Abu HayyanAl‑Ma'idah · 5:51–53

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:51–53

5:51Page 117

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥١

O you who have believed, do not take the Jews and the Christians as allies. They are [in fact] allies of one another. And whoever is an ally to them among you - then indeed, he is [one] of them. Indeed, Allāh guides not the wrongdoing people.

(p-٥٠٦)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ﴾ [المائدة: ٥٢] ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ إنَّهم لَمَعَكم حَبِطَتْ أعْمالُهم فَأصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤] ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥] ﴿ومَن يَتَوَلَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم والكُفّارَ أوْلِياءَ واتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٧] ﴿وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨] ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٥٩] ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ وعَبَدَ الطّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٦٠] ﴿وإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٦١] ﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٢] ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٣] ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا وألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا واللَّهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٤] ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَأدْخَلْناهم جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [المائدة: ٦٥] ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦] ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٧] ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨] ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئُونَ والنَّصارى مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [المائدة: ٦٩] ﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهم فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة: ٧٠] ﴿وحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهم واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٧١] ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وقالَ المَسِيحُ يا بَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ ومَأْواهُ النّارُ وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وما مِن إلَهٍ إلّا إلَهٌ واحِدٌ وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٣] ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤] ﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المائدة: ٧٥] .

الدّائِرَةُ: واحِدَةُ الدَّوائِرِ، وهي صُرُوفُ الدَّهْرِ، ودُوَلُهُ، ونَوازِلُهُ. وقالَ الشّاعِرُ:

؎ويَعْلَمُ أنَّ الدّائِراتِ تَدُورُ

اللَّعِبُ: مَعْرُوفٌ، وهو مَصْدَرٌ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وفِعْلُهُ لَعِبَ يَلْعَبُ. الإطْفاءُ: الإخْمادُ حَتّى لا يَبْقى أثَرٌ. الأفْكُ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، مَصْدَرُ أفَكَهُ يَأْفِكُهُ؛ أيْ: قَلَبَهُ وصَرَفَهُ. ومِنهُ: ﴿أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا﴾ [الأحقاف: ٢٢] (يُؤْفَكُ عَنْهُ مَن أُفِكَ) . قالَ عُرْوَةُ بْنُ أُذَيْنَةَ:

؎إنْ كُنْتَ عَنْ أحْسَنِ المُرُوءَةِ مَأْ ∗∗∗ فُوكًا فَفي آخَرِينَ قَدْ أُفِكُوا

وقالَ أبُو زَيْدٍ: المَأْفُوكُ المَأْفُونُ، وهو الضَّعِيفُ العَقْلِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: رَجُلٌ مَأْفُوكٌ: لا يُصِيبُ خَيْرًا، وائْتُفِكَتِ البَلْدَةُ بِأهْلِها: انْقَلَبَتْ، والمُؤْتَفِكاتُ: مَدائِنُ قَوْمِ لُوطٍ، عَلَيْهِ السَّلامُ، قَلَبَها اللَّهُ تَعالى؛ (p-٥٠٧)والمُؤْتَفِكاتُ أيْضًا: الرِّياحُ الَّتِي تَخْتَلِفُ مَهابُّها.

* *

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ قالَ الزُّهْرِيُّ وغَيْرُهُ: سَبَبُ نُزُولِها قِصَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ واسْتِمْساكِهِ بِحِلْفِ يَهُودَ، وتَبَرُّؤِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ مِن حِلْفِهِمْ عِنْدَ انْقِضاءِ بَدْرٍ، وعُبادَةُ في قِصَّةٍ فِيها طُولٌ هَذا مُلَخَّصُها. وقالَ عِكْرِمَةُ: سَبَبُها: أمْرُ أبِي لُبابَةَ بْنِ عَبْدِ المُنْذِرِ وإشارَتُهُ إلى قُرَيْظَةَ أنَّهُ الذَّبْحُ حِينَ اسْتَفْهَمُوهُ عَنْ رَأْيِهِ في نُزُولِهِمْ عَنْ حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: لَمّا نَزَلَ بِالمُسْلِمِينَ أمْرُ أُحِدٍ فَزِعَ مِنهم قَوْمٌ، وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: نَأْخُذُ مِنَ اليَهُودِ عَهْدًا يُعاضِدُونا إنْ ألَمَّتْ بِنا قاصِمَةٌ مِن قُرَيْشٍ أوْ سائِرِ العَرَبِ. وقالَ آخَرُونَ: بَلْ نَلْحَقُ بِالنَّصارى فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: هي عامَّةٌ في المُنافِقِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ وظاهَرُوا اليَهُودَ والنَّصارى.

نَهى تَعالى المُؤْمِنِينَ عَنْ مُوالاةِ اليَهُودِ والنَّصارى يَنْصُرُونَهم ويَسْتَنْصِرُونَ بِهِمْ، ويُعاشِرُونَهم مُعاشَرَةَ المُؤْمِنِينَ؛ وقِراءَةُ أُبَيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ: أرْبابًا مَكانَ أوْلِياءَ، بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ؛ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ مِنَ النَّهْيِ، مُشْعِرَةٌ بِعِلَّةِ الوِلايَةِ وهو: اجْتِماعُهم في الكُفْرِ والمُمالَأةِ عَلى المُؤْمِنِينَ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في بَعْضِهِمْ يَعُودُ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى. وقِيلَ: المَعْنى عَلى أنَّ ثَمَّ مَحْذُوفًا؛ والتَّقْدِيرُ: بَعْضُ اليَهُودِ أوْلِياءُ بَعْضٍ، وبَعْضُ النَّصارى أوْلِياءُ بَعْضٍ، لِأنَّ اليَهُودَ لَيْسُوا أوْلِياءَ النَّصارى، ولا النَّصارى أوْلِياءَ اليَهُودِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: جَمَعَهم في الضَّمِيرِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، ودَلَّ ما بَيْنَهم مِنَ المُعاداةِ عَلى التَّفْصِيلِ، وأنَّ بَعْضَ اليَهُودِ لا يَتَوَلّى إلّا جِنْسَهُ، وبَعْضُ النَّصارى كَذَلِكَ. قالَ الحَوْفِيُّ: هي جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ في مَوْضِعِ النَّعْتِ لِأوْلِياءَ، والظّاهِرُ أنَّها جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ.

﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَإنَّهُ مِنهم في حُكْمِ الكُفْرِ؛ أيْ: ومَن يَتَوَلَّهم في الدِّينِ. وقالَ غَيْرُهُ: ومَن يَتَوَلَّهم في الدُّنْيا فَإنَّهُ مِنهم في الآخِرَةِ. وقِيلَ: ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم في العَهْدِ فَإنَّهُ مِنهم في مُخالَفَةِ الأمْرِ؛ وهَذا تَشْدِيدٌ عَظِيمٌ في الِانْتِفاءِ مَن أهْلِ الكُفْرِ، وتَرْكِ مُوالاتِهِمْ، وإنْحاءِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍ ومَنِ اتَّصَفَ بِصِفَتِهِ. ولا يَدْخُلُ في المُوالاةِ لِلْيَهُودِ والنَّصارى مِن غَيْرِ مُضافاةٍ، ومَن تَوَلّاهم بِأفْعالِهِ دُونَ مُعْتَقَدِهِ ولا إخْلالٍ بِإيمانٍ: فَهو مِنهم في المَقْتِ والمَذَمَّةِ، ومَن تَوَلّاهم في المُعْتَقَدِ: فَهو مِنهم في الكُفْرِ. وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذا ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ عَلى جَوازِ أكْلِ ذَبائِحِ نَصارى العَرَبِ، وقالَ: مَن دَخَلَ في دِينِ قَوْمٍ فَهو مِنهم. وسُئِلَ ابْنُ سِيرِينَ عَنْ رَجُلٍ يَبِيعُ دارَهُ لِنَصْرانِيٍّ لِيَتَّخِذَها كَنِيسَةً: فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ. وفي الحَدِيثِ: «لا تَراءى ناراهُما» وقالَ عُمَرُ لِأبِي مُوسى في كاتِبِهِ النَّصْرانِيِّ: لا تُكْرِمُوهم إذْ أهانَهُمُ اللَّهُ، ولا تَأْمَنُوهم إذْ خَوَّنَهُمُ اللَّهُ، ولا تُدْنُوهم إذْ أقْصاهُمُ اللَّهُ تَعالى. وقالَ لَهُ أبُو مُوسى لا قِوامَ لِلْبَصْرَةِ إلّا بِهِ، فَقالَ عُمَرُ: ماتَ النَّصْرانِيُّ والسَّلامُ.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ظاهِرُهُ العُمُومُ، والمَعْنى عَلى الخُصُوصِ؛ أيْ: مَن سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ لا يَهْتَدِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أوْ يُرادُ التَّخْصِيصُ مُدَّةَ الظُّلْمِ والتَّلَبُّسِ بِفِعْلِهِ، فَإنَّ الظُّلْمَ لا هُدى فِيهِ، والظّالِمُ مِن حَيْثُ هو ظالِمٌ لَيْسَ بِمُهْتَدٍ في ظُلْمِهِ. وقالَ أبُو العالِيَةِ: الظّالِمُ مَن أبى أنْ يَقُولَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: أرادَ المُنافِقِينَ. وقِيلَ: الظّالِمُ هو الَّذِي وضَعَ الوِلايَةَ في غَيْرِ مَوْضِعِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَرِيبًا مِن هَذا، قالَ: يَعْنِي الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِمُوالاةِ الكُفْرِ يَمْنَعُهُمُ اللَّهُ ألْطافَهُ، ويَخْذُلُهم مَقْتًا لَهم. انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ.

5:52Page 117

فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمۡ يَقُولُونَ نَخۡشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٞۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرٖ مِّنۡ عِندِهِۦ فَيُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ نَٰدِمِينَ ٥٢

So you see those in whose hearts is disease [i.e., hypocrisy] hastening into [association with] them, saying, "We are afraid a misfortune may strike us." But perhaps Allāh will bring conquest or a decision from Him, and they will become, over what they have been concealing within themselves, regretful.

﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ (p-٥٠٨)الخِطابُ لِلرَّسُولِ، ﷺ، والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ومَن تَبِعَهُ مِنَ المُنافِقِينَ أوْ مِن مُؤْمِنِي الخَزْرَجِ مُتابَعَةَ جَهالَةٍ وعَصَبِيَّةٍ، فَهَذا الصِّنْفُ لَهُ حِصَّةٌ مِن مَرَضِ القَلْبِ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. ومَعْنى ﴿يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ أيْ: في مُوالاتِهِمْ ويَرْغَبُونَ فِيها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في المَرَضِ في أوَّلِ البَقَرَةِ.

وقَرَأ إبْراهِيمُ بْنُ وثّابٍ: فَيَرى بِالياءِ مِن تَحْتٍ، والفاعِلُ ضَمِيرٌ يُعُودُ عَلى اللَّهِ أوِ الرَّأْيِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ فاعِلَ تَرى؛ والمَعْنى: أنْ يُسارِعُوا، فَحُذِفَتْ أنْ إيجازًا. انْتَهى. وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ حَذْفَ إنْ مِن نَحْوِ هَذا لا يَنْقاسُ. وقَرَأ قَتادَةُ والأعْمَشُ: يُسْرِعُونَ بِغَيْرِ ألِفٍ مِن أسْرَعَ، وفَتَرى إنْ كانَتْ مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ كانَ يُسارِعُونَ حالًا، أوْ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ فَفي مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، يَقُولُونَ: نَخْشى أنَّ تُصِيبَنا دائِرَةٌ، هَذا مَحْفُوظٌ مِن قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وقالَهُ مَعَهُ مُنافِقُونَ كَثِيرُونَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ نَخْشى أنْ لا يَتِمَّ أمْرُ مُحَمَّدٍ فَيَدُورَ الأمْرُ عَلَيْنا. وقِيلَ: الدّائِرَةُ مِن جَدْبٍ وقَحْطٍ. ولا يُمِيرُونَنا ولا يُقْرِضُونَنا. وقِيلَ: دائِرَةٌ تُحْوِجُ إلى يَهُودَ إلى مَعُونَتِهِمْ.

﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ هَذا بِشارَةٌ لِلرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ بِوَعْدِهِ تَعالى بِالفَتْحِ والنُّصْرَةِ. قالَ قَتادَةُ: عَنى بِهِ القَضاءَ في هَذِهِ النَّوازِلِ، والفَتّاحُ: القاضِي. وقالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي بِهِ فَتْحَ مَكَّةَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وظاهِرُ الفَتْحِ في هَذِهِ الآيَةِ ظُهُورُ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وعُلُوِّ كَلَمَتِهِ فَيُسْتَغْنى عَنِ اليَهُودِ. وقِيلَ: فَتْحُ بِلادِ المُشْرِكِينَ. وقِيلَ: فَتْحُ قُرى اليَهُودِ، يُرِيدُونَ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرَ وفَدَكَ وما يَجْرِي مَجْراهُما. وقِيلَ: الفَتْحُ الفَرَجُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ هو إجْلاءُ بَنِي النَّضِيرِ وأخْذِ أمْوالِهِمْ، لَمْ يَكُنْ لِلنّاسِ فِيهِ فِعْلٌ بَلْ طَرَحَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَأعْطَوْا بِأيْدِيهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يُوجَفَ عَلَيْهِمْ بِخَيْلٍ ولا رِكابٍ، وقَتْلُ قُرَيْظَةَ وسَبْيُ ذَرارِيهِمْ، قالَهُ: ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ. وقِيلَ: إذْلالُهم حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ. وقِيلَ: الخِصْبُ والرَّخا، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وقالَ الزَّجّاجُ: إظْهارُ أمْرِ المُنافِقِينَ وتَرَبُّصِهِمُ الدَّوائِرَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَظْهَرُ أنَّ هَذا التَّقْسِيمَ إنَّما هو لِأنَّ الفَتْحَ المَوْعُودَ بِهِ هو مِمّا تَرَتَّبَ عَلى سَعْيِ النَّبِيِّ وأصْحابِهِ ونِسَبِ جِدِّهِمْ وعَمَلِهِمْ، فَوَعْدُ اللَّهِ تَعالى إمّا بِفَتْحٍ يَقْتَضِي تِلْكَ الأعْمالَ، وإمّا بِأمْرٍ مِن عِنْدِهِ يُهْلِكُ أعْداءَ الشَّرْعِ، هو أيْضًا فَتْحٌ لا يَقَعُ لِلْبَشَرِ فِيهِ تَسَبُّبٌ. انْتَهى.

﴿فَيُصْبِحُوا عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ﴾ أيْ: يَصِيرُونَ نادِمِينَ عَلى ما حَدَّثَتْهم أنْفُسُهم أنَّ أمْرَ النَّبِيِّ لا يَتِمُّ، ولا تَكُونُ الدَّوْلَةُ لَهم إذا أتى اللَّهُ بِالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ. وقِيلَ: مُوالاتُهم. وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَتُصْبِحُ الفُسّاقُ؛ جَعَلَ الفُسّاقَ مَكانَ الضَّمِيرِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وخُصَّ الإصْباحُ بِالذِّكْرِ لِأنَّ الإنْسانَ في لَيْلِهِ مُفَكِّرٌ، فَعِنْدَ الصَّباحِ يَرى الحالَةَ الَّتِي اقْتَضاها فِكْرُهُ. انْتَهى. وتَقَدَّمَ لَنا نَحْوٌ مِن هَذا الكَلامِ، وذَكَرْنا أنْ أصْبَحَ تَأْتِي بِمَعْنى صارَ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ كَيْنُونَةٍ في الصَّباحِ، واتَّفَقَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَيُصْبِحُوا﴾ (p-٥٠٩)مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (أنْ يَأْتِيَ) وهو الظّاهِرُ، ومُجَوِّزُ ذَلِكَ هو الفاءُ، لِأنَّ فِيها مَعْنى التَّسَبُّبِ، فَصارَ نَظِيرَ: الَّذِي يَطِيرُ فَيَغْضَبُ زَيْدٌ الذُّبابُ، فَلَوْ كانَ العَطْفُ بِغَيْرِ الفاءِ لَمْ يَصِحَّ، لِأنَّهُ كانَ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى أنْ يَأْتِيَ خَبَرٌ لِعَسى، وهو خَبَرٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى، والمَعْطُوفُ عَلى الخَبَرِ خَبَرٌ، فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ فِيهِ رابِطٌ إنْ كانَ مِمّا يَحْتاجُ إلى الرّابِطِ، ولا رابِطَ هُنا، فَلا يَجُوزُ العَطْفُ. لَكِنَّ الفاءَ انْفَرَدَتْ مِن بَيْنِ سائِرِ حُرُوفِ العَطْفِ بِتَسْوِيغِ الِاكْتِفاءِ بِضَمِيرٍ واحِدٍ فِيما تَضَمَّنَ جُمْلَتَيْنِ مِن صِلَةٍ كَما مَثَّلَهُ، أوْ صِفَةٍ نَحْوَ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ يَبْكِي فَيَضْحَكُ عَمْرٌو، أوْ خَبَرٍ نَحْوَ زَيْدٌ يَقُومُ فَيَقْعُدُ بِشْرٌ. وجَوَّزَ أنْ لا يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أنْ يَأْتِيَ، ولَكِنَّهُ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ الفاءِ في جَوابِ التَّمَنِّي، إذْ عَسى تَمَنٍّ وتَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ، وهَذا فِيهِ نَظَرٌ.

5:53Page 117

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُواْ خَٰسِرِينَ ٥٣

And those who believe will say,1 "Are these the ones who swore by Allāh their strongest oaths that indeed they were with you?" Their deeds have become worthless, and they have become losers.

﴿ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ إنَّهم لَمَعَكُمْ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا أُجْلِيَ بَنُو النَّضِيرِ تَأسَّفَ المُنافِقُونَ عَلى فِراقِهِمْ، وجَعَلَ المُنافِقُ يَقُولُ لِقَرِيبِهِ المُؤْمِنِ إذا رَآهُ جادًّا في مُعاداةِ اليَهُودِ: هَذا جَزاؤُهم مِنكَ، طالَ واللَّهِ ما أشْبَعُوا بَطْنَكَ، فَلَمّا قُتِلَتْ قُرَيْظَةُ لَمْ يُطِقْ أحَدٌ مِنَ المُنافِقِينَ سَتْرَ ما في نَفْسِهِ، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: أرْبَعُمِائَةٍ حُصِدُوا في لَيْلَةٍ ؟ فَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ ما قَدْ ظَهَرَ مِنَ المُنافِقِينَ قالُوا: أهَؤُلاءِ؛ أيِ: المُنافِقُونَ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ إنَّهم لَمَعَكم ؟ والمَعْنى: يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ تَعَجُّبًا مِن حالِهِمْ إذْ أغْلَظُوا بِالأيْمانِ لِلْمُؤْمِنِينَ إنَّهم مَعَكم، وإنَّهم مُعاضِدُوكم عَلى اليَهُودِ، فَلَمّا حَلَّ بِاليَهُودِ ما حَلَّ ظَهَرَ مِنَ المُنافِقِينَ ما كانُوا يُسِرُّونَهُ مِن مُوالاةِ اليَهُودِ والتَّمالُؤِ عَلى المُؤْمِنِينَ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَقُولَ المُؤْمِنُونَ ذَلِكَ لِلْيَهُودِ، ويَكُونَ الخِطابُ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم لَمَعَكُمْ﴾ لِلْيَهُودِ، لِأنَّ المُنافِقِينَ حَلَفُوا لِلْيَهُودِ بِالمُعاضَدَةِ والنُّصْرَةِ كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهم: ﴿وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ [الحشر: ١١] فَقالُوا ذَلِكَ لِلْيَهُودِ يُجَسِّرُونَهم عَلى مُوالاةِ المُنافِقِينَ، وأنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، ويَغْتَبِطُونَ بِما مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن إخْلاصِ الإيمانِ ومُوالاةِ اليَهُودِ.

وقَرَأ الِابْنانِ ونافِعٌ: بِغَيْرِ واوٍ، كَأنَّهُ جَوابُ قائِلٍ: ما يَقُولُ المُؤْمِنُونَ حِينَئِذٍ. فَقِيلَ: يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا، وكَذا هي في مَصاحِفِ أهْلِ مَكَّةَ والمَدِينَةِ. وقَرَأ الباقُونَ: بِالواوِ، ونَصَبَ اللّامَ أبُو عَمْرٍو، ورَفَعَها الكُوفِيُّونَ. ورَوى عَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ عَنْ أبِي عُمَرَ: والرَّفْعُ والنَّصْبُ، وقالُوا: وهي في مَصاحِفِ الكُوفَةِ وأهْلِ المَشْرِقِ. والواوُ عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، هَذا إذا رَفَعَ اللّامَ، ومَعَ حَذْفِ الواوِ الِاتِّصالُ مَوْجُودٌ، في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ ذِكْرٌ مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ إذِ الَّذِينَ يُسارِعُونَ وقالُوا: نَخْشى، ويُصْبِحُوا - هُمُ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ: أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا، وتارَةً يُكْتَفى في الِاتِّصالِ بِالضَّمِيرِ، وتارَةً يُؤَكَّدُ بِالعَطْفِ بِالواوِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا القَوْلَ هو صادِرٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الفَتْحِ كَما قَدَّمْنا.

قِيلَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ في وقْتِ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَقُولُونَ: ﴿نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] وعِنْدَما ظَهَرَ سُؤالُهم في أمْرِ بَنِي قَيْنُقاعَ وسُؤالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فِيهِمْ، ونَزْلِ الرَّسُولِ إيّاهم لَهُ، وإظْهارِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ خَشْيَةَ الدَّوائِرِ هي خَوْفُهُ عَلى المَدِينَةِ ومَن بِها مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ عَلِمَ كُلُّ مُؤْمِنٍ أنَّهُ كاذِبٌ في ذَلِكَ، فَكانَ فِعْلُهُ ذَلِكَ مُوَطِّئًا أنْ يَقُولَ المُؤْمِنُونَ ذَلِكَ؛ وأمّا قِراءَةُ: ويَقُولَ، بِالنَّصْبِ، فَوُجِّهَتْ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ لَمْ يَكُنْ إلّا عِنْدَ الفَتْحِ، وأنَّهُ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، فَهو مَعْطُوفٌ عَلى أنْ يَأْتِيَ، إذْ مَعْنى: ﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ﴾ [المائدة: ٥٢]، مَعْنى فَعَسى أنْ يَأْتِيَ اللَّهُ، وهَذا الَّذِي يُسَمِّيهِ النَّحْوِيُّونَ العَطْفُ عَلى التَّوَهُّمِ، يَكُونُ الكَلامُ في قالَبٍ فَيُقَدِّرُهُ في قالَبٍ آخَرَ، إذْ لا يَصِحُّ أنْ يُعْطَفَ ضَمِيرُ اسْمِ اللَّهِ ولا شَيْءٌ مِنهُ. وأجازَ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ عَلى تَقْدِيرِ ضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ؛ أيْ: بِاللَّهِ. فَهَذا الضَّمِيرُ يَصِحُّ بِهِ الرَّبْطُ، أوْ هو مَعْطُوفٌ عَلى أنْ يَأْتِيَ عَلى أنْ يَكُونَ أنْ يَأْتِيَ بَدَلًا مِنِ اسْمِ اللَّهِ لا خَبَرًا، فَتَكُونُ عَسى إذْ ذاكَ تامَّةً لا ناقِصَةً، كَأنَّكَ قُلْتَ: عَسى أنْ (p-٥١٠)يَأْتِيَ، ويَقُولَ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿فَيُصْبِحُوا﴾ [المائدة: ٥٢]، عَلى أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فَيُصْبِحُوا﴾ [المائدة: ٥٢] مَنصُوبًا بِإضْمارِ أنْ، جَوابًا لَعَسى، إذْ فِيها مَعْنى التَّمَنِّي؛ وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ في هَذا الوَجْهِ نَظَرٌ، وهو هَلْ تَجْرِي عَسى في التَّرَجِّي مَجْرى لَيْتَ في التَّمَنِّي ؟ أمْ لا تَجْرِي ؟ وذَكَرَ هَذا الوَجْهَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أبِي يَعْلى، وتَبِعَهُ ابْنُ الحاجِبِ، ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ الحاجِبِ غَيْرَهُ. وعَسى مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ فَلا تَرَجِّي فِيها، وكِلا الوَجْهَيْنِ قَبْلَهُ تَخْرِيجُ أبِي عَلِيٍّ. وخَرَّجَهُ النَّحّاسُ عَلى أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿بِالفَتْحِ﴾ [المائدة: ٥٢] بِأنْ يَفْتَحَ، ويَقُولَ: ولا يَصِحُّ هَذا لِأنَّهُ قَدْ فُصِلَ بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ: أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ؛ وحَقُّهُ أنْ يَكُونَ لُغَةً لِأنَّ المَصْدَرَ يَنْحَلُّ لِأنْ والفِعْلِ، فالمَعْطُوفُ عَلَيْهِ مِن تَمامِهِ، فَلا يُفْصَلُ بَيْنَهُما؛ وهَذا إنْ سُلِّمَ أنَّ الفَتْحَ مَصْدَرٌ، فَيَحِلُّ لِأنْ والفِعْلِ. والظّاهِرُ أنَّهُ لا يُرادُ بِهِ ذَلِكَ، بَلْ هو كَقَوْلِكَ: يُعْجِبُنِي مِن زَيْدٍ ذَكاؤُهُ وفَهْمُهُ، لا يُرادُ بِهِ انْحِلالُهُ لِأنْ والفِعْلِ، وعَلى تَقْدِيرِ ذَلِكَ فَلا يَصِحُّ أيْضًا، لِأنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلى: فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ، بِأنْ يَقُولَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذا. ولِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ الفَصْلُ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيُصْبِحُوا﴾ [المائدة: ٥٢] وهو أجْنَبِيٌّ مِنَ المُتَعاطِفَيْنِ، لِأنَّ ظاهِرَ فَيُصْبِحُوا أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى أنْ يَأْتِيَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُكَ: هِنْدٌ الفاسِقَةُ أرادَ زَيْدٌ إذايَتَها بِضَرْبٍ أوْ حَبْسٍ وإصْباحَها ذَلِيلَةً، وقَوْلِ أصْحابِهِ: أهَذِهِ الفاسِقَةُ الَّتِي زَعَمْتَ أنَّها عَفِيفَةٌ ؟ فَيَكُونُ وقَوْلِ مَعْطُوفًا عَلى بِضَرْبٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عِنْدِي في مَنعِ جَوازِ عَسى اللَّهُ أنْ يَقُولَ المُؤْمِنُونَ - نَظَرٌ، إذِ الَّذِينَ نَصَرَهم يَقُولُونَ: نَنْصُرُهُ بِإظْهارِ دِينِهِ، فَيَنْبَغِي أنْ يَجُوزَ ذَلِكَ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي قالَهُ راجِعٌ إلى أنْ يَصِيرَ سَبَبًا لِأنَّهُ صارَ في الجُمْلَةِ ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى اللَّهِ، وهو تَقْدِيرُهُ: بِنَصْرِهِ وإظْهارِ دِينِهِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا خِلافَ في الجَوازِ؛ وإنَّما مَنَعُوا حَيْثُ لا يَكُونُ رابِطٌ، وانْتِصابُ جَهْدَ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ؛ والمَعْنى: أهَؤُلاءِ هُمُ المُقْسِمُونَ بِاجْتِهادٍ مِنهم في الأيْمانِ أنَّهم مَعَكم ؟ ثُمَّ ظَهَرَ الآنَ مِن مُوالاتِهِمُ اليَهُودَ ما أكْذَبَهم في أيْمانِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الحالِ، كَما جَوَّزُوا في فَعَلْتَهُ جَهْدَكَ وقَوْلُهُ: إنَّهم لَمَعَكم، حِكايَةٌ لِمَعْنى القَسَمِ لا لِلَفْظِهِمْ، إذْ لَوْ كانَ لَفْظُهم لَكانَ إنّا لَمَعَكم.

﴿حَبِطَتْ أعْمالُهم فَأصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ مِن جُمْلَةِ ما يَقُولُهُ المُؤْمِنُونَ اعْتِمادًا في الأخْبارِ عَلى ما حَصَلَ في اعْتِقادِهِمْ؛ أيْ: بَطَلَتْ أعْمالُهم إنْ كانُوا يَتَكَلَّفُونَها في رَأيِ العَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ كَأنَّهُ قِيلَ: ما أحْبَطَ أعْمالَهم فَما أخْسَرَهم ! ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، ويَحْتَمِلُ أنْ لا يَكُونَ خَبَرًا بَلْ دُعاءً إمّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وإمّا مِنَ المُؤْمِنِينَ. وحَبْطُ العَمَلِ هُنا هو عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ، وإلّا فَلا عَمَلَ لَهُ في الحَقِيقَةِ فَيُحْبَطُ وجَوَّزَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ حَبِطَتْ أعْمالُهم: خَبَرًا ثانِيًا عَنْ هَؤُلاءِ، والخَبَرُ الأوَّلُ هو قَوْلُهُ: الَّذِينَ أقْسَمُوا، وأنْ يَكُونَ الَّذِينَ صِفَةً لِهَؤُلاءِ، ويَكُونَ حَبِطَتْ هو الخَبَرُ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ قِراءَةِ أبِي واقِدٍ والجَرّاحِ حَبَطَتْ، بِفَتْحِ الباءِ، وأنَّها لُغَةٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском