Abu HayyanAl‑Ma'idah · 5:41–43

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:41–43

5:41Page 114

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْۛ سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأۡتُوكَۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِۦۖ يَقُولُونَ إِنۡ أُوتِيتُمۡ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُواْۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٤١

O Messenger, let them not grieve you who hasten into disbelief – of those who say, "We believe" with their mouths, but their hearts believe not, and from among the Jews. [They are] avid listeners to falsehood, listening to another people who have not come to you.1 They distort words beyond their [proper] places [i.e., usages], saying, "If you are given this,2 take it; but if you are not given it, then beware." But he for whom Allāh intends fitnah3 - never will you possess [power to do] for him a thing against Allāh. Those are the ones for whom Allāh does not intend to purify their hearts. For them in this world is disgrace, and for them in the Hereafter is a great punishment.

﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْر مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهم ومِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فاحْذَرُوا ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهم لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهم وإنْ تُعْرِضْ عَنْهم فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وإنْ حَكَمْتَ فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] ﴿وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣] ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ وكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والعَيْنَ بِالعَيْنِ والأنْفَ بِالأنْفِ والأُذُنَ بِالأُذُنِ والسِّنَّ بِالسِّنِّ والجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] ﴿وقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وآتَيْناهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى ونُورٌ ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وهُدًى ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٤٦] ﴿ولْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهم عَمّا جاءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكم فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: ٤٨] السَّحْتُ والسُّحُتُ، بِسُكُونِ الحاءِ وضَمِّها: الحَرامُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُسْحِتُ البَرَكَةَ؛ أيْ: يُذْهِبُها. يُقالُ: سَحَتَهُ اللَّهُ؛ أيْ: أهْلَكَهُ، ويُقالُ: أسْحَتَهُ، وقُرِئَ بِهِما في قَوْلِهِ: ﴿فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ﴾ [طه: ٦١] أيْ: يَسْتَأْصِلَكم يُهْلِكَكم، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:

؎وعَضُّ زَمانٌ يا بْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتًا أوْ مُجَلَّفُ

ومَصْدَرُ الثُّلاثِيِّ سَحَتٌ بِفَتْحَتَيْنِ، وسَحْتُ بِإسْكانِ الحاءِ. وقالَ الفَرّاءُ: أصْلُ السُّحْتِ كَلْبُ الجُوعِ (p-٤٨٦)ويُقالُ: فُلانٌ مَسْحُوتُ المَعِدَةِ إذا كانَ لا يُلْقى أبَدًا إلّا خائِفًا، وهو راجِعٌ لِمَعْنى الهَلاكِ.

الحَبْرُ: بِفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِها، العالِمُ؛ وجَمْعُهُ الأحْبارُ. وكانَ أبُو عُبَيْدٍ يُنْكِرُ ذَلِكَ ويَقُولُ: هو بِفَتْحِ الحاءِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو بِالكَسْرِ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ الفَتْحَ. وتُسَمّى هَذِهِ السُّورَةُ سُورَةَ الأحْبارِ، ويُقالُ: كَعْبُ الأحْبارِ. والحِبْرُ، بِالكَسْرِ، الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ، ويُنْسَبُ إلَيْهِ الحِبْرِيُّ الحَبّارُ. ويُقالُ: كُتُبُ الحِبْرِ، لِمَكانِ الحِبْرِ الَّذِي يُكْتَبُ بِهِ، وسُمِّيَ حِبْرًا لِتَحْسِينِهِ الخَطَّ وتَبْيِينِهِ إيّاهُ. وقِيلَ: سُمِّيَ حِبْرًا لِتَأْثِيرِهِ في المَوْضِعِ الَّذِي يَكُونُ بِهِ مِنَ الحَبّارِ وهو الأثَرُ.

العَيْنُ: حاسَّةُ الرُّؤْيَةِ وهي مُؤَنَّثَةٌ، وتُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أعْيُنٍ وأعْيانٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى عُيُونٍ. وقالَ الشّاعِرُ:

؎ولَكِنَّنِي أغْدُو عَلَيَّ مُفاضَةٌ ∗∗∗ دِلاصٌ كَأعْيانِ الجَرادِ المُنَظَّمِ

ويُقالُ لِلْجاسُوسِ: ذُو العَيْنَيْنِ، والعَيْنُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَعانٍ كَثِيرَةٍ ذَكَرَها اللُّغَوِيُّونَ. الأنْفُ: مَعْرُوفٌ؛ والجَمْعُ آنافٌ وآنُفٌ وأُنُوفٌ.

المُهَيْمِنُ: الشّاهِدُ الرَّقِيبُ عَلى الشَّيْءِ الحافِظُ لَهُ، وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن هَيْمَنَ؛ قالُوا: ولَمْ يَجِئْ عَلى هَذا الوَزْنِ إلّا خَمْسَةُ ألْفاظٍ: هَيْمَنَ، وسَيْطَرَ، وبَيْطَرَ، وحَيْمَرَ، وبَيْقَرَ، ذَكَرَ هَذا الخامِسَ الزَّجّاجِيُّ في شَرْحِهِ خُطْبَةَ أدَبِ الكاتِبِ، ومَعْناهُ: سارَ مِنَ الحِجازِ إلى اليَمَنِ، ومِن أُفُقٍ إلى أُفُقٍ. وهَيْمَنَ بِنا أصْلٌ. وذَهَبَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ إلى أنَّ مُهَيْمِنًا اسْمُ فاعِلٍ مِن أمَّنَ غَيْرَهُ مِنَ الخَوْفِ، قالَ: فَأصْلُهُ مَأْمَنٌ، قُلِبَتِ الهَمْزَةُ الثّانِيَةُ ياءً، كَراهَةَ اجْتِماعِ الهَمْزَتَيْنِ فَصارَ مُؤَيْمِنٌ، ثُمَّ أُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ الأُولى هاءً، كَما قالُوا: أهْراقَ في أراقَ، وهِيّاكَ في إيّاكَ، وهَذا تَكَلُّفٌ لا حاجَةَ إلَيْهِ، وقَدْ ثَبَتَ نَظِيرُ هَذا الوَزْنِ في ألْفاظٍ فَيَكُونُ هَذا مِنها. وأيْضًا فالهَمْزَةُ في مُؤْمِنٍ - اسْمُ فاعِلٍ مِن آمَنَ - قَدْ سَقَطَتْ كَراهَةَ اجْتِماعِ الهَمْزَتَيْنِ، فَلا يُدَّعى أنَّها أُقِرَّتْ وأُبْدِلَ مِنها. وأمّا ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ قُتَيْبَةَ مِن أنَّهُ تَصْغِيرُ مُؤْمِنٍ، وأُبْدِلَتْ هَمْزَتُهُ هاءً، فَقَدْ كَتَبَ إلَيْهِ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ يُحَذِّرُهُ مِن هَذا القَوْلِ. واعْلَمْ أنَّ أسْماءَ اللَّهِ تَعالى لا تُصَغَّرُ. الشِّرْعَةُ: السُّنَّةُ والطَّرِيقَةُ؛ شَرَعَ يَشْرَعُ شَرْعًا؛ أيْ: سَنَّ، والشّارِعُ الطَّرِيقُ الأعْظَمُ، ومَنزِلٌ شارِعٌ: إذا كانَ بابُهُ قَدْ شَرَعَ إلى طَرِيقٍ نافِذٍ. المِنهاجُ والمَنهَجُ: الطَّرِيقُ الواضِحُ، ونَهَجَ الأمْرُ اسْتَبانَ، ونَهَجْتُ الطَّرِيقَ أبَنْتُهُ وأوْضَحْتُهُ، ونَهَجْتُ الطَّرِيقَ سَلَكْتُهُ.

﴿ياأيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ: أنَّ سَبَبَ نُزُولِها «أنَّ يَهُودِيًّا زَنى بِيَهُودِيَّةٍ، قِيلَ: بِالمَدِينَةِ. وقِيلَ: بِغَيْرِها مِن أرْضِ الحِجازِ، فَسَألُوا الرَّسُولَ، ﷺ، وطَمِعُوا أنْ يَكُونَ غَيْرَ الرَّجْمِ حَدُّهُما، وكانَ في التَّوْراةِ رَجْمٌ، فَأنْكَرُوا ذَلِكَ أنْ يَكُونَ في التَّوْراةِ وافْتَضَحُوا إذْ أحْضَرُوها، وحَكَمَ الرَّسُولُ فِيهِما بِالرَّجْمِ وأنْفَذَهُ» . وقالَ قَتادَةُ: السَّبَبُ أنَّ بَنِي النَّضِيرِ كانُوا إذا غَزَوْا بَنِي قُرَيْظَةَ، فَإنْ قَتَلَ قُرَظِيٌّ نَضِيرِيًّا قُتِلَ بِهِ، أوْ نَضِيرِيٌّ قُرَظِيًّا أعْطى الدِّيَةَ. وقِيلَ: كانَتْ دِيَةُ القُرَظِيِّ عَلى نِصْفِ دِيَةِ النَّضِيرِيِّ، فَلَمّا جاءَ الرَّسُولُ المَدِينَةَ طَلَبَتْ قُرَيْظَةُ الِاسْتِواءَ لِأنَّهُما ابْنا عَمٍّ، وطَلَبَتِ الحُكُومَةُ إلى الرَّسُولِ، ﷺ، فَقالَتْ بَنُو النَّضِيرِ: إنْ حَكَمَ بِما نَحْنُ عَلَيْهِ فَخُذُوهُ، وإلّا فاحْذَرُوا. وقالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ وهَذا بَعِيدٌ مِن مَساقِ الآيَةِ. وذَكَرُوا أنَّ هَذا الرَّجُلَ هو أبُو لُبابَةَ بْنُ عَبْدِ المُنْذِرِ، أشارَتْ إلَيْهِ قُرَيْظَةُ يَوْمَ حَصْرِهِمْ عَلامَ يُنْزَلُ مِنَ الحُكْمِ، فَأشارَ إلى حَلْقِهِ بِمَعْنى أنَّهُ الذَّبْحُ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ قَتَلَ واحِدٌ مِنهم آخَرَ، فَكَلَّفُوا رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَسْألَ الرَّسُولَ قالُوا: فَإنْ أفْتى بِالدِّيَةِ قَبِلْنا، وإنْ أفْتى بِالقَتْلِ لَمْ نَقْبَلْ. وهَذا نَحْوٌ مَن قَوْلِ قَتادَةَ في النَّضِيرِ وقُرَيْظَةَ.

ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ أحْكامَ الحِرابَةِ والسَّرِقَةِ، وكانَ في ذِكْرِ المُحارِبِينَ أنَّهم يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في (p-٤٨٧)الأرْضِ فَسادًا، أمَرَهُ تَعالى أنْ لا يَحْزَنَ ولا يَهْتَمَّ بِأمْرِ المُنافِقِينَ وأمْرِ اليَهُودِ مِن تَعَنُّتِهِمْ وتَرَبُّصِهِمْ بِهِ وبِمَن مَعَهُ الدَّوائِرَ ونَصْبِهِمْ لَهُ حَبائِلَ المَكْرُوهِ، وما يَحْدُثُ لَهم مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ. ونَصْبِ المُحارَبَةِ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الرَّذائِلِ الصّادِرَةِ عَنْهم. ونِداؤُهُ تَعالى لَهُ: يا أيُّها الرَّسُولُ هُنا، وفي ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ [المائدة: ٦٧] ويا أيُّها النَّبِيُّ في مَواضِعَ، تَشْرِيفٌ وتَعْظِيمٌ وتَفْخِيمٌ لِقَدْرِهِ، ونادى غَيْرَهُ مِنَ الأنْبِياءِ بِاسْمِهِ فَقالَ: ﴿ياآدَمُ اسْكُنْ﴾ [البقرة: ٣٥] و﴿يانُوحُ اهْبِطْ﴾ [هود: ٤٨]، ﴿ياإبْراهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٤] ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ [الصافات: ١٠٥]، ﴿يامُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٤٤]، ﴿ياعِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥]، ﴿يايَحْيى خُذِ الكِتابَ﴾ [مريم: ١٢] . وقالَ مُجاهِدٌ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ: ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾، هُمُ اليَهُودُ المُنافِقُونَ، وسَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ هُمُ اليَهُودُ. والمَعْنى عَلى هَذا: لا تَهْتَمَّ بِمُسارَعَةِ المُنافِقِينَ في الكُفْرِ واليَهُودِ بِإظْهارِ ما يَلُوحُ لَهم مِن آثارِ الكُفْرِ وهو كَيْدُهم لِلْإسْلامِ وأهْلِهِ، فَإنَّ اللهَ ناصِرُكَ عَلَيْهِمْ، ويُقالُ: أسْرَعَ فِيهِ السَّبَبُ، وأسْرَعَ فِيهِ الفَسادُ، إذا وقَعَ فِيهِ سَرِيعًا؛ ومُسارَعَتُهم في الكُفْرِ: وُقُوعُهم وتَهافُتُهم فِيهِ أسْرَعُ شَيْءٍ إذا وجَدُوا فُرْصَةً لَمْ يُخْطِئُوها، وتَكُونُ مِنَ الأُولى والثّانِيَةِ عَلى هَذا تَنْبِيهًا وتَقْسِيمًا لِلَّذِينِ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ، ويَكُونُ سَمّاعُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هم سَمّاعُونَ، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى المُنافِقِينَ وعَلى اليَهُودِ؛ ويَدُلُّ عَلى هَذا المَعْنى قِراءَةُ الضَّحّاكِ: سَمّاعِينَ، وانْتِصابُهُ عَلى الذَّمِّ نَحْوَ قَوْلِهِ:

؎أقارِعُ عَوْفٍ لا أُحاوِلُ غَيْرَها ∗∗∗ وُجُوهُ قُرُودٍ تَبْتَغِي مَن تُخادِعُ

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ اسْتِئْنافًا، وسَمّاعُونَ مُبْتَدَأٌ وهُمُ اليَهُودُ، وبِأفْواهِهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِقالُوا لا بِآمَنّا؛ والمَعْنى: أنَّهم لَمْ يُجاوِزْ قَوْلُهم أفْواهَهم، إنَّما نَطَقُوا بِالإيمانِ خاصَّةً دُونَ اعْتِقادٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا يَحْزُنْكَ المُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ اليَهُودِ، وصَفَهم بِأنَّهم قالُوا: آمَنّا؛ بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهم إلْزامًا مِنهم ذَلِكَ مِن حَيْثُ حَرَّفُوا تَوْراتَهم وبَدَّلُوا أحْكامَها، فَهم يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ: نَحْنُ مُؤْمِنُونَ بِالتَّوْراةِ وبِمُوسى، وقُلُوبُهم غَيْرُ مُؤْمِنَةٍ مِن حَيْثُ بَدَّلُوا وجَحَدُوا ما فِيها مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يُنْكِرُونَهُ. ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذا ﴿وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣] ويَجِيءُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ قَوْلُهُ: مِنَ الَّذِينَ قالُوا كَأنَّهُ قالَ: ومِنهم، ولَكِنْ صَرَّحَ بِذِكْرِ اليَهُودِ مِن حَيْثُ الطّائِفَةُ السَّمّاعَةُ غَيْرُ الطّائِفَةِ الَّتِي تُبَدِّلُ التَّوْراةَ عَلى عِلْمٍ مِنها. انْتَهى. وهو احْتِمالٌ بَعِيدٌ مُتَكَلَّفٌ، وسَمّاعُونَ مِن صِفاتِ المُبالَغَةِ، ولا يُرادُ بِهِ حَقِيقَةُ السَّماعِ إلّا إنْ كانَ لِلْكَذِبِ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، ويَكُونُ المَعْنى: إنَّهم سَمّاعُونَ مِنكَ أقْوالَكَ مِن أجْلِ أنْ يَكْذِبُوا عَلَيْكَ، ويَنْقُلُونَ حَدِيثَكَ، ويَزِيدُونَ مَعَ الكَلِمَةِ أضْعافَها كَذِبًا. وإنْ كانَ لِلْكَذِبِ مَفْعُولًا بِهِ لِقَوْلِهِ: سَمّاعُونَ، وعُدِّيَ بِاللّامِ عَلى سَبِيلِ التَّقْوِيَةِ لِلْعامِلِ، فَمَعْنى السَّماعِ هُنا قَبُولُهم ما يَفْتَرِيهِ أحْبارُهم ويَخْتَلِقُونَهُ مِنَ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ وتَحْرِيفَ كِتابِهِ مِن قَوْلِهِمُ: المَلِكُ يَسْمَعُ كَلامَ فُلانٍ، ومِنهُ ”سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ“ وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في قِراءَةِ يَحْزُنْكَ ثُلاثِيًا وُرُباعِيًّا. وقَرَأ السُّلَمِيُّ: يُسْرِعُونَ، بِغَيْرِ ألِفٍ، مِن أسْرَعَ. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: لِلْكِذْبِ، بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ الذّالِ. وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: الكُذُبُ، بِضَمِّ الكافِ والذّالِ، جَمْعُ كَذُوبٍ، نَحْوَ صَبُورٍ وصُبُرٍ؛ أيْ: سَمّاعُونَ لِكَذِبِ الكُذُبِ.

* *

﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: سَمّاعُونَ لِكَذِبِ قَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ؛ أيْ: كَذِبُهم، والَّذِينَ لَمْ يَأْتُوهُ يَهُودُ فَدَكَ. وقِيلَ: يَهُودُ خَيْبَرَ. وقِيلَ: أهْلُ الرَّأْيَيْنِ. وقِيلَ: أهْلُ الخِصامِ في القَتْلِ والدِّيَةِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: سَمّاعُونَ لِأجْلِ قَوْمٍ آخَرِينَ؛ أيْ: هم عُيُونٌ لَهم وجَواسِيسُ؛ يَسْمَعُونَ مِنكَ ويَنْقُلُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ، وهَذا الوَصْفُ يُمْكِنُ أنْ يَتَّصِفَ بِهِ المُنافِقُونَ، ويَهُودُ المَدِينَةِ. وقِيلَ: السَّمّاعُونَ بَنُو قُرَيْظَةَ، والقَوْمُ الآخَرُونَ يَهُودُ خَيْبَرَ. وقِيلَ لِسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: هَلْ جَرى ذِكْرُ الجاسُوسِ في كِتابِ اللَّهِ ؟ فَقالَ: نَعَمْ. وتَلا هَذِهِ الآيَةَ (p-٤٨٨)سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ، لَمْ يَأْتُوكَ: صِفَةٌ لِقَوْمٍ آخَرِينَ. ومَعْنى لَمْ يَأْتُوكَ: لَمْ يَصِلُوا إلى مَجْلِسِكَ وتَجافَوْا عَنْكَ لِما فَرَطَ مِنهم مَن شِدَّةِ العَداوَةِ والبَغْضاءِ، فَعَلى هَذا الظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: هم قائِلُونَ مِنَ الأحْبارِ كَذِبُهم وافْتِراؤُهم، ومِن أُولَئِكَ المُفْرِطِينَ في العَداوَةِ الَّذِينَ لا يَقْدِرُونَ أنْ يَنْظُرُوا إلَيْكَ.

﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ قُرِئَ الكَلِمُ، بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ اللّامِ؛ أيْ: يُزِيلُونَهُ ويُمِيلُونَهُ عَنْ مَواضِعِهِ الَّتِي وضَعَها اللَّهُ فِيها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والجُمْهُورُ: هي حُدُودُ اللَّهِ في التَّوْراةِ، وذَلِكَ أنَّهم غَيَّرُوا الرَّجْمَ؛ أيْ: وضَعُوا الجَلْدَ مَكانَ الرَّجْمِ. وقالَ الحَسَنُ: يُغَيِّرُونَ ما يَسْمَعُونَ مِنَ الرَّسُولِ، عَلَيْهِ السَّلامُ، بِالكَذِبِ عَلَيْهِ. وقِيلَ: بِإخْفاءِ صِفَةِ الرَّسُولِ. وقِيلَ: بِإسْقاطِ القَوَدِ بَعْدَ اسْتِحْقاقِهِ. وقِيلَ: بِسُوءِ التَّأْوِيلِ. قالَ الطَّبَرِيُّ: المَعْنى يُحَرِّفُونَ حُكْمَ الكَلامِ، فَحُذِفَ لِلْعِلْمِ بِهِ. انْتَهى. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ هَذا وصْفًا لِلْيَهُودِ فَقَطْ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ وصْفًا لَهم ولِلْمُنافِقِينَ فِيما يُحَرِّفُونَهُ مِنَ الأقْوالِ عِنْدَ كَذِبِهِمْ، لِأنَّ مَبادِئَ كَذِبِهِمْ يَكُونُ مِن أشْياءَ قِيلَتْ وفُعِلَتْ، وهَذا هو الكَذِبُ الَّذِي يَقْرُبُ قَبُولُهُ. ومَعْنى مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ: قالَ الزَّجّاجُ مِن بَعْدِ أنْ وضَعَهُ اللَّهُ مَواضِعَهُ، فَأحَلَّ حَلالَهُ وحَرَّمَ حَرامَهُ.

* *

﴿يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ﴾ الإشارَةُ بِهَذا قِيلَ: إلى التَّحْمِيمِ والجَلْدِ في الزِّنا. وقِيلَ: إلى قَبُولِ الدِّيَةِ في أمْرِ القَتْلِ. وقِيلَ: عَلى إبْقاءِ عِزَّةِ النَّضِيرِ عَلى قُرَيْظَةَ، وهَذا بِحَسَبِ الِاخْتِلافِ المُتَقَدِّمِ في سَبَبِ النُّزُولِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ أُوتِيتُمْ، هَذا المُحَرَّفَ المُزالَ عَنْ مَواضِعِهِ فَخُذُوهُ واعْلَمُوا أنَّهُ الحَقُّ، واعْمَلُوا بِهِ. انْتَهى. وهو راجِعٌ لِواحِدٍ مِمّا ذَكَرْناهُ، والفاعِلُ المَحْذُوفُ هو الرَّسُولُ؛ أيْ: إنْ أتاكُمُ الرَّسُولُ هَذا.

﴿وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فاحْذَرُوا﴾ أيْ: وإنْ أفْتاكم مُحَمَّدٌ بِخِلافِهِ فاحْذَرُوا وإيّاكم مِن قَبُولِهِ فَهو الباطِلُ والضَّلالُ. وقِيلَ: فاحْذَرُوا أنْ تُعْلِمُوهُ بِقَوْلِهِ السُّدِّيُّ. وقِيلَ: أنْ تُطْلِعُوهُ عَلى ما في التَّوْراةِ فَيَأْخُذَكم بِالعَمَلِ بِهِ. وقِيلَ: فاحْذَرُوا أنْ تَسْألُوهُ بَعْدَها، والظّاهِرُ الأوَّلُ لِأنَّهُ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: فَخُذُوهُ. فالمَعْنى: وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ وأتاكم بِغَيْرِهِ فاحْذَرُوا قَبُولَهُ.

﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: فِتْنَتَهُ؛ أيْ: عَذابَهُ بِالنّارِ. ومِنهُ يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ؛ أيْ: يُعَذَّبُونَ؛ وقالَ الزَّجّاجُ: فَضِيحَتَهُ؛ وقِيلَ: اخْتِبارَهُ لِما يَظْهَرُ بِهِ أمْرُهُ؛ وقِيلَ: إهْلاكَهُ؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: كُفْرَهُ وإضْلالَهُ، يُقالُ: فَتَنَهُ عَنْ دِينِهِ صَرَفَهُ عَنْهُ، وأصْلُهُ فَلَنْ يَقْدِرَ عَلى دَفْعِ ما يُرِيدُ اللَّهُ مِنهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ: تَرْكَهُ مَفْتُونًا وخِذْلانَهُ، فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ مِن لُطْفِ اللَّهِ وتَوْفِيقِهِ شَيْئًا. انْتَهى. وهَذا عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ جاءَتْ تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ وتَخْفِيفًا عَنْهُ مِن ثِقَلِ حُزْنِهِ عَلى مُسارَعَتِهِمْ في الكُفْرِ. وقَطْعًا لِرَجائِهِ مِن فَلاحِهِمْ.

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ أيْ: سَبَقَ لَهم في عِلْمِ اللَّهِ ذَلِكَ، وأنْ يَكُونُوا مُدَنَّسِينَ بِالكُفْرِ. وفي هَذا وما قَبْلَهُ رَدٌّ عَلى القَدَرِيَّةِ والمُعْتَزِلَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَمْنَحَهم مِن ألْطافِهِ ما يُطَهِّرُ بِهِ قُلُوبَهم، لِأنَّهم لَيْسُوا مِن أهْلِها لِعِلْمِهِ أنَّها لا تَنْفَعُ ولا تَنْجَعُ فِيها. إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ. انْتَهى. وهو عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ.

﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ أيْ: ذُلٌّ وفَضِيحَةٌ. فَخِزْيُ المُنافِقِينَ بِهَتْكِ سِتْرِهِمْ، وخَوْفِهِمْ مِنَ القَتْلِ إنِ اطَّلَعَ عَلى كُفْرِهِمُ المُسْلِمُونَ، وخِزْيُ اليَهُودِ: تَمَسْكُنِهِمْ وضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ، وكَوْنِهِمْ في أقْطارِ الأرْضِ تَحْتَ ذِمَّةِ غَيْرِهِمْ وفي إيالَتِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: خِزْيُ قُرَيْظَةَ بِقَتْلِهِمْ وسَبْيِهِمْ، وخِزْيُ بَنِي النَّضِيرِ بِإجْلائِهِمْ.

﴿ولَهم في الآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وُصِفَ بِالعِظَمِ لِتَزايُدِهِ؛ فَلا انْقِضاءَ لَهُ، أوْ لِتَزايُدِ ألَمِهِ أوْ لَهُما.

5:42Page 115

سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ أَكَّٰلُونَ لِلسُّحۡتِۚ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُمۡ أَوۡ أَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡۖ وَإِن تُعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيۡـٔٗاۖ وَإِنۡ حَكَمۡتَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٤٢

[They are] avid listeners to falsehood, devourers of [what is] unlawful. So if they come to you, [O Muḥammad], judge between them or turn away from them. And if you turn away from them - never will they harm you at all. And if you judge, judge between them with justice. Indeed, Allāh loves those who act justly.

﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ قالَ الحَسَنُ: يَسْمَعُونَ الكَلامَ مِمَّنْ يَكْذِبُ عِنْدَهم في دَعْواهُ فَيَأْتِيهِمْ بِرِشْوَةٍ فَيَأْخُذُونَها. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ: هُمُ اليَهُودُ ويَسْمَعُونَ الكَذِبَ، وهو قَوْلُ بَعْضِهِمْ (p-٤٨٩)لِبَعْضٍ: مُحَمَّدٌ كاذِبٌ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، ولَيْسَ في التَّوْراةِ الرَّجْمُ، وهم يَعْلَمُونَ كَذِبَهم. وقِيلَ: الكَذِبُ هُنا شَهادَةُ الزُّورِ. انْتَهى. وهَذا الوَصْفُ إنْ كانَ قَوْلُهُ أوَّلًا: سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ، وصْفًا لِبَنِي إسْرائِيلَ.

وتَقَدَّمَ أنَّ السُّحْتَ: المالُ الحَرامُ. واخْتُلِفَ في المُرادِ بِهِ هُنا، فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: إنَّهُ الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ، ومَهْرُ البَغْيِ، وحُلْوانُ الكاهِنِ، وثَمَنُ الكَلْبِ والنَّرْدِ والخَمْرِ والخِنْزِيرِ والمَيْتَةِ والدَّمِ وعَسْبِ الفَحْلِ، وأُجْرَةُ النّائِحَةِ والمُغَنِّيَةِ، والسّاحِرِ، وأجْرُ مُصَوِّرِ التَّماثِيلِ، وهَدِيَّةُ الشَّفاعَةِ؛ قالُوا: وسُمِّيَ سُحْتًا المالُ الحَرامُ لِأنَّهُ يُسْحِتُ الطّاعاتِ أوْ بَرَكَةَ المالِ أوِ الدِّينَ أوِ المُرُوءَةَ؛ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ومَسْرُوقٍ: إنَّ المالَ المَأْخُوذَ عَلى الشَّفاعَةِ سُحْتٌ. وعَنِ الحَسَنِ: إنَّ ما أكَلَ الرَّجُلُ مِن مالِ مَن لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ - سُحْتٌ. وقِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ: كُنّا نَرى أنَّهُ ما أُخِذَ عَلى الحُكْمِ يَعْنُونَ الرِّشا، قالَ: ذَلِكَ كُفْرٌ، قالَ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] . وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: إذا ارْتَشى الحاكِمُ يُعْزَلُ، وفي الحَدِيثِ: «كُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مَن سُحْتٍ فالنّارُ أوْلى بِهِ» وقالَ عَلِيٌّ وأبُو هُرَيْرَةَ: كَسْبُ الحَجّامِ سُحْتٌ، يَعْنِي أنَّهُ يُذْهِبُ المُرُوءَةَ، وما ذُكِرَ في مَعْنى السُّحْتِ فَهو مِن أمْثِلَةِ المالِ الَّذِي لا يَحِلُّ كَسْبُهُ.

ومِن أعْظَمِ السُّحْتِ الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ، وهي المُشارُ إلَيْها في الآيَةِ. كانَ اليَهُودُ يَأْخُذُونَ الرِّشا عَلى الأحْكامِ وتَحْلِيلِ الحَرامِ. وعَنِ الحَسَنِ: كانَ الحاكِمُ في بَنِي إسْرائِيلَ إذا أتاهُ أحَدُهم بِرِشْوَةٍ جَعَلَها في كُمِّهِ فَأراهُ إيّاها، وتَكَلَّمَ بِحاجَتِهِ، فَيَسْمَعُ مِنهُ ولا يَنْظُرُ إلى خَصْمِهِ، فَيَأْكُلُ الرِّشْوَةَ ويَسْمَعُ الكَذِبَ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ: السُّحُتُ، بِضَمَّتَيْنِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِإسْكانِ الحاءِ. وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وخارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ عَنْ نافِعٍ: بِفَتْحِ السِّينِ وإسْكانِ الحاءِ، وقُرِئَ بِفَتْحَتَيْنِ. وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: بِكَسْرِ السِّينِ وإسْكانِ الحاءِ، فَبِالضَّمِّ والكَسْرِ والفَتْحَتَيْنِ: اسْمُ المَسْحُوتِ، كالدَّهْنِ والرَّعْيِ والنَّبْضِ؛ وبِالفَتْحِ والسُّكُونِ: مَصْدَرٌ أُرِيدَ بِهِ المَفْعُولُ، كالصَّيْدِ بِمَعْنى المَصِيدِ؛ أوْ سُكِّنَتِ الحاءُ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ.

* *

﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيْ: فَإنْ جاؤُكَ لِلْحُكْمِ بَيْنَهم فَأنْتَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنْ تَحْكُمَ، أوْ تُعْرِضَ. والظّاهِرُ بَقاءُ هَذا الحُكْمِ مِنَ التَّخْيِيرِ لِحُكّامِ المُسْلِمِينَ. وعَنْ عَطاءٍ، والنَّخَعِيِّ، والشَّعْبِيِّ، وقَتادَةَ، والأصَمِّ، وأبِي مُسْلِمٍ، وأبِي ثَوْرٍ: أنَّهم إذا ارْتَفَعُوا إلى حُكّامِ المُسْلِمِينَ، فَإنْ شاءُوا حَكَمُوا وإنْ شاءُوا أعْرَضُوا. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والحَسَنُ، وعَطاءُ الخُراسانِيُّ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، والزُّهْرِيُّ: التَّخْيِيرُ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] فَإذا جاءُوا فَلَيْسَ لِلْإمامِ أنْ يَرُدَّهم إلى أحْكامِهِمْ. والمَعْنى عِنْدَ غَيْرِهِمْ: وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ إذا اخْتَرْتَ الحُكْمَ بَيْنَهم دُونَ الإعْراضِ عَنْهم. وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ: إنِ احْتَكَمُوا إلَيْنا حُمِلُوا عَلى حُكْمِ الإسْلامِ، وأُقِيمَ الحَدُّ عَلى الزّانِي بِمُسْلِمَةٍ، والسّارِقِ مِن مُسْلِمٍ. وأمّا أهْلُ الحِجازِ فَلا يَرَوْنَ إقامَةَ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ، يَذْهَبُونَ إلى أنَّهم قَدْ صُولِحُوا عَلى شِرْكِهِمْ وهو أعْظَمُ مِنَ الحُدُودِ، ويَقُولُونَ: إنَّ رَجْمَ اليَهُودِيَّيْنِ كانَ قَبْلَ نُزُولِ الجِزْيَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الأُمَّةُ مُجْمِعَةٌ عَلى أنَّ حاكِمَ المُسْلِمِينَ يَحْكُمُ بَيْنَ أهْلِ الذِّمَّةِ في التَّظالُمِ، ويَتَسَلَّطُ عَلَيْهِمْ في تَغْيِيرٍ، ومِن ذَلِكَ حَبْسُ السِّلَعِ المَبِيعَةِ وغَصْبُ المالِ. فَأمّا نَوازِلُ الأحْكامِ الَّتِي لا تَظالُمَ فِيها، وإنَّما هي دُعاءٌ ومُحْتَمِلَةٌ، فَهي الَّتِي يُخَيَّرُ فِيها الحاكِمُ. انْتَهى. وفِيهِ بَعْضُ تَلْخِيصٍ. وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى مَجِيءِ المُتَداعِيَيْنِ إلى الحاكِمِ، ورِضاهُما بِحُكْمِهِ كافٍ في الإقْدامِ عَلى الحُكْمِ بَيْنَهُما. وقالَ ابْنُ القاسِمِ: لا بُدَّ مَعَ ذَلِكَ مِن رِضا الأساقِفَةِ والرُّهْبانِ، فَإنْ رَضِيَ الأساقِفَةُ دُونَ الخَصْمَيْنِ، أوِ الخَصْمانِ دُونَ الأساقِفَةِ، فَلَيْسَ لَهُ أنْ يَحْكُمَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ، والزُّهْرِيُّ، وغَيْرُهم: فَإنْ جاءُوكَ يَعْنِي أهْلَ نازِلَةِ الزّانِيَيْنِ، ثُمَّ الآيَةُ تَتَناوَلُ سائِرَ النَّوازِلِ. وقالَ قَوْمٌ: في قَتِيلِ اليَهُودِ مِن قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ. وقالَ قَوْمٌ: التَّخْيِيرُ مُخْتَصٌّ بِالمُعاهَدِينَ لازِمَةٌ لَهم. ومَذْهَبُ الشّافِعِيِّ: أنَّهُ يَجِبُ عَلى حاكِمِ المُسْلِمِينَ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَ أهْلِ الذِّمَّةِ إذا (p-٤٩٠)تَحاكَمُوا إلَيْهِ، لِأنَّ في إمْضاءِ حُكْمِ الإسْلامِ عَلَيْهِمْ صَغارًا لَهم، فَأمّا المُعاهَدُونَ الَّذِينَ لَهم مَعَ المُسْلِمِينَ عَهْدٌ إلى مُدَّةٍ فَلَيْسَ بِواجِبٍ عَلَيْهِ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم، بَلْ يَتَخَيَّرُ في ذَلِكَ، وهو التَّخْيِيرُ الَّذِي في الآيَةِ وهو مَخْصُوصٌ بِالمُعاهَدِينَ. ورُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ مِثْلُ قَوْلِ عَطاءٍ والنَّخَعِيِّ.

﴿وإنْ تُعْرِضْ عَنْهم فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ أيْ: أنْتَ آمِنٌ مِن ضَرَرِهِمْ، مَنصُورٌ عَلَيْهِمْ عَلى كُلِّ حالٍ؛ وكانُوا يَتَحاكَمُونَ إلَيْهِ لِطَلَبِ الأيْسَرِ والأهْوَنِ عَلَيْهِمْ، فالجَلْدُ مَكانَ الرَّجْمِ، فَإذا أعْرَضَ عَنْهم وأبى الحُكُومَةَ بَيْنَهم شَقَّ عَلَيْهِمْ وتَكَرَّهُوا إعْراضَهُ عَنْهم، وكانُوا خُلَقاءَ بِأنْ يُعادُوهُ ويَضُرُّوهُ، فَأمَّنَهُ اللَّهُ مِنهم، وأخْبَرَهُ أنَّهم لَيْسُوا قادِرِينَ عَلى شَيْءٍ مِن ضَرَرِهِ.

* *

﴿وإنْ حَكَمْتَ فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ أيْ: وإنْ أرَدْتَ الحُكْمَ بِالقِسْطِ بِالعَدْلِ كَما تَحْكُمُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ. والقِسْطُ: هو المُبَيَّنُ في قَوْلِهِ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] وهو لا يَحْكُمُ إلّا بِالقِسْطِ، فَهو أمْرٌ مَعْناهُ الخَبَرُ؛ أيْ: فَحُكْمُكَ لا يَقَعُ إلّا بِالعَدْلِ، لِأنَّكَ مَعْصُومٌ مِنِ اتِّباعِ الهَوى.

﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ وأنْتَ سَيِّدُهم، فَمَحَبَّتُهُ إيّاكَ أعْظَمُ مِن مَحَبَّتِهِ إيّاهم. وفِيهِ حَثٌّ عَلى تَوَخِّي القِسْطِ وإيثارِهِ، حَيْثُ ذَكَرَ اللَّهُ أنَّهُ يُحِبُّ مَنِ اتَّصَفَ بِهِ.

5:43Page 115

وَكَيۡفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوۡرَىٰةُ فِيهَا حُكۡمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوۡنَ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٣

But how is it that they come to you for judgement while they have the Torah, in which is the judgement of Allāh? Then they turn away, [even] after that; but those are not [in fact] believers.

﴿وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ﴾ هَذا تَعْجِيبٌ مِن تَحْكِيمِهِمْ إيّاهُ مَعَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ولا بِكِتابِهِ. وفي كِتابِهِمُ الَّذِي يَدَّعُونَ الإيمانَ بِهِ حُكْمُ اللَّهِ تَعالى نَصٌّ جَلِيٌّ، فَلَيْسُوا قاصِدِينَ حُكْمَ اللَّهِ حَقِيقَةً، وإنَّما قَصَدُوا بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ رُخْصَةٌ فِيما تَحاكَمُوا إلَيْهِ فِيهِ اتِّباعًا لِأهْوائِهِمْ، وانْهِماكًا في شَهَواتِهِمْ. ومَن عَدَلَ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ في كِتابِهِ الَّذِي يَدَّعِي أنَّهُ مُؤْمِنٌ بِهِ إلى تَحْكِيمِ مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ ولا بِكِتابِهِ، فَهو لا يُحَكِّمُ إلّا رَغْبَةً فِيما يَقْصِدُهُ مِن مُخالَفَةِ كِتابِهِ. وإذا خالَفُوا كِتابَهم لِكَوْنِهِ لَيْسَ عَلى وفْقِ شَهَواتِهِمْ، فَلَأنْ يُخالِفُوكَ إذا لَمْ تُوافِقْهم أوْلى وأحْرى. والواوُ في: وعِنْدَهم، لِلْحالِ، وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وقَوْلُهُ: فِيها. حُكْمُ اللَّهِ، حالٌ مِنَ التَّوْراةِ، وارْتَفَعَ حُكْمٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ؛ أيْ: كائِنًا فِيها حُكْمُ اللَّهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيها في مَوْضِعِ رَفْعٍ خَبَرًا عَنِ التَّوْراةِ؛ كَقَوْلِكَ: وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ ناطِقَةً بِحُكْمِ اللَّهِ. وأوْ: لا مَحَلَّ لَهُ، وتَكُونُ جُمْلَةً مُبَيِّنَةً، لِأنَّ عِنْدَهم ما يُغْنِيهِمْ عَنِ التَّحْكِيمِ، كَما تَقُولُ: عِنْدَكَ زَيْدٌ يَنْصَحُكَ ويُشِيرُ عَلَيْكَ بِالصَّوابِ فَما تَصْنَعُ بِغَيْرِهِ ؟ وهَذانِ الإعْرابانِ لِلزَّمَخْشَرِيِّ.

﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ تَحْكِيمِكَ المُوافِقِ لِما في كِتابِهِمْ، لِأنَّ التَّعْجِيبَ مِنَ التَّحْكِيمِ إنَّما كانَ بَعْدَ صُدُورِهِ مِنهم، ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ ولَمْ يَرْضَوْا بِهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِن بَعْدِ ذَلِكَ؛ أيْ: مِن بَعْدِ حُكْمِ اللَّهِ في التَّوْراةِ وما أشْبَهَهُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي خالَفُوا فِيها أمْرَ اللَّهِ. انْتَهى. وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ؛ أيْ: ثُمَّ هم يَتَوَلَّوْنَ بَعْدُ. وهي أخْبارٌ مِنَ اللَّهِ بِتَوَلِّيهِمْ عَلى عادَتِهِمْ في أنَّهم إذا وضُحَ لَهُمُ الحَقُّ أعْرَضُوا عَنْهُ وتَوَلَّوْا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): عَلامَ عَطَفَ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ ؟ (قُلْتُ): عَلى يُحَكِّمُونَكَ. انْتَهى. ويَكُونُ إذْ ذاكَ داخِلًا في الِاسْتِفْهامِ الَّذِي يُرادُ بِهِ التَّعَجُّبُ؛ أيْ: ثُمَّ كَيْفَ يَتَوَلَّوْنَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ قَدْ تَعَجَّبَ مِن تَحْكِيمِهِمْ إيّاهُ، ثُمَّ مِن تَوَلِّيهِمْ عَنْهُ؛ أيْ: كَيْفَ رَضُوا بِهِ ثُمَّ سَخِطُوهُ ؟ .

﴿وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ ظاهِرُهُ نَفْيُ الإيمانِ عَنْهم؛ أيْ: مَن حَكَّمَ الرَّسُولَ، وخالَفَ كِتابَهُ، وأعْرَضَ عَمّا حَكَمَ لَهُ، إذْ وافى كِتابَهُ - فَهو كافِرٌ. وقِيلَ: هو إخْبارٌ عَنْهم أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا، فَهو خَبَرٌ عَنِ المُسْتَقْبَلِ لا الماضِي. وقِيلَ: نَفْيُ الإيمانِ بِالتَّوْراةِ وبِ مُوسى عَنْهم. وقِيلَ: هو تَعْلِيقٌ بِقَوْلِهِ: وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ؛ أيِ: اعْجَبْ لِتَحْكِيمِهِمْ إيّاكَ، ولَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ بِكَ، ولا مُعْتَقِدِينَ في صِحَّةِ حُكْمِكَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما (p-٤٩١)قَصْدُهم تَحْصِيلُ مَنافِعِ الدُّنْيا وأغْراضِهِمُ الفاسِدَةِ دُونَ اتِّباعِ الحَقِّ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском