Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:110–118, continued
﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا وآيَةً مِنكَ وارْزُقْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ . رُوِيَ أنَّ عِيسى لَبِسَ جُبَّةَ شَعْرٍ ورِداءَ شَعْرِ، وقامَ يُصَلِّي ويَبْكِي ويَدْعُو. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لَفْظَةِ (اللَّهُمَّ) في آلِ عِمْرانَ، ونادى رَبَّهُ أوَّلًا بِالعِلْمِ الَّذِي لا شَرِكَةَ فِيهِ، ثُمَّ ثانِيًا بِلَفْظِ (رَبَّنا) مُطابِقًا إلى مُصْلِحِنا ومُرَبِّينا ومالِكِنا. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿تَكُونُ لَنا﴾ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ صِفَةٌ لِمائِدَةٍ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والأعْمَشُ (يَكُنْ) بِالجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ، والمَعْنى يَكُنْ يَوْمُ نُزُولِها عِيدًا، وهو يَوْمُ الأحَدِ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ اتَّخَذَهُ النَّصارى عِيدًا. وقِيلَ العِيدُ: السُّرُورُ والفَرَحُ، ولِذَلِكَ يُقالُ يَوْمُ عِيدٍ، فالمَعْنى يَكُونُ لَنا سُرُورًا وفَرَحًا، والعِيدُ المُجْتَمَعُ لِلْيَوْمِ المَشْهُودِ، وعُرْفُهُ أنْ يُقالَ فِيما يَسْتَدِيرُ بِالسَّنَةِ أوْ بِالشَّهْرِ أوْ بِالجُمْعَةِ ونَحْوِهِ. وقِيلَ: العِيدُ لُغَةً ما عادَ إلَيْكَ مِن شَيْءٍ في وقْتٍ مَعْلُومٍ، سَواءٌ كانَ فَرَحًا أوْ تَرَحًا، وغَلَبَتِ الحَقِيقَةُ العُرْفِيَّةُ عَلى الحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ. وقالَ الخَلِيلُ: العِيدُ كُلُّ يَوْمٍ يَجْمَعُ النّاسَ؛ لِأنَّهم عادُوا إلَيْهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لِأوَّلِنا لِأهْلِ زَمانِنا، وآخِرِنا مَن يَجِيءُ بَعْدَنا. وقِيلَ لِأوَّلِنا المُتَقَدِّمِينَ مِنّا والرُّؤَساءِ، وآخِرِنا يَعْنِي الأتْباعَ. والأوَّلِيَّةُ والآخِرِيَّةُ فاحْتَمَلَتا الأكْلَ والزَّمانَ والرُّتْبَةَ، والظّاهِرُ الزَّمانُ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ والجَحْدَرِيُّ لِأُولانا وأُخْرانا، أنَّثُوا عَلى مَعْنى الأُمَّةِ والجَماعَةِ، والمَجْرُورُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ لَنا، وكُرِّرَ العامِلُ وهو حَرْفُ الجَرِّ، كَقَوْلِهِ ﴿مِنها مِن غَمٍّ﴾ [الحج: ٢٢] والبَدَلُ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ والمُخاطَبِ، إذا كانَ بَدَلَ بَعْضٍ، أوْ بَدَلَ اشْتِمالٍ، جازَ بِلا خِلافٍ، وإنْ كانَ بَدَلَ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ، وهُما لِعَيْنٍ واحِدَةٍ، فَإنْ أفادَ مَعْنى التَّأْكِيدِ جازَ لِهَذا البَدَلِ، إذِ المَعْنى تَكُونُ لَنا عِيدًا كُلِّنا، كَقَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِكم أكابِرِكم وأصاغِرِكُمْ؛ لِأنَّ مَعْنى ذَلِكَ؛ مَرَرْتُ بِكم كُلِّكم، وإنْ لَمْ تُفْدِ تَوْكِيدًا، فَمَسْألَةُ خِلافٍ الأخْفَشُ يُجِيزُ، وغَيْرُهُ مِنَ البَصْرِيِّينَ يَمْنَعُ، ومَعْنى ﴿وآيَةً مِنكَ﴾ عَلامَةٌ شاهِدَةٌ عَلى صِدْقِ عَبْدِكَ. وقِيلَ حُجَّةٌ، ودَلالَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَتِكَ. وقَرَأ اليَمانِيُّ (وأنَّهُ مِنكَ)، والضَّمِيرُ في (وأنَّهُ) إمّا لِلْعِيدِ، أوِ الإنْزالِ. (وارْزُقْنا) قِيلَ: المائِدَةَ، وقِيلَ: الشُّكْرَ لِنِعْمَتِكَ ﴿وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ لِأنَّكَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ تَبْتَدِئُ بِالرِّزْقِ. قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: تَأمَّلْ هَذا التَّرْتِيبَ، فَإنَّ الحَوارِيِّينَ لَمّا سَألُوا المائِدَةَ، ذَكَرُوا في طَلَبِها أغْراضًا، فَقَدَّمُوا ذِكْرَ الأكْلِ، وأخَّرُوا الأغْراضَ الدِّينِيَّةَ الرُّوحانِيَّةَ، وعِيسى طَلَبَ المائِدَةَ، وذَكَرَ أغْراضَهُ، فَقَدَّمَ الدِّينِيَّةَ، وأخَّرَ أغْراضَ الأكْلِ، حَيْثُ قالَ: (وارْزُقْنا) وعِنْدَ هَذا يَلُوحُ لَكَ مَراتِبُ دَرَجاتِ الأرْواحِ في كَوْنِ بَعْضِها رُوحانِيَّةً، وبَعْضِها (p-٥٧)جُسْمانِيَّةً، ثُمَّ إنَّ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ، لِشِدَّةِ صَفاءِ وقْتِهِ، وإشْراقِ رُوحِهِ، لَمّا ذَكَرَ الرِّزْقَ بِقَوْلِهِ (وارْزُقْنا) لَمْ يَقِفْ عَلَيْهِ، بَلِ انْتَقَلَ مِنَ الرِّزْقِ إلى الرّازِقِ، فَقالَ: ﴿وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾، فَقَوْلُهُ: (رَبَّنا) ابْتِداءٌ مِنهُ بِنِداءِ الحَقِّ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً﴾ انْتِقالٌ مِنَ الذّاتِ إلى الصِّفاتِ، وقَوْلُهُ: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ إشارَةٌ إلى ابْتِهاجِ الرُّوحِ بِالنِّعْمَةِ، لا مِن حَيْثُ إنَّها نِعْمَةٌ، بَلْ مِن حَيْثُ إنَّها صادِرَةٌ عَنِ المُنْعِمِ. وقَوْلُهُ: ﴿وآيَةً مِنكَ﴾ إشارَةٌ إلى حِصَّةِ النَّفْسِ، وكُلُّ ذَلِكَ نَزَلَ مِن حَضْرَةِ الجَلالِ، فانْظُرْ كَيْفَ ابْتَدَأ بِالأشْرَفِ، فالأشْرَفِ، نازِلًا إلى الأدْوَنِ، فالأدْوَنِ.
﴿وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ هو عُرُوجٌ مَرَّةً أُخْرى مِنَ الأخَسِّ إلى الأشْرَفِ، وعِنْدَ هَذا يَلُوحُ هَمُّهُ مِن كَيْفِيَّةِ عُرُوجِ الأرْواحِ المُشْرِقَةِ النُّورانِيَّةِ الإلَهِيَّةِ، ونُزُولِها، اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن أهْلِهِ، وهو كَلامٌ دائِرٌ بَيْنَ لَفْظٍ فَلْسَفِيٍّ، ولَفْظٍ صُوفِيٍّ، وكِلاهُما بَعِيدٌ عَنْ كَلامِ العَرَبِ ومَناحِيها.
5:115Page 127
قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيۡكُمۡۖ فَمَن يَكۡفُرۡ بَعۡدُ مِنكُمۡ فَإِنِّيٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابٗا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١١٥
Allāh said, "Indeed, I will send it down to you, but whoever disbelieves afterwards from among you - then indeed will I punish him with a punishment by which I have not punished anyone among the worlds."
﴿قالَ اللَّهُ إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكم فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ المائِدَةَ نَزَلَتْ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ مُنَزِّلُها، وبِإنْزالِها قالَ الجُمْهُورُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: شَرَطَ عَلَيْهِمْ شَرْطَهُ المُتَعارَفَ في الأُمَمِ؛ أنَّهُ مَن كَفَرَ بَعْدَ آيَةِ الِاقْتِراحِ، عُذِّبَ أشَدَّ عَذابٍ. قالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ لَمّا سَمِعُوا الشَّرْطَ أشْفَقُوا فَلَمْ تَنْزِلْ. قالَ مُجاهِدٌ: فَهو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلنّاسِ؛ لِئَلّا يَسْألُوا هَذا الآياتِ، واخْتَلَفَ مَن قالَ إنَّها نَزَلَتْ، هَلْ رُفِعَتْ بِإحْداثٍ أحْدَثُوهُ أمْ لَمْ تُرْفَعْ ؟ وقالَ الأكْثَرُونَ: أكَلُوا مِنها أرْبَعِينَ يَوْمًا بُكْرَةً وعَشِيَّةً. وقالَ إسْحاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: يَأْكُلُونَ مِنها مَتى شاءُوا. وقِيلَ: بَطِرُوا فَكانَتْ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ. وقالَ المُؤَرِّخُونَ: كانَتْ تَنْزِلُ عِنْدَ ارْتِفاعِ الضُّحى، فَيَأْكُلُونَ مِنها، ثُمَّ تَرْتَفِعُ إلى السَّماءِ وهم يَنْظُرُونَ إلى ظِلِّها في الأرْضِ. واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ نُزُولِها، وفِيما كانَ عَلَيْها، وفي عَدَدِ مَن أكَلَ مِنها، وفِيما آلَ إلَيْهِ حالُ مَن أكَلَ مِنها، اخْتِلافًا مُضْطَرِبًا مُتَعارِضًا ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ، ضَرَبْتُ عَنْ ذِكْرِهِ صَفْحًا، إذْ لَيْسَ مِنهُ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الآيَةِ. وأحْسَنُ ما يُقالُ فِيهِ ما خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ في أبْوابِ التَّفْسِيرِ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُنْزِلَتِ المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزًا ولَحْمًا، وأُمِرُوا أنْ لا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ، ولا يَخُونُوا، فَخانُوا، وادَّخَرُوا، ورَفَعُوا لِغَدٍ، فَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ» . قالَ أبُو عِيسى هَذا حَدِيثٌ رَواهُ عاصِمٌ وغَيْرُ واحِدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ قَتادَةَ عَنْ خِلاسٍ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، مَرْفُوعًا، ولا نَعْلَمُهُ مَرْفُوعًا، إلّا مِن حَدِيثِ الحَسَنِ بْنِ قَزَعَةَ؛ حَدَّثَنا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ بْنُ حَبِيبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُرْوَةَ نَحْوَهُ، ولَمْ يَرْفَعْهُ، وهَذا أصَحُّ مِن حَدِيثِ الحَسَنِ بْنِ قَزَعَةَ، ولا نَعْلَمُ الحَدِيثَ مَرْفُوعًا أصْلًا. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ (مُنَزِّلُها) مُشَدَّدًا. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ مُخَفَّفًا، والأعْمَشُ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، إنِّي سَأُنْزِلُها، بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ بَعْدُ؛ أيْ: بَعْدَ إنْزالِها. والعَذابُ هُنا بِمَعْنى التَّعْذِيبِ، فانْتِصابُهُ انْتِصابُ المَصْدَرِ، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ عَلى السَّعَةِ، وهو إعْرابٌ سائِغٌ. ولا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالعَذابِ؛ ما يُعَذِّبُ بِهِ إذْ يَلْزَمُ أنْ يَتَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ بِحَرْفِ الجَرِّ، فَكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ؛ فَإنِّي أُعَذِّبُهُ بِعَذابٍ. لا يُقالُ حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ، فَتَعَدّى الفِعْلُ إلَيْهِ، فَنَصَبَهُ؛ لِأنَّ حَذْفَ الحَرْفِ في مِثْلِ هَذا مُخْتَصٌّ بِالضَّرُورَةِ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في لا أُعَذِّبُهُ يَعُودُ عَلى العَذابِ بِمَعْنى التَّعْذِيبِ، والمَعْنى؛ لا أُعَذِّبُ مِثْلَ التَّعْذِيبِ أحَدًا. وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ لا أُعَذِّبُ بِهِ أحَدًا، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ عَلى السَّعَةِ، وأنْ يَكُونَ ضَمِيرَ المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ، كَقَوْلِكَ: ظَنَنْتُهُ زَيْدًا مُنْطَلِقًا، فَلا يَعُودُ عَلى العَذابِ. ورابِطُ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ صِفَةً لِعَذابٍ هو العُمُومُ الَّذِي في المَصْدَرِ المُؤَكَّدِ، كَقَوْلِكَ: هو جِنْسٌ، و(عَذابًا) نَكِرَةٌ، فانْتَظَمَهُ المَصْدَرُ، كَما انْتَظَمَ اسْمُ الجِنْسِ زَيْدًا في: زِيدٌ نِعْمَ الرَّجُلُ، وأجازَ أيْضًا أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ (مِن) عَلى حَذْفٍ؛ أيْ لا أُعَذِّبُ مِثْلَ عَذابِ الكافِرِ، وهَذِهِ تَقادِيرُ مُتَكَلَّفَةٌ يَنْبَغِي أنْ (p-٥٨)يُنَزَّهَ القُرْآنُ عَنْها والعَذابُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَسَخَهم خَنازِيرَ. وقالَ غَيْرُهُ قِرَدَةً وخَنازِيرَ، ووَقَعَ ذَلِكَ في الدُّنْيا والكُفْرُ المُشارُ إلَيْهِ المُوجِبُ تَعْذِيبَهم، قِيلَ: ارْتِدادُهم. وقِيلَ: شَكُّهم في عِيسى، وتَشْكِيكُهُمُ النّاسَ. وقِيلَ: مُخالَفَتُهُمُ الأمْرَ بِأنْ لا يَخُونُوا، ولا يُخَبِّئُوا، ولا يَدَّخِرُوا، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ: لَمْ يَتِمَّ يَوْمُهم حَتّى خانُوا، فادَّخَرُوا، ورَفَعُوا. وظاهِرُ العالَمِينَ العُمُومُ. وقِيلَ: عالَمِي زَمانِهِمْ.
5:116Page 127
وَإِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ءَأَنتَ قُلۡتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيۡنِ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أَقُولَ مَا لَيۡسَ لِي بِحَقٍّۚ إِن كُنتُ قُلۡتُهُۥ فَقَدۡ عَلِمۡتَهُۥۚ تَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِي وَلَآ أَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِكَۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ١١٦
And [beware the Day] when Allāh will say, "O Jesus, Son of Mary, did you say to the people, 'Take me and my mother as deities besides Allāh?'" He will say, "Exalted are You! It was not for me to say that to which I have no right. If I had said it, You would have known it. You know what is within myself, and I do not know what is within Yourself. Indeed, it is You who is Knower of the unseen.
﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: (إذْ) زائِدَةٌ. وقالَ غَيْرُهُ بِمَعْنى (إذا) . والظّاهِرُ أنَّها عَلى أصْلِ وضْعِها، وأنَّ ما بَعْدَها مِنَ الفِعْلِ الماضِي قَدْ وقَعَ، ولا يَئُولُ قَوْلٌ. قالَ السُّدِّيُّ وغَيْرُهُ: كانَ هَذا القَوْلُ مِنَ اللَّهِ تَعالى حِينَ رَفَعَ عِيسى إلَيْهِ، وقالَتِ النَّصارى ما قالَتْ، وادَّعَتْ أنَّ عِيسى أمَرَهم بِذَلِكَ، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ والجُمْهُورُ: هَذا القَوْلُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، إنَّما هو يَوْمُ القِيامَةِ يَقُولُ لَهُ عَلى رُءُوسِ الخَلائِقِ، فَيَعْلَمُ الكُفّارُ أنَّ ما كانُوا عَلَيْهِ باطِلٌ، فَيَقَعُ التَّجَوُّزُ في اسْتِعْمالِ (إذْ) بِمَعْنى (إذا)، والماضِي بَعْدَهُ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ، وفي إيلاءِ الِاسْتِفْهامِ الِاسْمَ، ومَجِيءِ الفِعْلِ بَعْدَهُ دَلالَةٌ عَلى صُدُورِ الفِعْلِ في الوُجُودِ، لَكِنْ وقَعَ الِاسْتِفْهامُ عَنِ النِّسْبَةِ، أكانَ هَذا الفِعْلُ الواقِعُ صادِرًا عَنِ المُخاطَبِ، أمْ لَيْسَ بِصادِرٍ عَنْهُ ؟ بَيانُ ذَلِكَ أنَّكَ تَقُولُ: أضْرَبْتَ زَيْدًا، فَهَذا اسْتِفْهامٌ، هَلْ صَدَرَ مِنكَ ضَرْبٌ لِزَيْدٍ أمْ لا ؟ ولا إشْعارَ فِيهِ بِأنَّ ضَرْبَ زِيدٍ قَدْ وقَعَ. فَإذا قُلْتَ: أنْتَ ضَرَبْتَ زَيْدًا ؟ كانَ الضَّرْبُ قَدْ وقَعَ بِزَيْدٍ، لَكِنَّكَ اسْتَفْهَمْتَ عَنْ إسْنادِهِ لِلْمُخاطَبِ، وهَذِهِ مَسْألَةٌ بَيانِيَّةٌ، نَصَّ عَلى ذَلِكَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ: أنَّهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ مِنَ النَّصارى بِإلَهِيَّةِ مَرْيَمَ، فَكَيْفَ قِيلَ: (إلَهَيْنِ) ؟ وأجابُوا بِأنَّهم لَمّا قالُوا لَمْ تَلِدْ بَشَرًا، وإنَّما ولَدَتْ إلَهًا، لَزِمَهم أنْ يَقُولُوا مِن حَيْثُ البَعْضِيَّةُ بِإلَهِيَّةِ مَن ولَدَتْهُ، فَصارُوا بِمَثابَةِ مَن قالَ انْتَهى. والظّاهِرُ صُدُورُ هَذا القَوْلِ في الوُجُودِ، لا مِن عِيسى، ولا يَلْزَمُ مِن صُدُورِ القَوْلِ وُجُودُ الِاتِّخاذِ.
﴿قالَ سُبْحانَكَ﴾ أيْ تَنْزِيهًا لَكَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَنْ أنْ يُقالَ هَذا ويُنْطَقَ بِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن أنْ يَكُونَ لَكَ شَرِيكٌ. والظّاهِرُ الأوَّلُ لِقَوْلِهِ بَعْدُ ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ . قالَ أبُو رَوْقٍ: لَمّا سَمِعَ عِيسى هَذا المَقالَ، ارْتَعَدَتْ مَفاصِلُهُ، وانْفَجَرَتْ مِن أصْلِ كُلِّ شَعْرَةٍ عَيْنٌ مِن دَمٍ، فَقالَ عِنْدَ ذَلِكَ مُجِيبًا لِلَّهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَكَ﴾ تَنْزِيهًا وتَعْظِيمًا لَكَ وبَراءَةً لَكَ مِنَ السُّوءِ.
﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ هَذا نَفْيٌ يُعَضِّدُهُ دَلِيلُ العَقْلِ، فَيَمْتَنِعُ عَقْلًا ادِّعاءُ بَشَرٍ مُحْدَثٍ الأُلُوهِيَّةَ، و(بِحَقٍّ) خَبَرُ (لَيْسَ) أيْ لَيْسَ مُسْتَحَقًّا، وأجازُوا في (لِي) (p-٥٩)أنْ يَكُونَ تَبْيِينًا وأنْ يَكُونَ صِلَةً صِفَةً لِقَوْلِهِ (بِحَقٍّ) لِي تَقَدَّمَ، فَصارَ حالًا؛ أيْ بِحَقٍّ لِي، ويَظْهَرُ أنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِحَقٍّ؛ لِأنَّ الباءَ زائِدَةٌ، (وحَقٍّ) بِمَعْنى مُسْتَحَقٍّ؛ أيْ ما لَيْسَ مُسْتَحَقًّا. وأجازَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ الكَلامُ قَدْ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ما لَيْسَ لِي﴾ وجَعَلَ (بِحَقٍّ) مُتَعَلِّقًا بِعِلْمِيَّتِهِ الَّذِي هو جَوابُ الشَّرْطِ. ورُدَّ ذَلِكَ بِادِّعاءِ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ فِيما ظاهِرُهُ خِلافُ ذَلِكَ، ولا يُصارُ إلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، إلّا لِمَعْنًى يَقْتَضِي ذَلِكَ، أوْ بِتَوْقِيفٍ، أوْ فِيما لا يُمْكِنُ فِيهِ إلّا ذَلِكَ انْتَهى هَذا القَوْلُ ورَدُّهُ. ويَمْتَنِعُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِعِلْمِيَّتِهِ؛ لِأنَّهُ لا يَتَقَدَّمُ عَلى الشَّرْطِ شَيْءٌ مِن مَعْمُولاتِ فِعْلِ الشَّرْطِ، ولا مِن مَعْمُولاتِ جَوابِهِ. ووَقَفَ نافِعٌ وغَيْرُهُ مِنَ القُرّاءِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿بِحَقٍّ﴾ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: هَذا مَقامُ خُضُوعٍ وتَواضُعٍ، فَقُدِّمَ ناسِخُ نَفْيِ القَوْلِ عَنْهُ، ولَمْ يَقُلْ ما قُلْتُهُ، بَلْ فَوَّضَ ذَلِكَ إلى عِلْمِهِ المُحِيطِ بِالكُلِّ، وهَذِهِ مُبالَغَةٌ في الأدَبِ، وفي إظْهارِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ في حَضْرَةِ الجَلالِ، وتَفْوِيضِ الأمْرِ بِالكُلِّيَّةِ إلى الحَقِّ سُبْحانَهُ انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ.
﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ خَصَّ النَّفْسَ لِأنَّها مَظِنَّةُ الكَتْمِ والِانْطِواءِ عَلى المَعْلُوماتِ. قِيلَ: المَعْنى: تَعْلَمُ ما أُخْفِي، ولا أعْلَمُ ما تُخْفِي. وقِيلَ: تَعْلَمُ ما عِنْدِي، ولا أعْلَمُ ما عِنْدَكَ. وقِيلَ: تَعْلَمُ سِرِّيَ، ولا أعْلَمُ سِرَّكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَعْلَمُ مَعْلُومِي، ولا أعْلَمُ مَعْلُومَكَ، وأتى بِقَوْلِهِ: ﴿ما في نَفْسِكَ﴾ عَلى جِهَةِ المُقابَلَةِ والتَّشاكُلِ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿ما في نَفْسِي﴾ فَهو شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] . ومَن زَعَمَ أنَّ النَّفْسَ تُطْلَقُ عَلى ذاتِ الشَّيْءِ وحَقِيقَتِهِ، كانَ المَعْنى عِنْدَهُ تَعْلَمُ كُنْهَ ذاتِي، ولا أعْلَمُ كُنْهَ ذاتِكَ، وقَدِ اسْتَدَلَّتِ المُجَسِّمَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ قالُوا: النَّفْسُ هي الشَّخْصُ، وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ جِسْمًا، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
﴿إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩] هَذا تَقْرِيرٌ لِلْجُمْلَتَيْنِ مَعًا؛ لِأنَّ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ مِن جُمْلَةِ الغُيُوبِ؛ ولِأنَّ ما يَعْلَمُهُ ﴿عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩] لا يَنْتَهِي إلَيْهِ أحَدٌ، فَإذا كُنْتَ أنْتَ المُخْتَصَّ بِعِلْمِ الغَيْبِ، فَلا عِلْمَ لِي بِالغَيْبِ، فَكَيْفَ تَكُونُ لِي الأُلُوهِيَّةُ ؟ وخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَقّاهُ اللَّهُ ﴿سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ الآيَةَ كُلَّها. قالَ أبُو عِيسى: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
5:117Page 127
مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَآ أَمَرۡتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۚ وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ١١٧
I said not to them except what You commanded me - to worship Allāh, my Lord and your Lord. And I was a witness over them as long as I was among them; but when You took me up, You were the Observer over them, and You are, over all things, Witness.
﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ أخْبَرَ أنَّهُ لَمْ يَتَعَدَّ أمْرَ اللَّهِ في أنْ أمَرَ بِعِبادَتِهِ، وأقَرَّ بِرُبُوبِيَّتِهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ بَراءَةٌ مِمّا ادَّعَوْهُ فِيهِ، وفي الإنْجِيلِ قالَ (p-٦٠)يا مَعاشِرَ بَنِي المَعْمُودِيَّةِ ؟ قُومُوا بِنا إلى أبِي وأبِيكم، وإلَهِي وإلَهِكم، ومُخَلِّصِي ومُخَلِّصِكم. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: كانَ الأصْلُ أنْ يُقالَ: ما أمَرْتُهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ، إلّا أنَّهُ وضَعَ القَوْلَ مَوْضِعَ الأمْرِ؛ نُزُولًا عَلى مُوجِبِ الأدَبِ. وقالَ الحَسَنُ: إنَّما عَدَلَ لِئَلّا يَجْعَلَ نَفْسَهُ ورَبَّهُ آمِرِينَ مَعًا، ودَلَّ عَلى أنَّ الأصْلَ ما ذَكَرَ (أنْ) المُفَسِّرَةُ انْتَهى. قالَ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: (وأنْ) في (أنِ اعْبُدُوا) مُفَسِّرَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن (ما)، وصَحَّ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في بِهِ، زادَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّهُ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ خَفْضٍ عَلى تَقْدِيرِهِ: .
﴿أنِ اعْبُدُوا﴾، وأجازَ أبُو البَقاءِ الجَرَّ عَلى البَدَلِ مِنَ الهاءِ، والرَّفْعَ عَلى إضْمارِ (هو)، والنَّصْبَ عَلى إضْمارِ (أعْنِي)، أوْ بَدَلًا مِن مَوْضِعِ (بِهِ) . قالَ: ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى (أنْ) المُفَسِّرَةِ؛ لِأنَّ القَوْلَ قَدْ صُرِّحَ بِهِ، و(أنْ) لا تَكُونُ مَعَ التَّصْرِيحِ بِالقَوْلِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (أنْ) في قَوْلِهِ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ إنْ جَعَلْتَها مُفَسِّرَةً لَمْ يَكُنْ لَها بُدٌّ مِن مُفَسَّرٍ، والمُفَسَّرُ إمّا فِعْلُ القَوْلِ، وإمّا فِعْلُ الأمْرِ، وكِلاهُما لا وجْهَ لَهُ؛ أمّا فِعْلُ القَوْلِ، فَيُحْكى بَعْدَهُ الكَلامُ مِن غَيْرِ أنْ يُوَسَّطَ بَيْنَهُما حَرْفُ التَّفْسِيرِ، لا تَقُولُ: ما قُلْتُ لَهم إلّا (p-٦١)﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾، ولَكِنْ ما قَلْتُ لَهم إلّا اعْبُدُوا اللَّهَ، وأمّا فِعْلُ الأمْرِ، فَمُسْنَدٌ إلى ضَمِيرِ اللَّهِ تَعالى، فَلَوْ فَسَّرْتَهُ بِاعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم، لَمْ يَسْتَقِمْ؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يَقُولُ: اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم، وإنْ جَعَلْتَها مَوْصُولَةً بِالفِعْلِ، لَمْ يَخْلُ مِن أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِن ما أمَرْتَنِي بِهِ، أوْ مِنَ الهاءِ في بِهِ، وكِلاهُما غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأنَّ البَدَلَ هو الَّذِي يَقُومُ مَقامَ المُبَدَّلِ مِنهُ، ولا يُقالُ ما قُلْتُ لَهم إلّا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ، بِمَعْنى ما قُلْتُ لَهم إلّا عِبادَتَهُ؛ لِأنَّ العِبادَةَ لا تُقالُ، وكَذَلِكَ إذا جَعَلْتَهُ بَدَلًا مِنَ الهاءِ؛ لِأنَّكَ لَوْ أقَمْتَ ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ لَمْ يَصِحَّ لِبَقاءِ المَوْصُولِ بِغَيْرِ راجِعٍ إلَيْهِ مِن صِلَتِهِ. فَإنْ قُلْتَ: فَكَيْفَ تَصْنَعُ ؟ قُلْتُ: يُحْمَلُ فِعْلُ القَوْلِ عَلى مَعْناهُ؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ ما أمَرْتُهم إلّا بِما أمَرْتَنِي بِهِ حَتّى يَسْتَقِيمَ تَفْسِيرُهُ بِـ ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً عَطْفًا عَلى بَيانِ الهاءِ، لا بَدَلًا انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. أمّا قَوْلُهُ: وأمّا فِعْلُ الأمْرِ إلى آخِرِ المَنعِ، وقَوْلُهُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى، لا يَقُولُ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم، فَإنَّما لَمْ يَسْتَقِمْ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ الجُمْلَةَ وما بَعْدَها مَضْمُومَةً إلى فِعْلِ الأمْرِ، ويَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ فِعْلُ الأمْرِ مُفَسَّرًا بِقَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، ويَكُونُ ﴿رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ مِن كَلامِ عِيسى، عَلى إضْمارِ أعْنِي؛ أيْ أعْنِي رَبِّي ورَبَّكم، لا عَلى الصِّفَةِ الَّتِي فَهِمَها الزَّمَخْشَرِيُّ فَلَمْ يَسْتَقِمْ ذَلِكَ عِنْدَهُ. وأمّا قَوْلُهُ: لِأنَّ العِبادَةَ لا تُقالُ، فَصَحِيحٌ، لَكِنَّ ذَلِكَ يَصِحُّ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ ما قُلْتُ لَهم إلّا القَوْلَ الَّذِي أمَرْتَنِي بِهِ، قَوْلَ عِبادَةِ اللَّهِ؛ أيِ القَوْلَ المُتَضَمِّنَ عِبادَةَ اللَّهِ. وأمّا قَوْلُهُ لِبَقاءِ المَوْصُولِ بِغَيْرِ راجِعٍ إلَيْهِ مِن صِلَتِهِ، فَلا يَلْزَمُ في كُلِّ بَدَلٍ أنْ يَحِلَّ مَحَلَّ المُبْدَلِ مِنهُ، ألا تَرى إلى تَجْوِيزِ النَّحْوِيِّينَ: زَيْدٌ مَرَرْتُ بِهِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ، ولَوْ قُلْتَ: زَيْدٌ مَرَرْتُ بِأبِي عَبْدِ اللَّهِ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عِنْدَهم، إلّا عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ. وأمّا قَوْلُهُ عَطْفًا عَلى بَيانِ الهاءِ، فَهَذا فِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّ عَطْفَ البَيانِ أكْثَرُهُ بِالجَوامِدِ الأعْلامِ، وما اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وجَوَّزَهُ غَيْرُهُ مِن كَوْنِ (أنْ) مُفَسِّرَةً، لا يَصِحُّ لِأنَّها جاءَتْ بَعْدَ (إلّا)، وكُلُّ ما كانَ بَعْدَ (إلّا) المُسْتَثْنى بِها، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ لَهُ مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ، (وأنْ) التَّفْسِيرِيَّةُ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وانْظُرْ إلى ما تَضَمَّنَتْ مُحاوَرَةُ عِيسى، وجَوابُهُ مَعَ اللَّهِ تَعالى، لَمّا قَرَعَ سَمْعَهُ ما لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ، نَزَّهَ اللَّهَ تَعالى، وبَرَّأهُ مِنَ السُّوءِ، ومِن أنْ يَكُونَ مَعَهُ شَرِيكٌ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَقُولَ ما لَيْسَ لَهُ بِحَقٍّ، فَأتى بِنَفْيِ لَفْظٍ عامٍّ، وهو لَفْظُ (ما) المُنْدَرِجُ تَحْتَهُ كُلُّ قَوْلٍ لَيْسَ بِحَقٍّ، حَتّى هَذا القَوْلِ المُعَيَّنِ، ثُمَّ تَبَرَّأ تَبَرُّءًا ثالِثًا، وهو إحالَةُ ذَلِكَ عَلى عِلْمِهِ تَعالى، وتَفْوِيضُ ذَلِكَ إلَيْهِ، وعِيسى يَعْلَمُ أنَّهُ ما قالَهُ، ثُمَّ لَمّا أحالَ عَلى العِلْمِ، أثْبَتَ عِلْمَ اللَّهِ بِهِ، ونَفى عِلْمَهُ بِما هو لِلَّهِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَهْجِسَ ذَلِكَ في خاطِرِي، فَضْلًا عَنْ أنْ أفُوهَ بِهِ وأقُولَهُ، فَصارَ مَجْمُوعُ ذَلِكَ نَفْيَ هَذا القَوْلِ، ونَفْيَ أنْ يَهْجِسَ في النَّفْسِ، ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّهُ تَعالى مُسْتَأْثِرٌ بِعِلْمِ الغَيْبِ، ثُمَّ لَمّا نَزَّهَ اللَّهَ تَعالى، وانْتَفى عَنْهُ قَوْلُ ذَلِكَ، وأنْ يَخْطُرَ ذَلِكَ في نَفْسِهِ، انْتَقَلَ إلى ما قالَهُ لَهم، فَأتى بِهِ مَحْصُورًا بِـ (إلّا)، مَعْذُوقًا بِأنَّهُ هو الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ أنْ يُبَلِّغَهم عَنْهُ.
﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أيْ رَقِيبًا، كالشّاهِدِ عَلى المَشْهُودِ عَلَيْهِ أمْنَعُهم مِن قَوْلِ ذَلِكَ، وأنْ يَتَدَيَّنُوا بِهِ، وأتى بِصِيغَةِ فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ كَثِيرُ الحِفْظِ عَلَيْهِمْ، والمُلازَمَةِ لَهم، (وما) ظَرْفِيَّةٌ، (ودامَ) تامَّةٌ أيْ ما بَقِيتُ فِيهِمْ؛ أيْ شَهِيدًا في الدُّنْيا.
﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ قِيلَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَوَفّاهُ وفاةَ المَوْتِ قَبْلَ أنْ يَرْفَعَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ الأخْبارَ تَظافَرَتْ بِرَفْعِهِ حَيًّا، وأنَّهُ في السَّماءِ حَيٌّ، وأنَّهُ يَنْزِلُ ويَقْتُلُ الدَّجّالَ، ومَعْنى ﴿تَوَفَّيْتَنِي﴾ قَبَضْتَنِي إلَيْكَ، بِالرَّفْعِ. وقالَ الحَسَنُ: الوَفاةُ وفاةُ المَوْتِ، ووَفاةُ النَّوْمِ، ووَفاةُ الرَّفْعِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ تَمْنَعُهم مِنَ القَوْلِ بِهِ بِما نَصَبْتَ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ، وأنْزَلْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ البَيِّناتِ، وأرْسَلْتَ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ.
5:118Page 127
إِن تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَۖ وَإِن تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١١٨
If You should punish them - indeed they are Your servants; but if You forgive them - indeed it is You who is the Exalted in Might, the Wise."
﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ والَّذِينَ عَذَّبْتَهم جاحِدِينَ لِآياتِكَ (p-٦٢)مُكَذِّبِينَ لِأنْبِيائِكَ، وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ القَوِيُّ عَلى الثَّوابِ والعِقابِ، الحَكِيمُ الَّذِي لا يُثِيبُ ولا يُعاقِبُ إلّا عَنْ حِكْمَةٍ وصَوابٍ. فَإنْ قُلْتَ: المَغْفِرَةُ لا تَكُونُ لِلْكُفّارِ، فَكَيْفَ قالَ: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ؟ قُلْتُ: ما قالَ: إنَّكَ تَغْفِرُ لَهم، ولَكِنَّهُ بَنى الكَلامَ عَلى أنْ يُقالَ: إنْ عَذَّبْتَهم عَدَلْتَ؛ لِأنَّهم أحِقّاءُ بِالعَذابِ، وإنْ غَفَرْتَ لَهم مَعَ كُفْرِهِمْ، لَمْ تَعْدَمْ في المَغْفِرَةِ وجْهَ حِكْمَةٍ؛ لِأنَّ المَغْفِرَةَ حَسَنَةٌ لِكُلِّ مُجْرِمٍ في المَعْقُولِ، بَلْ مَتى كانَ المُجْرِمُ أعْظَمَ جُرْمًا، كانَ العَفْوُ عَنْهُ أحْسَنَ. وهَذا مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ مَيْلٌ إلى مَذاهِبِ أهْلِ السُّنَّةِ، فَإنَّ غُفْرانَ الكُفْرِ جائِزٌ عِنْدَهم، وعِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ عَقْلًا، قالُوا: لِأنَّ العِقابَ حَقٌّ لِلَّهِ عَلى الذَّنْبِ، وفي إسْقاطِ مَنفَعَةٍ، ولَيْسَ في إسْقاطِهِ عَلى اللَّهِ مَضَرَّةٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حَسَنًا، ودَلَّ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ في شَرْعِنا عَلى أنَّهُ لا يَقَعُ، فَلَعَلَّ هَذا الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ، ما كانَ مَوْجُودًا في شَرْعِ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ انْتَهى كَلامُ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ. وقالَ أهْلُ السُّنَّةِ: مَقْصُودُ عِيسى تَفْوِيضُ الأُمُورِ كُلِّها إلى اللَّهِ تَعالى، وتَرْكُ الِاعْتِراضِ بِالكُلِّيَّةِ، ولِذَلِكَ خَتَمَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيْ قادِرٌ عَلى ما تُرِيدُ في كُلِّ ما تَفْعَلُ، لا اعْتِراضَ عَلَيْكَ. وقِيلَ: لَمّا قالَ لِعِيسى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] الآيَةَ، عُلِمَ أنَّ قَوْمًا مِنَ النَّصارى حَكَوْا هَذا الكَلامَ عَنْهُ، والحاكِي هَذا الكُفْرَ، لا يَكُونُ كافِرًا، بَلْ مُذْنِبًا حَيْثُ كَذَبَ، وغُفْرانُ الذَّنْبِ جائِزٌ، فَلِهَذا قالَ: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ . وقِيلَ: كانَ عِنْدَ عِيسى أنَّهم أحْدَثُوا المَعاصِيَ، وعَمِلُوا بَعْدَهُ بِما لَمْ يَأْمُرْهم بِهِ، إلّا أنَّهم عَلى عَمُودِ دِينِهِ، فَقالَ: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ما أحْدَثُوا بَعْدِي مِنَ المَعاصِي، وهَذا يَتَوَجَّهُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ قَوْلَ اللَّهِ لَهُ ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] كانَ وقْتَ الرَّفْعِ؛ لِأنَّهُ قالَ ذَلِكَ، وهم أحْياءٌ لا يَدْرِي ما يَمُوتُونَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (تُعَذِّبُهم) عائِدٌ عَلى مَن ماتَ كافِرًا، وفي ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ عائِدٌ عَلى مَن تابَ مِنهم قَبْلَ المَوْتِ. وقِيلَ: قالَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِعْطافِ لَهم، والرَّأْفَةِ بِهِمْ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ الكُفّارَ لا يُغْفَرُ لَهم، ولِهَذا لَمْ يَقُلْ: لِأنَّهم عَصَوْكَ ؟ انْتَهى. وهَذا فِيهِ بُعْدٌ؛ لِأنَّ الِاسْتِعْطافَ، لا يَحْسُنُ إلّا لِمَن يُرْجى لَهُ العَفْوُ والتَّخْفِيفُ، والكُفّارُ لا يُرْجى لَهم ذَلِكَ. والَّذِي أخْتارُهُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ؛ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] قَوْلٌ قَدْ صَدَرَ، ومَعْنًى يَعْطِفُهُ عَلى ما صَدَرَ ومَضى، ومَجِيئُهُ بِـ (إذْ) الَّتِي هي ظَرْفٌ لِما مَضى، ويُقالُ الَّتِي هي حَقِيقَةٌ في الماضِي، فَجَمِيعُ ما جاءَ في هَذِهِ الآياتِ مِن (إذْ) قالَ: هو مَحْمُولٌ عَلى أصْلِ وضْعِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ، فَقَوْلُ عِيسى: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾، فَعَبَّرَ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّ الغُفْرانَ مُرَتَّبٌ عَلى التَّوْبَةِ، وإذا كانَ هَذا القَوْلُ في غَيْرِ وقْتِ الآخِرَةِ، كانُوا في مَعْرِضِ أنْ يَرِدَ فِيهِمُ التَّعْذِيبُ أوِ المَغْفِرَةُ النّاشِئَةُ عَنِ التَّوْبَةِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أنَّهُ جَوابُ الشَّرْطِ، والمَعْنى فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الَّذِي لا يَمْتَنِعُ عَلَيْكَ ما تُرِيدُهُ، الحَكِيمُ فِيما تَفْعَلُهُ، تُضِلُّ مَن تَشاءُ، وتَهْدِي مَن تَشاءُ. وقَرَأتْ جَماعَةٌ فَإنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، عَلى ما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ . قالَ عِياضُ بْنُ مُوسى: لَيْسَتْ مِنَ المُصْحَفِ. وقالَ أبُو بَكْرِ بْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ طَعَنَ عَلى القُرْآنِ مَن قالَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ لا يُناسِبُ قَوْلَهُ: وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ؛ لِأنَّ المُناسِبَ؛ فَإنَّكَ أنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ. والجَوابُ: أنَّهُ لا يُحْتَمَلُ إلّا ما أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى، ومَتى نُقِلَ إلى ما قالَ هَذا الطّاعِنُ ضَعُفَ مَعْناهُ، فَإنَّهُ يَنْفَرِدُ الغَفُورُ الرَّحِيمُ بِالشَّرْطِ الثّانِي، ولا يَكُونُ لَهُ بِالشَّرْطِ الأوَّلِ تَعَلُّقٌ، وهو ما أنْزَلَهُ اللَّهُ تَعالى، وأجْمَعَ عَلى قِراءَتِهِ المُسْلِمُونَ، مَعْذُوقٌ بِالشَّرْطَيْنِ كِلَيْهِما، أوَّلِهِما وآخِرِهِما، إذْ تَلْخِيصُهُ؛ إنْ تُعَذِّبْهم فَأنْتَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَأنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ، في الأمْرَيْنِ كِلاهُما مِنَ التَّعْذِيبِ، والغُفْرانِ، فَكانَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ألْيَقَ بِهَذا المَكانِ؛ لِعُمُومِهِ، وأنَّهُ يَجْمَعُ الشَّرْطَيْنِ، ولَمْ يَصْلُحِ الغَفُورُ الرَّحِيمُ أنْ يَحْتَمِلَ ما احْتَمَلَهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ انْتَهى. وأمّا قَوْلُ مَن ذَهَبَ (p-٦٣)إلى أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، تَقْدِيرُهُ: إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ، وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّهم عِبادُكَ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وهو قَوْلُ مَنِ اجْتَرَأ عَلى كِتابِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ. رَوى النَّسائِيُّ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «قامَ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى أصْبَحَ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾» .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences