وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا﴾؛ لَيْسَ مِن هَذِهِ الآياتِ؛ لِأنَّ حَرْفَ الجَرِّ يَتَعَلَّقُ في هَذِهِ الآياتِ بِالعامِلِ في المَعْطُوفِ؛ والظَّرْفُ هُنا ظاهِرُهُ أنَّهُ مَنصُوبٌ بِأنْ تَحْكُمُوا، ولا يُمْكِنُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الفِعْلَ في صِلَةِ (أنْ)، ولا يُمْكِنُ أنْ يَنْتَصِبَ بِالنّاصِبِ؛ لِـ ﴿أنْ تَحْكُمُوا﴾؛ لِأنَّ الأمْرَ لَيْسَ واقِعًا وقْتَ الحُكْمِ. وقَدْ خَرَّجَهُ عَلى هَذا بَعْضُهم. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ (إذا) مَعْمُولَةٌ؛ لِـ ﴿أنْ تَحْكُمُوا﴾ مُقَدَّرَةٍ، وأنْ تَحْكُمُوا المَذْكُورَةُ مُفَسِّرَةٌ لِتِلْكَ المُقَدَّرَةِ؛ هَذا إذا فَرَّعْنا عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. وأمّا إذا قُلْنا بِمَذْهَبِ الفَرّاءِ فَإذا مَنصُوبَةٌ بِـ ﴿أنْ تَحْكُمُوا﴾ هَذِهِ المَلْفُوظُ بِها؛ لِأنَّهُ يُجِيزُ: يُعْجِبُنِي العَسَلُ أنْ يُشْرَبَ، فَتَقَدَّمَ مَعْمُولُ صِلَةِ (أنْ) عَلَيْها.

﴿إنَّ اللَّهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ﴾ أصْلُهُ: نِعْمَ ما، و(ما) مَعْرِفَةٌ تامَّةٌ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ والكِسائِيِّ. كَأنَّهُ قالَ: نِعْمَ الشَّيْءُ يَعِظُكم بِهِ؛ أيْ شَيْءٌ يَعِظُكم بِهِ. ويَعِظُكم صِفَةٌ لِشَيْءٍ، وشَيْءٌ هو المَخْصُوصُ بِالمَدْحِ ومَوْصُولَةٌ عَلى مَذْهَبِ الفارِسِيِّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ. والمَخْصُوصُ مَحْذُوفٌ التَّقْدِيرُ: نِعْمَ الَّذِي يَعِظُكم بِهِ تَأْدِيَةُ الأمانَةِ والحُكْمُ بِالعَدْلِ، ونَكِرَةٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى التَّمْيِيزِ، ويَعِظُكم صِفَةٌ لَهُ عَلى مَذْهَبِ الفارِسِيِّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، والمَخْصُوصُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ كَتَقْدِيرِ ما قَبْلَهُ. وقَدْ تَأوَّلْتُ (ما) هُنا عَلى كُلِّ هَذِهِ (p-٢٧٨)الأقْوالِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما المُرْدَفَةُ عَلى نِعْمَ إنَّما هي مُهَيَّئَةٌ لِاتِّصالِ الفِعْلِ بِها كَما هي في (رُبَّما)، و(مِمّا) في قَوْلِهِ: وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، وكَقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎وإنّا لَمِمّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً ∗∗∗ عَلى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِّسانَ مِنَ الفَمِ

ونَحْوِهِ. وفي هَذا هي بِمَنزِلَةِ (رُبَّما)، وهي لَها مُخالِفَةٌ في المَعْنى؛ لِأنَّ (رُبَّما) مَعْناها التَّقْلِيلُ، ومِمّا مَعْناها التَّكْثِيرُ. ومَعَ أنَّ (ما) مُوَطِّئَةٌ، فَهي بِمَعْنى الَّذِي. و(ما) وطَّأتْ إلّا وهي اسْمٌ، ولَكِنَّ القَصْدَ إنَّما هو لِما يَلِيها مِنَ المَعْنى الَّذِي في الفِعْلِ. انْتَهى كَلامُهُ. وهو كَلامٌ مُتَهافِتٌ؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ جَعْلُها مُوَطِّئَةً مُهَيِّئَةً لا تَكُونُ اسْمًا، ومِن حَيْثُ جَعْلُها بِمَعْنى الَّذِي لا تَكُونُ مُهَيِّئَةً مُوَطِّئَةً فَتَدافَعا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (نِعِمّا) بِكَسْرِ العَيْنِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ العَيْنِ. وقَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: (نَعِمّا) بِفَتْحِ النُّونِ عَلى الأصْلِ؛ إذِ الأصْلُ نَعِمَ عَلى وزْنِ شَهِدَ. ونُسِبَ إلى أبِي عَمْرٍو سُكُونُ العَيْنِ؛ فَيَكُونُ جَمْعًا بَيْنَ ساكِنَيْنِ.

﴿إنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعًا﴾؛ أيْ لِأقْوالِكُمُ الصّادِرَةِ مِنكم في الأحْكامِ.

﴿بَصِيرًا﴾ بِرَدِّ الأماناتِ إلى أهْلِها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском