Abu HayyanAl‑Ma'idah · 5:13–17

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:13–17

5:13Page 109

فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ لَعَنَّٰهُمۡ وَجَعَلۡنَا قُلُوبَهُمۡ قَٰسِيَةٗۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٖ مِّنۡهُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱصۡفَحۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣

So for their breaking of the covenant We cursed them and made their hearts hardened. They distort words from their [proper] places [i.e., usages] and have forgotten a portion of that of which they were reminded.1 And you will still observe deceit among them, except a few of them. But pardon them and overlook [their misdeeds]. Indeed, Allāh loves the doers of good.

﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٣] تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الجُمْلَةِ.

(لَعَنّاهم) أيْ: طَرَدْناهم وأبْعَدْناهم مِنَ الرَّحْمَةِ، قالَهُ عَطاءٌ والزَّجّاجُ. أوْ عَذَّبْناهم بِالمَسْخِ قِرَدَةً وخَنازِيرَ كَما قالَ: ﴿أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ﴾ [النساء: ٤٧] أيْ: نَمْسَخَهم كَما مَسَخْناهم قالَهُ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ. أوْ عَذَّبْناهم بِأخْذِ الجِزْيَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ قَتادَةُ: نَقَضُوا المِيثاقَ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا بَعْدَ مُوسى، وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، وتَضْيِيعِ الفَرائِضِ.

﴿وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جافِيَةً جافَّةً. وقِيلَ: غَلِيظَةً لا تَلِينُ. وقِيلَ: مُنْكِرَةً لا تَقْبَلُ الوَعْظَ، وكُلُّ هَذا مُتَقارِبٌ. وقَسْوَةُ القَلْبِ: غِلَظُهُ وصَلابَتُهُ، حَتّى لا يَنْفَعِلَ لِخَيْرٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ السَّبْعَةِ: قاسِيَةً، اسْمُ فاعِلٍ مِن قَسا يَقْسُو. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: قَسِيَّةً، بِغَيْرِ ألِفٍ وبِتَشْدِيدِ الياءِ، وهي فَعِيلٌ لِلْمُبالَغَةِ كَشاهِدٍ وشَهِيدٍ. وقالَ قَوْمٌ: هَذِهِ القِراءَةُ لَيْسَتْ مِن مَعْنى القَسْوَةِ، وإنَّما هي كالقَسِيَّةِ مِنَ الدَّراهِمِ، وهي الَّتِي خالَطَها غِشٌّ وتَدْلِيسٌ، وكَذَلِكَ القُلُوبُ لَمْ يَصْفُ الإيمانُ بَلْ خالَطَها الكُفْرُ والفَسادُ. قالَ أبُو زُبَيْدٍ الطّائِيُّ:

لَهم صَواهِلُ في صُمِّ السِّلاحِ كَما صاحَ القَسِيّاتُ في أيْدِي الصَّيارِيفِ

وقالَ آخَرُ:

؎فَما زادُونِي غَيْرَ سَحْقِ عِمامَةٍ وخَمْسَ مِيءٍ فِيها قَسِيٌّ وزائِفُ

قالَ الفارِسِيُّ: هَذِهِ اللَّفْظَةُ مُعَرَّبَةٌ ولَيْسَتْ بِأصْلٍ في كَلامِ العَرَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (قَسِيَّةً) أيْ: رَدِيئَةً مَغْشُوشَةً، مِن قَوْلِهِمْ: دِرْهَمٌ قَسِيٌّ، وهو مِنَ القَسْوَةِ، لِأنَّ الذَّهَبَ والفِضَّةَ الخالِصَتَيْنِ فِيهِما لِينٌ، والمَغْشُوشُ فِيهِ يُبْسٌ وصَلابَةٌ. والقاسِي والقاسِحُ، بِالحاءِ، أخَوانِ في الدَّلالَةِ عَلى اليُبْسِ والصَّلابَةِ. انْتَهى. وقالَ المُبَرِّدُ: سُمِّيَ الدِّرْهَمُ الزّائِفُ قَسِيًّا لِشِدَّتِهِ بِالغِشِّ الَّذِي فِيهِ، وهو يَرْجِعُ إلى المَعْنى الأوَّلِ، والقاسِي والقاسِحُ بِمَعْنًى واحِدٍ. انْتَهى. وقَوْلُ المُبَرِّدِ: مُخالِفٌ لِقَوْلِ الفارِسِيِّ، لِأنَّ المَعْهُودَ جَعْلُهُ عَرَبِيًّا مِنَ القَسْوَةِ، والفارِسِيُّ جَعَلَهُ مُعَرَّبًا دَخِيلًا في كَلامِ العَرَبِ ولَيْسَ مِن ألْفاظِها.

وقَرَأ الهَيْصَمُ بْنُ شَدّاخٍ: (قُسِيَّةً)، بِضَمِّ القافِ وتَشْدِيدِ الياءِ، كَحُنِيٍّ. وقُرِئَ بِكَسْرِ القافِ إتْباعًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: خَذَلْناهم ومَنَعْناهُمُ الألْطافَ حَتّى قَسَتْ قُلُوبُهم، أوْ أمْلَيْنا لَهم ولَمْ نُعاجِلْهم بِالعُقُوبَةِ حَتّى قَسَتْ. انْتَهى. وهو عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ. وأمّا أهْلُ السُّنَّةِ فَيَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ القَسْوَةَ في قُلُوبِهِمْ.

﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ أيْ: يُغَيِّرُونَ ما شَقَّ عَلَيْهِمْ مِن أحْكامِها، كَآيَةِ الرَّجْمِ بَدَّلُوها لِرُؤَسائِهِمْ بِالتَّحْمِيمِ وهو تَسْوِيدُ الوَجْهِ بِالفَحْمِ، قالَ مَعْناهُ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ، وقالُوا: التَّحْرِيفُ بِالتَّأْوِيلِ لا بِتَغْيِيرِ الألْفاظِ، ولا قُدْرَةَ لَهم عَلى تَغْيِيرِها ولا يُمْكِنُ. ألا تَراهم وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى آيَةِ الرَّجْمِ ؟ وقالَ مُقاتِلٌ: تَحْرِيفُهُمُ (p-٤٤٦)الكَلِمَ هو تَغْيِيرُهم صِفَةَ الرَّسُولِ أزالُوها وكَتَبُوا مَكانَها صِفَةً أُخْرى فَغَيَّرُوا المَعْنى والألْفاظَ، والصَّحِيحُ أنَّ تَحْرِيفَ الكَلِمِ عَنْ مَواضِعِهِ هو التَّغْيِيرُ في اللَّفْظِ والمَعْنى، ومَنِ اطَّلَعَ عَلى التَّوْراةِ عَلِمَ ذَلِكَ حَقِيقَةً، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا المَعْنى. وهَذِهِ الجُمْلَةُ وما بَعْدَها جاءَتْ بَيانًا لِقَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ، ولا قَسْوَةَ أشَدُّ مِنَ الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ تَعالى وتَغْيِيرِ وحْيِهِ. وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ والنَّخَعِيُّ الكَلامَ بِالألِفِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: الكِلْمَ، بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ اللّامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: الكَلِمَ، بِفَتْحِ الكافِ.

﴿ونَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ وهَذا أيْضًا مِن قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ وسُوءِ فِعْلِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ، حَيْثُ ذُكِّرُوا بِشَيْءٍ فَنَسُوهُ وتَرَكُوهُ، وهَذا الحَظُّ مِنَ المِيثاقِ المَأْخُوذِ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: لَمّا غَيَّرُوا ما غَيَّرُوا مِنَ التَّوْراةِ اسْتَمَرُّوا عَلى تِلاوَةِ ما غَيَّرُوهُ، فَنَسُوا حَظًّا مِمّا في التَّوْراةِ قالَهُ مُجاهِدٌ. وقِيلَ: أنْساهم نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ بِسَبَبِ مَعاصِيهِمْ، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: قَدْ يَنْسى المَرْءُ بَعْضَ العِلْمِ بِالمَعْصِيَةِ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. وقالَ الشّاعِرُ:

؎شَكَوْتُ إلى وكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي ∗∗∗ فَأوْمَأ لِي إلى تَرْكِ المَعاصِي

وقِيلَ: تَرَكُوا نَصِيبَهم مِمّا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الإيمانِ بِالرَّسُولِ وبَيانِ نَعْتِهِ.

﴿ولا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهم إلّا قَلِيلًا مِنهُمْ﴾ أيْ: هَذِهِ عادَتُهم ودَيْدَنُهم مَعَكَ، وهم عَلى مَكانِ أسْلافِهِمْ مِن خِيانَةِ الرُّسُلِ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ. فَهم لا يَزالُونَ يُخَوِّفُونَكَ ويَنْكُثُونَ عُهُودَكَ، ويُظاهِرُونَ عَلَيْكَ أعْداءَكَ، ويَهُمُّونَ بِالقَتْلِ بِكَ، وأنْ يُسِمُّوكَ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الخائِنَةُ مَصْدَرًا كالعافِيَةِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قِراءَةُ الأعْمَشِ (عَلى خِيانَةٍ) أوِ اسْمَ فاعِلٍ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ، كَراوِيَةٍ؛ أيْ: خائِنٍ، أوْ صِفَةً لِمُؤَنَّثٍ؛ أيْ: قَرْيَةٍ خائِنَةٍ، أوْ فِعْلَةٍ خائِنَةٍ، أوْ نَفْسٍ خائِنَةٍ. والظّاهِرُ في الِاسْتِثْناءِ أنَّهُ مِنَ الأشْخاصِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ، والمُسْتَثْنَوْنَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ في الأفْعالِ؛ أيْ: إلّا فِعْلًا قَلِيلًا مِنهم؛ فَلا تَطَّلِعُ فِيهِ عَلى خِيانَةٍ. وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ والمُرادُ بِهِ المُؤْمِنُونَ، فَإنَّ القَسْوَةَ زالَتْ عَنْ قُلُوبِهِمْ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ.

﴿فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ ظاهِرُهُ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والصَّفْحُ عَنْهم جَمِيعِهم، وذَلِكَ بَعْثٌ عَلى حُسْنِ التَّخَلُّقِ مَعَهم ومَكارِمِ الأخْلاقِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَجُوزُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم في مَغْدِرَةٍ فَعَلُوها ما لَمْ يَنْصِبُوا حَرْبًا ولَمْ يَمْتَنِعُوا مِن أداءِ جِزْيَةٍ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى مَن آمَنُ مِنهم، فَلا تُؤاخِذْهم بِما سَلَفَ مِنهم، فَيَكُونُ عائِدًا عَلى المُسْتَثْنَيْنَ. وقِيلَ: هَذا الأمْرُ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقِيلَ: بِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] . وقِيلَ: بِقَوْلِهِ: ﴿وإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ [الأنفال: ٥٨] وفُسِّرَ قَوْلُهُ: يُحِبُّ المُحْسِنِينَ، بِالعافِينَ عَنِ النّاسِ، وبِالَّذِينِ أحْسَنُوا عَمَلَهم بِالإيمانِ، وبِالمُسْتَثْنَيْنَ: وهُمُ الَّذِينَ ما نَقَضُوا العَهْدَ والَّذِينَ آمَنُوا وبِالنَّبِيِّ، عَلَيْهِ السَّلامُ،، لِأنَّهُ المَأْمُورُ في الآيَةِ بِالصَّفْحِ والعَفْوِ.

5:14Page 110

وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَهُمۡ فَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَأَغۡرَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَسَوۡفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ١٤

And from those who say, "We are Christians" We took their covenant; but they forgot a portion of that of which they were reminded.1 So We caused among them2 animosity and hatred until the Day of Resurrection. And Allāh is going to inform them about what they used to do.

﴿ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهُمْ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ (مِن) تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: أخَذْنا، وأنَّ الضَّمِيرَ في مِيثاقَهم عائِدٌ عَلى المَوْصُولِ، وأنَّ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [المائدة: ١٢] والمَعْنى: أنَّهُ تَعالى أخَذَ مِنَ النَّصارى مِيثاقَ أنْفُسِهِمْ وهو الإيمانُ بِاللَّهِ والرُّسُلِ وبِأفْعالِ الخَيْرِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في مِيثاقَهم عائِدٌ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ويَكُونُ مَصْدَرًا شَبِيهًا؛ أيْ: وأخَذْنا مِنَ النَّصارى مِيثاقًا مِثْلَ مِيثاقِ بَنِي إسْرائِيلَ. وقِيلَ: ومِنَ الَّذِينَ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (مِنهم) مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ﴾ [المائدة: ١٣]؛ أيْ: مِنَ اليَهُودِ، ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا (p-٤٤٧)نَصارى. ويَكُونُ قَوْلُهُ: أخَذْنا مِيثاقَهم مُسْتَأْنَفًا، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِلْفَصْلِ، ولِتَهْيِئَةِ العامِلِ لِلْعَمَلِ في شَيْءٍ وقَطْعِهِ عَنْهُ دُونَ ضَرُورَةٍ. وقالَ قَتادَةُ: أُخِذَ عَلى النَّصارى المِيثاقُ كَما أُخِذَ عَلى أهْلِ التَّوْراةِ أنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ، ﷺ، فَتَرَكُوا ما أُمِرُوا بِهِ. وقالَ غَيْرُهُ: أُخِذَ المِيثاقُ عَلَيْهِمْ بِالعَمَلِ بِالتَّوْراةِ، وبِكُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ وأنْبِيائِهِ ورُسُلِهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿قالُوا إنّا نَصارى﴾، تَوْبِيخٌ لَهم وزَجْرٌ عَمّا ادَّعَوْهُ مِن أنَّهم ناصِرُو دِينِ اللَّهِ وأنْبِيائِهِ، إذْ جَعَلَ ذَلِكَ مِنهم مُجَرَّدَ دَعْوى لا حَقِيقَةً. وحَيْثُ جاءَ النَّصارى مِن غَيْرِ نِسْبَةٍ إلى أنَّهم قالُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ ذَلِكَ، فَإنَّما هو مِن بابِ العَلَمِ لَمْ يُلْحَظْ فِيهِ المَعْنى الأوَّلُ الَّذِي قَصَدُوهُ مِنَ النَّصْرِ، كَما صارَ اليَهُودُ عَلَمًا لَمْ يُلْحَظْ فِيهِ مَعْنى قَوْلِهِ: هُدْنا إلَيْكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَهَلّا قِيلَ: ومَنِ النَّصارى (قُلْتُ): لِأنَّهم إنَّما سَمَّوْا بِذَلِكَ أنْفُسَهُمُ ادِّعاءً لِنُصْرَةِ اللَّهِ، وهُمُ الَّذِينَ قالُوا لِعِيسى: نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدُ إلى نَسْطُورِيَّةَ ويَعْقُوبِيَّةَ ومَلْكانِيَّةَ. انْتَهى. وقَدْ تَقَدَّمَ في أوائِلِ البَقَرَةِ أنَّهُ قِيلَ: سُمُّوا نَصارى لِأنَّهم مِن قَرْيَةٍ بِالشّامِ تُسَمّى ناصِرَةً، وقَوْلُهُ: وهُمُ الَّذِينَ قالُوا لِعِيسى نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ، القائِلُ لِذَلِكَ هُمُ الحَوارِيُّونَ، وهم عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ كُفّارٌ؛ قَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ عَلى زَعْمِهِ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وعِنْدَ غَيْرِهِ هم مُؤْمِنُونَ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا هم، إنَّما اخْتَلَفَ مَن جاءَ بَعْدَهم مِمَّنْ يَدَّعِي تَبَعِيَّتَهم.

﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: في مَكْتُوبِ الإنْجِيلِ أنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ، ﷺ . والحَظُّ هو الإيمانُ بِهِ، وتَنْكِيرُ الحَظِّ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ حَظٌّ واحِدٌ وهو الإيمانُ بِالرَّسُولِ، وخُصَّ هَذا الواحِدُ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّهم تَرَكُوا أكْثَرَ ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، لِأنَّ هَذا هو المُعَظَّمُ والمُهِمُّ.

﴿فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ الضَّمِيرُ في بَيْنَهم يُعُودُ عَلى النَّصارى، قالَهُ الرَّبِيعُ. وقالَ الزَّجّاجُ: النَّصارى مِنهم والنَّسْطُورِيَّةُ واليَعْقُوبِيَّةُ والمَلْكانِيَّةُ؛ كُلُّ فِرْقَةٍ مِنهم تُعادِي الأُخْرى. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى؛ أيْ: بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ؛ فَإنَّهم أعْداءٌ يَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا ويُكَفِّرُ بَعْضُهم بَعْضًا.

﴿وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ هَذا تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ شَدِيدٌ بِعَذابِ الآخِرَةِ، إذْ مُوجَبُ ما صَنَعُوا إنَّما هو الخُلُودُ في النّارِ.

5:15–16Page 110

يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ كَثِيرٗا مِّمَّا كُنتُمۡ تُخۡفُونَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖۚ قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ ١٥

O People of the Scripture, there has come to you Our Messenger making clear to you much of what you used to conceal of the Scripture and overlooking much.1 There has come to you from Allāh a light and a clear Book [i.e., the Qur’ān]

يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِهِۦ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٦

By which Allāh guides those who pursue His pleasure to the ways of peace1 and brings them out from darknesses into the light, by His permission, and guides them to a straight path.

﴿ياأهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: أوَّلُ ما نَزَلْ مِن هَذِهِ السُّورَةِ هاتانِ الآيَتانِ في شَأْنِ اليَهُودِ والنَّصارى، ثُمَّ نَزَلَ سائِرُ السُّورَةِ بِعَرَفَةَ في حَجَّةِ الوَداعِ. وأهْلُ الكِتابِ يَعُمُّ اليَهُودَ والنَّصارى. فَقِيلَ: الخِطابُ لِلْيَهُودِ خاصَّةً، ويُؤَيِّدُهُ ما رَوى خالِدٌ الحَذّاءُ «عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: أتى اليَهُودُ الرَّسُولَ، ﷺ، يَسْألُونَهُ عَنِ الرَّجْمِ، فاجْتَمَعُوا في بَيْتٍ فَقالَ: ”أيُّكم أعْلَمُ ؟“ فَأشارُوا إلى ابْنِ صُورِيّا فَقالَ: ”أنْتَ أعْلَمُهم“ قالَ: سَلْ عَمّا شِئْتَ، قالَ: ”أنْتَ أعْلَمُهم ؟“ قالَ إنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ، قالَ: " فَناشَدْتُكَ اللَّهَ الَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى، والَّذِي رَفَعَ الطُّورَ؛ فَناشَدَهُ بِالمَواثِيقِ الَّتِي أُخِذَتْ عَلَيْهِمْ حَتّى أخَذَهُ أفْكَلٌ، فَقالَ: إنَّ نِساءَنا نِساءٌ حِسانٌ فَكَثُرَ فِينا القَتْلُ، فاخْتَصَرْنا فَجَلَدْنا مِائَةً مِائَةً، وحَلَقْنا الرُّءُوسَ، وخالَفْنا بَيْنَ الرُّءُوسِ عَلى الدّابِراتِ - أحْسَبُهُ قالَ: الإبِلِ - قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ياأهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا﴾» . وقِيلَ: الخِطابُ لِلْيَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ يُخْفُونَ صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، والرَّجْمَ ونَحْوَهُ. وأكْثَرُ نَوازِلِ الإخْفاءِ إنَّما نَزَلَتْ لِلْيَهُودِ، لِأنَّهم كانُوا مُجاوِرِي الرَّسُولِ في مُهاجَرِهِ. والمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ: رَسُولُنا مُحَمَّدٌ، ﷺ، وأُضِيفَ إلى اللَّهِ تَعالى إضافَةَ تَشْرِيفٍ. وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، لِأنَّ إعْلامَهُ بِما يُخْفُونَ مِن كِتابِهِمْ وهو أُمِّيٌّ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ ولا يَصْحَبُ القُرّاءَ، دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ إنَّما يُعَلِّمُهُ اللَّهُ تَعالى. وقَوْلُهُ: مِنَ الكِتابِ يَعْنِي، (p-٤٤٨)التَّوْراةَ، ﴿ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾؛ أيْ: مِمّا يُخْفُونَ لا يُبَيِّنُهُ إذا لَمْ تَدْعُ إلَيْهِ مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ، ولا يَفْضَحُكم بِذَلِكَ إبْقاءً عَلَيْكم. وقالَ الحَسَنُ: ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، هو ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِن تَخْفِيفِ ما كانَ شُدِّدَ عَلَيْهِمْ، وتَحْلِيلِ ما كانَ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: لا يُؤاخِذُكم بِها، وهَذا المَتْرُوكُ الَّذِي لا يُبَيَّنُ هو في مَعْنى افْتِخارِهِمْ ونَحْوِهِ مِمّا لا يَتَعَيَّنُ في مِلَّةِ الإسْلامِ فَضْحُهم بِهِ وتَكْذِيبُهم، والظّاهِرُ أنَّ فاعِلَ (يُبَيِّنُ ويَعْفُو) عائِدٌ عَلى رَسُولُنا، ويَجُوزُ أنْ يُعُودَ عَلى اللَّهِ تَعالى.

﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ قِيلَ: هو القُرْآنُ؛ سَمّاهُ نُورًا لِكَشْفِ ظُلُماتِ الشِّرْكِ والشَّكِّ، أوْ لِأنَّهُ ظاهِرُ الإعْجازِ. وقِيلَ: النُّورُ الرَّسُولُ. وقِيلَ: الإسْلامُ. وقِيلَ: النُّورُ مُوسى، والكِتابُ المُبِينُ: التَّوْراةُ. ولَوِ اتَّبَعُوها حَقَّ الِاتِّباعِ لَآمَنُوا بِمُحَمَّدٍ، ﷺ، إذْ هي آمِرَةٌ بِذَلِكَ مُبَشِّرَةٌ بِهِ.

﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ أيْ: رِضا اللَّهِ، سُبُلُ السَّلامِ طُرُقُ النَّجاةِ، والسَّلامَةُ مِن عَذابِ اللَّهِ. والضَّمِيرُ في (بِهِ) ظاهِرُهُ أنَّهُ يُعُودُ عَلى كِتابِ اللَّهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عائِدًا عَلى الرَّسُولِ. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَعُودَ عَلى الإسْلامِ. وقِيلَ: سُبُلُ السَّلامِ، قِيلَ: دِينُ الإسْلامِ. وقالَ الحَسَنُ والسُّدِّيُّ: السَّلامُ: هو اللَّهُ تَعالى، وسُبُلُهُ: دِينُهُ الَّذِي شَرَعَهُ. وقِيلَ: طُرُقُ الجَنَّةِ. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، والزُّهْرِيُّ، وسَلّامٌ، وحُمَيْدٌ، ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ: بِهُ اللَّهُ، بِضَمِّ الهاءِ، حَيْثُ وقَعَ. وقَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ شِهابٍ: سُبْلَ، ساكِنَةَ الباءِ.

﴿ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ﴾ أيْ: مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإيمانِ؛ أيْ: بِتَمْكِينِهِ وتَسْوِيغِهِ. وقِيلَ: ظُلُماتُ الجَهْلِ ونُورُ العِلْمِ.

﴿ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو دِينُ اللَّهِ وتَوْحِيدُهُ. وقِيلَ: طَرِيقُ الجَنَّةِ. وقِيلَ: طَرِيقُ الحَقِّ، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمَلَ كُلَّها مُتَقارِبَةُ المَعْنى، وتُكَرَّرُ لِلتَّأْكِيدِ، والفِعْلُ فِيها مُسْنَدٌ إلَيْهِ تَعالى.

5:17Page 110

لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ أَن يُهۡلِكَ ٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗاۗ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٧

They have certainly disbelieved who say that Allāh is Christ, the son of Mary. Say, "Then who could prevent Allāh at all if He had intended to destroy Christ, the son of Mary, or his mother or everyone on the earth?" And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them. He creates what He wills, and Allāh is over all things competent.

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهم قالُوا بِأنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ حَقِيقَةً، وحَقِيقَةُ ما حَكاهُ تَعالى عَنْهم يُنافِي أنْ يَكُونَ اللَّهُ هو المَسِيحُ، لِأنَّهم قالُوا ابْنُ مَرْيَمَ، ومَن كانَ ابْنَ امْرَأةٍ مَوْلُودًا مِنها اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ هو اللَّهُ تَعالى؛ واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ. فَذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهم كُلَّهم قائِلُونَ هَذا القَوْلَ وهم عَلى ثَلاثِ فِرَقٍ كَما تَقَدَّمَ، وأنَّهم أجْمَعُوا، وإنِ اخْتَلَفَتْ مَقالاتُهم، عَلى أنَّ مَعْبُودَهم جَوْهَرٌ واحِدٌ أقانِيمُ ثَلاثَةٌ: الأبُ، والِابْنُ، والرُّوحُ؛ أيِ: الحَياةُ ويُسَمُّونَها رُوحَ القُدُسِ. وأنَّ الِابْنَ (p-٤٤٩)لَمْ يَزَلْ مَوْلُودًا مِنَ الأبِ، ولَمْ يَزَلِ الأبُ والِدًا لِلِابْنِ، ولَمْ تَزَلِ الرُّوحُ مُنْتَقِلَةً بَيْنَ الأبِ والِابْنِ. وأجْمَعُوا عَلى أنَّ المَسِيحَ لاهُوتٌ وناسُوتٌ؛ أيْ: إلَهٌ وإنْسانٌ. فَإذا قالُوا: المَسِيحُ إلَهٌ واحِدٌ، فَقَدْ قالُوا: اللَّهُ هو المَسِيحُ. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ فِرْقَةٌ غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ، يَقُولُونَ: إنَّ الكَلِمَةَ اتَّحَدَتْ بِعِيسى سَواءٌ قُدِّرَتْ ذاتًا أمْ صِفَةً. وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ اليَعْقُوبِيَّةَ مِنَ النَّصارى هي القائِلَةُ بِهَذِهِ المَقالَةِ، ذَكَرَهُ البَغَوِيُّ في مَعالِمِ التَّنْزِيلِ.

قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: وكُلُّ طَوائِفِهِمُ الثَّلاثَةُ اليَعْقُوبِيَّةُ، والمَلْكانِيَّةُ، والنَّسْطُورِيَّةُ، يُنْكِرُونَ هَذِهِ المَقالَةَ، والَّذِي يُقِرُّونَ بِهِ أنَّ عِيسى ابْنُ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ إلَهٌ. وإذا اعْتَقَدُوا فِيهِ أنَّهُ إلَهٌ لَزِمَ مِن ذَلِكَ قَوْلُهم بِأنَّهُ اللَّهُ. انْتَهى. وقَدْ رَأيْتُ مِن نَصارى بِلادِ الأنْدَلُسِ مَن كانَ يَنْتَمِي إلى العِلْمِ فِيهِمْ، وذَكَرَ لِي أنَّ عِيسى نَفْسَهُ هو اللَّهُ تَعالى، ونَصارى الأنْدَلُسِ مَلْكِيَّةٌ. قُلْتُ لَهُ: كَيْفَ تَقُولُ ذَلِكَ، ومِنَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ أنَّ عِيسى كانَ يَأْكُلُ ويَشْرَبُ، فَتَعَجَّبَ مِن قَوْلِي وقالَ: إذا كُنْتَ أنْتَ بَعْضَ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ قادِرًا عَلى أنْ تَأْكُلَ وتَشْرَبَ، فَكَيْفَ لا يَكُونُ اللَّهُ قادِرًا عَلى ذَلِكَ ؟ فاسْتَدْلَلْتُ مِن ذَلِكَ عَلى فَرْطِ غَباوَتِهِ وجَهْلِهِ بِصِفاتِ اللَّهِ تَعالى. وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ إلى أنَّهم أهْلُ نَجْرانَ، وزَعَمَ طائِفَةٌ مِنهم أنَّهُ إلَهُ الأرْضِ، واللَّهُ إلَهُ السَّماءِ. ومِن بَعْضِ اعْتِقاداتِ النَّصارى اسْتَنْبَطَ مَن تَسَتَّرَ بِالإسْلامِ ظاهِرًا وانْتَمى إلى الصُّوفِيَّةِ حُلُولَ اللَّهِ تَعالى في الصُّوَرِ الجَمِيلَةِ، ومَن ذَهَبَ مِن مَلاحِدَتِهِمْ إلى القَوْلِ بِالِاتِّحادِ والوَحْدَةِ: كالحَلّاجِ، والشَّوْذِيِّ، وابْنِ أحْلى، وابْنِ العَرَبِيِّ المُقِيمِ - كانَ - بِدِمَشْقَ، وابْنِ الفارِضِ. وأتْباعِ هَؤُلاءِ كابْنِ سَبْعِينَ، والتُّسْتَرِيِّ تِلْمِيذِهِ، وابْنِ مُطَرِّفٍ المُقِيمِ بِمُرْسِيَةَ، والصَّفّارِ المَقْتُولِ بِغِرْناطَةَ، وابْنِ اللَّبّاجِ. وأبُو الحَسَنِ المُقِيمُ - كانَ - بِلُورَقَةَ. ومِمَّنْ رَأيْناهُ يُرْمى بِهَذا المَذْهَبِ المَلْعُونِ العَفِيفُ التِّلِمْسانِيُّ ولَهُ في ذَلِكَ أشْعارٌ كَثِيرَةٌ، وابْنُ عَيّاشٍ المالِقِيُّ الأسْوَدُ الأقْطَعُ المُقِيمُ - كانَ - بِدِمَشْقَ، وعَبْدُ الواحِدِ بْنُ المُؤَخَّرِ المُقِيمُ - كانَ - بِصَعِيدِ مِصْرَ، والأيْكِيُّ العَجَمِيُّ الَّذِي كانَ تَوَلّى المَشْيَخَةَ بَخانِقاهِ سَعِيدِ السُّعَداءِ بِالقاهِرَةِ مِن دِيارِ مِصْرَ، وأبُو يَعْقُوبَ بْنُ مُبَشِّرٍ تِلْمِيذُ التُّسْتَرِيِّ المُقِيمُ - كانَ - ٢ بِحارَةِ زُوَيْلَةَ. وإنَّما سَرَدْتُ أسْماءَ هَؤُلاءِ نُصْحًا لِدِينِ اللَّهِ يَعْلَمُ اللَّهُ ذَلِكَ وشَفَقَةً عَلى ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ، ولِيَحْذَرُوا فَهم شَرٌّ مِنَ الفَلاسِفَةِ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ اللَّهَ تَعالى ورُسُلَهُ ويَقُولُونَ بِقِدَمِ العالَمِ، ويُنْكِرُونَ البَعْثَ. وقَدْ أُولِعَ جَهَلَةٌ مِمَّنْ يَنْتَمِي لِلتَّصَوُّفِ بِتَعْظِيمِ هَؤُلاءِ وادِّعائِهِمْ أنَّهم صَفْوَةُ اللَّهِ وأوْلِياؤُهُ.

والرَّدُّ عَلى النَّصارى والحُلُولِيَّةِ والقائِلِينَ بِالوَحْدَةِ هو مِن عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: القائِلُونَ بِأنَّ اللَّهَ هُ والمَسِيحُ فِرْقَةٌ مِنَ النَّصارى، وكُلُّ فِرَقِهِمْ عَلى اخْتِلافِ أقْوالِهِمْ يَجْعَلُ لِلْمَسِيحِ حَظًّا مِنَ الأُلُوهِيَّةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قِيلَ: كانَ في النَّصارى مَن يَقُولُ ذَلِكَ، وقِيلَ: ما صَرَّحُوا بِهِ، ولَكِنَّ مَذْهَبَهم يُؤَدِّي إلَيْهِ حَيْثُ اعْتَقَدُوا أنَّهُ يَخْلُقُ ويُحْيِـي ويُمِيتُ ويُدَبِّرُ العالَمَ.

﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ هَذا رَدٌّ عَلَيْهِمْ. والفاءُ في ”فَمَن“ لِلْعَطْفِ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ تَضَمَّنَتْ كَذِبَهم في مَقالَتِهِمْ؛ التَّقْدِيرُ: قُلْ: كَذَبُوا؛ وقُلْ: لَيْسَ كَما قالُوا.

فَمَن يَمْلِكُ؛ والمَعْنى: فَمَن يَمْنَعُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ شَيْئًا ؟ أيْ: لا أحَدَ يَمْنَعُ مِمّا أرادَ اللَّهُ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ مَنِ ادَّعَوْهُ إلَهًا مِنَ المَسِيحِ وأُمِّهِ. وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ وأُمَّهُ عَبْدانِ مِن عِبادِ اللَّهِ لا يَقْدِرانِ عَلى رَفْعِ الهَلاكِ عَنْهُما، بَلْ تَنْفُذُ فِيهِما إرادَةُ اللَّهِ تَعالى، ومَن تَنْفُذُ فِيهِ لا يَكُونُ إلَهًا، وعَطَفَ عَلَيْهِما: ﴿ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾، عَطْفَ العامِّ عَلى الخاصِّ، لِيَكُونا قَدْ ذُكِرا مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً بِالنَّصِّ عَلَيْهِما، ومَرَّةً بِالِانْدِراجِ في العامِّ؛ وذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ والمُبالَغَةِ في تَعَلُّقِ نَفاذِ الإرادَةِ فِيهِما. ولِيُعْلَمَ أنَّهُما مِن جِنْسِ مَن في الأرْضِ لا تَفاوُتَ بَيْنَهُما في البَشَرِيَّةِ، وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى حُلُولِ الحَوادِثِ بِهِما، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُنَزَّهٌ أنْ تَحِلَّ بِهِ الحَوادِثُ، وأنْ يَكُونَ مَحَلًّا لَها. وفي هَذا رَدٌّ عَلى (p-٤٥٠)الكَرّامِيَّةِ.

﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ والمَسِيحُ وأُمُّهُ مِن جُمْلَةِ ما في الأرْضِ، فَهُما مَقْهُورانِ لِلَّهِ تَعالى، مَمْلُوكانِ لَهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِقَوْلِهِ: إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ؛ ودَلالَةٌ عَلى أنَّهُ إذا أرادَ فَعَلَ، لِأنَّ مَن لَهُ ذَلِكَ المُلْكُ يَفْعَلُ في مُلْكِهِ ما يَشاءُ.

﴿يخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ أيْ: إنَّ خَلْقَهُ لَيْسَ مَقْصُورًا عَلى نَوْعٍ واحِدٍ، بَلْ ما تَعَلَّقَتْ مَشِيئَتُهُ بِإيجادِهِ أوْجَدَهُ واخْتَرَعَهُ، فَقَدْ يُوجِدُ شَيْئًا لا مِن ذَكَرٍ ولا أُنْثى كَآدَمَ، عَلَيْهِ السَّلامُ، وأوائِلِ الأجْناسِ المُتَوَلِّدِ بَعْضُها مِن بَعْضٍ. وقَدْ يَخْلُقُ مَن ذَكَرٍ وأُنْثى، وقَدْ يَخْلُقُ مِن أُنْثى لا مِن ذَكَرٍ مَعَها، كالمَسِيحِ. فَفي قَوْلِهِ: ﴿يخْلُقُ ما يَشاءُ﴾، إشارَةٌ إلى أنَّ المَسِيحَ وأُمَّهُ مَخْلُوقانِ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿يخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ كَخَلْقِ الطَّيْرِ عَلى يَدِ عِيسى مُعْجِزَةً، وكَإحْياءِ المَوْتى، وإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، فَيَجِبُ أنْ تُنْسَبَ إلَيْهِ ولا تُنْسَبَ إلى البَشَرِ المُجْرى عَلى يَدِهِ. وتَضَمَّنَ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ أنْ مَن كانَ مَخْلُوقًا مَقْهُورًا بِالمِلْكِ عاجِزًا عَنْ دَفْعِ ما يُرِيدُ اللَّهُ بِهِ لا يَكُونُ إلَهًا.

﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ، وكَثِيرًا ما يَذْكُرُ القُدْرَةَ عَقِيبَ الِاخْتِراعِ وذِكْرِ الأشْياءِ الغَرِيبَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском