Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:71–75
4:71–72Page 89
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذۡرَكُمۡ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا ٧١
O you who have believed, take your precaution and [either] go forth in companies or go forth all together.
وَإِنَّ مِنكُمۡ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنۡ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَالَ قَدۡ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذۡ لَمۡ أَكُن مَّعَهُمۡ شَهِيدٗا ٧٢
And indeed, there is among you he who lingers behind; and if disaster strikes you, he says, "Allāh has favored me in that I was not present with them."
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها هو أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ طاعَتَهُ وطاعَةَ رَسُولِهِ، وكانَ مِن أهَمِّ الطّاعاتِ إحْياءُ دِينِ اللَّهِ أمَرَ بِالقِيامِ بِإحْياءِ دِينِهِ، وإعْلاءِ دَعْوَتِهِ، وأمَرَهم أنْ لا يَقْتَحِمُوا عَلى عَدُوِّهِمْ عَلى جَهالَةٍ فَقالَ: خُذُوا حِذْرَكم. فَعَلَّمَهم مُباشَرَةَ الحُرُوبِ. ولَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ المُنافِقِينَ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ تَحْذِيرَ المُؤْمِنِينَ مِن قَبُولِ مَقالاتِهِمْ وتَثْبِيطِهِمْ عَنِ الجِهادِ، فَنادى ولا باسِمِ الإيمانِ عَلى عادَتِهِ تَعالى إذا أرادَ أنْ يَأْمُرَ المُؤْمِنِينَ أوْ يَنْهاهم، والحَذَرَ والحَذَرَ بِمَعْنًى واحِدٍ. قالُوا: ولَمْ يُسْمَعْ في هَذا التَّرْكِيبِ الأخْذُ حِذْرَكَ لِأخْذِ حِذْرِكَ. ومَعْنى خُذْ حِذْرَكَ: أيِ اسْتَعِدَّ بِأنْواعِ ما يُسْتَعَدُّ بِهِ لِلِقاءِ مَن تَلَقّاهُ، فَيَدْخُلُ فِيهِ أخْذُ السِّلاحِ وغَيْرِهِ. ويُقالُ: أخَذَ حِذْرَهُ إذا احْتَرَزَ مِنَ المُخَوَّفِ، كَأنَّهُ جَعَلَ الحَذَرَ آلَتَهُ الَّتِي يَتَّقِي بِها ويَعْتَصِمُ، والمَعْنى: احْتَرِزُوا مِنَ العَدُوِّ. ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالخُرُوجِ إلى الجِهادِ جَماعَةً جَماعَةً، وسَرِيَّةً بَعْدَ سَرِيَّةٍ، أوْ كَتِيبَةً واحِدَةً مُجْتَمِعَةً.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فانْفِرُوا﴾ بِكَسْرِ الفاءِ فِيهِما. وقَرَأ الأعْمَشُ: بِضَمِّها فِيهِما، وانْتِصابِ (ثُباتًا) و(جَمِيعًا) عَلى الحالِ. ولَمْ يُقْرَأْ (ثُباتٍ) فِيما عَلِمْناهُ إلّا بِكَسْرِ التّاءِ. وقالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تَخْفِضُ هَذِهِ التّاءَ في النَّصْبِ وتَنْصِبُها. أنْشَدَنِي بَعْضُهم:
؎فَلَمّا جَلاها بِالايّامِ تَحَيَّزَتْ ثُباتًا عَلَيْها ذُلُّها واكْتِئابُها
يُنْشَدُ بِكَسْرِ التّاءِ وفَتْحِها انْتَهى. وأوْفى أوِ انْفَرُوا لِلتَّخْيِيرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ الآيَةُ نَسَخَتْها.
﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] قِيلَ: وإنَّما عُنِيَ بِذَلِكَ التَّخْصِيصُ إذْ لَيْسَ يُلْزَمُ النَّفْرُ جَماعَتَهم.
﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ الخِطابُ لِعَسْكَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ وابْنُ زَيْدٍ في آخَرِينَ: لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ هُمُ المُنافِقُونَ، وجُعِلُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ بِاعْتِبارِ الجِنْسِ، أوِ النَّسَبِ، أوِ الِانْتِماءِ إلى الإيمانِ ظاهِرًا. وقالَ الكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ. وقِيلَ: هم ضَعَفَةُ المُؤْمِنِينَ. ويُبْعِدُ هَذا القَوْلَ قَوْلُهُ: عِنْدَ مُصِيبَةِ المُؤْمِنِينَ ﴿قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ وقَوْلُهُ: (p-٢٩١)﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ [النساء: ٧٣] ومِثْلُ هَذا لا يَصْدُرُ عَنْ مُؤْمِنٍ؛ إنَّما يَصْدُرُ عَنْ مُنافِقٍ. واللّامُ في لَيُبَطِّئَنَّ لامُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ التَّقْدِيرُ: لَلَّذِي واللَّهِ لَيُبَطِّئَنَّ. والجُمْلَتانِ مِنَ القَسَمِ وجَوابِهِ صِلَةٌ لِمَن، والعائِدُ الضَّمِيرُ المُسْتَكِنُّ في ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ .
قالُوا: وفي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ مِن قُدَماءِ النُّحاةِ أنَّهُ لا يَجُوزُ وصْلُ المَوْصُولِ بِالقَسَمِ وجَوابِهِ إذا كانَتْ جُمْلَةُ القَسَمِ قَدْ عَرِيَتْ مِن ضَمِيرٍ؛ فَلا يَجُوزُ جاءَنِي الَّذِي أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَقَدْ قامَ أبُوهُ، ولا حُجَّةَ فِيها لِأنَّ جُمْلَةَ القَسَمِ مَحْذُوفَةٌ؛ فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ فِيها ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى المَوْصُولِ، واحْتُمِلَ أنْ لا يَكُونَ. وما كانَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ لا حُجَّةَ فِيهِ عَلى تَعْيِينِ أحَدِهِما، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ كُلًّا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾ [هود: ١١١] في قِراءَةِ مَن نَصَبَ (كُلًّا) وخَفَّفَ مِيمَ (لَما) أيْ: وإنْ كُلًّا لَلَّذِي لَيُوَفِّيَنَّهم عَلى أحْسَنِ التَّخارِيجِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: اللّامُ في ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ لامُ قَسَمٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ. وقِيلَ: هي لامُ تَأْكِيدٍ بَعْدَ تَأْكِيدٍ انْتَهى. وهَذا القَوْلُ الثّانِي خَطَأٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ: لَيُبَطِّئَنَّ بِالتَّخْفِيفِ. والقِراءَتانِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ فِيهِما لازِمًا؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ: أبْطَأ وبَطَّأ في مَعْنى بَطُؤَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَدِّيًا بِالهَمْزَةِ أوِ التَّضْعِيفِ مِن بَطُؤَ، فَعَلى اللُّزُومِ المَعْنى أنَّهُ يَتَثاقَلُ ويُثَبَّطُ عَنِ الخُرُوجِ لِلْجِهادِ، وعَلى التَّعَدِّي أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ.
﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ المُصِيبَةُ: الهَزِيمَةُ. سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِما يَلْحَقُ الإنْسانَ مِنَ العَتَبِ بِتَوْلِيَةِ الأدْبارِ وعَدَمِ الثَّباتِ. ومِنَ العَرَبِ مَن يَخْتارُ المَوْتَ عَلى الهَزِيمَةِ وقَدْ قالَ الشّاعِرُ:
؎إنْ كُنْتِ صادِقَةً كَما حَدَّثْتِنِي ∗∗∗ فَنَجَوْتِ مَنجى الحارِثِ بْنِ هِشامِ
؎تَرَكَ الأحِبَّةَ أنْ يُقاتِلَ عَنْهُمُ ∗∗∗ ونَجا بِرَأْسِ طِمِرَّةٍ ولِجامِ
عَيَّرَهُ بِالِانْهِزامِ وبِالفِرارِ عَنِ الأحِبَّةِ. وقالَ آخَرُ في المَدْحِ عَلى الثَّباتِ في الحَرْبِ والقَتْلِ فِيهِ:
؎وقَدْ كانَ فَوْتُ المَوْتِ سَهْلًا فَرَدَّهُ ∗∗∗ إلَيْهِ حِفاظُ المُرِّ والخُلُقُ الوَعْرُ
؎فَأثْبَتَ في مُسْتَنْقَعِ المَوْتِ رِجْلَهُ ∗∗∗ وقالَ لَها مِن تَحْتِ أُخْمُصِكِ الحَشْرُ
وقِيلَ: المُصِيبَةُ القَتْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ سَمَّوْا ذَلِكَ مُصِيبَةً عَلى اعْتِقادِهِمُ الفاسِدِ، أوْ عَلى أنَّ المَوْتَ كُلَّهُ مُصِيبَةٌ كَما سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى. وقِيلَ: المُصِيبَةُ الهَزِيمَةُ والقَتْلُ. والشَّهِيدُ هُنا الحاضِرُ مَعَهم في مُعْتَرَكِ الحَرْبِ، أوِ المَقْتُولُ في سَبِيلِ اللَّهِ، يَقُولُهُ المُنافِقُ اسْتِهْزاءً؛ لِأنَّهُ لا يَعْتَقِدُ حَقِيقَةَ المُشاهَدَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ.
4:73Page 89
وَلَئِنۡ أَصَٰبَكُمۡ فَضۡلٞ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمۡ تَكُنۢ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُۥ مَوَدَّةٞ يَٰلَيۡتَنِي كُنتُ مَعَهُمۡ فَأَفُوزَ فَوۡزًا عَظِيمٗا ٧٣
But if bounty comes to you from Allāh, he will surely say, as if [i.e., showing that] there had never been between you and him any affection, "Oh, I wish I had been with them so I could have attained a great attainment."1
﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ الفَضْلُ هُنا: الظَّفَرُ بِالعَدُوِّ والغَنِيمَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: لَيَقُولَنَّ بِفَتْحِ اللّامِ. وقَرَأ الحَسَنُ: لَيَقُولُنَّ بِضَمِّ (p-٢٩٢)اللّامِ؛ أُضْمِرَ فِيهِ ضَمِيرُ الجَمْعِ عَلى مَعْنى (مَن) . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ ”كَأنْ لَمْ تَكُنْ“ بِتاءِ التَّأْنِيثِ والباقُونَ بِالياءِ. وقَرَأ الحَسَنُ ويَزِيدُ النَّحْوِيُّ: فَأفُوزُ بِرَفْعِ الزّايِ عَطْفًا عَلى كُنْتُ؛ فَتَكُونُ الكَيْنُونَةُ مَعَهم والفَوْزُ بِالقِسْمَةِ داخِلَيْنِ في التَّمَنِّي، أوْ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ فَأنا أفُوزُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِنَصْبِ الزّايِ، وهو جَوابُ التَّمَنِّي. ومَذْهَبُ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ: أنَّ النَّصْبَ بِإضْمارِ (أنْ) بَعْدَ الفاءِ، وهي حَرْفُ عَطْفٍ عَطَفَتِ المَصْدَرَ المُنْسَبِكَ مِن (أنِ) المُضْمَرَةِ والفِعْلِ المَنصُوبِ بِها عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ. ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ: أنَّهُ انْتَصَبَ بِالخِلافِ. ومَذْهَبُ الجَرْمِيِّ: أنَّهُ انْتَصَبَ بِالفاءِ نَفْسِها، و(يا) عِنْدَ قَوْمٍ لِلنِّداءِ والمُنادى مَحْذُوفٌ؛ تَقْدِيرُهُ: يا قَوْمُ لَيْتَنِي. وذَهَبَ أبُو عَلِيٍّ: إلى أنَّ (يا) لِلتَّنْبِيهِ، ولَيْسَ في الكَلامِ مُنادًى مَحْذُوفٌ، وهو الصَّحِيحُ. و(كَأنْ) هُنا مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ. وإذا ولِيَتْها الجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ فَتَكُونُ مَبْدُوءَةً بِقَدْ، نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎لا يَهُولَنَّكَ اصْطِلاؤُكَ لِلْحَرِّ فَمَحْذُورُها كَأنْ قَدْ ألَمّا
أوْ بِـ (لَمْ) كَقَوْلِهِ: كَأنْ لَمْ يَكُنْ، ﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ [يونس: ٢٤]، ووَجَدْتُ في شِعْرِ عَمّارٍ الكَلْبِيِّ ابْتِداءَها في قَوْلِهِ:
؎بَدَّدَتْ مِنها اللَّيالِي شَمْلَهم ∗∗∗ فَكَأنْ لَمّا يَكُونُوا قَبْلُ ثَمَّ
ويَنْبَغِي التَّوَقُّفُ في جَوازِ ذَلِكَ حَتّى يُسْمَعَ مِن لِسانِ العَرَبِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(كَأنْ) مُضَمَّنَةٌ مَعْنى التَّشْبِيهِ؛ ولَكِنَّها لَيْسَتْ كالثَّقِيلَةِ في الحاجَةِ إلى الِاسْمِ والخَبَرِ؛ وإنَّما تَجِيءُ بَعْدَها الجُمَلُ انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ غَيْرَ مُحَرَّرٍ ولا عَلى إطْلاقِهِ؛ أمّا إذا خُفِّفَّتْ ووَلِيَها ما كانَ يَلِيها، وهي ثَقِيلَةٌ، فالأكْثَرُ والأفْصَحُ أنْ تَرْتَفِعَ تِلْكَ الجُمْلَةُ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، ويَكُونُ اسْمُ كانَ ضَمِيرَ شَأْنٍ مَحْذُوفًا، وتَكُونُ تِلْكَ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرِ كانَ. وإذا لَمْ يُنْوَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ جازَ لَها أنَّ تَنْصِبَ الِاسْمَ إذا كانَ مُظْهَرًا، وتَرْفَعَ الخَبَرَ هَذا ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. ولا يُخَصُّ ذَلِكَ بِالشِّعْرِ؛ فَنَقُولُ: كَأنْ زَيْدًا قائِمٌ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: وحَدَّثَنا مَن يَوْثَقُ بِهِ أنَّهُ سَمِعَ مِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: إنْ عُمَرَ المُنْطَلِقُ. وأهْلُ المَدِينَةِ يَقْرَءُونَ: ”وإنْ كُلًّا لَمّا“ يُخَفِّفُونَ، ويَنْصِبُونَ كَما قالَ: كَأنْ ثَدْيَيْهِ حُقّانِ، وذَلِكَ؛ لِأنَّ الحَرْفَ بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ، فَلَمّا حُذِفَ مِن نَفْسِهِ شَيْءٌ لَمْ يُغَيِّرْ عَمَلَهُ، كَما لَمْ يُغَيِّرْ عَمَلَ (لَمْ يَكُ)، ولَمْ أُبْلَ حِينَ حُذِفَ، انْتَهى. فَظاهِرُ تَشْبِيهِ سِيبَوَيْهِ: أنْ عُمَرَ المُنْطَلِقُ بِقَوْلِهِ: كَأنْ ثَدْيَيْهِ (p-٢٩٣)حُقّانِ جَوازُ ذَلِكَ في الكَلامِ، وأنَّهُ لا يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ.
وقَدْ نَقَلَ صاحِبُ رُءُوسِ المَسائِلِ: أنَّ (كَأنْ) إذا خُفِّفَتْ لا يَجُوزُ إعْمالُها عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، وأنَّ البَصْرِيِّينَ أجازُوا ذَلِكَ؛ فَعَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ قَدْ يَتَمَشّى قَوْلُ ابْنِ عَطِيَّةَ في (أنْ) كَـ (أنِ) المُخَفِّفَةِ لَيْسَتْ كالثَّقِيلَةِ في الحاجَةِ إلى الِاسْمِ والخَبَرِ، وأمّا عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ فَلا؛ لِأنَّها عِنْدَهم لا بُدَّ لَها مِنَ اسْمٍ وخَبَرٍ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ فِيها، ونَحْنُ نَسْرُدُ كَلامَ مَن وقَفْنا عَلى كَلامِهِ فِيها. فَنَقُولُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اعْتِراضٌ بَيْنَ الفِعْلِ الَّذِي هو لَيَقُولَنَّ وبَيْنَ مَفْعُولِهِ؛ وهو يا لَيْتَنِي والمَعْنى: كَأنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مَعَكم مَوَدَّةٌ؛ لِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يُوادُّونَ المُؤْمِنِينَ، ويُصادِقُونَهم في الظّاهِرِ؛ وإنْ كانُوا يَبْغُونَ لَهُمُ الغَوائِلَ في الباطِنِ. والظّاهِرُ أنَّهُ تَهَكُّمٌ؛ لِأنَّهم كانُوا أعْدى عَدُوٍّ لِلْمُؤْمِنِينَ، وأشَدَّهم حَسَدًا لَهم، فَكَيْفَ يُوصَفُونَ بِالمَوَدَّةِ إلّا عَلى وجْهِ العَكْسِ تَهَكُّمًا بِحالِهِمْ ؟ وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المُنافِقُ يُعاطِي المُؤْمِنِينَ المَوَدَّةَ، ويُعاهِدُ عَلى التِزامِ كُلَفِ الإسْلامِ، ثُمَّ يَتَخَلَّفُ نِفاقًا وشَكًّا وكُفْرًا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، ثُمَّ يَتَمَنّى عِنْدَما يَكْشِفُ الغَيْبَ الظَّفَرُ لِلْمُؤْمِنِينَ. فَعَلى هَذا يَجِيءُ قَوْلُهُ تَعالى: كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ التِفاتَةً بَلِيغَةً، واعْتِراضًا بَيْنَ القائِلِ والمَقُولِ بِلَفْظٍ يُظْهِرُ زِيادَةً في قُبْحِ فِعْلِهِمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: هَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ، أخْبَرَ تَعالى بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم كانُوا يُوادُّونَ المُؤْمِنِينَ. وقالَ أيْضًا وتَبِعَهُ الماتُرِيدِيُّ هَذا عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ تَقْدِيرُهُ: فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ: قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا، كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ، ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ.
قالَ الرّاغِبُ: وذَلِكَ مُسْتَقْبَحٌ فَإنَّهُ لا يُفْصَلُ بَيْنَ الجُمْلَةِ وبَعْضِ ما يَتَعَلَّقُ بِجُمْلَةٍ أُخْرى. وقالَ أيْضًا: وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ: مَوْضِعُ الجُمْلَةِ نَصْبٌ عَلى الحالِ كَما تَقُولُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ، وكَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ مَعْرِفَةٌ، فَضْلًا عَنْ مَوَدَّةٍ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن قَوْلِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ أقْعَدُوهم عَنِ الجِهادِ، وخَرَجُوا هم.
﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ﴾ أيْ وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ مَوَدَّةٌ فَيُخْرِجَكم مَعَهم لِتَأْخُذُوا مِنَ الغَنِيمَةِ، لِيُبَغِّضُوا بِذَلِكَ الرَّسُولَ إلَيْهِمْ. وتَبِعَ أبُو عَلِيٍّ في ذَلِكَ مُقاتِلًا. قالَ مُقاتِلٌ: مَعْناهُ كَأنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ مِلَّتِكم، ولا مَوَدَّةَ بَيْنَكم؛ يُرِيدُ: أنَّ المُبَطِّئَ قالَ لِمَن تَخَلَّفَ عَنِ الغَزْوِ مِنَ المُنافِقِينَ وضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ، ومَن تَخَلَّفَ بِإذْنٍ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَ مُحَمَّدٍ مَوَدَّةٌ فَيُخْرِجَكم إلى الجِهادِ، فَتَفُوزُونَ بِما فازَ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هو اعْتِراضٌ في غايَةِ الحُسْنِ؛ لِأنَّ مَن أحَبَّ إنْسانًا فَرِحَ عِنْدَ فَرَحِهِ، وحَزِنَ عِنْدَ حُزْنِهِ؛ فَإذا قَلَبَ القَضِيَّةَ فَذَلِكَ إظْهارٌ لِلْعَداوَةِ. فَنَقُولُ: حَكى تَعالى عَنِ المُنافِقِ سُرُورَهُ وقْتَ نَكْبَةِ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ أرادَ أنْ يَحْكِيَ حُزْنَهُ عِنْدَ دَوْلَةِ المُسْلِمِينَ بِسَبَبِ أنَّهُ فاتَتْهُ الغَنِيمَةُ فَقَبْلَ أنْ يَذْكُرَ الكَلامَ بِتَمامِهِ ألْقى قَوْلَهُ: كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ والمُرادُ التَّعَجُّبُ. كَأنَّهُ يَقُولُ تَعالى: انْظُرُوا إلى ما يَقُولُهُ هَذا المُنافِقُ، كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ أيُّها المُؤْمِنُونَ، ولا مُخالَطَةَ أصْلًا؛ فَهَذا هو المُرادُ مِنَ الكَلامِ.
وقالَ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ: قَوْلُ المُنافِقِ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم عَلى مَعْنى الحَسَدِ مِنهُ لِلْمُؤْمِنِينَ في نَيْلِ رَغْبَتِهِ.
وتَلَخَّصَ مِن هَذِهِ الأقْوالِ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ: إمّا أنْ يَكُونَ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ نَصْبٌ عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (لَيَقُولَنَّ)، أوْ نَصْبٌ عَلى المَفْعُولِ بِـ (يَقُولَنَّ) عَلى الحِكايَةِ، فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ المَقُولِ، وجُمْلَةُ المَقُولِ هو مَجْمُوعُ الجُمْلَتَيْنِ: جُمْلَةُ التَّشْبِيهِ، وجُمْلَةُ التَّمَنِّي. وضَمِيرُ الخِطابِ لِلْمُتَخَلِّفِينَ عَنِ الجِهادِ، وضَمِيرُ الغَيْبَةِ في (وبَيْنَهُ) لِلرَّسُولِ. وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ ضَمِيرُ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وضَمِيرُ الغَيْبَةِ لِلْقائِلِ. وإمّا أنْ لا يَكُونَ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ لِكَوْنِها اعْتِراضًا في الأصْلِ بَيْنَ جُمْلَةِ الشَّرْطِ وجُمْلَةِ القَسَمِ، وأُخِّرَتْ والنِّيَّةُ بِها التَّوَسُّطُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ. أوْ لِكَوْنِها اعْتِراضًا بَيْنَ (لَيَقُولَنَّ) ومَعْمُولِهِ الَّذِي هو جُمْلَةُ التَّمَنِّي، ولَيْسَ اعْتِراضًا يَتَعَلَّقُ بِمَضْمُونِ (p-٢٩٤)هَذِهِ الجُمْلَةِ المُتَأخِّرَةِ، بَلْ يَتَعَلَّقُ بِمَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ، والضَّمِيرُ لِلْخِطابِ هو لِلْمُؤْمِنِينَ، وفي (بَيْنَهُ) لِلْقائِلِ. واعْتَرَضَ بِهِ بَيْنَ أثْناءَ الحَمْلَةِ الأخِيرَةِ، ولَمْ يَتَأخَّرْ بَعْدَها، وإنْ كانَ مِن حَيْثُ المَعْنى مُتَأخِّرًا إذْ مَعْناهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ؛ لِأنَّ مَعْمُولَ القَوْلِ النِّيَّةُ بِهِ التَّقْدِيمُ، لَكِنَّهُ حَسَّنَ تَأْخِيرَهُ كَوْنُهُ وقَعَ فاصِلَةً. ولَوْ تَأخَّرَتْ جُمْلَةُ الِاعْتِراضِ لَمْ يَحْسُنْ لِكَوْنِها لَيْسَتْ فاصِلَةٌ؛ والتَّقْدِيرُ: لَيَقُولَنَّ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ؛ إذْ صَدَرَ مِنهُ قَوْلُهُ وقْتَ المُصِيبَةِ: قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا. وقَوْلُهُ وقْتَ الغَنِيمَةِ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم؛ وهَذا قَوْلُ مَن لَمْ تَسْبِقْ مِنهُ مَوَدَّةٌ لَكم.
وفِي الآيَتَيْنِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهم لا يَعُدُّونَ مِنَ المَنحِ إلّا أغْراضَ الدُّنْيا، يَفْرَحُونَ بِما يَنالُونَ مِنها، ولا مِنَ المِحَنِ إلّا مَصائِبَها فَيَتَألَّمُونَ لِما يُصِيبُهم مِنها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ﴾ [الفجر: ١٥] الآيَةَ. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ أنْواعًا مِنَ الفَصاحَةِ والبَدِيعِ: دُخُولُ حَرْفِ الشَّرْطِ عَلى ما لَيْسَ بِشَرْطٍ في الحَقِيقَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٥٩] . والإشارَةُ في: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [النساء: ٥٩]، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾ [النساء: ٦٣]، ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ﴾ [النساء: ٦٩]، ﴿وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٠] .
والِاسْتِفْهامُ المُرادُ بِهِ التَّعَجُّبُ في: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ [النساء: ٦٠] . والتَّجْنِيسُ المُغايِرُ في: ﴿أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا﴾ [النساء: ٦٠]، وفي: ﴿أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ [النساء: ٦٢]، وفي: ﴿وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا﴾ [النساء: ٦٣]، وفي: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١]، وفي: ﴿ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وفي: ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ [النساء: ٧٢]، وفي: ﴿فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ . والِاسْتِعارَةُ في: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، أصْلُ المُنازَعَةِ الجَذْبُ بِاليَدِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلتَّنازُعِ في الكَلامِ. وفي: ﴿ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] اسْتَعارَ البُعْدَ المُخْتَصَّ بِالأزْمِنَةِ والأمْكِنَةِ لِلْمَعانِي المُخْتَصَّةِ بِالقُلُوبِ لِدَوامِ القُلُوبِ عَلَيْها. وفي: ﴿فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] اسْتَعارَ ما اشْتَبَكَ وتَضايَقَ مِنَ الشَّجَرِ لِلْمُنازَعَةِ الَّتِي يَدْخُلُ بِها بَعْضُ الكَلامِ في بَعْضٍ اسْتِعارَةَ المَحْسُوسِ لِلْمَعْقُولِ
و﴿فِي أنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ [النساء: ٦٥] أطْلَقَ اسْمَ الحَرَجِ الَّذِي هو مِن وصْفِ الشَّجْرِ إذا تَضايَقَ عَلى الأمْرِ الَّذِي يَشُقُّ عَلى النَّفْسِ لِلْمُناسَبَةِ الَّتِي بَيْنَهُما وهو مِنَ الضِّيقِ والتَّتْمِيمِ، وهو أنْ يَتْبَعَ الكَلامَ كَلِمَةٌ تَزِيدُ المَعْنى تَمُكُّنًا وبَيانًا لِلْمَعْنى المُرادِ وهو في قَوْلِهِ ﴿قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣] أيْ: يَبْلُغُ إلى قُلُوبِهِمْ ألَمُهُ أوْ بالِغًا في زَجْرِهِمْ. وزِيادَةُ الحَرْفِ لِزِيادَةِ المَعْنى في: ﴿مِن رَسُولٍ﴾ [النساء: ٦٤] أتَتْ لِلِاسْتِغْراقِ إذْ لَوْ لَمْ تَدْخُلْ (لا) وهُمُ الواحِدُ. والتَّكْرارُ في: (اسْتَغْفَرَ) و(اسْتَغْفَرُوا) أنْفُسُهم، و﴿فِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٦٣] واسْمُ اللَّهِ في مَواضِعَ. والِالتِفاتُ في: ﴿واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء: ٦٤] . والتَّوْكِيدُ بِالمَصْدَرِ في: ﴿ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] . والتَّقْسِيمُ البَلِيغُ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] . وإسْنادُ الفِعْلِ إلى ما لا يَصِحُّ وُقُوعُهُ مِنهُ حَقِيقَةً في: ﴿أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ [النساء: ٧٢]، و﴿أصابَكم فَضْلٌ﴾ . وجَعْلُ الشَّيْءِ مِنَ الشَّيْءِ ولَيْسَ مِنهُ لِمُناسَبَةٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢] . والِاعْتِراضُ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ في قَوْلِهِ: كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ. والحَذْفُ في مَواضِعَ ﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤] ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٧٥] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦] ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧] ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] (p-٢٩٥)إدْراكُ الشَّيْءِ الوُصُولُ إلَيْهِ، ونَيْلُهُ. البُرْجُ الحَصِنُ، وقِيلَ القَصْرُ. والبُرُوجُ: مَنازِلُ القَمَرِ، وكُلُّها مِن بَرَجَ إذا ظَهَرَ، ومِنهُ التَّبَرُّجُ، وهو إظْهارُ المَرْأةِ مَحاسِنَها، والبَرَجُ في العَيْنِ اتِّساعُها. المُشَيَّدُ: المَصْنُوعُ بِالشِّيدِ، وهو الجِصُّ. يُقالُ: شادَ، وشَيَّدَ كَرَّرَ العَيْنَ لِلْمُبالَغَةِ، كَكَسَرْتُ العُودَ مَرَّةً، وكَسَّرْتُهُ في مَواضِعَ، وخَرَقْتُ الثَّوْبَ، وخَرَّقْتُهُ إذا كانَ الخَرِقُ مِنهُ في مَواضِعَ؛ فَعَلى هَذا يُقالُ: شادَ الجِدارَ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎شادَهُ مَرْمَرًا وجَلَّلَهُ كَلْـ ∗∗∗ ـسًا فَلِلطَّيْرِ في ذُراهُ وُكُورُ
والمُشَيَّدُ: المُطَوَّلُ المَرْفُوعُ يُقالُ: شَيَّدَ، وأشادَ البِناءَ رَفَعَهُ، وطَوَّلَهُ، ومِنهُ أشادَ الرَّجُلُ ذِكْرَ الرَّجُلِ إذا رَفَعَهُ. الفِقْهُ: الفَهْمُ. يُقالُ: فَقِهْتُ الحَدِيثَ إذا فَهِمْتُهُ، وفَقُهَ الرَّجُلُ صارَ فَقِيهًا.
4:74Page 89
۞ فَلۡيُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشۡرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَن يُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقۡتَلۡ أَوۡ يَغۡلِبۡ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٧٤
So let those fight in the cause of Allāh who sell the life of this world for the Hereafter. And he who fights in the cause of Allāh and is killed or achieves victory - We will bestow upon him a great reward.
﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ قِيلَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ أُحُدٍ. ويَشْرُونَ بِمَعْنى يَشْتَرُونَ. والمَعْنى: أخْلَصُوا الإيمانَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، ثُمَّ جاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ. وقِيلَ نَزَلَتْ في المُؤْمِنِينَ المُتَخَلِّفِينَ ويَشْرُونَ بِمَعْنى يَبْغُونَ ويُؤْثِرُونَ الآجِلَةَ عَلى العاجِلَةِ ويَسْتَبْدِلُونَها بِها أمْرَ اللَّهِ بِالجِهادِ مَن تَخَلَّفَ مِن ضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ.
﴿ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ثُمَّ وعَدَ مَن قاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِالأجْرِ العَظِيمِ، سَواءٌ اسْتُشْهِدَ، أوْ غُلِبَ. واكْتَفى في الحالَتَيْنِ بِالغايَةِ؛ لِأنَّ غايَةَ المَغْلُوبِ في القِتالِ أنْ يُقْتَلَ، وغايَةُ الَّذِي يَقْتُلُ أنْ يَغْلِبَ ويَغْنَمَ، فَأشْرَفُ الحالَتَيْنِ ما بُدِئَ بِهِ مِن ذِكْرِ الِاسْتِشْهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ويَلِيها أنْ يَقْتُلَ أعْداءَ اللَّهِ، ودُونَ ذَلِكَ الظَّفَرُ بِالغَنِيمَةِ، ودُونَ ذَلِكَ أنْ يَغْزُوَ فَلا يُصِيبَ، ولا يُصابَ. ولَفْظُ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ يَشْمَلُ هَذِهِ الأحْوالَ. والأجْرُ العَظِيمُ فُسِّرَ بِالجَنَّةِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ مَزِيدُ ثَوابٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى مِثْلَ كَوْنِهِمْ أحْياءً عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ؛ لِأنَّ الجَنَّةَ مَوْعُودٌ دُخُولُها بِالإيمانِ. وكَأنَّ الَّذِي فَسَّرَهُ بِالجَنَّةِ يَنْظُرُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] الآيَةَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَلْيُقاتِلْ﴾ بِسُكُونِ لامِ الأمْرِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بِكَسْرِها عَلى الأصْلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَيُقْتَلْ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. وقَرَأ مُحارِبُ بْنُ دِثارٍ: فَيَقْتُلْ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْفاعِلِ. وأدْغَمَ (يَغْلِبْ) في الفاءِ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وهِشامٌ، وخَلّادٌ بِخِلافٍ عَنْهُ، وأظْهَرَها باقِي السَّبْعَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: نُؤْتِيهِ بِالنُّونِ. وقَرَأ الأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: يُؤْتِيهِ بِالياءِ.
4:75Page 90
وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا ٧٥
And what is [the matter] with you that you fight not in the cause of Allāh and [for] the oppressed among men, women and children who say, "Our Lord, take us out of this city of oppressive people and appoint for us from Yourself a protector and appoint for us from Yourself a helper"?
﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ هَذا الِاسْتِفْهامُ فِيهِ حَثٌّ وتَحْرِيضٌ عَلى الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وعَلى تَخْلِيصِ المُسْتَضْعَفِينَ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تُقاتِلُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وما لَكَمْ في أنْ لا تُقاتِلُوا، فَلَمّا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، وحُذِفَ أنْ ارْتَفَعَ الفِعْلُ ”والمُسْتَضْعَفِينَ“ هو مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ اللَّهِ؛ أيْ وفي سَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ. وقالَ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى سَبِيلِ اللَّهِ؛ أيْ في سَبِيلِ اللَّهِ وفي خَلاصِ المُسْتَضْعَفِينَ.
وقَرَأ ابْنُ شِهابٍ: في سَبِيلِ اللَّهِ المُسْتَضْعَفِينَ بِغَيْرِ واوِ عَطْفٍ. فَإمّا أنْ يَخْرُجَ عَلى إضْمارِ حَرْفِ العَطْفِ، وإمّا عَلى البَدَلِ مِن سَبِيلِ اللَّهِ؛ أيْ في سَبِيلِ اللَّهِ سَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ؛ لِأنَّهُ سَبِيلُ اللَّهِ تَعالى. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ: والمُسْتَضْعَفِينَ مَنصُوبًا عَلى الِاخْتِصاصِ يَعْنِي: واخْتَصَّ مِن سَبِيلِ اللَّهِ خَلاصَ المُسْتَضْعَفِينَ؛ لِأنَّ سَبِيلَ اللَّهِ عامٌّ في كُلِّ خَيْرٍ، وخَلاصُ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ مِن أيْدِي الكُفّارِ مِن أعْظَمِ الخَيْرِ وأخَصِّهِ، انْتَهى كَلامُهُ. ولا حاجَةَ إلى تَكَلُّفِ نَصْبِهِ عَلى الِاخْتِصاصِ؛ إذْ هو خِلافُ الظّاهِرِ.
ويَعْنِي بِالمُسْتَضْعَفِينَ مَن كانَ بِمَكَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ تَحْتَ إذْلالِ قُرَيْشٍ وأذاهم إذْ كانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ خُرُوجًا، ولا تَطِيبُ لَهم (p-٢٩٦)عَلى الأذى إقامَةٌ. ومِنَ المُسْتَضْعَفِينَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ، وأُمُّهُ، وقَدْ دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّجاةِ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وسَمّى مِنهم: الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، وسَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ، وعَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ تَبْيِينٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ.
والظّاهِرُ أنَّ الوِلْدانَ المُرادُ بِهِ الصِّبْيانُ، وهو جَمْعُ ولِيدٍ. قِيلَ: وقَدْ يَكُونُ جَمْعَ ولَدٍ، كَوَرَلٍ ووِرْلانٍ. ونَبَّهَ عَلى الوِلْدانِ تَسْجِيلًا بِإفْراطِ ظُلْمِ مَن ظَلَمَهم؛ وهم غَيْرُ مُكَلَّفِينَ لِيَتَأذّى بِذَلِكَ آباؤُهم، ولِأنَّهم كانُوا يُشْرِكُونَ آباءَهم في الدُّعاءِ طَلَبًا لِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وتَخْلِيصِهِمْ مِن أذى الكُفّارِ. وهم أقْرَبُ إلى الإجابَةِ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ لَهم ذُنُوبٌ كَما فَعَلَ قَوْمُ يُونُسَ، وكَما هي السُّنَّةُ في خُرُوجِ الصِّبْيانِ في العِيدِ؛ لِأنَّهُ يُطْلَقُ عَلى العَبْدِ ولِيدٌ، وعَلى الأمَةِ ولِيدَةٌ، وغَلَبَ المُذَكَّرُ عَلى المُؤَنَّثِ إذْ دَرَجَ المُؤَنَّثُ في الجَمْعِ الِاسْتِسْقاءَ. وقِيلَ المُرادُ بِقَوْلِهِ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ الأحْرارُ وبِالوِلْدانِ العَبِيدُ لِأنَّهُ يُطْلَقُ عَلى العَبْدِ ولِيدٌ وعَلى الأمَةِ ولِيدَةٌ، وغَلَبَ المُذَكَّرُ ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا﴾ لَيْسَ لَهم مِنَ القُوَّةِ والمَنَعَةِ مِنَ الظُّلْمِ إلّا بِالدُّعاءِ والِاسْتِنْصارِ بِاللَّهِ تَعالى والقَرْيَةُ هُنا مَكَّةُ بِإجْماعٍ.
وتَكَلَّمُوا في جَرَيانِ الظّالِمِ، وهو مُذَكَّرٌ عَلى القَرْيَةِ، وهو مُؤَنَّثٌ، وهَذا مِن واضِحِ النَّحْوِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْ أُنِّثَ فَقِيلَ الظّالِمَةِ، أوْ جُمِعَ فَقِيلَ الظّالِمِينَ، وأجابَ عَنْ ذَلِكَ وهَذا لَمْ يُقْرَأْ بِهِ؛ فَيُحْتاجُ إلى الكَلامِ فِيهِ. ولَوْ تَعَرَّضْنا لِما يَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ في تَراكِيبِ القُرْآنِ لَطالَ ذَلِكَ، وخَرَجْنا بِهِ عَنْ طَرِيقَةِ التَّفْسِيرِ. ووَصَفَ أهْلَها بِالظُّلْمِ إمّا لِإشْراكِهِمْ، وإمّا لِما حَصَلَ مِنهم مِن شِدَّةِ الوَطْأةِ عَلى المُؤْمِنِينَ وإذْلالِهِمْ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والآيَةُ تَتَناوَلُ المُؤْمِنِينَ والأسْرى، وحَواضِرَ الشِّرْكِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ انْتَهى. ولَمّا دَعَوْا رَبَّهم أجابَ كَثِيرًا مِنهم في الخُرُوجِ؛ فَهاجَرَ بَعْضُهم إلى المَدِينَةِ، وفَرَّ بَعْضُهم إلى الحَبَشَةِ، وبَقِيَ بَعْضُهم إلى الفَتْحِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَجابَ دُعاءَهم؛ فَجَعَلَ لَهم مِن لَدُنْهُ خَيْرَ ولِيٍّ وناصِرٍ؛ وهو مُحَمَّدٌ؛ فَتَوَلّاهم أحْسَنَ التَّوَلِّي، ونَصَرَهم أقْوى النَّصْرِ. ولَمّا خَرَجَ مِن مَكَّةَ ولّى عَلَيْهِمْ عَتّابَ بْنَ أُسَيْدٍ، وعُمْرُهُ واحِدٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، فَرَأوْا مِنهُ الوِلايَةَ والنَّصْرَ كَما سَألُوا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ يُنْصِفُ الضَّعِيفَ مِنَ القَوِيِّ، حَتّى كانُوا أعَزَّ بِها مِنَ الظَّلَمَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences