Abu HayyanAl‑Ma'idah · 5:106–109

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:106–109, continued

﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ أيْ فَإنْ عُثِرَ بَعْدَ حَلِفِهِما عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا؛ أيْ ذَنْبًا بِحِنْثِهِما في اليَمِينِ، بِأنَّها لَيْسَتْ مُطابِقَةً لِلْواقِعِ (وعُثِرَ) اسْتِعارَةٌ لِما يُوقَعُ عَلى عِلْمِهِ بَعْدَ خَفائِهِ وبَعْدَ أنْ لَمْ يَرْجُ، ولَمْ يَقْصِدْ، كَما تَقُولُ: عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ ووَقَعْتَ عَلى كَذا. قالَ أبُو عَلِيٍّ: الإثْمُ هُنا، هو الشَّيْءُ المَأْخُوذُ؛ لِأنَّ أخْذَهُ إثْمٌ فَسُمِّي إثْمًا، كَما يُسَمّى ما أُخِذَ بِغَيْرِ الحَقِّ، مَظْلَمَةً. قالَ سِيبَوَيْهِ: المَظْلَمَةُ اسْمُ ما أُخِذَ مِنكَ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ هَذا المَأْخُوذُ بِاسْمِ المَصْدَرِ انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ الإثْمَ هُنا لَيْسَ الشَّيْءَ المَأْخُوذَ، بَلِ الذَّنْبَ الَّذِي اسْتَحَقّا بِهِ أنْ يَكُونا مِنَ الآثِمِينَ الَّذِي تَبَرَّآ أنْ يَكُونا مِنهم في قَوْلِهِما ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ ولَوْ كانَ الإثْمُ هو الشَّيْءَ المَأْخُوذَ، ما قِيلَ فِيهِ: اسْتَحَقّا إثْمًا؛ لِأنَّهُما ظَلَما، وتَعَدَّيا، وذَلِكَ هو المُوجِبُ لِلْإثْمِ.

﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ (p-٤٥)قَرَأ الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ والكِسائِيُّ (اسْتَحَقَّ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ (والأوْلَيانِ) مُثَنّى مَرْفُوعٌ تَثْنِيَةُ الأوْلى، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ أُبَيٍّ وعَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ في رِوايَةِ قُرَّةَ عَنْهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ (اسْتُحِقَّ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ (والأوَّلِينَ) جَمْعُ الأوَّلِ. وقَرَأ الحَسَنُ (اسْتَحَقَّ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، الأوَّلانِ مَرْفُوعٌ، تَثْنِيَةُ أوَّلَ. وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ الأوْلَيَيْنِ، تَثْنِيَةُ الأوَّلِ، فَأمّا القِراءَةُ الأُولى، فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَآخَرانِ) فَشاهِدانِ آخَرانِ ﴿يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ﴾ عَلَيْهِمْ؛ أيْ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الإثْمُ، ومَعْناهُ وهُمُ الَّذِينَ جُنِيَ عَلَيْهِمْ، وهم أهْلُ المَيِّتِ، وِعِتْرَتُهُ. وفي قِصَّةِ بُدَيْلٍ أنَّهُ لَمّا ظَهَرَتْ خِيانَةُ الرَّجُلَيْنِ، حَلَّفَ رَجُلَيْنِ مِن ورَثَتِهِ أنَّهُ إناءُ صاحِبِهِما، وأنَّ شَهادَتَهُما أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما. (والأوْلَيانِ) الأحَقّانِ بِالشَّهادَةِ لِقَرابَتِهِما ومَعْرِفَتِهِما وارْتِفاعِهِما عَلى هُما الأوْلَيانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن هُما، فَقِيلَ (الأوْلَيانِ) . وقِيلَ: هُما بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (يَقُومانِ) أوْ مِن آخَرانِ، ويَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعا بِاسْتَحَقَّ أيْ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ابْتَدَأتِ الأوْلَيَيْنِ مِنهم لِلشَّهادَةِ؛ لِاطِّلاعِهِمْ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ انْتَهى. وقَدْ سَبَقَهُ أبُو عَلِيٍّ إلى أنَّ تَخْرِيجَ رَفْعِ (الأوْلَيانِ) عَلى تَقْدِيرِ هُما الأوْلَيانِ، وعَلى البَدَلِ مِن ضَمِيرِ (يَقُومانِ)، وزادَ أبُو عَلِيٍّ وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ: أحَدُهُما؛ أنْ يَكُونَ (الأوْلَيانِ) مُبْتَدَأً مُؤَخَّرًا، والخَبَرُ آخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما، كَأنَّهُ في التَّقْدِيرِ فالأوْلَيانِ بِأمْرِ المَيِّتِ آخَرانِ يَقُومانِ، فَيَجِيءُ الكَلامُ، كَقَوْلِهِمْ: تَمِيمِيٌّ أنا، والوَجْهُ الآخَرُ أنْ يَكُونَ (الأوْلَيانِ) مُسْنَدًا إلَيْهِ (اسْتَحَقَّ) . قالَ أبُو عَلِيٍّ فِيهِ شَيْءٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ (الأوْلَيانِ) صِفَةً لِآخَرانِ؛ لِأنَّهُ لَمّا وُصِفَ خُصِّصَ، فَوُصِفَ مِن أجْلِ الِاخْتِصاصِ الَّذِي صارَ لَهُ انْتَهى. وهَذا الوَجْهُ ضَعِيفٌ لِاسْتِلْزامِهِ هَدْمَ ما كادُوا أنْ يُجْمِعُوا عَلَيْهِ مِن أنَّ النَّكِرَةَ لا تُوصَفُ بِالمَعْرِفَةِ، ولا العَكْسُ. وعَلى ما جَوَّزَهُ أبُو الحَسَنِ يَكُونُ إعْرابُ قَوْلِهِ: ﴿فَآخَرانِ﴾ مُبْتَدَأً والخَبَرُ (يَقُومانِ) ويَكُونُ قَدْ وُصِفَ بِقَوْلِهِ مِنَ الَّذِينَ، أوْ يَكُونُ قَدْ وُصِفَ بِقَوْلِهِ (يَقُومانِ)، والخَبَرُ ﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ ولا يَضُرُّ الفَصْلُ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِالخَبَرِ، أوْ يَكُونانِ صِفَتَيْنِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَآخَرانِ﴾، ويَرْتَفِعُ آخَرانِ عَلى خَبَرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ فالشّاهِدانِ آخَرانِ، ويَجُوزُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ أنْ يَرْتَفِعَ عَلى الفاعِلِ؛ أيْ فَلْيَشْهَدْ آخَرانِ. وأمّا مَفْعُولُ (اسْتَحَقَّ) فَتَقَدَّمَ تَقْدِيرُ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الإثْمَ، ويَعْنِي أنَّهُ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى الإثْمِ؛ لِأنَّ الإثْمَ مَحْذُوفٌ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ حَذْفُ المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقَدْ سَبَقَهُ أبُو عَلِيٍّ والحَوْفِيُّ إلى هَذا التَّقْدِيرِ، وأجازُوا وجْهَيْنِ آخَرَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الإيصاءَ، والثّانِي: أنْ يَكُونَ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الوَصِيَّةَ. وأمّا ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنِ ارْتِفاعِ قَوْلِهِ (الأوْلَيانِ) بِـ (اسْتَحَقَّ)، فَقَدْ أجازَهُ أبُو عَلِيٍّ كَما تَقَدَّمَ، ثُمَّ مَنَعَهُ قالَ لِأنَّ المُسْتَحَقَّ إنَّما يَكُونُ الوَصِيَّةَ أوْ شَيْئًا مِنها. وأمّا (الأوْلَيانِ) بِالمَيِّتِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَسْتَحِقّا فَيُسْنَدَ (اسْتَحَقَّ) إلَيْهِما، إلّا أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ إنَّما رَفَعَ قَوْلَهُ الأوْلَيانِ بِـ (اسْتَحَقَّ) عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ مُضافٍ نابَ عَنْهُ (الأوْلَيانِ)، فَقَدَّرَهُ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ انْتِدابُ الأوْلَيَيْنِ مِنهم لِلشَّهادَةِ لِاطِّلاعِهِمْ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ، فَيَسُوغُ تَوْجِيهُهُ، وأجازَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ؛ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ إثْمُ الأوَّلَيْنِ، وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا أنْ يَرْتَفِعَ (الأوْلَيانِ) بِـ (اسْتَحَقَّ)، وطَوَّلَ في تَقْرِيرِ ذَلِكَ، ومُلَخَّصُهُ أنَّهُ حَمَلَ اسْتَحَقَّ هُنا عَلى الِاسْتِعارَةِ بِأنَّهُ لَيْسَ اسْتِحْقاقًا حَقِيقَةً لِقَوْلِهِ: ﴿اسْتَحَقّا إثْمًا﴾، وإنَّما مَعْناهُ أنَّهم غَلَبُوا عَلى المالِ بِحُكْمِ انْفِرادِ هَذا المَيِّتِ وعَدْمِهِ لِقَرابَتِهِ، أوْ لِأهْلِ دِينِهِ، فَجَعَلَ تَسَوُّرَهم عَلَيْهِ اسْتِحْقاقًا مَجازًا، والمَعْنى مِنَ الجَماعَةِ الَّتِي غابَتْ، وكانَ حَقُّها أنْ تُحْضِرَ ولِيَّها. قالَ: فَلَمّا غابَتْ وانْفَرَدَ هَذا المُوصِي، اسْتَحَقَّتْ هَذِهِ الحالَ، وهَذانِ الشّاهِدانِ مِن غَيْرِ أهْلِ الدِّينِ الوِلايَةَ، وأمْرِ الأوْلَيَيْنِ عَلى هَذِهِ الجَماعَةِ، ثُمَّ يُبْنى الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ عَلى هَذا المَعْنى إيجازًا، ويُقَوِّي هَذا الغَرَضَ أنْ يُعَدّى الفِعْلُ (p-٤٦)بِعَلى لَمّا كانَ بِاقْتِدارٍ، وحُمِلَ هُنا عَلى الحالِ، ولا يُقالُ اسْتَحَقَّ مِنهُ أوْ فِيهِ، إلّا في الِاسْتِحْقاقِ الحَقِيقِيِّ عَلى وجْهِهِ، وأمّا اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ، فَيُقالُ في الحَمْلِ والغَلَبَةِ والِاسْتِحْقاقِ المُسْتَعارِ انْتَهى. والضَّمِيرُ في (مَقامَهُما) عائِدٌ عَلى شاهِدَيِ الزُّورِ، و﴿مِنَ الَّذِينَ﴾ هم وُلاةُ المَيِّتِ. وقالَ النَّحّاسُ في قَوْلِ مَن قَدَّرَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الإيصاءَ: هَذا مِن أحْسَنِ ما قِيلَ فِيهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ حَرْفًا بَدَلًا مِن حَرْفٍ، يَعْنِي أنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ (عَلى) بِمَعْنى (في)، ولا بِمَعْنى (مِن)، وقَدْ قِيلَ: بِهِما أيْ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ مِنهُمُ الإثْمَ لِقَوْلِهِ: ﴿إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ﴾ [المطففين: ٢] أيْ مِنَ النّاسِ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الإثْمَ، وأجازَ ابْنُ العَرَبِيِّ تَقْدِيرَ الإيصاءِ، واخْتارَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ وابْنُ الفَضْلِ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ المالَ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: وقَدْ أكْثَرَ النّاسُ في أنَّهُ لَمْ يُوصَفْ مَوالِي بِهَذا الوَصْفِ، وذَكَرُوا فِيهِ قَوْلًا، والأصَحُّ عِنْدِي فِيهِ وجْهٌ واحِدٌ؛ وهو أنَّهم وُصِفُوا بِذَلِكَ بِأنَّهُ لَمّا أخَذَ مالَهُمُ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ مالَهم، فَإنَّ مَن أخَذَ مالَ غَيْرِهِ، فَقَدْ حاوَلَ أنْ يَكُونَ تَعَلُّقُهُ بِذَلِكَ المالِ تَعَلُّقَ مِلْكِهِ لَهُ، فَصَحَّ أنْ يُوصَفَ المالِكُ بِأنَّهُ قَدِ اسْتَحَقَّ عَلَيْكَ ذَلِكَ المالَ انْتَهى. (والأوْلَيانِ) بِمَعْنى الأقْرَبَيْنِ إلى المَيِّتِ، أوِ الأوْلَيانِ بِالحَلِفِ؛ وذَلِكَ أنَّ الوَصِيَّيْنِ ادَّعَيا؛ أنَّ مُورِثَ هَذَيْنِ الشّاهِدَيْنِ باعَهُما الإناءَ، وهُما أنْكَرا ذَلِكَ، فاليَمِينُ حَقٌّ لَهُما، كَإنْسانٍ أقَرَّ لِآخَرَ بِدَيْنٍ، وادَّعى أنَّهُ قَضاهُ، فَتُرَدُّ اليَمِينُ عَلى الَّذِي ادَّعى أوَّلًا؛ لِأنَّهُ صارَ مُدَّعًى عَلَيْهِ. وتَلَخَّصَ في إعْرابِ (الأوْلَيانِ) عَلى هَذِهِ القِراءَةِ وُجُوهٌ الِابْتِداءُ، والخَبَرُ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والبَدَلُ مِن ضَمِيرِ (يَقُومانِ) والبَدَلُ مِن (آخَرانِ)، والوَصْفُ لِـ (آخَرانِ) والمَفْعُولِيَّةُ بِـ (اسْتَحَقَّ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ مُخْتَلَفٍ في تَقْدِيرِهِ.

وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ، وهي بِناءُ (اسْتَحَقَّ) لِلْفاعِلِ، ورَفْعُ الأوْلَيَيْنِ، فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ مِنَ الوَرَثَةِ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ أوْلَيانِ مِن سَهْمٍ بِالشَّهادَةِ أنْ يُجَرِّدُوهُما لِقِيامِ الشَّهادَةِ، ويُظْهِرُوا بِهِما كَذِبَ الكاذِبِينَ انْتَهى.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ما مُلَخَّصُهُ (الأوْلَيانِ) رُفِعَ بِـ (اسْتَحَقَّ)، وذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾ مالَهم وتَرَكَهم شاهِدا الزُّورِ، فَسُمِّيا أوْلَيَيْنِ؛ أيْ صَيَّرَهُما عَدَمُ النّاسِ أوْلى بِهَذا المَيِّتِ وتَرِكَتِهِ، فَجازا فِيها. أوْ يَكُونُ المَعْنى مِنَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمْ أنْ يَكُونَ الأوْلَيانِ مِنهم، فاسْتَحَقَّ بِمَعْنى حَقَّ، كاسْتَعْجَبَ وعَجِبَ. أوْ يَكُونُ (اسْتَحَقَّ) بِمَعْنى سَعى واسْتَوْجَبَ فالمَعْنى مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ حَضَرَ أوْلَيانِ مِنهم، فاسْتَحَقّا عَلَيْهِمْ؛ أيِ اسْتَحَقّا لَهم وسَعَيا فِيهِ، واسْتَوْجَباهُ بِأيْمانِهِما وقُرْبانِهِما انْتَهى. وقالَ بَعْضُهم: المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ وصِيَّتَهُما.

وأمّا القِراءَةُ الثّالِثَةُ، وهي قِراءَةُ (اسْتَحَقَّ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والأوَّلِينَ جَمْعُ الأوَّلِ، فَخُرِّجَ عَلى أنَّ الأوَّلِينَ وصْفٌ لِلَّذِينَ. قالَ أبُو البَقاءِ: أوْ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِعَلى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، ومَعْنى الأوَّلِيَّةِ التَّقَدُّمُ عَلى الأجانِبِ في الشَّهادَةِ؛ لِكَوْنِهِمْ أحَقَّ بِها انْتَهى. وهَذا عَلى تَفْسِيرِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ أنَّهُمُ الأجانِبُ، لا أنَّهُمُ الكُفّارُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناها مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ أمْرَهُمْ؛ أيْ غَلَبُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ وصَفَهم بِأنَّهم أوَّلُونَ؛ أيْ في الذِّكْرِ في هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ انْتَهى.

وأمّا القِراءَةُ الرّابِعَةُ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، فالأوَّلانِ مَرْفُوعٌ بِاسْتَحَقَّ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَحْتَجُّ بِهِ مَن يَرى رَدَّ اليَمِينِ عَلى المُدَّعِي، وهو أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ؛ لا يَرَوْنَ ذَلِكَ، فَوُجِّهَ عِنْدَهم أنَّ الوَرَثَةَ قَدِ ادَّعَوْا عَلى النَّصْرانِيَّيْنِ أنَّهُما أُخْتانا، فَحَلَفا، فَلَمّا ظَهَرَ كَذِبُهُما، ادَّعَيا الشِّراءَ فِيما كَتَماهُ، فَأنْكَرَ الوَرَثَةُ، فَكانَ اليَمِينُ عَلى الوَرَثَةِ؛ لِإنْكارِهِمُ الشِّراءَ.

وأمّا القِراءَةُ الخامِسَةُ، وهي قِراءَةُ ابْنِ سِيرِينَ؛ فانْتِصابُ الأوْلَيَيْنِ عَلى المَدْحِ.

﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما وما اعْتَدَيْنا﴾ أيْ فَيُقْسِمُ الآخَرانِ القائِمانِ مَقامَ شَهادَةِ التَّحْرِيفِ أنَّ ما أخْبَرا بِهِ حَقٌّ، والَّذِي ذَكَرْناهُ مِن نَصِّ القِصَّةِ أحَقُّ مِمّا ذَكَراهُ أوَّلًا وحَرَّفا فِيهِ وما زِدْنا عَلى الحَدِّ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَيَمِينُنا أحَقُّ مِن يَمِينِهِما ومَن (p-٤٧)قالَ: الشَّهادَةُ في أوَّلِ القِصَّةِ، لَيْسَتْ بِمَعْنى اليَمِينِ، قالَ هُنا الشَّهادَةُ يَمِينٌ، وسُمِّيَتْ شَهادَةً؛ لِأنَّها يَثْبُتُ بِها الحُكْمُ كَما يَثْبُتُ بِالشَّهادَةِ. قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: (أحَقُّ) أصَحُّ لِكُفْرِهِما وإيمانِنا انْتَهى.

﴿إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ خَتَما بِهَذِهِ الجُمْلَةِ تَبَرِّيًا مِنَ الظُّلْمِ، واسْتِقْباحًا لَهُ، وناسَبَ الظُّلْمُ هُنا لِقَوْلِهِما: ﴿وما اعْتَدَيْنا﴾ . والِاعْتِداءُ والظُّلْمُ، مُتَقارِبانِ، وناسَبَ خَتْمُ ما أقْسَمَ عَلَيْهِ شاهِدا الزُّورِ بِقَوْلِهِ ﴿لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ لِأنَّ عَدَمَ مُطابَقَةِ يَمِينِهِما لِلْواقِعِ، وكَتْمِهِما الشَّهادَةَ، يَجُرّانِ إلَيْهِما الإثْمَ.

﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ أيْ ذَلِكَ الحُكْمُ السّابِقُ، ولَمّا كانَ الشّاهِدانِ لَهُما حالَتانِ: حالَةٌ يُرْتابُ فِيها إذا شَهِدا، فَإذْ ذاكَ يُحْبَسانِ بَعْدَ الصَّلاةِ، ويَحْلِفانِ اليَمِينَ المَشْرُوعَةَ في الآيَةِ، قُوبِلَتْ هَذِهِ الحالَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها﴾ أيْ عَلى ما شَهِدا حَقِيقَةً دُونَ إنْكارٍ، ولا تَحْرِيفٍ ولا كَذِبٍ، وحالَةٌ يُطَّلَعُ فِيها إذا شَهِدا عَلى إثْمِهِما بِالشَّهادَةِ، وكَذِبِهِما في الحَلِفِ، فَإذْ ذاكَ لا يُلْتَفَتُ إلى أيْمانِهِمْ، وتُرَدُّ عَلى شُهُودٍ آخَرِينَ، فَعُمِلَ بِأيْمانِهِمْ، وذَلِكَ بَعْدَ حَلِفِهِمْ وافْتِضاحِهِمْ فِيها بِظُهُورِ كَذِبِهِمْ، قُوبِلَتْ هَذِهِ الحالَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ . وكانَ العَطْفُ بِأوْ؛ لِأنَّ الشّاهِدَيْنِ إذا لَمْ يَتَّضِحْ صِدْقُهُما، لا يَخْلُوانِ مِن إحْدى هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ: إمّا حُصُولُ رِيبَةٍ في شَهادَتِهِما، وإمّا الِاطِّلاعُ عَلى خِيانَتِهِما؛ فَلِذَلِكَ كانَ العَطْفُ بِأوِ المَوْضُوعَةِ لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ، أوِ الأشْياءِ. فالمَعْنى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الأحْكامِ أقْرَبُ إلى حُصُولِ إقامَةِ الشَّهادَةِ عَلى ما يَنْبَغِي، أوْ خَوْفِ رَدِّ الأيْمانِ إلى غَيْرِهِمْ، فَتَسْقُطُ أيْمانُهم ولا تُقْبَلُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِكَ كُلُّهُ يُقَرِّبُ اعْتِدالَ هَذا الصِّنْفِ فِيما عَسى أنْ يَنْزِلَ مِنَ النَّوازِلِ؛ لِأنَّهم يَخافُونَ التَّحْلِيفَ المُغَلَّظَ بِعَقِبِ الصَّلاةِ، ثُمَّ يَخافُونَ الفَضِيحَةَ، ورَدَّ اليَمِينِ انْتَهى. وقِيلَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى تَحْلِيفِ الشّاهِدَيْنِ في جَمْعٍ مِنَ النّاسِ. وقِيلَ: إلى الحَبْسِ بَعْدَ الصَّلاةِ فَقَطْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ هَذا مِن كَلامِ السُّدِّيِّ، وأوَّلَ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: تُحِبُّنِي يا زَيْدُ، أوْ تُسْخِطُنِي، كَأنَّكَ قُلْتَ: وإلّا أسْخَطْتَنِي، فَكَذَلِكَ مَعْنى الآيَةِ (ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها وإلّا خافُوا رَدَّ الأيْمانِ) . وأمّا عَلى مَذْهَبِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ فالمَعْنى ذَلِكَ الحُكْمُ كُلُّهُ أقْرَبُ إلى أنْ يَأْتُوا، أوْ أقْرَبُ إلى أنْ يَخافُوا انْتَهى. فَتَلَخَّصَ أنَّ (أوْ) تَكُونُ عَلى بابِها، أوْ تَكُونُ بِمَعْنى الواوِ. و(يَخافُوا) مَعْطُوفٌ في هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ عَلى (يَأْتُوا)، أوْ يَكُونُ بِمَعْنى إلى أنْ، كَقَوْلِكَ لَألْزَمَنَّكَ، أوْ تَقْضِينِي حَقِّي، وهي الَّتِي عَبَّرَ عَنْها ابْنُ عَطِيَّةَ بِتِلْكَ العِبارَةِ السّابِقَةِ مِن تَقْدِيرِها بِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ فِعْلُهُ وجَزاؤُهُ، وإذا كانَتْ بِمَعْنى إلى أنْ، فَهي عِنْدَ البَصْرِيِّينَ عَلى بابِها مِن كَوْنِها لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ. إلّا أنَّ العَطْفَ بِها لا يَكُونُ عَلى الفِعْلِ الَّذِي هو (يَأْتُوا)، لَكِنَّهُ يَكُونُ عَلى مَصْدَرٍ مُتَوَهَّمٍ، وذَلِكَ عَلى ما تَقَرَّرَ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ. وجُمِعَ الضَّمِيرُ في يَأْتُوا وما بَعْدَهُ، وإنْ كانَ السّابِقُ مُثَنًّى، فَقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى الشّاهِدَيْنِ بِاعْتِبارِ الصِّنْفِ والنَّوْعِ. وقِيلَ: لا يَعُودُ إلى كِلَيْهِما بِخُصُوصِيَّتِهِما، بَلْ إلى النّاسِ الشُّهُودِ، والتَّقْدِيرُ ذَلِكَ أدْنى أنْ يَحْذَرَ النّاسُ الخِيانَةَ، فَيَشْهَدُوا بِالحَقِّ؛ خَوْفَ الفَضِيحَةِ في رَدِّ اليَمِينِ عَلى المُدَّعِي.

﴿واتَّقُوا اللَّهَ واسْمَعُوا﴾ أيِ احْذَرُوا عِقابَ اللَّهِ تَعالى، واتَّخِذُوا وِقايَةً مِنهُ، بِأنْ لا تَخُونُوا، ولا تَحْلِفُوا بِهِ كاذِبِينَ، وأدُّوا الأمانَةَ إلى أهْلِها، واسْمَعُوا سَماعَ إجابَةٍ وقَبُولٍ.

﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ إشارَةٌ إلى مَن حَرَّفَ الشَّهادَةَ أنَّهُ فاسِقٌ خارِجٌ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، فاللَّهُ لا يَهْدِيهِ إلّا إذا تابَ، فاللَّفْظُ عامٌّ، والمَعْنى اشْتِراطُ انْتِفاءِ التَّوْبَةِ.

5:109Page 126

۞ يَوۡمَ يَجۡمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبۡتُمۡۖ قَالُواْ لَا عِلۡمَ لَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ١٠٩

[Be warned of] the Day when Allāh will assemble the messengers and say, "What was the response you received?" They will say, "We have no knowledge. Indeed, it is You who is Knower of the unseen" -

﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ (p-٤٨)الغُيُوبِ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ لِما قَبْلَها؛ أنَّهُ لَمّا أخْبَرَ تَعالى بِالحُكْمِ في شاهِدَيِ الوَصِيَّةِ، وأمَرَ بِتَقْوى اللَّهِ والسَّمْعِ والطّاعَةِ، ذَكَّرَ بِهَذا اليَوْمِ المَهُولِ المَخُوفِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ، فَجَمَعَ بِذَلِكَ بَيْنَ فَضِيحَةِ الدُّنْيا وعُقُوبَةِ الآخِرَةِ لِمَن حَرَّفَ الشَّهادَةَ، ولِمَن لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ، ولَمْ يَسْمَعْ. وذَكَرُوا في نَصْبِ (يَوْمَ) وُجُوهًا أحَدُها: أنَّهُ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ اذْكُرُوا، والثّانِي: بِإضْمارِ احْذَرُوا، والثّالِثُ: بِاتَّقُوا، والرّابِعُ: بِاسْمَعُوا، قالَهُ الحَوْفِيُّ، والخامِسُ: بِـ (لا يَهْدِي) . قالَ قَوْمٌ مِنهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ وأبُو البَقاءِ، قالا: لا يَهْدِيهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ طَرِيقَ الجَنَّةِ. قالَ أبُو البَقاءِ: أوْ لا يَهْدِيهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ إلى الحُجَّةِ. والسّادِسُ: أجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى البَدَلِ مِنَ المَنصُوبِ في قَوْلِهِ (واتَّقُوا اللَّهَ)، وهو بَدَلُ الِاشْتِمالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: واتَّقُوا اللَّهَ يَوْمَ جَمْعِهِ، وفِيهِ بُعْدٌ لِطُولِ الفَصْلِ بِالجُمْلَتَيْنِ، والسّابِعُ: أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ مُؤَخَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ كانَ كَيْتُ وكَيْتُ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ في وصْفِ الآيَةِ وبَراعَتِها: إنَّما هو أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ مُسْتَأْنَفًا، والعامِلُ اذْكُرُوا، واحْذَرُوا، مِمّا حَسُنَ اخْتِصارُهُ لِعِلْمِ السّامِعِ والإشارَةُ بِهَذا اليَوْمِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وخَصَّ الرُّسُلَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهم قادَةُ الخَلْقِ، وفي ضِمْنِ جَمْعِهِمْ جَمْعُ الخَلائِقِ، وهُمُ المُكَلَّمُونَ أوَّلًا انْتَهى. والَّذِي نَخْتارُهُ غَيْرَ ما ذَكَرُوا، وهو أنْ يَكُونَ (يَوْمَ) مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ ﴿قالُوا لا عِلْمَ لَنا﴾ أيْ قالَ الرُّسُلُ وقْتَ جَمْعِهِمْ، وقَوْلِ اللَّهِ لَهم ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾، وصارَ نَظِيرَ ما قُلْناهُ في قَوْلِهِ ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ﴾ [البقرة: ٣٠]، وسُؤالُهُ تَعالى إيّاهم بِقَوْلِهِ ماذا (أُجِبْتُمْ) سُؤالُ تَوْبِيخٍ لِأُمَمِهِمْ؛ لِتَقُومَ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، ويُبْتَدَأ حِسابُهم، كَما سُئِلَتِ المَوْؤُدَةُ؛ تَوْبِيخًا لِوائِدِها، وتَوْقِيفًا لَهُ عَلى سُوءِ فِعْلِهِ، وانْتِصابُ ماذا أُجِبْتُمْ، ولَوْ أُرِيدَ الجَوابُ لَقِيلَ: بِماذا أُجِبْتُمْ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقِيامُ ما الِاسْتِفْهامِيَّةِ مَقامَ المَصْدَرِ جائِزٌ، وكَذَلِكَ ماذا إذا جَعَلْتَها كُلَّها اسْتِفْهامًا. وأنْشَدُوا عَلى مَجِيءِ ما ذُكِرَ مَصْدَرًا قَوْلَ الشّاعِرِ:

؎ماذا تُعِيرُ ابْنَتِي رَبْعَ عَوِيلِهِما لا تَرْقُدانِ ولا بُؤْسى لِمَن رَقَدا

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ ماذا أجابَتْ بِهِ الأُمَمُ. ولَمْ يَجْعَلْ ما مَصْدَرًا، بَلْ جَعَلَها كِنايَةً عَنِ الجَوابِ، وهو الشَّيْءُ المُجابُ بِهِ، لا لِلْمَصْدَرِ، وهو الَّذِي عَنى الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: ولَوْ أُرِيدَ الجَوابُ لَقِيلَ بِماذا أُجِبْتُمْ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ما لِلِاسْتِفْهامِ، وهو مُبْتَدَأٌ بِمَعْنى الَّذِي خَبَرُها، وأُجِبْتُمْ صِلَتُهُ، والتَّقْدِيرُ ماذا أُجِبْتُمْ بِهِ انْتَهى. وحَذْفُ هَذا الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِالحَرْفِ، يَضْعُفُ، لَوْ قُلْتَ: جاءَنِي الَّذِي مَرَرْتُ، تُرِيدُ بِهِ كانَ ضَعِيفًا، إلّا إنِ اعْتُقِدَ أنَّهُ حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ أوَّلًا، فانْتَصَبَ الضَّمِيرُ، ثُمَّ حُذِفَ مَنصُوبًا، ولا يَبْعُدُ. وقالَ أبُو البَقاءِ: (ماذا) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِأُجِبْتُمْ، وحَرْفُ الجَرِّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ بِماذا أُجِبْتُمْ، وما وذا هُنا بِمَنزِلَةِ اسْمٍ واحِدٍ. ويَضْعُفُ أنْ يُجْعَلَ ذا بِمَعْنى الَّذِي هُنا؛ لِأنَّهُ لا عائِدَ هُنا، وحَذْفُ العائِدِ مَعَ حَرْفِ الجَرِّ ضَعِيفٌ انْتَهى. وما ذَكَرَهُ أبُو البَقاءِ أضْعَفُ؛ لِأنَّهُ لا يَنْقاسُ حَذْفُ حَرْفِ الجَرِّ، إنَّما سُمِعَ ذَلِكَ في ألْفاظٍ مَخْصُوصَةٍ، ونَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ زَيْدًا مَرَرْتُ بِهِ، تُرِيدُ بِزَيْدٍ مَرَرْتُ، ولا سِرْتُ البَيْتَ، تُرِيدُ إلى البَيْتِ، إلّا في ضَرُورَةِ شِعْرٍ، نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎تَحِنُّ فَتُبْدِي ما بِها مِن صَبابَةٍ ∗∗∗ وأُخْفِي الَّذِي لَوْلا الأسى لَقَضانِي

يُرِيدُ لَقَضى عَلَيَّ، فَحَذَفَ عَلَيَّ، وعَدّى الفِعْلَ إلى الضَّمِيرِ، فَنَصَبَهُ، ونَفْيُهُمُ العِلْمَ عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ لا عِلْمَ لَنا إلّا عِلْمًا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنّا، كَأنَّ المَعْنى لا عِلْمَ لَنا يَكْفِي ويَنْتَهِي إلى الغايَةِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: مَعْنى ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾ ماذا عَمِلُوا بَعْدَكم، وماذا أحْدَثُوا، فَلِذَلِكَ قالُوا: لا عِلْمَ لَنا، ويُؤَيِّدُهُ ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾، إلّا أنَّ لَفْظَةَ ماذا أُجِبْتُمْ تَنْبُو عَنْ أنْ تُشْرَحَ بِقَوْلِهِ ماذا عَمِلُوا. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ عَنِ الحَسَنِ ومُجاهِدٍ والسُّدِّيِّ وسَهْلٍ التُّسْتَرِيِّ، أقْوالًا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِمْ ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ لا تُناسِبُ الرُّسُلَ أضْرَبْتُ (p-٤٩)عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَقُولُونَ لا عِلْمَ لَنا، وقَدْ عَلِمُوا ما أُجِيبُوا، قُلْتُ: يَعْلَمُونَ أنَّ الغَرَضَ بِالسُّؤالِ تَوْبِيخُ أعْدائِهِمْ، فَيَكِلُونَ الأمْرَ إلى عِلْمِهِ وإحاطَتِهِ بِما مُنُّوا بِهِ مِنهم، وذَلِكَ أعْظَمُ عَلى الكَفَرَةِ، وأفَتُّ في أعَضادِهِمْ، وأجْلَبُ لِحَسْرَتِهِمْ وسُقُوطِهِمْ في أيْدِيهِمْ، إذا اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ تَوْبِيخُ اللَّهِ تَعالى، وتَشَكِّي أنْبِيائِهِمْ عَلَيْهِمْ. ومِثالُهُ أنْ يَنْكُتَ بَعْضُ الخَوارِجِ عَلى السُّلْطانِ خاصَّةً مِن خَواصِّهِ نُكْتَةً قَدْ عَرَفَها السُّلْطانُ، واطَّلَعَ عَلى كُنْهِها، وعَزَمَ عَلى الِانْتِصارِ لَهُ مِنهُ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُما، ويَقُولُ لَهُ: ما فَعَلَ بِكَ هَذا الخارِجِيُّ، وهو عالِمٌ بِما فَعَلَ بِهِ، يُرِيدُ تَوْبِيخَهُ وتَبْكِيتَهُ، فَيَقُولُ: أنْتَ أعْلَمُ بِما فَعَلَ بِي؛ تَفْوِيضًا لِلْأمْرِ إلى عِلْمِ سُلْطانِهِ، واتِّكالًا عَلَيْهِ، وإظْهارًا لِشِكايَتِهِ، وتَعْظِيمًا لِما بِهِ انْتَهى. ولَيْسَتِ الآيَةُ كَهَذا المِثالِ الَّذِي ذَكَرَهُ؛ لِأنَّ في الآيَةِ ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ وهَذا نَفْيٌ لِسائِرِ أفْرادِ العِلْمِ عَنْهم بِالنِّسْبَةِ إلى الإجابَةِ. وفي المِثالِ؛ أنْتَ أعْلَمُ بِما فَعَلَ بِي، وهَذا لا يَنْفِي العِلْمَ عَنْهُ، غَيْرَ أنَّهُ أثْبَتَ لِسُلْطانِهِ أنَّهُ أعْلَمُ بِالخارِجِيِّ مِنهُ. وقالَ ابْنُ أبِي الفَضْلِ في قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ: لَيْسَ بِالقَوِيِّ؛ لِأنَّ السُّؤالَ إنَّما وقَعَ عَنْ كُلِّ الأُمَّةِ، وكُلُّ الأُمَّةِ ما كانُوا كافِرِينَ حَتّى يُرِيدَ الرَّسُولُ تَوْبِيخَهم. وقِيلَ: مَعْناهُ عِلْمُنا ساقِطٌ مَعَ عِلْمِكَ ومَغْمُورٌ بِهِ؛ لِأنَّكَ عَلّامُ الغُيُوبِ، ومَن عَلِمَ الخَفِيّاتِ لَمْ تَخْفَ عَلَيْهِ الظَّواهِرُ الَّتِي مِنها إجابَةُ الأُمَمِ لِرُسُلِهِمْ، فَكَأنَّهُ لا عِلْمَ لَنا إلّا جَنْبَ عِلْمِكَ، حَكاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِهَذا اللَّفْظِ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ مُخْتَصَرًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أصْوَبُ؛ لِأنَّهُ يَتَرَجَّحُ بِالتَّسْلِيمِ إلى اللَّهِ تَعالى، ورَدِّ الأمْرِ إلَيْهِ، إذْ لا يَعْلَمُونَ إلّا بِما شُوفِهُوا بِهِ مُدَّةَ حَياتِهِمْ، ويَنْقُصُهم ما في قُلُوبِ المُشافِهِينَ مِن نِفاقٍ، ونَحْوِهِ، وما كانَ بَعْدَهم مِن أُمَمِهِمْ، واللَّهُ تَعالى يَعْلَمُ جَمِيعَ ذَلِكَ عَلى التَّفْصِيلِ والكَمالِ، فَرَأوُا التَّسْلِيمَ لَهُ، والخُشُوعَ لِعِلْمِهِ المُحِيطِ انْتَهى. وقِيلَ: لا عِلْمَ لَنا بِما كانَ بَعْدَنا، وإنَّما الحُكْمُ لِلْخاتِمَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِمْ أمْرُهم، وقَدْ رَأوْهم سُودَ الوُجُوهِ زُرْقَ العُيُونِ مُوَبَّخِينَ انْتَهى. وقالَ ابْنُ أبِي الفَضْلِ: الأصَحُّ ما اخْتارَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أيْ تَعْلَمُ ما أظْهَرُوا، وما أضْمَرُوا، ونَحْنُ ما نَعْلَمُ إلّا ما أظْهَرُوا، فَعِلْمُكَ فِيهِمْ أنْفَذُ مِن عِلْمِنا. فَبِهَذا المَعْنى نَفَوُا العِلْمَ عَنْ أنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّ عِلْمَهم عِنْدَ اللَّهِ كَلا عِلْمٍ انْتَهى. فَيَكُونُ مِمّا نُفِيَتْ فِيهِ الحَقِيقَةُ ظاهِرًا، والمَقْصُودُ نَفْيُ الكَمالِ، كَأنَّهُ قالَ: لا عِلْمَ لَنا كامِلٌ، تَقُولُ: لا رَجُلَ في الدّارِ؛ أيْ كامِلُ الرُّجُولِيَّةِ في فَوْتِهِ ونَفاذِهِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: ثَبَتَ في عِلْمِ الأُصُولِ؛ أنَّ العِلْمَ غَيْرٌ، والظَّنَّ غَيْرٌ، والحاصِلُ عِنْدَ كُلِّ أحَدٍ مِنَ الغَيْرِ، إنَّما هو الظَّنُّ لا العِلْمُ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: «نَحْنُ نَحْكُمُ بِالظَّواهِرِ، واللَّهُ مُتَوَلِّي السَّرائِرَ» . وقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”إنَّكم تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ. . . الحَدِيثَ“، والأنْبِياءُ قالُوا: لا عِلْمَ لَنا البَتَّةَ بِأحْوالِهِمْ، إنَّما الحاصِلُ عِنْدَنا مِن أحْوالِهِمْ، هو الظَّنُّ. والظَّنُّ كانَ مُعْتَبَرًا في الدُّنْيا؛ لِأنَّ الأحْكامَ في الدُّنْيا كانَتْ مَبْنِيَّةً عَلى الظُّنُونِ، أمّا الآخِرَةُ فَلا التِفاتَ فِيها إلى الظَّنِّ؛ لِأنَّ الأحْكامَ مَبْنِيَّةٌ عَلى حَقائِقِ الأشْياءِ، وبَواطِنِ الأُمُورِ، فَلِهَذا السَّبَبِ قالُوا: ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾، ولَمْ يَذْكُرُوا البَتَّةَ ما مَعَهم مِنَ الظَّنِّ؛ لِأنَّ الظَّنَّ لا عِبْرَةَ بِهِ في القِيامَةِ انْتَهى كَلامُهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا عِلْمَ لَنا بِسُؤالِكَ، ولا جَوابَ لَنا عَنْهُ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو حَيْوَةَ ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ (عَلّامَ) بِالنَّصْبِ، وهو عَلى حَذْفِ الخَبَرِ؛ لِفَهْمِ المَعْنى، فَيَتِمُّ الكَلامُ بِالمُقَدَّرِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّكَ أنْتَ﴾ أيْ إنَّكَ المَوْصُوفُ بِأوْصافِكَ المَعْرُوفَةِ مِنَ العِلْمِ وغَيْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ نُصِبَ ﴿عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ عَلى الِاخْتِصاصِ، أوْ عَلى النِّداءِ، أوْ صِفَةٍ لِاسْمِ (إنَّ) انْتَهى. وهَذا الوَجْهُ الأخِيرُ، لا يَجُوزُ؛ لِأنَّهم أجْمَعُوا عَلى أنَّ ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ، وضَمِيرَ المُخاطَبِ لا يَجُوزُ أنْ يُوصَفَ، وأمّا ضَمِيرُ الغائِبِ فَفِيهِ خِلافٌ شاذٌّ لِلْكِسائِيِّ. وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ (الغِيُوبِ)، بِكَسْرِ الغَيْنِ، حَيْثُ وقَعَ، كَأنَّ مَن قالَ ذَلِكَ مِنَ العَرَبِ، قَدِ اسْتَثْقَلَ تَوالِيَ ضَمَّتَيْنِ مَعَ الياءِ، فَفَرَّ إلى حَرَكَةٍ مُغايِرَةٍ لِلضَّمَّةِ، مُناسِبَةٍ لِمُجاوِرَةِ (p-٥٠)الياءِ، وهي لِلْكَسْرَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском