Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:83–86
4:83Page 91
وَإِذَا جَآءَهُمۡ أَمۡرٞ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُواْ بِهِۦۖ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّيۡطَٰنَ إِلَّا قَلِيلٗا ٨٣
And when there comes to them something [i.e., information] about [public] security or fear, they spread it around. But if they had referred it back to the Messenger or to those of authority among them, then the ones who [can] draw correct conclusions from it would have known about it. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, you would have followed Satan, except for a few.
﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ﴾ رَوى مُسْلِمٌ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ عُمَرَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا اعْتَزَلَ نِساءَهُ؛ فَدَخَلَ عُمَرُ المَسْجِدَ فَسَمِعَ النّاسَ يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِساءَهُ؛ فَدَخَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَسَألَهُ: أطَلَّقْتَ نِساءَكَ ؟ قالَ: لا. فَخَرَجَ فَنادى: ألا إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُطَلِّقْ نِساءَهُ؛ فَنَزَلَتْ» . وكانَ هو الَّذِي اسْتَنْبَطَ الأمْرَ، ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ الرَّسُولَ كانَ إذا بَعَثَ سَرِيَّةً مِنَ السَّرايا فَغَلَبَتْ أوْ غُلِبَتْ؛ تَحَدَّثُوا بِذَلِكَ وأفْشَوْهُ، ولَمْ يَصْبِرُوا حَتّى يَكُونَ هو المُحَدِّثَ بِهِ؛ فَنَزَلَتْ.
والضَّمِيرُ في جاءَهم عَلى المُنافِقِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ. أوْ عَلى ناسٍ مِن ضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ قالَهُ الحَسَنُ والزَّجّاجُ. ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ أوْ عَلَيْهِما نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أوْ عَلى اليَهُودِ قالَهُ بَعْضُهم. والأمْرُ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ فَوْزُ السَّرِيَّةِ بِالظَّفَرِ والغَنِيمَةِ، أوِ الخَيْبَةِ والنَّكْبَةِ، فَيُبادِرُونَ بِإفْشائِهِ قَبْلَ أنْ يُخْبِرَ الرَّسُولُ بِذَلِكَ. أوْ ما كانَ يَنْزِلُ مِنَ الوَحْيِ بِالوَعْظِ بِالظَّفَرِ، أوْ بِتَخْفِيفٍ مِن جِهَةِ الكُفّارِ، كانَ يُسِرُّ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ إلَيْهِمْ فَيُفْشُونَهُ، وكانَ في ذَلِكَ مَضَرَّةٌ عَلى المُسْلِمِينَ، أوْ ما يَعْزِمُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ مِنَ الوَداعَةِ والأمانِ لِقَوْمٍ والخَوْفُ الخَبَرُ يَأْتِي أنَّ قَوْمًا يَجْمَعُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَيَخافُ المُسْلِمُونَ مِنهم قالَهُ الزَّجّاجُ والماوَرْدِيُّ، وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى أنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَشْرَئِبُّونَ إلى سَماعِ ما يَسُوءُ النَّبِيَّ ﷺ في سَراياهُ؛ فَإذا طَرَأتْ لَهم شُبْهَةُ أمْنٍ لِلْمُسْلِمِينَ، أوْ فُتِحَ عَلَيْهِمْ؛ حَقَّرُوها وصَغَّرُوا شَأْنَها انْتَهى. والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى الأمْرِ؛ قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى الأمْنِ أوِ الخَوْفِ، ووَحَّدَ الضَّمِيرَ؛ لِأنَّ (أوْ) تَقْتَضِي أحَدَهُما.
﴿ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾؛ أيْ ولَوْ رَدُّوا الأمْرَ الَّذِي بَلَغَهم إلى الرَّسُولِ، وأُولِي الأمْرِ، وهُمُ الخُلَفاءُ الأرْبَعَةُ، ومَن يَجْرِي عَلى سَنَنِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أوْ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ خاصَّةً، قالَهُ عِكْرِمَةُ. أوْ أُمَراءُ السَّرايا قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ زَيْدٍ. أوِ العُلَماءُ مِنَ الصَّحابَةِ قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ. والمَعْنى: لَوْ أمْسَكُوا (p-٣٠٦)عَنِ الخَوْضِ فِيما بَلَغَهم، واسْتَقْصَوُا الأمْرَ مِنَ الرَّسُولِ وأُولِي الأمْرِ؛ لَعَلِمَ حَقِيقَةَ ذَلِكَ الأمْرِ الوارِدِ مَن لَهُ بَحْثٌ ونَظَرٌ وتَجْرِبَةٌ؛ فَأخْبَرُوهم بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ، وأنَّ الأمْرَ لَيْسَ جارِيًا عَلى أوَّلِ خَبَرٍ يَطْرَأُ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هم ناسٌ مِن ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَمْ تَكُنْ فِيهِمْ خِبْرَةٌ بِالأحْوالِ والِاسْتِبْطانِ لِلْأُمُورِ، كانُوا إذا بَلَغَهم خَبَرٌ عَنْ سَرايا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أمْنٍ، وسَلامَةٍ أوْ خَوْفٍ وخَلَلٍ أذاعُوا بِهِ، وكانَتْ إذاعَتُهم مَفْسَدَةً. ولَوْ رَدُّوا ذَلِكَ الخَبَرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم، وهم كِبارُ الصَّحابَةِ البُصَراءُ بِالأُمُورِ، أوِ الَّذِينَ كانُوا يُؤَمَّرُونَ مِنهم لَعَلِمَهُ لِعِلْمِ تَدْبِيرِ ما أخْبَرُوا بِهِ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ؛ أيِ الَّذِينَ يَسْتَخْرِجُونَ تَدْبِيرَهُ بِفِطْنِهِمْ، وتَجارِبِهِمْ، ومَعْرِفَتِهِمْ بِأُمُورِ الحَرْبِ، ومَكايِدِها. وقِيلَ كانُوا يَقِفُونَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأُولِي الأمْرِ عَلى أمْنٍ، ووُثُوقٍ بِالظُّهُورِ عَلى بَعْضِ الأعْداءِ، أوْ عَلى خَوْفٍ واسْتِشْعارٍ؛ فَيُذِيعُونَهُ فَيُنْشَرُ، فَيَبْلُغُ الأعْداءَ فَتَعُودُ إذاعَتُهم مَفْسَدَةً، ولَوْ رَدُّوهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإلى أُولِي الأمْرِ، وفَوَّضُوهُ إلَيْهِمْ، وكانُوا كَأنْ لَمْ يَسْمَعُوا لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَ تَدْبِيرَهُ كَيْفَ يُدَبِّرُونَهُ، وما يَأْتُونَ ويَدْرُونَ فِيهِ. وقِيلَ كانُوا يَسْمَعُونَ مِن أفْواهِ المُنافِقِينَ شَيْئًا مِنَ الخَبَرِ عَنِ السَّرايا مَظْنُونًا غَيْرَ مَعْلُومِ الصِّحَّةِ فَيُذِيعُونَهُ؛ فَيَعُودُ ذَلِكَ وبالًا عْلى المُؤْمِنِينَ. ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ، وقالُوا: نَسْكُتُ حَتّى نَسْمَعَهُ مِنهم، ونَعْلَمَ هَلْ هو مِمّا يُذاعُ أوْ لا يُذاعُ ؟ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم لِعِلْمِ صِحَّتِهِ، وهَلْ هو مِمّا يُذِيعُ هَؤُلاءِ المُذِيعُونَ، وهُمُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنَ الرَّسُولِ وأُولِي الأمْرِ؛ أيْ يَتَلَقَّوْنَهُ مِنهم، ويَسْتَخْرِجُونَ عِلْمَهُ مِن جِهَتِهِمْ، انْتَهى كَلامُهُ.
وهَذِهِ كُلُّها تَأْوِيلاتٌ حَسَنَةٌ، وأجْراها عَلى نَسَقِ الكَلامِ هَذا التَّأْوِيلُ الأخِيرُ؛ وهو: أنَّ المَعْنى إذا طَرَأ خَبَرٌ بِأمْنِ المُسْلِمِينَ أوْ خَوْفٍ؛ فَيَنْبَغِي أنْ يُشاعَ، وأنْ يُرَدَّ إلى الرَّسُولِ، وأُولِي الأمْرِ، فَإنَّهم يُخْبِرُونَ عَنْ حَقِيقَةِ الأمْرِ فَيَعْلَمُهُ مَن يَسْألُهم، ويَسْتَخْرِجُ ذَلِكَ مِن جِهَتِهِمْ؛ لِأنَّ ما أخْبَرَ بِهِ الرَّسُولَ، وأُولُوا الأمْرِ إذْ هم مُخْبِرُونَ عَنْهُ حَقٌّ لا شَكَّ فِيهِ. وقالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى وُجُوبِ القَوْلِ بِالقِياسِ، واجْتِهادِ الرَّأْيِ في أحْكامِ الحَوادِثِ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ بِرَدِّ الحَوادِثِ إلى الرَّسُولِ في حَياتِهِ إذْ كانُوا بِحَضْرَتِهِ وإلى العُلَماءِ بَعْدَ وفاتِهِ والغَيْبَةِ عَنْ حَضْرَتِهِ. والمَنصُوصُ عَلَيْهِ لا يَحْتاجُ إلى اسْتِنْباطِهِ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ مِنَ الأحْكامِ ما هو مُودَعٌ في النَّصِّ، قَدْ كُلِّفَ الوُصُولُ إلى عِلْمِهِ بِالِاسْتِدْلالِ والِاسْتِنْباطِ. وطَوَّلَ الرّازِيُّ في هَذِهِ المَسْألَةِ اعْتِراضًا وانْفِصالًا واسْتَقْرَأ مِنَ الآيَةِ أحْكامًا.
قالَ: ويَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ القائِلِ بِالإمامَةِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الأحْكامِ مَنصُوصًا عَلَيْهِ يَعْرِفُهُ الإمامُ لَزالَ مَوْضِعُ الِاسْتِنْباطِ، وسَقَطَ الرَّدُّ إلى أُولِي الأمْرِ، بَلْ كانَ الواجِبُ الرَّدَّ إلى الإمامِ الَّذِي يَعْرِفُ صِحَّةَ ذَلِكَ مِن باطِلِهِ مِن جِهَةِ النَّصِّ. وقالَ الشَّيْخُ جَمالُ الدِّينِ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمانَ بْنِ النَّقِيبِ، وهو جامِعُ كِتابِ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ لِأقْوالِ أئِمَّةِ التَّفْسِيرِ ما نَصُّهُ في ذَلِكَ الكِتابِ: وقَدْ لاحَ لِي في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا وتَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، وأنَّ هَذا الكَلامَ مُتَعَلِّقٌ بِالَّذِي قَبْلَهُ مَرْدُودٌ إلَيْهِ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢]، ولَوْ تَدَبَّرُوهُ لَعَلِمُوا أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ، والمُشْكِلُ عَلَيْهِمْ مِن مُتَشابِهِهِ لَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم يَعْنِي: لَعَلِمَ مَعْنى ذَلِكَ المُتَشابِهِ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم مِن أهْلِ العِلْمِ بِالكِتابِ إلّا قَلِيلًا؛ وهو ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ مِن عَلِمِ كِتابِهِ، ومَكْنُونِ خِطابِهِ. ثُمَّ قالَ: ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ﴾ والَّذِي حَسَّنَ لَهم ذَلِكَ، وزَيَّنَهُ الشَّيْطانُ، ثُمَّ التَفَتَ إلى المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ. وقَدْ أشارَ إلى شَيْءٍ مِن هَذا أبُو طالِبٍ المَكِّيُّ في كِتابِهِ المَعْرُوفِ بِقُوتِ القُلُوبِ، وقالَ: إنَّ قَوْلَهُ: (إلّا قَلِيلًا) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾، وعَلى هَذا (p-٣٠٧)يَكُونُ الِاسْتِنْباطُ اسْتِخْراجًا مِن مَعْنى اللَّفْظِ المُتَشابِهِ بِنَوْعٍ مِنَ النَّظْرَةِ والِاجْتِهادِ والتَّفَكُّرِ، انْتَهى كَلامُهُ. وهو كَما تَرى تَرْكِيبٌ، ونَظْمٌ غَيْرُ تَرْكِيبِ القُرْآنِ ونَظْمِهِ، وكَثِيرًا ما يَذْكُرُ هَذا الرَّجُلُ في القُرْآنِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا. وأغْرَبُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ يَجْعَلُهُ مِن أنْواعِ عِلْمِ البَيانِ؛ وأصْحابُنا وحُذّاقُ النَّحْوِيِّينَ يَجْعَلُونَهُ مِن بابِ ضَرائِرِ الأشْعارِ، وشَتّانَ ما بَيْنَ القَوْلَيْنِ.
وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: (لَعَلْمَهُ) بِسُكُونِ اللّامِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ مِثْلُ شَجْرَ بَيْنَهم، انْتَهى. ولَيْسَ مِثْلَهُ؛ لِأنَّ تَسْكِينَ عِلْمٍ قِياسٌ مُطَّرِدٌ في لُغَةِ تَمِيمٍ، و(شَجْرَ) لَيْسَ قِياسًا مُطَّرِدًا، إنَّما هو عَلى سَبِيلِ الشُّذُوذِ. وتَسْكِينُ (عَلْمَ) مِثْلُ التَّسْكِينِ في قَوْلِهِ:
؎فَإنْ تَبْلُهُ يَضْجَرْ كَما ضَجْرَ بازِلٌ مِنَ الأُدْمِ دَبَرَتْ صَفْحَتاهُ وغارِبُهُ
﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا﴾ هَذا خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِاتِّفاقٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ؛ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ: والمَعْنى لَوْلا هِدايَةُ اللَّهِ لَكم وإرْشادُهُ لَبَقِيتُمْ عَلى كُفْرِكم، وهو اتِّباعُ الشَّيْطانِ. وقِيلَ الفَضْلُ الرَّسُولُ. وقِيلَ الإسْلامُ. وقِيلَ القُرْآنُ. وقِيلَ في الرَّحْمَةِ أنَّها الوَحْيُ. وقِيلَ اللُّطْفُ. وقِيلَ النِّعْمَةُ. وقِيلَ التَّوْفِيقُ. والظّاهِرُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ هو مِن فاعِلِ ﴿اتَّبَعْتُمْ﴾ [الأعراف: ٩٠] . قالَ الضَّحّاكُ: هَدى الكُلَّ مِنهم لِلْإيمانِ؛ فَمِنهم مَن تَمَكَّنَ فِيهِ حَتّى لَمْ يَخْطُرْ لَهُ قَطُّ خاطِرُ شَكٍّ، ولا عَنَتْ لَهُ شُبْهَةُ ارْتِيابٍ؛ وذَلِكَ هو القَلِيلُ. وسائِرُ مَن أسْلَمَ مِنَ العَرَبِ لَمْ يَخْلُ مِنَ الخَواطِرِ، فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ بِتَجْرِيدِ الهِدايَةِ لَهم لَضَلُّوا، واتَّبَعُوا الشَّيْطانَ، ويَكُونُ الفَضْلُ مُعَيَّنًا؛ أيْ رِسالَةُ مُحَمَّدٍ والقُرْآنُ؛ لِأنَّ الكُلَّ إنَّما هُدِيَ بِفَضْلِ اللَّهِ عَلى الإطْلاقِ.
وقالَ قَوْمٌ: إلّا قَلِيلًا إشارَةٌ إلى مَن كانَ قَبْلَ الإسْلامِ غَيْرَ مُتَّبِعٍ لِلشَّيْطانِ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ؛ أدْرَكُوا بِعُقُولِهِمْ مَعْرِفَةَ اللَّهِ، ووَحَّدُوهُ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ الرَّسُولُ كَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ أدْرَكَ فَسادَ ما عَلَيْهِ اليَهُودُ والنَّصارى والعَرَبُ؛ فَوَحَّدَ اللَّهَ وآمَنَ بِهِ؛ فَعَلى هَذا يَكُونُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا؛ إذْ لَيْسَ مُنْدَرِجًا في المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿لاتَّبَعْتُمُ﴾ .
وقالَ قَوْمٌ: الِاسْتِثْناءُ إنَّما هو مِنَ الِاتِّباعِ، فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: إلّا اتَّباعًا قَلِيلًا؛ فَجَعَلَهُ مُسْتَثْنًى مِنَ المَصْدَرِ الدّالِّ عَلَيْهِ الفِعْلُ، وهو ﴿لاتَّبَعْتُمُ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: في تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ الِاتِّباعِ، قالَ: أيْ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ كُلُّكم إلّا قَلِيلًا مِنَ الأُمُورِ كُنْتُمْ لا تَتَّبِعُونَهُ فِيها، فَفَسَّرَهُ في الِاسْتِثْناءِ بِالمُتَّبَعِ فِيهِ، فَيَكُونُ اسْتِثْناءً مِنَ المُتَّبَعِ فِيهِ المَحْذُوفِ لا مِنَ الِاتِّباعِ، ويَكُونُ اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا والتَّقْدِيرُ: لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ في كُلِّ شَيْءٍ إلّا قَلِيلًا مِنَ الأشْياءِ فَلا تَتَّبِعُونَهُ فِيهِ. فَإنْ كانَ ابْنُ عَطِيَّةَ شَرَحَ مِن حَيْثُ المَعْنى فَهو صَحِيحٌ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ (p-٣٠٨)الِاتِّباعُ القَلِيلُ أنْ يَكُونَ المُتَّبَعُ فِيهِ قَلِيلًا؛ وإنْ كانَ شَرْحٌ مِن حَيْثُ الصِّناعَةُ النَّحْوِيَّةُ فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: إلّا اتِّباعًا قَلِيلًا لا يُرادِفُ إلّا قَلِيلًا مِنَ الأُمُورِ كُنْتُمْ لا تَتَّبِعُونَهُ فِيها. وقالَ قَوْمٌ: قَوْلُهُ إلّا قَلِيلًا عِبارَةٌ عَنِ العَدَمِ، يُرِيدُ: لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ كُلُّكم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ قَلِقٌ، ولَيْسَ يُشْبِهُ ما حَكى سِيبَوَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: أرْضٌ قَلَّما تُنْبِتُ كَذا، بِمَعْنى لا تُنْبِتُهُ؛ لِأنَّ اقْتِرانَ القِلَّةِ بِالِاسْتِثْناءِ يَقْتَضِي حُصُولَها؛ ولَكِنْ ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ، انْتَهى. وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ صَحِيحٌ، ولَكِنْ قَدْ جَوَّزَهُ هو في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦]، ولَمْ يَقْلَقْ عِنْدَهُ هُناكَ ولا رَدَّهُ، وقَدْ رَدَدْناهُ عَلَيْهِ هُناكَ فَيُطالَعُ ثَمَّةَ.
وقِيلَ ﴿إلّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦] مُسْتَثْنًى مِن قَوْلِهِ: ﴿أذاعُوا بِهِ﴾ والتَّقْدِيرُ: أذاعُوا بِهِ إلّا قَلِيلًا؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ زَيْدٍ، واخْتارَهُ الكِسائِيُّ، والفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ حَرْبٍ وجَماعَةٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ، ورَجَّحَهُ الطَّبَرِيُّ. وقِيلَ مُسْتَثْنًى مِن قَوْلِهِ: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾؛ قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ، واخْتارَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ. وقالَ مَكِّيٌّ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ رَحْمَتُهُ ونِعْمَتُهُ إذْ عافاكم مِمّا ابْتَلى بِهِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ وصَفَهم بِالتَّبْيِيتِ والخِلافِ.
﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ﴾ هو خِطابٌ لِلَّذِينِ قالَ لَهم: ﴿خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ﴾ [النساء: ٧١]، وقِيلَ الخِطابُ عامٌّ والقَلِيلُ المُسْتَثْنى هم أُمَّةُ الرَّسُولِ؛ لِأنَّهم قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الكُفّارِ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «ما أنْتُمْ إلّا كالرَّقْمَةِ البَيْضاءِ في الثَّوْرِ الأسْوَدِ» .
4:84Page 91
فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأۡسٗا وَأَشَدُّ تَنكِيلٗا ٨٤
So fight, [O Muḥammad], in the cause of Allāh; you are not held responsible except for yourself. And encourage the believers [to join you] that perhaps Allāh will restrain the [military] might of those who disbelieve. And Allāh is greater in might and stronger in [exemplary] punishment.1
﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ قِيلَ نَزَلَتْ في بَدْرٍ الصُّغْرى. دَعا النّاسَ إلى الخُرُوجِ، وكانَ أبُو سُفْيانَ واعَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اللِّقاءَ فِيها؛ فَكَرِهَ بَعْضُ النّاسِ أنْ يَخْرُجُوا فَنَزَلَتْ. فَخَرَجَ، وما مَعَهُ إلّا سَبْعُونَ لَمْ يَلْوِ عَلى أحَدٍ، ولَوْ لَمْ يَتْبَعْهُ أحَدٌ لَخَرَجَ وحْدَهُ.
ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ هي أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ في الآياتِ قَبْلَها تَثْبِيطَهم عَنِ القِتالِ، واسْتَطْرَدَ مِن ذَلِكَ إلى أنَّ المَوْتَ يُدْرِكُ كُلَّ أحَدٍ، ولَوِ اعْتَصَمَ بِأعْظَمِ مُعْتَصِمٍ، فَلا فائِدَةَ في الهَرَبِ مِنَ القِتالِ، وأتْبَعَ ذَلِكَ بِما أتْبَعَ مِن سُوءِ خِطابِ المُنافِقِينَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وفِعْلِهِمْ مَعَهُ مِن إظْهارِ الطّاعَةِ بِالقَوْلِ وخِلافِها بِالفِعْلِ، وبَكَّتَهم في عَدَمِ تَأمُّلِهِمْ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنَ القُرْآنِ الَّذِي فِيهِ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ؛ عادَ إلى أمْرِ القِتالِ. وهَكَذا عادَةُ كَلامِ العَرَبِ تَكُونُ في شَيْءٍ ثُمَّ تَسْتَطْرِدُ مِن ذَلِكَ إلى شَيْءٍ آخَرَ لَهُ بِهِ مُناسَبَةٌ وتَعَلُّقٌ، ثُمَّ تَعُودُ إلى ذَلِكَ الأوَّلِ.
والفاءُ هُنا عاطِفَةٌ جُمْلَةَ كَلامٍ عَلى جُمْلَةِ كَلامٍ يَلِيهِ؛ ومَن زَعَمَ أنَّ وجْهَ العَطْفِ بِالفاءِ هو أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ﴾ [النساء: ٧٥] أوْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤]، وهو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى عَلى تَقْدِيرِ شَرْطٍ؛ أيْ إنْ أرَدْتَ الفَوْزَ فَقاتِلْ. أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ [النساء: ٧٦] فَقَدْ أُبْعِدَ. وظاهِرُ الأمْرِ أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ وحْدَهُ، ويُؤَكِّدُهُ: لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ. وحَمَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى تَقْدِيرِ شَرْطٍ، قالَ أيْ إنْ أفْرَدُوكَ وتَرَكُوكَ وحْدَكَ لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ وحْدَها أنْ تُقَدِّمَها لِلْجِهادِ، فَإنَّ اللَّهَ هو ناصِرُكَ لا الجُنُودُ؛ فَإنْ شاءَ نَصَرَكَ وحْدَكَ كَما يَنْصُرُكَ وحَوْلَكَ الأُلُوفُ، انْتَهى. وسَبَقَهُ إلَيْهِ الزَّجّاجُ قالَ: أمَرَهُ بِالجِهادِ؛ وإنْ قاتَلَ وحْدَهُ؛ لِأنَّهُ ضَمِنَ لَهُ النُّصْرَةَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمْ نَجِدْ قَطُّ في خَبَرٍ أنَّ القِتالَ فُرِضَ عَلى النَّبِيِّ دُونَ الأُمَّةِ مَرَّةً ما؛ فالمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ في اللَّفْظِ، وهو مِثالُ ما يُقالُ لِكُلِّ واحِدٍ في خاصَّةِ نَفْسِهِ؛ أيْ أنْتَ يا مُحَمَّدُ وكُلُّ واحِدٍ مِن أُمَّتِكَ القَوْلُ لَهُ فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ، ولِهَذا يَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أنْ يَسْتَشْعِرَ أنْ يُجاهِدَ، ولَوْ وحْدَهُ. ومِن ذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «لَأُقاتِلَنَّهم حَتّى تَنْفَرِدَ سالِفَتَيَّ» (p-٣٠٩)وقَوْلُ أبِي بَكْرٍ وقْتَ الرِّدَّةِ: ولَوْ خالَفَتْنِي يَمِينِي لَجاهَدْتُها بِشِمالِي.
ومَعْنى ﴿لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ﴾؛ أيْ لا تُكَلَّفُ في القِتالِ إلّا نَفْسَكَ؛ فَقاتِلْ ولَوْ وحْدَكَ. وقِيلَ المَعْنى إلّا طاقَتَكَ ووُسْعَكَ. والنَّفْسُ يُعَبَّرُ بِها عَنِ القُوَّةِ، يُقالُ: سَقَطَتْ نَفْسُهُ؛ أيْ قُوَّتُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لا تُكَلَّفُ) خَبَرًا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، قالُوا: والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ لا حالًا شُرِعَ لَهُ فِيها أنَّهُ لا يُكَلَّفُ أمْرَ غَيْرِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ إنَّما يُكَلَّفُ أمْرَ نَفْسِهِ فَقَطْ. وقُرِئَ: (لا نُكَلِّفُ) بِالنُّونِ وكَسْرِ اللّامِ، ويَحْتَمِلُ وجْهَيِ الإعْرابِ: الحالُ والِاسْتِئْنافُ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لا تُكَلَّفْ بِالتّاءِ وفَتْحِ اللّامِ والجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ. وأمَرَهُ تَعالى بِحَثِّ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ وتَحْرِيكِ هِمَمِهِمْ إلى الشَّهادَةِ.
﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ: عَسى مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، ومِنَ البَشَرِ مُتَوَقَّعَةٌ مَرْجُوَّةٌ. والَّذِينَ كَفَرُوا: هم كُفّارُ قُرَيْشٍ، وقَدْ كَفَّ اللَّهُ تَعالى بَأْسَهم وبَدا لِأبِي سُفْيانَ تَرْكُ القِتالِ. وقالَ: هَذا عامٌ مُجْدِبٌ، وما كانَ مَعَهم إلّا السَّوِيقُ، ولا يَلْقَوْنَ إلّا في عامٍ مُخْصِبٍ فَرَجَعَ بِهِمْ. وقِيلَ كَفُّ البَأْسِ يَكُونُ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى بْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ ذَلِكَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةَ. وقِيلَ هي فِيمَن ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الجِزْيَةُ. والجُمْهُورُ عَلى ما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ ذَلِكَ كانَ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ إلى بَدْرٍ الصُّغْرى. والظّاهِرُ في هَذا أنَّهُ لا يَتَقَيَّدُ كَفُّ بَأْسِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما ذَكَرُوا، والتَّخْصِيصُ بِشَيْءٍ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ.
﴿واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ هَذا تَقْوِيَةٌ لِقُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، وأنَّ بَأْسَ اللَّهِ أشَدُّ مِن بَأْسِ الكُفّارِ. وقَدْ رَجى كَفَّ بَأْسِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ ما أعَدَّ لَهم مِنَ النَّكالِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى هو أشَدُّ عُقُوبَةً. فَذَكَرَ قُوَّتَهُ، وقُدْرَتَهُ عَلَيْهِمْ، وما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهم مِنَ التَّعْذِيبِ. قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: ﴿وأشَدُّ تَنْكِيلًا﴾؛ أيْ عُقُوبَةً فاضِحَةً، والأظْهَرُ أنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ هُنا عَلى بابِها. وقِيلَ هو مِن بابِ: العَسَلُ أحْلى مِنَ الخَلِّ؛ لِأنَّ بَأْسَهم بِالنِّسْبَةِ إلى بَأْسِهِ تَعالى لَيْسَ بِشَيْءٍ.
4:85–86Page 91
مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةٗ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةٗ سَيِّئَةٗ يَكُن لَّهُۥ كِفۡلٞ مِّنۡهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقِيتٗا ٨٥
Whoever intercedes for a good cause will have a share [i.e., reward] therefrom; and whoever intercedes for an evil cause will have a portion [i.e., burden] therefrom. And ever is Allāh, over all things, a Keeper.1
وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٖ فَحَيُّواْ بِأَحۡسَنَ مِنۡهَآ أَوۡ رُدُّوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَسِيبًا ٨٦
And when you are greeted with a greeting, greet [in return] with one better than it or [at least] return it [in a like manner]. Indeed Allāh is ever, over all things, an Accountant.
﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها، ومَن يَشْفَعُ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها﴾ قالَ قَوْمٌ: مَن يَكُنْ شَفِيعًا لِوِتْرِ أصْحابِكِ، يا مُحَمَّدُ في الجِهادِ؛ فَيُسْعِفُهم في جِهادِ عَدُوِّهِمْ يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنَ الجِهادِ، أوْ مَن يَشْفَعْ وِتْرَ الإسْلامِ بِالمَعُونَةِ لِلْمُسْلِمِينَ؛ فَتِلْكَ حَسَنَةٌ، ولَهُ نَصِيبٌ مِنها. وحَمَلَهم عَلى هَذا التَّأْوِيلِ ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ القِتالِ والأمْرِ بِهِ، وقالَ قَرِيبًا مِنهُ الطَّبَرِيُّ. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهم: هي في حَوائِجِ النّاسِ؛ فَمَن يَشْفَعْ لِنَفْعٍ فَلَهُ نَصِيبٌ، ومَن يَشْفَعْ لِضُرٍّ فَلَهُ كِفْلٌ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الشَّفاعَةُ الحَسَنَةُ هي الَّتِي رُوعِيَ فِيها حَقُّ مُسْلِمٍ، ودُفِعَ عَنْهُ بِها شَرٌّ، أوْ جُلِبَ إلَيْهِ خَيْرٌ، وابْتُغِيُ بِها وجْهُ اللَّهِ، ولَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْها رِشْوَةٌ، وكانَتْ في أمْرٍ جائِزٍ، لا في حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ، ولا حَقٍّ مِنَ الحُقُوقِ. والسَّيِّئَةُ ما كانَ بِخِلافِ ذَلِكَ انْتَهى.
وهَذا بَسْطُ ما قالَهُ الحَسَنُ؛ قالَ: الشَّفاعَةُ الحَسَنَةُ هي في البِرِّ والطّاعَةِ، والسَّيِّئَةُ في المَعاصِي. وقِيلَ الشَّفاعَةُ الحَسَنَةُ هي الدَّعْوَةُ لِلْمُسْلِمِ؛ لِأنَّها في مَعْنى الشَّفاعَةِ إلى اللَّهِ تَعالى. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن دَعا لِأخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ اسْتُجِيبَ لَهُ، وقالَ لَهُ المَلَكُ: ولَكَ مِثْلُ ذَلِكَ النَّصِيبِ» والدَّعْوَةُ عَلى المُسْلِمِ بِضِدٍّ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: الشَّفاعَةُ الحَسَنَةُ هُنا الصُّلْحُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ، والسَّيِّئَةُ الإفْسادُ بَيْنَهُما والسَّعْيُ بِالنَّمِيمَةِ. وقِيلَ الشَّفاعَةُ الحَسَنَةُ أنْ يَشْفَعَ إلى الكافِرِ حَتّى يُوَضِّحَ لَهُ مِنَ الحُجَجِ لَعَلَّهُ يُسْلِمُ، والسَّيِّئَةُ أنْ يَشْفَعَ إلى المُسْلِمِ عَسى يَرْتَدُّ أوْ يُنافِقُ. والظّاهِرُ أنَّ (مَن) لِلسَّبَبِ؛ أيْ نَصِيبٌ مِنَ الخَيْرِ بِسَبَبِها، وكِفْلٌ مِنَ الشَّرِّ بِسَبَبِها. وتَقَدَّمَ في المُفْرَداتِ أنَّ الكِفْلَ النَّصِيبُ.
وقالَ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ: الكِفْلُ المِثْلُ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: هو الوِزْرُ والإثْمُ، وغايَرَ في النَّصِيبِ، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ الكِفْلِ في الشَّفاعَةِ السَّيِّئَةِ؛ لِأنَّهُ أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ في الشَّرِّ، وإنْ كانَ قَدِ اسْتُعْمِلَ في الخَيْرِ لِقَوْلِهِ: ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] قالُوا: وهو مُسْتَعارٌ مِن كِفْلِ البَعِيرِ، وهو كِساءٌ يُدارُ عَلى سَنامِهِ لِيُرْكَبَ عَلَيْهِ، وسُمِّي كِفْلًا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَعُمَّ الظَّهْرَ؛ بَلْ (p-٣١٠)نَصِيبًا مِنهُ.
﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾؛ أيْ مُقْتَدِرًا؛ قالَهُ السُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ والكِسائِيُّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: حَفِيظًا، وشَهِيدًا. وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ: واصِبًا قَيِّمًا بِالأُمُورِ. وقِيلَ المُحِيطُ. وقِيلَ الحَسِيبُ. وقِيلَ المُجازِي. وقِيلَ المُواظِبُ لِلشَّيْءِ الدّائِمُ عَلَيْهِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا. وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ لِاسْتِلْزامِ بَعْضِها مَعْنى بَعْضٍ. وقالَ الطَّبَرِيُّ في قَوْلِهِ: إنِّي عَلى الحِسابِ مُقِيتٌ، إنَّهُ مِن غَيْرِ هَذِهِ المَعانِي المُتَقَدِّمَةِ، وإنَّهُ بِمَعْنى مَوْقُوتٍ. وهَذا يُضْعِفُهُ أنْ يَكُونَ بِناءُ اسْمِ الفاعِلِ بِمَعْنى بِناءِ اسْمِ المَفْعُولِ. وقالَ غَيْرُهُ: مَعْناهُ مُقْتَدِرٌ.
﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ الظّاهِرُ أنَّ التَّحِيَّةَ هُنا السَّلامُ، وأنَّ المُسَلَّمَ عَلَيْهِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنْ يَرُدَّ أحْسَنَ مِنها أوْ أنْ يَرُدَّها يَعْنِي مِثْلَها، فَـ (أوْ) هُنا لِلتَّخْيِيرِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ: بِأحْسَنَ مِنها إذا كانَ مُسْلِمًا، أوْ رَدُّوها إذا كانَ يُسَلِّمُ عَلَيْكَ كافِرٌ فارْدُدْ، وإنْ كانَ مَجُوسِيًّا فَتَكُونُ أوْ هُنا لِلتَّنْوِيعِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الكافِرَ لا يُرَدُّ عَلَيْهِ مِثْلُ تَحِيَّتِهِ؛ لِأنَّ المَشْرُوعَ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ أنْ يُقالَ لَهم: وعَلَيْكم، ولا يُزادُوا عَلى ذَلِكَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: وإذا حُيِّيتُمْ مَعْناهُ: وإذا حَيّاكُمُ المُسْلِمُونَ، وإلى هَذا ذَهَبَ عَطاءٌ. وعَنِ الحَسَنِ: ويَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلْكافِرِ: وعَلَيْكَ السَّلامُ، ولا يَقُلْ: ورَحْمَةُ اللَّهِ؛ فَإنَّها اسْتِغْفارٌ. وعَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قالَ لِنَصْرانِيٍّ سَلَّمَ عَلَيْهِ: وعَلَيْكَ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهُ فَقِيلَ لَهُ، فَقالَ: ألَيْسَ في رَحْمَةِ اللَّهِ يَعِيشُ ؟ وكَأنَّ مَن قالَ بِهَذا أخَذَ بِعُمُومِ ﴿وإذا حُيِّيتُمْ﴾، لَكِنَّ ذَلِكَ مُخالِفٌ لِلنَّصِّ النَّبَوِيِّ مِن قَوْلِهِ: «فَقُولُوا وعَلَيْكم» وكَيْفِيَّةُ رَدِّ الأحْسَنِ أنَّهُ إذا قالَ: سَلامٌ عَلَيْكَ؛ فَيَقُولُ: عَلَيْكَ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ. فَإذا قالَ: سَلامٌ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ قالَ: عَلَيْكَ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ. فَإذا قالَ المُسْلِمُ هَذا بِكَمالِهِ رُدَّ عَلَيْهِ مِثْلُهُ. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وغَيْرِهِما: أنَّ غايَةَ السَّلامِ إلى البَرَكَةِ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الرَّدَّ واجِبٌ لِأجْلِ الأمْرِ، ولا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ البَداءَةِ، بَلْ هي سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ. هَذا مَذْهَبُ أكْثَرِ العُلَماءِ، والجُمْهُورُ عَلى أنْ لا يُبْدَأ أهْلُ الكِتابِ بِالسَّلامِ، وشَذَّ قَوْمٌ فَأباحُوا ذَلِكَ. وقَدْ طَوَّلَ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ بِذَكَرِ فُرُوعٍ كَثِيرَةٍ في السَّلامِ، ومَوْضُوعُها عِلْمُ الفِقْهِ. وذَهَبَ مُجاهِدٌ: إلى تَخْصِيصِ هَذِهِ التَّحِيَّةِ بِالجِهادِ؛ فَقالَ: إذا حُيِّيتُمْ في سَفَرِكم بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ (فَلا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا) فَإنَّ أحْكامَ الإسْلامِ تَجْرِي عَلَيْهِمْ. ورَوى ابْنُ وهْبٍ، وابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في تَشْمِيتِ العاطِسِ، والرَّدِّ عَلى المُشَمِّتِ. وضَعَّفَ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ مِن أصْحابِ مالِكٍ هَذا القَوْلَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ عَلى ذَلِكَ دَلالَةٌ. أمّا أنَّ الرَّدَّ عَلى المُشَمِّتِ مِمّا يَدْخُلُ بِالقِياسِ في مَعْنى رَدِّ التَّحِيَّةِ، وهَذا هو مَنحى مالِكٍ إنْ صَحَّ ذَلِكَ، انْتَهى. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المُرادَ بِالتَّحِيَّةِ هُنا الهِدايَةُ واللُّطْفُ، وقالَ: حَقُّ مَن أعْطى شَيْئًا مِن ذَلِكَ أنْ يُعْطى مِثْلَهُ أوْ أحْسَنَ مِنهُ.
قالَ ابْنُ خُوَيْزِمِندادَ: يَجُوزُ أنَّ تُحْمَلَ هَذِهِ الآيَةُ عَلى الهِبَةِ إذا كانَتْ لِلثَّوابِ، وقَدْ شَحَنَ بَعْضُ النّاسِ تَأْلِيفَهُ هُنا بِفُرُوعٍ مِن أحْكامِ القِتالِ والسَّلامِ وتَشْمِيتِ العاطِسِ والهَدايا، ومَوْضُوعُها عِلْمُ الفِقْهِ، وذَكَرُوا أيْضًا في ما يَدْخُلُ في التَّحِيَّةِ مُقارِنًا لِلسَّلامِ واللِّقاءِ والمُصافَحَةِ، وأنَّ الرَّسُولَ ﷺ أمَرَ بِها وفَعَلَها مَعَ السَّلامِ والمُعانَقَةِ، وأوَّلُ مَن سَنَّها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، والقِبْلَةُ. وعَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَلْقى أخاهُ فَما يُفارِقُهُ حَتّى يَلْزَمَهُ ويُقَبِّلَهُ. وعَنْ عَلِيٍّ: قُبْلَةُ الوَلَدِ رَحْمَةٌ، وقُبْلَةُ المَرْأةِ شَهْوَةٌ، وقُبْلَةُ الوالِدَيْنِ بِرٌّ، وقُبْلَةُ الأخِ دِينٌ، وقُبْلَةُ الإمامِ العادِلِ طاعَةٌ، وقُبْلَةُ العالِمِ إجْلالُ اللَّهِ تَعالى. قالَ القُشَيْرِيُّ: في الآيَةِ تَعْلِيمٌ لَهم حُسْنَ العِشْرَةِ وآدابَ الصُّحْبَةِ، وأنَّ مَن حَمَّلَكَ فَضْلًا صارَ ذَلِكَ في ذِمَّتِكَ قَرْضًا، فَإنْ زِدْتَ عَلى فِعْلِهِ وإلّا فَلا تَنْقُصْ عَنْ مِثْلِهِ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ أيْ: حاسِبًا مِنَ الحِسابِ، أوْ مُحْسِبًا مِنَ الإحْسابِ وهو الكِفايَةُ. فَإمّا فَعِيلٌ لِلْمُبالَغَةِ، وإمّا (p-٣١١)بِمَعْنى مُفْعِلٍ.
وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ مِنَ البَيانِ والبَدِيعِ أنْواعًا الِالتِفاتَ في قَوْلِهِ: ﴿فَما أرْسَلْناكَ﴾ [النساء: ٨٠] . والتَّكْرارَ في: ﴿مَن يُطِعِ﴾ [النساء: ٨٠]، ﴿فَقَدْ أطاعَ﴾ [النساء: ٨٠]، وفي: بَيَّتَ ويُبَيِّتُونَ، وفي اسْمِ اللَّهِ في مَواضِعَ، وفي: (أشَدَّ)، وفي: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً﴾ . والتَّجْنِيسَ المُماثِلَ في: يُطِعْ وأطاعَ، وفي: بَيَّتَ ويُبَيِّتُونَ، وفي: ﴿حُيِّيتُمْ﴾ ﴿فَحَيُّوا﴾ . والمُغايِرَ في: وتَوَكَّلْ ووَكِيلًا، وفي: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً﴾، وفي: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ . والِاسْتِفْهامَ المُرادُ بِهِ الإنْكارُ في: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ﴾ [النساء: ٨٢] . والطِّباقَ في: ﴿مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ﴾ [النساء: ٨٣]، وفي: ﴿شَفاعَةً حَسَنَةً﴾ و﴿شَفاعَةً سَيِّئَةً﴾ . والتَّوْجِيهَ في: ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ [النساء: ٨١] . والِاحْتِجاجَ النَّظَرِيَّ ويُسَمّى المَذْهَبَ الكَلامِيَّ في: ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٨٢] . وخِطابَ العَيْنِ والمُرادُ بِهِ الغَيْرُ في: ﴿فَقاتِلْ﴾ [النساء: ٨٤] والِاسْتِعارَةَ في ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٨٤]، وفي: ﴿أنْ يَكُفَّ بَأْسَ﴾ [النساء: ٨٤]، وأفْعَلَ في غَيْرِ المُفاضَلَةِ في (أشَدُّ) . وإطْلاقَ كُلٍّ عَلى بَعْضٍ في: ﴿بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ٨٤] واللَّفْظُ مُطْلَقٌ والمُرادُ بَدْرٌ الصُّغْرى. والحَذْفَ في عِدَّةِ مَواضِعَ تَقْتَضِيها الدَّلالَةُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences