Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Ghafir 40:66–85
40:66–76Page 474
۞ قُلۡ إِنِّي نُهِيتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلۡبَيِّنَٰتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرۡتُ أَنۡ أُسۡلِمَ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦٦
Say, [O Muḥammad], "Indeed, I have been forbidden to worship those you call upon besides Allāh once the clear proofs have come to me from my Lord, and I have been commanded to submit to the Lord of the worlds."
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ يُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡ ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخٗاۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبۡلُۖ وَلِتَبۡلُغُوٓاْ أَجَلٗا مُّسَمّٗى وَلَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٦٧
It is He who created you from dust, then from a sperm-drop, then from a clinging clot; then He brings you out as a child; then [He develops you] that you reach your [time of] maturity, then [further] that you become elders. And among you is he who is taken in death before [that], so that you reach a specified term;1 and perhaps you will use reason.
هُوَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٦٨
He it is who gives life and causes death; and when He decrees a matter, He but says to it, "Be," and it is.
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصۡرَفُونَ ٦٩
Do you not consider those who dispute concerning the signs of Allāh - how are they averted?
ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلۡكِتَٰبِ وَبِمَآ أَرۡسَلۡنَا بِهِۦ رُسُلَنَاۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٧٠
Those who deny the Book [i.e., the Qur’ān] and that with which We sent Our messengers - they are going to know,
إِذِ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ وَٱلسَّلَٰسِلُ يُسۡحَبُونَ ٧١
When the shackles are around their necks and the chains; they will be dragged
فِي ٱلۡحَمِيمِ ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسۡجَرُونَ ٧٢
In boiling water; then in the Fire they will be filled [with flame].
ثُمَّ قِيلَ لَهُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تُشۡرِكُونَ ٧٣
Then it will be said to them, "Where is that which you used to associate [with Him in worship]
مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا بَل لَّمۡ نَكُن نَّدۡعُواْ مِن قَبۡلُ شَيۡـٔٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧٤
Other than Allāh?" They will say, "They have departed from us; rather, we did not used to invoke previously anything." Thus does Allāh put astray the disbelievers.
ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمۡ تَفۡرَحُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَبِمَا كُنتُمۡ تَمۡرَحُونَ ٧٥
[The angels will say], "That was because you used to exult upon the earth without right and you used to behave insolently.
ٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ ٧٦
Enter the gates of Hell to abide eternally therein, and wretched is the residence of the arrogant."
(p-٤٧٤)﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمّا جاءَنِيَ البَيِّناتُ مِن رَبِّي وأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ومِنكم مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ ولِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي ويُمِيتُ فَإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أنّى يُصْرَفُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهم أيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾ ﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ ﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ .
أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يُخْبِرَهم بِأنَّهُ نُهِيَ أنْ يَعْبُدَ أصْنامَهم، لَمّا جاءَتْهُ البَيِّناتُ مِن رَبِّهِ، فَهَذا نَهْيٌ بِالسَّمْعِ، وإنْ كانَ مَنهِيًّا بِدَلائِلِ العَقْلِ، فَتَظافَرَتْ أدِلَّةُ السَّمْعِ وأدِلَّةُ العَقْلِ عَلى النَّهْيِ عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ.
فَمِن أدِلَّةِ السَّمْعِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وذِكْرُهُ أنَّهُ نَهْيٌ بِالسَّمْعِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ مَنهِيًّا بِأدِلَّةِ العَقْلِ. ولَمّا نُهِيَ عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ، أخْبَرَ أنَّهُ أُمِرَ بِالِاسْتِسْلامِ لِلَّهِ تَعالى، ثُمَّ بَيَّنَ أمْرَ الوَحْدانِيَّةِ والأُلُوهِيَّةِ الَّتِي أصْنامُهم عارِيَةٌ عَنْ شَيْءٍ مِنهُما، بِالِاعْتِبارِ في تَدْرِيجِ ابْنِ آدَمَ بِأنْ ذَكَرَ مَبْدَأهُ الأوَّلَ، وهو مِن تُرابٍ.
ثُمَّ أشارَ إلى التَّناسُلِ بِخَلْقِهِ مِن نُطْفَةٍ، والطِّفْلُ اسْمُ جِنْسٍ، أوْ يَكُونُ المَعْنى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ﴾، أيْ: كُلَّ واحِدٍ مِنكم طِفْلًا، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى بُلُوغِ الأشُدِّ.
و(مِن قَبْلُ)، قالَ مُجاهِدٌ: مِن قَبْلِ أنْ يَكُونَ شَيْخًا، قِيلَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَبْلِ هَذِهِ الأحْوالِ، إذا خَرَجَ سَقْطًا، وقِيلَ: عِبارَةٌ بِتَرَدُّدِهِ في التَّدْرِيجِ المَذْكُورِ، ولا يَخْتَصُّ بِما قَبْلَ الشَّيْخِ، بَلْ مِنهم مَن يَمُوتُ قَبْلَ أنْ يُخْرَجَ طِفْلًا، وآخَرُ قَبْلَ الأشُدِّ، وآخَرُ قَبْلَ الشَّيْخِ.
﴿ولِتَبْلُغُوا﴾: مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: يُبْقِيكم لِتَبْلُغُوا، أيْ: لِيَبْلُغَ كُلُّ واحِدٍ مِنكم أجَلًا مُسَمًّى لا يَتَعَدّاهُ. قالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي مَوْتَ الجَمِيعِ، وقِيلَ: هو يَوْمُ القِيامَةِ. و(لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ) ما في ذَلِكَ مِنَ العِبْرَةِ والحُجَجِ، إذا نَظَرْتُمْ في ذَلِكَ وتَدَبَّرْتُمْ.
ولَمّا ذَكَرَ رُتَبَ الإيجادِ، ذَكَرَ أنَّهُ المُتَّصِفُ بِالإحْياءِ والإماتَةِ، وأنَّهُ مَتى تَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِإيجادِ شَيْءٍ أوْجَدَهُ مِن غَيْرِ تَأخُّرٍ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمَلِ.
ثُمَّ قالَ بَعْدَ ظُهُورِ هَذِهِ الآياتِ: ألا تَعْجَبُ إلى المُجادِلِ في رِسالَةِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والكِتابِ الَّذِي جاءَ بِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا﴾، ثُمَّ هَدَّدَهم بِقَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وغَيْرُهُ: هي إشارَةٌ إلى أهْلِ الأهْواءِ مِنَ الأُمَّةِ، ورَوَوْا في نَحْوِ هَذا حَدِيثًا وقالُوا: هي في أهْلِ القَدَرِ ومَن جَرى مَجْراهم، ويَلْزَمُ قائِلِي هَذِهِ المَقالَةِ أنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ كَلامًا مُسْتَأْنَفًا في الكُفّارِ، ويَكُونَ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ مُبْتَدَأً، وخَبَرُهُ: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ . وأمّا عَلى الظّاهِرِ، فالَّذِينَ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ، و(إذْ) ظَرْفٌ لِما مَضى، فَلا يَعْمَلُ فِيهِ المُسْتَقْبَلُ، كَما لا يَقُولُ: سَأقُومُ أمْسُ، فَقِيلَ: إذا يَقَعُ مَوْقِعَ (إذْ) وأنَّ مَوْقِعَها عَلى سَبِيلِ المَجازِ، فَيَكُونُ (إذْ) هُنا بِمَعْنى إذا، وحَسَّنَ ذَلِكَ تَيَقُّنُ وُقُوعِ الأمْرِ، وأُخْرِجَ في صِيغَةِ الماضِي، وإنْ كانَ المَعْنى عَلى الِاسْتِقْبالِ.
قالَ النَّخَعِيُّ: لَوْ أنَّ غُلًّا مِن أغْلالِ جَهَنَّمَ وُضِعَ عَلى جَبَلٍ، لَأرْحَضَهُ حَتّى يَبْلُغَ إلى الماءِ الأسْوَدِ.
وقَرَأ: ﴿والسَّلاسِلُ﴾ عَطْفًا عَلى ﴿الأغْلالُ﴾ ﴿يُسْحَبُونَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وابْنُ وثّابٍ، والمُسِيءُ في اخْتِيارِهِ: (p-٤٧٥)﴿والسَّلاسِلَ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى المَفْعُولِ، ﴿يُسْحَبُونَ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وهو عَطْفُ جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ عَلى جُمْلَةٍ اسْمِيَّةٍ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ: (والسَّلاسِلِ) بِجَرِّ اللّامِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى تَقْدِيرِ، إذْ أعْناقُهم في الأغْلالِ والسَّلاسِلِ، فَعَطَفَ عَلى المُرادِ مِنَ الكَلامِ لا عَلى تَرْتِيبِ اللَّفْظِ، إذْ تَرْتِيبُهُ فِيهِ قَلْبٌ، وهو عَلى حَدِّ قَوْلِ العَرَبِ: أدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ (وفي السَّلاسِلِ يُسْحَبُونَ) .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهُهُ أنَّهُ لَوْ قِيلَ: إذْ أعْناقُهم في الأغْلالِ مَكانَ قَوْلِهِ: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾، لَكانَ صَحِيحًا مُسْتَقِيمًا. فَلَمّا كانَتا عِبارَتَيْنِ مُعْتَقِبَتَيْنِ، حُمِلَ قَوْلُهُ: ﴿والسَّلاسِلُ﴾ عَلى العِبارَةِ الأُخْرى، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَشائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً ولا ناعِبًا إلّا بِبَيْنِ غُرابِها
كَأنَّهُ قِيلَ: بِمُصْلِحِينَ.
وقُرِئَ (وبِالسَّلاسِلِ) انْتَهى، وهَذا يُسَمّى العَطْفَ عَلى التَّوَهُّمِ، ولَكِنَّ تَوَهُّمَ إدْخالِ حَرْفِ الجَرِّ عَلى مُصْلِحِينَ أقْرَبُ مِن تَغْيِيرِ تَرْكِيبِ الجُمْلَةِ بِأسْرِها، والقِراءَةُ مِن تَغْيِيرِ تَرْكِيبِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ بِأسْرِها، ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أجَدُّكَ لَنْ تَرى بِثُعَيْلِباتٍ ∗∗∗ ولا بَيْداءَ ناجِيَةً زَمُولا
؎ولا مُتَدارِكٍ واللَّيْلُ طِفْلٌ ∗∗∗ بِبَعْضِ نَواشِعِ الوادِي حَمُولا
التَّقْدِيرُ: لَسْتَ بَراءً ولا مُتَدارِكًا.
وهَذا الَّذِي قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والزَّمَخْشَرِيُّ سَبَقَهُما إلَيْهِ الفَرّاءُ، قالَ: مَن جَرَّ السَّلاسِلِ حَمَلَهُ عَلى المَعْنى؛ لِأنَّ المَعْنى: أعْناقُهم في الأغْلالِ والسَّلاسِلِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ بِخَفْضِ ﴿والسَّلاسِلِ﴾ فالمَعْنى عِنْدَهُ: وفي السَّلاسِلِ يُسْحَبُونَ.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والخَفْضُ عَلى هَذا المَعْنى غَيْرُ جائِزٍ، لَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ في الدّارِ، لَمْ يَحْسُنْ أنْ تُضْمِرَ في فَتَقُولُ: زَيْدٌ الدّارِ، ثُمَّ ذَكَرَ تَأْوِيلَ الفَرّاءِ، وخَرَّجَ القِراءَةَ ثُمَّ قالَ: كَما تَقُولُ: خاصَمَ عَبْدُ اللَّهِ زَيْدًا العاقِلَيْنِ، بِنَصْبِ العاقِلَيْنِ ورَفْعِهِ؛ لِأنَّ أحَدَهُما إذا خاصَمَهُ صاحِبُهُ فَقَدْ خاصَمَهُ الآخَرُ. انْتَهى.
وهَذِهِ المَسْألَةُ لا تَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وهي مَنقُولٌ جَوازُها عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْفانَ الكُوفِيِّ، قالَ: لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما فاعِلُ مَفْعُولٌ، وقُرِئَ: (وبِالسَّلاسِلِ يُسْحَبُونَ) ولَعَلَّ هَذِهِ القِراءَةَ حَمَلَتِ الزَّجّاجَ عَلى أنْ تَأوَّلَ الخَفْضَ عَلى إضْمارِ حَرْفِ الجَرِّ، وهو تَأْوِيلُ شُذُوذٍ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في قِراءَةِ مَن نَصَبَ ﴿والسَّلاسِلَ﴾ وفَتْحِ ياءِ (يَسْحَبُونَ) إذا كانُوا يَجُرُّونَها، فَهو أشَدُّ عَلَيْهِمْ، يُكَلَّفُونَ ذَلِكَ وهم لا يُطِيقُونَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿يُسْجَرُونَ﴾: يُطْرَحُونَ فِيها، فَيَكُونُونَ وقُودًا لَها. وقالَ السُّدِّيُّ: ﴿يُسْجَرُونَ﴾ يُحْرَقُونَ.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى أنَّهم يُوقَفُونَ يَوْمَ القِيامَةِ مِن جِهَةِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، فَيُقالُ لَهم: أيْنَ الأصْنامُ الَّتِي كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ في الدُّنْيا ؟ فَيَقُولُونَ: ﴿ضَلُّوا عَنّا﴾ أيْ: تَلِفُوا مِنّا وغابُوا واضْمَحَلُّوا، ثُمَّ تَضْطَرِبُ أقْوالُهم ويَفْزَعُونَ إلى الكَذِبِ فَيَقُولُونَ: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا﴾ وهَذا مِن أشَدِّ الِاخْتِلاطِ في الذِّهْنِ والنَّظَرِ.
ولَمّا تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم لَمْ يَكُونُوا شَيْئًا، وما كانُوا يَعْبُدُونَ بِعِبادَتِهِمْ شَيْئًا، كَما تَقُولُ: حَسِبْتُ أنَّ فُلانًا شَيْءٌ، فَإذا هو لَيْسَ بِشَيْءٍ إذا اخْتَبَرْتَهُ، فَلَمْ تَرَ عِنْدَهُ جَزاءً.
وقَوْلُهم: ﴿ضَلُّوا عَنّا﴾، مَعَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِنْدَ تَقْرِيعِهِمْ، فَلَمْ يَكُونُوا مَعَهم إذْ ذاكَ، أوْ لَمّا لَمْ يَنْفَعُوهم قالُوا: ﴿ضَلُّوا عَنّا﴾، وإنْ كانُوا مَعَهم.
(كَذَلِكَ) أيْ: مِثْلُ هَذِهِ الصِّفَةِ وبِهَذا التَّرْتِيبِ، ﴿يُضِلُّ اللَّهُ الكافِرِينَ﴾، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْ: مِثْلُ ضَلالِ آلِهَتِهِمْ عَنْهم، يُضِلُّهم عَنْ آلِهَتِهِمْ، حَتّى لَوْ طَلَبُوا الآلِهَةَ أوْ طَلَبَتْهُمُ الآلِهَةُ لَمْ يَتَصادَفُوا.
ذَلِكُمُ الإضْلالُ بِسَبَبِ ما كانَ لَكم مِنَ الفَرَحِ والمَرَحِ، ﴿بِغَيْرِ الحَقِّ﴾: وهو الشِّرْكُ وعِبادَةُ الأوْثانِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَلِكَ العَذابُ الَّذِي أنْتُمْ فِيهِ مِمّا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الأرْضِ بِالمَعاصِي والكُفْرِ. انْتَهى.
و﴿تَمْرَحُونَ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الفَخْرُ والخُيَلاءُ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: الأشَرُ والبَطَرُ. انْتَهى، فَقالَ لَهم ذَلِكَ تَوْبِيخًا أيْ: إيمانًا لَكم (p-٤٧٦)هَذا بِما كُنْتُمْ تُظْهِرُونَ في الدُّنْيا مِنَ السُّرُورِ بِالمَعاصِي وكَثْرَةِ المالِ والأتْباعِ والصِّحَّةِ.
وقالَ الضَّحّاكُ: الفَرَحُ والسُّرُورُ، والمَرَحُ: العُدْوانُ، وفي الحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ يَبْغَضُ البَذِخِينَ الفَرِحِينَ ويُحِبُّ كُلَّ قَلْبٍ حَزِينٍ» .
و﴿تَفْرَحُونَ﴾ و﴿تَمْرَحُونَ﴾ مِن بابِ تَجْنِيسِ التَّحْرِيفِ المَذْكُورِ في عِلْمِ البَدِيعِ، وهو أنْ يَكُونَ الحَرْفُ فَرْقًا بَيْنَ الكَلِمَتَيْنِ.
﴿ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾: الظّاهِرُ أنَّهُ قِيلَ لَهُمُ: ادْخُلُوا بَعْدَ المُحاوَرَةِ السّابِقَةِ، وهم قَدْ كانُوا في النّارِ، ولَكِنَّ هَذا أمْرٌ يُقَيَّدُ بِالخُلُودِ، وهو الثَّواءُ الَّذِي لا يَنْقَطِعُ، فَلَيْسَ أمْرًا بِمُطْلَقِ الدُّخُولِ، أوْ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيها أُمِرُوا أنْ يَدْخُلُوا سَبْعَةَ أبْوابٍ، الَّتِي لِكُلِّ بابٍ مِنها جُزْءٌ مَقْسُومٌ مِنَ الكُفّارِ، فَكانَ ذَلِكَ أمْرًا بِالدُّخُولِ يُفِيدُ التَّجْزِئَةَ لِكُلِّ بابٍ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْخُلُوا﴾ مَعْناهُ: يُقالُ لَهم قَبْلَ هَذِهِ المُحاوَرَةِ في أوَّلِ الأمْرِ ادْخُلُوا؛ لِأنَّ هَذِهِ المُخاطَبَةَ إنَّما هي بَعْدَ دُخُولِهِمْ، وفي الوَقْتِ الَّذِي فِيهِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ.
وأبْوابُ جَهَنَّمَ: هي السَّبْعَةُ المُؤَدِّيَةُ إلى طَبَقاتِها وأدْراكِها السَّبْعَةِ. انْتَهى.
و﴿خالِدِينَ﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، ودَلَّتْ عَلى الثَّواءِ الدّائِمِ، فَجاءَ التَّرْكِيبُ: ﴿فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾ فَبِئْسَ مَدْخَلُ المُتَكَبِّرِينَ؛ لِأنَّ نَفْسَ الدُّخُولِ لا يَدُومُ، فَلَمْ يُبالِغْ في ذَمِّهِ، بِخِلافِ الثَّواءِ الدّائِمِ.
40:77–85Page 475
فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۚ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ ٧٧
So be patient, [O Muḥammad]; indeed, the promise of Allāh is truth. And whether We show you some of what We have promised them or We take you in death, it is to Us they will be returned.
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ مِنۡهُم مَّن قَصَصۡنَا عَلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّن لَّمۡ نَقۡصُصۡ عَلَيۡكَۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأۡتِيَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ فَإِذَا جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قُضِيَ بِٱلۡحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ ٧٨
And We have already sent messengers before you. Among them are those [whose stories] We have related to you, and among them are those [whose stories] We have not related to you. And it was not for any messenger to bring a sign [or verse] except by permission of Allāh. So when the command of Allāh comes, it will be concluded [i.e., judged] in truth, and the falsifiers will thereupon lose [all].
ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡعَٰمَ لِتَرۡكَبُواْ مِنۡهَا وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٧٩
It is Allāh who made for you the grazing animals upon which you ride, and some of them you eat.
وَلَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ وَلِتَبۡلُغُواْ عَلَيۡهَا حَاجَةٗ فِي صُدُورِكُمۡ وَعَلَيۡهَا وَعَلَى ٱلۡفُلۡكِ تُحۡمَلُونَ ٨٠
And for you therein are [other] benefits and that you may realize upon them a need which is in your breasts;1 and upon them and upon ships you are carried.
وَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ فَأَيَّ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ ٨١
And He shows you His signs. So which of the signs of Allāh do you deny?
أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُوٓاْ أَكۡثَرَ مِنۡهُمۡ وَأَشَدَّ قُوَّةٗ وَءَاثَارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨٢
Have they not traveled through the land and observed how was the end of those before them? They were more numerous than themselves and greater in strength and in impression on the land, but they were not availed by what they used to earn.
فَلَمَّا جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٨٣
And when their messengers came to them with clear proofs, they [merely] rejoiced in what they had of knowledge, but they were enveloped by what they used to ridicule.
فَلَمَّا رَأَوۡاْ بَأۡسَنَا قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥ وَكَفَرۡنَا بِمَا كُنَّا بِهِۦ مُشۡرِكِينَ ٨٤
And when they saw Our punishment, they said, "We believe in Allāh alone and disbelieve in that which we used to associate with Him."
فَلَمۡ يَكُ يَنفَعُهُمۡ إِيمَٰنُهُمۡ لَمَّا رَأَوۡاْ بَأۡسَنَاۖ سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدۡ خَلَتۡ فِي عِبَادِهِۦۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٥
But never did their faith benefit them once they saw Our punishment. [It is] the established way of Allāh which has preceded among His servants. And the disbelievers thereupon lost [all].
﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالحَقِّ وخَسِرَ هُنالِكَ المُبْطِلُونَ﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنها ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿ولَكم فِيها مَنافِعُ ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكم وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ ﴿ويُرِيكم آياتِهِ فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كانُوا أكْثَرَ مِنهم وأشَدَّ قُوَّةً وآثارًا في الأرْضِ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللَّهِ وحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ وخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾ .
(p-٤٧٧)أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ بِالصَّبْرِ تَأْنِيسًا لَهُ، وإلّا فَهو - عَلَيْهِ السَّلامُ - في غايَةِ الصَّبْرِ، وأخْبَرَ بِأنَّ ما وعَدَهُ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ وإظْهارِ دِينِهِ حَقٌّ.
قِيلَ: وجَوابُ ﴿فَإمّا نُرِيَنَّكَ﴾ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، أيْ: فَيُقِرُّ عَيْنَكَ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ﴿فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ جَوابًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ والمَعْطُوفِ؛ لِأنَّ تَرْكِيبَ ﴿فَإمّا نُرِيَنَّكَ﴾ بَعْضَ المَوْعُودِ في حَياتِكَ، ﴿فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ لَيْسَ بِظاهِرٍ، وهو يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جَوابَ، ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ أيْ: ﴿فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾، فَنَنْتَقِمُ مِنهم ونُعَذِّبُهم لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَتْبَعُوكَ.
ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ [الزخرف: ٤١] ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ [الزخرف: ٤٢]، إلّا أنَّهُ هُنا صَرَّحَ بِجَوابِ الشَّرْطَيْنِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾، وجَزاءُ ﴿نُرِيَنَّكَ﴾ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم مِنَ العَذابِ، وهو القَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ فَذاكَ، أوْ أنْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قَبْلَ يَوْمِ بَدْرٍ، فَإلَيْنا يُرْجَعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَنَنْتَقِمُ مِنهم أشَدَّ الِانْتِقامِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ لِلزَّمَخْشَرِيِّ نَحْوُ هَذا البَحْثِ في سُورَةِ يُونُسَ في قَوْلِهِ: ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهم أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ [يونس: ٤٦]، ورَدَدْنا عَلَيْهِ، فَيُطالَعُ هُناكَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا: ﴿فَإمّا نُرِيَنَّكَ﴾ أصْلُهُ فَإنْ نُرِكَ، وما مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الشَّرْطِ، ولِذَلِكَ أُلْحِقَتِ النُّونُ بِالفِعْلِ.
ألا تَراكَ لا تَقُولُ: إنْ تُكْرِمْنِي أُكْرِمْكَ، ولَكِنْ أما تُكْرِمْنِي أُكْرِمْكَ ؟ انْتَهى.
وما ذَهَبَ إلَيْهِ مِن تَلازُمِ ما المَزِيدَةِ ونُونِ التَّوْكِيدِ بَعْدَ إنِ الشَّرْطِيَّةِ هو مَذْهَبُ المُبَرِّدِ والزَّجّاجِ.
وذَهَبَ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّكَ إنْ شِئْتَ أتَيْتَ بِما دُونَ النُّونِ، وإنْ شِئْتَ أتَيْتَ بِالنُّونِ دُونَ ما.
قالَ سِيبَوَيْهِ في هَذِهِ المَسْألَةِ: وإنْ شِئْتَ لَمْ تُقْحِمِ النُّونَ؛ كَما أنَّكَ إذا جِئْتَ لَمْ تَجِئْ بِما يَعْنِي لَمْ تُقْحِمِ النُّونَ مَعَ مَجِيئِكَ بِما، ولَمْ تَجِئْ بِما مَعَ مَجِيئِكَ بِالنُّونِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يُرْجَعُونَ﴾ بِياءِ الغِيبَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ؛ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، ويَعْقُوبُ بِفَتْحِ الياءِ؛ وطَلْحَةُ بْنُ مُطَرِّفٍ، ويَعْقُوبُ في رِوايَةِ الوَلِيدِ بْنِ حَسّانَ: بِفَتْحِ تاءِ الخِطابِ.
ثُمَّ رَدَّ تَعالى عَلى العَرَبِ في إنْكارِهِمْ بَعْثَةَ الرُّسُلِ، وفي عَدَدِ الرُّسُلِ اخْتِلافٌ.
رُوِيَ أنَّهُ ثَمانِيَةُ آلافٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وأرْبَعَةُ آلافٍ مِن غَيْرِهِمْ.
ورُوِيَ: بَعَثَ اللَّهُ أرْبَعَةَ آلافِ نَبِيٍّ، ﴿مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ﴾ أيْ: مَن أخْبَرْناكَ بِهِ، أمّا في القُرْآنِ فَثَمانِيَةَ عَشَرَ.
﴿ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾، وعَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ (p-٤٧٨)اللَّهَ بَعَثَ نَبِيًّا أسْوَدَ في الحَبَشِ، فَهو مِمَّنْ لَمْ يَقْصُصْ عَلَيْهِ.
﴿وما كانَ لِرَسُولٍ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ راجِعًا إلَيْهِمْ، لَمّا اقْتَرَحُوا عَلى الرُّسُلِ، قالَ: لَيْسَ ذَلِكَ إلَيَّ لا تَأْتِي آيَةٌ إلّا إنْ شاءَ اللَّهُ، ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾: رَدٌّ ووَعِيدٌ بِإثْرِ اقْتِراحِهِمُ الآياتِ، و(أمْرُ اللَّهِ) القِيامَةُ.
و﴿المُبْطِلُونَ﴾ المُعانِدُونَ مُقْتَرِحُو الآياتِ، وقَدْ أتَتْهُمُ الآياتُ، فَأنْكَرُوها وسَمُّوها سِحْرًا، أوْ ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ أيْ: أرادَ إرْسالَ رَسُولٍ وبَعْثَةَ نَبِيٍّ، قَضى ذَلِكَ وأنْفَذَهُ ﴿بِالحَقِّ﴾، وخَسِرَ كُلُّ مُبْطِلٍ، وحَصَلَ عَلى فَسادِ آخِرَتِهِ، أوْ ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾: وهو القَتْلُ بِبَدْرٍ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى آياتِ اعْتِبارٍ وتَعْدادِ نِعَمٍ فَقالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ﴾، وهي ثَمانِيَةُ الأزْواجِ، ويَضْعُفُ قَوْلُ مَن أدْرَجَ فِيها الخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ البَهائِمِ، وقَوْلُ مَن خَصَّها بِالإبِلِ وهو الزَّجّاجُ.
﴿لِتَرْكَبُوا مِنها﴾: وهي الإبِلُ، إذْ لَمْ يُعْهَدْ رُكُوبُ غَيْرِها.
﴿ومِنها تَأْكُلُونَ﴾: عامٌّ في ثَمانِيَةِ الأزْواجِ، و(مِنَ) الأُولى لِلتَّبْعِيضِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(مِنَ) الثّانِيَةُ لِبَيانِ الجِنْسِ؛ لِأنَّ الجَمَلَ مِنها يُؤْكَلُ، انْتَهى. ولا يَظْهَرُ كَوْنُها لِبَيانِ الجِنْسِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ فِيهِ لِلتَّبْعِيضِ ولِابْتِداءِ الغايَةِ. ولَمّا كانَ الرُّكُوبُ مِنها هو أعْظَمُ مَنفَعَةً، إذْ فِيهِ مَنفَعَةُ الأكْلِ والرُّكُوبِ.
وذَكَرَ أيْضًا أنَّ في الجَمِيعِ مَنافِعَ مِن شُرْبِ لَبَنٍ واتِّخاذِ دِثارٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، أكَّدَ مَنفَعَةَ الرُّكُوبِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ﴾ مِن بُلُوغِ الأسْفارِ الطَّوِيلَةِ، وحَمْلِ الأثْقالِ إلى البِلادِ الشّاسِعَةِ، وقَضاءِ فَرِيضَةِ الحَجِّ، والغَزْوِ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ.
ولَمّا كانَ الرُّكُوبُ وبُلُوغُ الحاجَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ قَدْ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى الِانْتِقالِ لِأمْرٍ واجِبٍ، أوْ مَندُوبٍ كالحَجِّ وطَلَبِ العِلْمِ، دَخَلَ حَرْفُ التَّعْلِيلِ عَلى الرُّكُوبِ وعَلى المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ مِن بُلُوغِ الحاجاتِ، فَجَعَلَ ذَلِكَ عِلَّةً لِجَعْلِ الأنْعامِ لَنا.
ولَمّا كانَ الأكْلُ وإصابَةُ المَنافِعِ مِن جِنْسِ المُباحاتِ، لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ عِلَّةً في الجَعْلِ، بَلْ ذَكَرَ أنَّ مِنها نَأْكُلُ، ولَنا فِيها مَنافِعُ مِن شُرْبِ لَبَنٍ واتِّخاذِ دِثارٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، كَما أدْخَلَ لامَ التَّعْلِيلِ في ﴿لِتَرْكَبُوها﴾ [النحل: ٨] ولَمْ يُدْخِلْها عَلى الزِّينَةِ في قَوْلِهِ: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨] .
ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما امْتَنَّ بِهِ مِن مِنَّةِ الرُّكُوبِ لِلْإبِلِ في البَرِّ، ذَكَرَ ما امْتَنَّ بِهِ مِن نِعْمَةِ الرُّكُوبِ في البَحْرِ فَقالَ: ﴿وعَلَيْها وعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ .
ولَمّا كانَ الفُلْكُ يَصِحُّ أنْ يُقالَ فِيهِ: حَمَلَ في الفُلْكِ، كَقَوْلِهِ: ﴿احْمِلْ فِيها﴾ [هود: ٤٠]، ويَصِحُّ أنْ يُقالَ فِيهِ حَمَلَ عَلى الفُلْكِ، اعْتُبِرَ لَفْظُ عَلى لِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ: ﴿وعَلَيْها﴾، وإنْ كانَ مَعْنى في صَحِيحًا ﴿ويُرِيكم آياتِهِ﴾ أيْ: حُجَجَهُ وأدِلَّتَهُ عَلى وحْدانِيَّتِهِ.
﴿فَأيَّ آياتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ أيْ: إنَّها كَثِيرَةٌ، فَأيُّها يُنْكَرُ ؟ أيْ: لا يُمْكِنُ إنْكارُ شَيْءٍ مِنها في العُقُولِ، ﴿فَأيَّ آياتِ اللَّهِ﴾ مَنصُوبٌ بِـ ﴿تُنْكِرُونَ﴾ .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَأيَّ آياتِ﴾ جاءَتْ عَلى اللُّغَةِ المُسْتَفِيضَةِ، وقَوْلُكَ: فَأيَّةُ آياتِ اللَّهِ قَلِيلٌ؛ لِأنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ في الأسْماءِ غَيْرِ الصِّفاتِ نَحْوَ: حِمارٌ وحِمارَةٌ غَرِيبٌ، وهي في (أيَّ) أغْرَبُ لِإبْهامِهِ. انْتَهى، ومِن قِلَّةِ تَأْنِيثِ أيٍّ قَوْلُهُ:
؎بِأيِّ كِتابٍ أمْ بِأيَّةِ سُنَّةٍ تَرى حُبَّهم عارًا عَلَيَّ وتَحْسَبُ
وقَوْلُهُ: وهي في أيٍّ أغْرَبُ، إنْ عَنى أيًّا عَلى الإطْلاقِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأنَّ المُسْتَفِيضَ في النِّداءِ أنْ يُؤَنَّثَ نِداءُ المُؤَنَّثِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧]، ولا يُعْلَمُ مَن يُذَكِّرُها فِيهِ فَيَقُولُ: يا أيُّها المَرْأةُ، إلّا صاحِبُ كِتابِ (البَدِيعِ في النَّحْوِ) . وإنْ عَنى غَيْرَ المُناداةِ، فَكَلامُهُ صَحِيحٌ، فَقَلَّ تَأْنِيثُها في الِاسْتِفْهامِ، ومَوْصُولَةً، وما في قَوْلِهِ: ﴿فَما أغْنى﴾ نافِيَةٌ شَرْطِيَّةٌ واسْتِفْهامِيَّةٌ في مَعْنى النَّفْيِ، وما (فِيما كانُوا) مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ بِمَعْنى الَّذِي، وهي في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والضَّمِيرُ في ﴿جاءَتْهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ . وجاءَ قَوْلُهُ: (مِنَ العِلْمِ) عَلى جِهَةِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ، أيْ: في الحَقِيقَةِ لا عِلْمَ لَهم، وإنَّما لَهم خَيالاتٌ واسْتِبْعاداتٌ لِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وكانُوا يَدْفَعُونَ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ بِنَحْوِ قَوْلِهِمْ: ﴿ولَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦]، أوِ اعْتَقَدُوا أنَّ عِنْدَهم (p-٤٧٩)عِلْمًا يَسْتَغْنُونَ بِهِ عَنْ عِلْمِ الأنْبِياءِ، كَما تَزْعُمُ الفَلاسِفَةُ. والدَّهْرِيُّونَ كانُوا إذا سَمِعُوا بِوَحْيِ اللَّهِ، دَفَعُوهُ وصَغَّرُوا عِلْمَ الأنْبِياءِ إلى عِلْمِهِمْ.
ولَمّا سَمِعَ سُقْراطُ - لَعَنَهُ اللَّهُ - بِمُوسى، صَلَواتُ اللَّهِ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِ، قِيلَ لَهُ: لَوْ هاجَرْتَ إلَيْهِ، فَقالَ: نَحْنُ قَوْمٌ مُهَذَّبُونَ، فَلا حاجَةَ بِنا إلى مَن يُهَذِّبُنا.
وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ تَكُونُ الضَّمائِرُ مُتَناسِقَةً عائِدَةً عَلى مَدْلُولٍ واحِدٍ وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿فَرِحُوا﴾، وفي ﴿بِما عِنْدَهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى الرُّسُلِ، أيْ: فَرِحَتِ الرُّسُلُ بِما أُوتُوا مِنَ العِلْمِ، وشَكَرُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، لَمّا رَأوْا جَهْلَ مَن أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ واسْتِهْزاءَهم بِالحَقِّ، وعَلِمُوا سُوءَ عاقِبَتِهِمْ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿فَرِحُوا﴾ عائِدٌ عَلى الأُمَمِ، وفي ﴿بِما عِنْدَهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى الرُّسُلِ أيْ: فَرِحَ الكُفّارُ بِما عِنْدَ الرُّسُلِ مِنَ العِلْمِ فَرَحَ ضَحِكٍ واسْتِهْزاءٍ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِنها، أيْ مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي في الآيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾، مُبالَغَةٌ في نَفْيِ فَرَحِهِمْ بِالوَحْيِ المُوجِبِ لِأقْصى الفَرَحِ والسُّرُورِ في تَهَكُّمٍ بِفَرْطِ جَهْلِهِمْ وخُلُوِّهِمْ مِنَ العِلْمِ. انْتَهى.
ويُعَبَّرُ بِالجُمْلَةِ الظّاهِرِ كَوْنِها مُثْبَتَةً عَنِ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ إلّا في قَلِيلٍ مِنَ الكَلامِ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: شَرٌّ أهَرَّ ذا نابٍ، عَلى خِلافٍ فِيهِ، ولَمّا آلَ أمْرُهُ إلى الإيتاءِ المَحْصُورِ جازَ.
وأمّا في الآيَةِ فَيَنْبَغِي أنْ لا يُحْمَلَ عَلى القَلِيلِ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ تَخْلِيطًا لِمَعانِي الجُمَلِ المُتَبايِنَةِ، فَلا يُوثَقُ بِشَيْءٍ مِنها.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ﴿فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾: عِلْمُهم بِأُمُورِ الدُّنْيا ومَعْرِفَتُهم بِتَدْبِيرِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾ [الروم: ٧] ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ، فَلَمّا جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ بِعُلُومِ الدِّياناتِ، وهي أبْعَدُ شَيْءٍ مِن عِلْمِهِمْ لِبَعْثِها عَلى رَفْضِ الدُّنْيا والظَّلَفِ عَنِ المَلاذِّ والشَّهَواتِ، لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْها، وصَغَّرُوها واسْتَهْزَؤُوا بِها، واعْتَقَدُوا أنَّهُ لا عِلْمَ أنْفَعُ وأجْلَبُ لِلْفَوائِدِ مِن عِلْمِهِمْ، فَفَرِحُوا بِهِ. انْتَهى.
وهُوَ تَوْجِيهٌ حَسَنٌ، لَكِنْ فِيهِ إكْثارٌ وشَقْشَقَةٌ.
﴿بَأْسَنا﴾ أيْ: عَذابَنا الشَّدِيدَ، حَكى حالَ مَن آمَنَ بَعْدَ تَلْبِيسِ العَذابِ بِهِ، وأنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُ نافِعًا، وفي ذَلِكَ حَضٌّ عَلى المُبادَرَةِ إلى الإيمانِ، وتَخْوِيفٌ مِنَ التَّأنِّي. فَأمّا قَوْمُ يُونُسَ، فَإنَّهم رَأوُا العَذابَ لَمْ يَلْتَبِسْ بِهِمْ، وتَقَدَّمَتْ قِصَّتُهم. و﴿إيمانُهُمْ﴾ مَرْفُوعٌ بِـ (يَكُ) اسْمًا لَها، أوْ فاعِلُ ﴿يَنْفَعُهُمْ﴾ .
وفِي (يَكُ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ عَلى الخِلافِ الَّذِي في: كانَ يَقُومُ زَيْدٌ، ودَخَلَ حَرْفُ النَّفْيِ عَلى الكَوْنِ لا عَلى النَّفْيِ؛ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى نَفْيِ الصِّحَّةِ، أيْ لَمْ يَصِحَّ ولَمْ يَسْتَقِمْ لِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] . وتَرادُفُ هَذِهِ الفاءاتِ، أمّا في ﴿فَما أغْنى﴾، فَلِأنَّهُ كانَ نَتِيجَةَ قَوْلِهِ: (كانُوا أكْثَرَ مِنهم ولَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم)، جارٍ مَجْرى البَيانِ والتَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَما أغْنى عَنْهُمْ﴾ . و﴿فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ تابِعٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ﴾، كَأنَّهُ قالَ: فَكَفَرُوا بِهِ فَلَمّا رَأوْا بَأْسَنا آمَنُوا ولَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَ اللَّهِ، وانْتَصَبَ ﴿سُنَّةَ﴾ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، أيْ: أنَّ ما فُعِلَ بِهِمْ هي ﴿سُنَّةَ﴾ اللَّهِ الَّتِي قَدْ مَضَتْ وسَبَقَتْ في عِبادِهِ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ والإعْزازِ بِهِمْ، وتَعْذِيبِ مَن كَذَّبَهم، واسْتِهانَتِهِمْ واسْتِئْصالِهِمْ بِالهَلاكِ، وعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِالإيمانِ حالَةَ تَلَبُّسِ العَذابِ بِهِمْ.
وهُنالِكَ ظَرْفُ مَكانٍ اسْتُعِيرَ لِلزَّمانِ، أيْ: وخَسِرَ في ذَلِكَ الوَقْتِ الكافِرُونَ.
وقِيلَ: ﴿سُنَّةَ﴾ مَنصُوبٌ عَلى التَّحْذِيرِ، أيِ: احْذَرُوا سُنَّةَ اللَّهِ يا أهْلَ مَكَّةَ في إعْدادِ الرُّسُلِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences