Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:63–65
5:63Page 118
لَوۡلَا يَنۡهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ عَن قَوۡلِهِمُ ٱلۡإِثۡمَ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ٦٣
Why do the rabbis and religious scholars not forbid them from saying what is sinful and devouring what is unlawful? How wretched is what they have been practicing.
﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ لَوْلا: تَحْضِيضٌ يَتَضَمَّنُ تَوْبِيخَ العُلَماءِ والعِبادِ عَلى سُكُوتِهِمْ عَنِ النَّهْيِ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ تَعالى والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ. وقالَ العُلَماءُ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أشَدُّ تَوْبِيخًا مِنها لِلْعُلَماءِ؛ وقالَ الضَّحّاكُ: ما في القُرْآنِ أخْوَفُ مِنها، ونَحْوُهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والإثْمُ هُنا ظاهِرُهُ الكُفْرُ، أوْ يُرادُ بِهِ سائِرُ أقْوالِهِمُ الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْها الإثْمُ؛ وقَرَأ الجَرّاحُ وأبُو واقِدٍ: الرِّبِّيُّونَ؛ مَكانَ الرَّبّانِيُّونَ، وابْنُ عَبّاسٍ: بِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ؛ بِغَيْرِ لامِ قَسَمٍ. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في كانُوا عائِدٌ عَلى الرَّبّانِيِّينَ والأحْبارِ، إذْ هُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم والمُوَبَّخُونَ بِعَدَمِ النَّهْيِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كُلُّ عامِلٍ لا يُسَمّى صانِعًا، ولا كُلُّ عَمَلٍ يُسَمّى صِناعَةً حَتّى يَتَمَكَّنَ فِيهِ ويَتَدَرَّبَ ويُنْسَبَ إلَيْهِ، وكانَ المَعْنى في ذَلِكَ: إنَّ مُواقِعَ المَعْصِيَةِ مَعَهُ الشَّهْوَةُ الَّتِي تَدْعُوهُ إلَيْها وتَحْمِلُهُ عَلى ارْتِكابِها، وأمّا الَّذِي يَنْهاهُ فَلا شَهْوَةَ مَعَهُ في فِعْلِ غَيْرِهِ، فَإذا أفْرَطَ في الإنْكارِ كانَ أشَدَّ حالًا مِنَ المُواقِعِ، وظَهَرَ بِذَلِكَ الفَرْقُ بَيْنَ ذَمِّ مُتَعاطِي الذَّنْبِ، وبَيْنَ تارِكِ النَّهْيِ عَنْهُ، حَيْثُ جَعَلَ ذَلِكَ عَمَلًا وهَذا صِناعَةً. وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ غايَرَ في ذَلِكَ لِتَفَنُّنِ الفَصاحَةِ، ولِتَرْكِ تَكْرارِ اللَّفْظِ. وفي الحَدِيثِ: (ما مِن رَجُلٍ يُجاوِرُ قَوْمًا فَيَعْمَلُ بِالمَعاصِي بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ فَلا يَأْخُذُونَ عَلى يَدَيْهِ إلّا أوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ مِنهُ بِعِقابٍ) وأُوحِيَ إلى يُوشَعَ بِهَلاكِ أرْبَعِينَ ألْفًا مِن خِيارِ قَوْمِهِ، وسِتِّينَ ألْفًا مِن شِرارِهِمْ؛ فَقالَ: يا رَبِّ ما بالُ الأخْيارِ ؟ فَقالَ: إنَّهم لَمْ يَغْضَبُوا لِغَضَبِي، وواكَلُوهم وشارَبُوهم. وقالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: أوْحى اللَّهُ إلى المَلائِكَةِ أنْ عَذِّبُوا قَرْيَةَ كَذا، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: إنَّ فِيها عَبْدَكَ العابِدَ فَقالَ: أسْمِعُونِي ضَجِيجَهُ، فَإنَّهُ لَمْ يَتَمَعَّرْ وجْهُهُ؛ أيْ: لَمْ يَحْمَرَّ غَضَبًا. وكَتَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى عابِدٍ تَزَهَّدَ وانْقَطَعَ في البادِيَةِ: إنَّكَ تَرَكْتَ المَدِينَةَ مُهاجَرَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، ومَهْبِطَ وحْيِهِ وآثَرْتَ البَداوَةَ؛ فَقالَ: كَيْفَ لا أتْرُكُ مَكانًا أنْتَ رَئِيسُهُ، وما رَأيْتُ وجْهَكَ تَمَعَّرَ في ذاتِ اللَّهِ قَطُّ يَوْمًا. أوْ كَلامًا هَذا مَعْناهُ أوْ قَرِيبٌ مِن مَعْناهُ. وأمّا زَمانُنا هَذا وعُلَماؤُنا وعُبّادُنا فَحالُهم مَعْرُوفٌ فِيهِ، ولَمْ نَرَ في أعْصارِنا مَن يُقارِبُ السَّلَفَ في ذَلِكَ غَيْرَ رَجُلٍ واحِدٍ وهو أُسْتاذُنا أبُو جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ، فَإنَّ لَهُ مَقاماتٍ في ذَلِكَ مَعَ مُلُوكِ بِلادِهِ ورُؤَسائِهِمْ حُمِدَتْ فِيها آثارُهُ، فَفي بَعْضِها ضُرِبَ ونُهِبَتْ أمْوالُهُ وخُرِّبَتْ دِيارُهُ، وفي بَعْضِها أنْجاهُ مِنَ المَوْتِ فِرارُهُ، وفي بَعْضِها جُعِلَ السِّجْنُ قَرارَهُ.
5:64Page 118
وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْۘ بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيۡفَ يَشَآءُۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۚ وَأَلۡقَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ كُلَّمَآ أَوۡقَدُواْ نَارٗا لِّلۡحَرۡبِ أَطۡفَأَهَا ٱللَّهُۚ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادٗاۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٦٤
And the Jews say, "The hand of Allāh is chained."1 Chained are their hands, and cursed are they for what they say. Rather, both His hands are extended; He spends however He wills. And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. And We have cast among them animosity and hatred until the Day of Resurrection. Every time they kindled the fire of war [against you], Allāh extinguished it. And they strive throughout the land [causing] corruption, and Allāh does not like corrupters.
﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ نَزَلَتْ في فِنْحاصَ؛ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: فِيهِ وفي ابْنِ صُورِيّا، وعازِرَ بْنِ أبِي عازِرَ قالُوا ذَلِكَ. ونُسِبَ ذَلِكَ إلى اليَهُودِ، لِأنَّ هَؤُلاءِ عُلَماؤُهم وهم أتْباعُهم في ذَلِكَ. واليَدُ، في الجارِحَةِ: حَقِيقَةٌ، وفي غَيْرِها: مَجازٌ، فَيُرادُ بِها: النِّعْمَةُ، تَقُولُ العَرَبُ: كَمْ يَدٌ لِي عِنْدَ فُلانٍ، والقُوَّةُ والمُلْكُ والقُدْرَةُ. قُلْ: إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ؛ قالَ الشّاعِرُ:
؎وأنْـتَ عَلَـى أعْبَـاءِ مُلْكِـكَ ذُو يَــدِ
أيْ ذُو قُدْرَةٍ، والتَّأْيِيدُ والنَّصْرُ، يَدُ اللَّهِ مَعَ القاضِي حِينَ يَقْضِي، والقاسِمِ حِينَ يَقْسِمُ. وتَأْتِي صِلَةً ”﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا أنْعامًا﴾ [يس: ٧١]“؛ أيْ: مِمّا عَمِلْنا ﴿أوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أيِ: الَّذِي لَهُ عُقْدَةُ النِّكاحِ. وظاهِرُ قَوْلِ اليَهُودِ إنَّ لِلَّهِ يَدًا فَإنْ كانُوا أرادُوا الجارِحَةَ فَهو مُناسِبُ مَذْهَبِهِمْ إذْ هو التَّجْسِيمُ، زَعَمُوا أنَّ رَبَّهم أبْيَضُ الرَّأْسِ واللِّحْيَةِ، قاعِدٌ عَلى كُرْسِيٍّ. وزَعَمُوا أنَّهُ فَرَغَ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، واسْتَلْقى عَلى ظَهْرِهِ واضِعًا إحْدى رِجْلَيْهِ عَلى الأُخْرى لِلِاسْتِراحَةِ. ورَدَّ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ [الأحقاف: ٣٣] ﴿وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] وظاهِرُ مَساقِ الآيَةِ يَدُلُّ (p-٥٢٣)عَلى أنَّهم أرادُوا بِغَلِّ اليَدِ وبَسْطِها المَجازَ عَنِ البُخْلِ والجُودِ، ومِنهُ ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] ولا يَقْصِدُ مَن يَتَكَلَّمُ بِهَذا الكَلامِ إثْباتَ يَدٍ ولا غَلٍّ ولا بَسْطٍ، ولا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ هَذا الكَلامِ وبَيْنَ ما وقَعَ مَجازًا عَنْهُ، كَأنَّهُما كَلامانِ مُتَعاقِبانِ عَلى حَقِيقَةٍ واحِدَةٍ، حَتّى إنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ في مَلِكٍ لا يُعْطِي عَطاءً قَطُّ، ولا يَمْنَعُهُ إلّا بِإشارَتِهِ مِن غَيْرِ اسْتِعْمالِ يَدٍ وبَسْطِها وقَبْضِها. وقالَ حَبِيبٌ في المُعْتَصِمِ:
؎تَعَوَّدَ بَسْطَ الكَفِّ حَتّى لَوَ انَّهُ ∗∗∗ ثَناها لِقَبْضٍ لَمْ تُجِبْهُ أنامِلُهْ
كَنّى بِذَلِكَ عَنِ المُبالَغَةِ في الكَرَمِ. وسَبَبُ مُقالَةِ اليَهُودِ ذَلِكَ عَلى ما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو أنَّ اللَّهَ كانَ يَبْسُطُ لَهُمُ الرِّزْقَ، فَلَمّا عَصَوْا أمْرَ الرَّسُولِ وكَفَرُوا بِهِ كَفَّ عَنْهم ما كانَ يَبْسُطُ لَهم فَقالُوا ذَلِكَ. وقالَ قَتادَةُ: لَمّا اسْتَقْرَضَ مِنهم قالُوا ذَلِكَ وهو بَخِيلٌ. وقِيلَ: لَمّا اسْتَعانَ بِهِمْ في الدِّياتِ. وهَذِهِ الأسْبابُ مُناسِبَةٌ لِسِياقِ الآيَةِ. وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: لَمّا أعانَ النَّصارى ”بُخْتَ نَصَّرَ“ المَجُوسِيَّ عَلى تَخْرِيبِ بَيْتِ المَقْدِسِ؛ قالَتِ اليَهُودُ: لَوْ كانَ صَحِيحًا لَمَنَعَنا مِنهُ، فَيَدُهُ مَغْلُولَةٌ. وقالَ الحَسَنُ: مَغْلُولَةٌ عَنْ عَذابِهِمْ فَهي في مَعْنى: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وهَذانِ القَوْلانِ يَدْفَعُهُما قَوْلُهُ: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ . وقالَ الكَلْبِيُّ: كانُوا مُخْصِبِينَ وقالُوا ذَلِكَ عِنادًا واسْتِهْزاءً وتَهَكُّمًا. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهم: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ خَبَرٌ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ اسْتِفْهامٌ: أيَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ حَيْثُ قَتَّرَ المَعِيشَةَ عَلَيْنا ؟ وإلى أنَّها مَمْسُوكَةٌ عَنِ العَطاءِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ. أوْ عَنْ عَذابِهِمْ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ بِقَدْرِ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ؛ قالَهُ الحَسَنُ. أوْ إلى أنْ يَرُدَّ عَلَيْنا مُلْكَنا. قالَ الطَّبَرِيُّ: غُلَّتْ أيْدِيهِمْ خَبَرٌ، وإيعادٌ واقِعٌ بِهِمْ في جَهَنَّمَ لا مَحالَةَ. قالَهُ الحَسَنُ: أوْ خَبَرٌ عَنْهم في الدُّنْيا جَعَلَهُمُ اللَّهُ أبْخَلَ قَوْمٍ؛ قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ مُقاتِلٌ: أمْسَكَتْ عَنِ الخَيْرِ. وقِيلَ: هو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِالبُخْلِ والنَّكَدِ، ومِن ثَمَّ كانُوا أبْخَلَ خَلْقِ اللَّهِ وأنْكَدَهم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلَيْهِمْ بِغَلِّ الأيْدِي حَقِيقَةً يُغَلَّلُونَ في الدُّنْيا أُسارى، وفي الآخِرَةِ مُعَذَّبِينَ بِأغْلالِ جَهَنَّمَ. والطِّباقُ مِن حَيْثُ اللَّفْظُ ومُلاحَظَةُ أصْلِ المَجازِ كَما تَقُولُ: سَبَّنِي سَبَّ اللَّهُ دابِرَهُ، لِأنَّ السَّبَّ أصْلُهُ القَطْعُ. (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ جازَ أنْ يَدْعُوَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِما هو قَبِيحٌ وهو البُخْلُ والنَّكَدُ ؟ (قُلْتُ): المُرادُ بِهِ الدُّعاءُ بِالخِذْلانِ الَّذِي تَقْسُو بِهِ قُلُوبُهم، فَيَزِيدُونَ بُخْلًا إلى بُخْلِهِمْ ونَكَدًا إلى نَكَدِهِمْ، وبِما هو مُسَبَّبٌ عَنِ البُخْلِ والنَّكَدِ مِن لُصُوقِ العارِ بِهِمْ، وسُوءِ الأُحْدُوثَةِ الَّتِي تُخْزِيهِمْ، وتُمَزِّقُ أعْراضَهم؛ . انْتَهى كَلامُهُ. وأخْرَجَهُ جارِيًا عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ؛ والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهم: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، اسْتِعارَةٌ عَنْ إمْساكِ الإحْسانِ الصّادِرِ مِنَ المَقْهُورِ عَلى الإمْساكِ. ولِذَلِكَ جاءُوا بِلَفْظِ مَغْلُولَةٌ، ولا يُغَلُّ إلّا المَقْهُورُ، فَجاءَ قَوْلُهُ: غُلَّتْ أيْدِيهِمْ، دُعاءٌ عَلَيْهِمْ بِغَلِّ الأيْدِي، فَهم في كُلِّ بَلَدٍ مَعَ كُلِّ أُمَّةٍ مَقْهُورُونَ مَغْلُوبُونَ، لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِنهم أنْ يَسْتَطِيلَ ولا أنْ يَسْتَعْلِيَ، فَهي اسْتِعارَةٌ عَنْ ذُلِّهِمْ وقَهْرِهِمْ، وأنَّ أيْدِيَهم لا تَنْبَسِطُ إلى دَفْعِ ضُرٍّ يَنْزِلُ بِهِمْ، وذَلِكَ مُقابَلَةٌ عَمّا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهم: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ، ولَيْسَتْ هَذِهِ المَقالَةُ بِدْعًا مِنهم فَقَدْ قالُوا: ﴿إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] .
﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِما قالُوا﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا وأنْ يَكُونَ دُعاءً، وبِما قالُوا؛ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ يُرادُ بِهِ مَقالَتُهم هَذِهِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عامًّا فِيما نَسَبُوهُ إلى اللَّهِ مِمّا لا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ، فَتَنْدَرِجُ هَذِهِ المَقالَةُ في عُمُومِ ما قالُوا. وقَرَأ أبُو السَّمّالِ: بِسُكُونِ العَيْنِ كَما قالُوا: في عُصِرَ عُصْرَ. وقالَ الشّاعِرُ:
لَوْ عُصْـرَ مِنـهُ البَـانُ والمِسْـكُ انْعَصَـرْ
ويُحَسِّنُ هَذِهِ القِراءَةَ أنَّها كَسْرَةٌ بَيْنَ ضَمَّتَيْنِ، فَحَسُنَ التَّخْفِيفُ.
﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ مُعْتَقَدُ أهْلِ الحَقِّ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَيْسَ بِجِسْمٍ (p-٥٢٤)ولا جارِحَةَ لَهُ، ولا يُشَبَّهُ بِشَيْءٍ مِن خَلْقِهِ، ولا يُكَيَّفُ، ولا يَتَحَيَّزُ، ولا تُحِلُّهُ الحَوادِثُ، وكُلُّ هَذا مُقَرَّرٌ في عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ؛ والجُمْهُورُ عَلى أنَّ هَذا اسْتِعارَةٌ عَنْ جُودِهِ وإنْعامِهِ السّابِغِ، وأضافَ ذَلِكَ إلى اليَدَيْنِ جارِيًا عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُنْفِقُ بِكِلْتا يَدَيْهِ. ومِنهُ قَوْلُهُ:
؎يَداكَ يَدا مَجْدٍ فَكَفٌّ مُفِيدَةٌ ∗∗∗ وكَفٌّ إذا ما ضُنَّ بِالمالِ تُنْفِقُ
ويُؤَيِّدُ أنَّ اليَدَيْنِ هُنا بِمَعْنى الإنْعامِ قَرِينَةُ الإنْفاقِ؛ ومَن نَظَرَ في كَلامِ العَرَبِ عَرَفَ يَقِينًا أنَّ بَسْطَ اليَدِ وقَبْضَها اسْتِعارَةٌ لِلْجُودِ والبُخْلِ، وقَدِ اسْتَعْمَلَتِ العَرَبُ ذَلِكَ حَيْثُ لا يَكُونُ؛ قالَ الشّاعِرُ:
؎جادَ الحِمى بَسِطُ اليَدَيْنِ بِوابِلٍ ∗∗∗ شَكَرَتْ نَداهُ تِلاعُهُ ووِهادُهُ
وقالَ لَبِيدٌ:
؎وغَداةِ رِيحٍ قَدْ وزَعْتُ وقُرَّةٍ ∗∗∗ قَدْ أصْبَحَتْ بِيَدِ الشَّمالِ زِمامُها
ويُقالُ: بَسَطَ اليَأْسُ كَفَّهُ في صَدْرِي، واليَأْسُ مَعْنًى لا عَيْنٌ وقَدْ جَعَلَ لَهُ كَفًّا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَن لَمْ يَنْظُرْ في عِلْمِ البَيانِ عَمِيَ عَنْ تَبَصُّرِ مَحَجَّةِ الصَّوابِ في تَأْوِيلِ أمْثالِ هَذِهِ الآيَةِ، ولَمْ يَتَخَلَّصْ مِن يَدِ الطّاعِنِ إذا عَبَثَتْ بِهِ ثُمَّ قالَ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمْ ثُنِّيَتِ اليَدُ في بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ؛ وهي مُفْرَدَةٌ في يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ؟ (قُلْتُ): لِيُكُونَ رَدُّ قَوْلِهِمْ وإنْكارُهُ أبْلَغَ وأدَلَّ عَلى إثْباتِ غايَةِ السَّخاءِ لَهُ ونَفْيِ البُخْلِ عَنْهُ، وذَلِكَ أنَّ غايَةَ ما يَبْذُلُهُ السَّخِيُّ بِما لَهُ مِن نَفْسِهِ، وأنْ يُعْطِيَهُ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا، فَبُنِيَ المَجازُ عَلى ذَلِكَ. انْتَهى؛ وكَلامُهُ في غايَةِ الحُسْنِ. وقِيلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يَداهُ نِعْمَتاهُ، فَقِيلَ: هُما مَجازانِ عَنْ نِعْمَةِ الدِّينِ ونِعْمَةِ الدُّنْيا، أوْ نِعْمَةِ سَلامَةِ الأعْضاءِ والحَواسِّ ونِعْمَةِ الرِّزْقِ والكِفايَةِ، أوِ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، أوْ نِعْمَةِ المَطَرِ ونِعْمَةِ النَّباتِ، وما ورَدَ مِمّا يُوهِمُ التَّجْسِيمَ كَهَذا. وقَوْلُهُ: ﴿لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥] و﴿مِمّا عَمِلَتْ أيْدِينا﴾ [يس: ٧١] و﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] و﴿لِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] و﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾ [القمر: ١٤] و﴿هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] ونَحْوُها. فَجُمْهُورُ الأُمَّةِ أنَّها تُفَسَّرُ عَلى قَوانِينِ اللُّغَةِ ومَجازِ الِاسْتِعارَةِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أفانِينِ الكَلامِ.
وقالَ قَوْمٌ مِنهُمُ القاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ الطَّيِّبِ: هَذِهِ كُلُّها صِفاتٌ زائِدَةٌ عَلى الذّاتِ، ثابِتَةٌ لِلَّهِ تَعالى مِن غَيْرِ تَشْبِيهٍ ولا تَجْدِيدٍ. وقالَ قَوْمٌ مِنهُمُ الشَّعْبِيُّ، وابْنُ المُسَيَّبِ، والثَّوْرِيُّ: نُؤْمِنُ بِها ونُقِرُّ كَما نَصَّتْ، ولا نُعَيِّنُ تَفْسِيرَها، ولا يَسْبِقُ النَّظَرُ فِيها. وهَذانِ القَوْلانِ حَدِيثُ مَن لَمْ يُمْعِنِ النَّظَرَ في لِسانِ العَرَبِ، وهَذِهِ المَسْألَةُ حُجَجُها في عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: بَسِيطَتانِ؛ يُقالُ: يَدٌ بَسِيطَةٌ مُطْلَقَةٌ بِالمَعْرُوفِ. في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: بَسْطانِ؛ يُقالُ: يَدُهُ بَسْطٌ بِالمَعْرُوفِ؛ وهو عَلى فَعْلٍ؛ كَما تَقُولُ: ناقَةٌ صَرْحٌ، ومِشْيَةٌ سَجْحٌ، ”﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾“ هَذا تَأْكِيدٌ لِلْوَصْفِ بِالسَّخاءِ، وأنَّهُ لا يُنْفِقُ إلّا عَلى ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، ولا مَوْضِعَ لِقَوْلِهِ تُنْفِقُ مِنَ الإعْرابِ إذْ هي جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وقالَ الحَوْفِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في مَبْسُوطَتانِ. انْتَهى. ويَحْتاجُ في هَذَيْنِ الإعْرابَيْنِ إلى أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى المُبْتَدَأِ، أوْ عَلى ذِي الحالِ - مَحْذُوفًا؛ التَّقْدِيرُ: يُنْفِقُ بِهِما. قالَ الحَوْفِيُّ: كَيْفَ سُؤالٌ عَنْ حالٍ، وهي نَصْبٌ بَيَشاءُ. انْتَهى. ولا يُعْقَلُ هُنا كَوْنُها سُؤالًا عَنْ حالٍ، بَلْ هي في مَعْنى الشَّرْطِ كَما تَقُولُ: كَيْفَ تَكُونُ أكُونُ، ومَفْعُولُ يَشاءُ مَحْذُوفٌ، وجَوابُ كَيْفَ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ يُنْفِقُ المُتَقَدِّمُ، كَما يَدُلُّ في قَوْلِكَ: أقُومُ إنْ قامَ زَيْدٌ، عَلى جَوابِ الشَّرْطِ؛ والتَّقْدِيرُ: يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ أنْ يُنْفِقَ يُنْفِقُ، كَما تَقُولُ: كَيْفَ تَشاءُ أنْ أضْرِبَكَ (p-٥٢٥)أضْرِبُكَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ كَيْفَ يُنْفِقُ لِأنَّ اسْمَ الشَّرْطِ لا يَعْمَلُ فِيهِ ما قَبْلَهُ إلّا إنْ كانَ جارًّا، فَقَدْ يَعْمَلُ في بَعْضِ أسْماءِ الشَّرْطِ. ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَيَبْسُطُهُ في السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [الروم: ٤٨] .
﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ عَلَّقَ بِكَثِيرٍ، لِأنَّ مِنهم مَن آمَنَ ومَن لا يَزْدادُ إلّا طُغْيانًا، وهَذا إعْلامٌ لِلرَّسُولِ بِفَرْطِ عُتُوِّهِمْ إذْ كانُوا يَنْبَغِي لَهم أنْ يُبادِرُوا بِالإيمانِ بِسَبَبِ ما أخْبَرَهم بِهِ اللَّهُ تَعالى عَلى لِسانِ رَسُولِهِ مِنَ الأسْرارِ الَّتِي يَكْتُمُونَها ولا يَعْرِفُها غَيْرُهم، لَكِنْ رَتَّبُوا عَلى ذَلِكَ غَيْرَ مُقْتَضاهُ، وزادَهم ذَلِكَ طُغْيانًا وكُفْرًا، وذَلِكَ لِفَرْطِ عِنادِهِمْ وحَسَدِهِمْ. وقالَ الزَّجّاجُ: كُلَّما نَزَلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ كَفَرُوا بِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: ولَيَزِيدَنَّ بَنِي النَّضِيرِ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ مِن أمْرِ الرَّجْمِ والدِّماءِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالكَثِيرِ؛ عُلَماءُ اليَهُودِ. وقِيلَ: إقامَتُهم عَلى الكُفْرِ زِيادَةٌ مِنهم في الكُفْرِ.
﴿وألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ قِيلَ: الضَّمِيرُ في بَيْنِهِمْ عائِدٌ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى، لِأنَّهُ جَرى ذِكْرُهم في قَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ [المائدة: ٥١] ولِشُمُولِ قَوْلِهِ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ﴾ [المائدة: ٥٩] لِلْفَرِيقَيْنِ؛ وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ. وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى اليَهُودِ، إذْ هم جَبْرِيَّةٌ وقَدَرِيَّةٌ ومُوَحِّدَةٌ ومُشَبِّهَةٌ، وكَذَلِكَ فَرَّقَ النَّصارى كالمَلْكانِيَّةِ واليَعْقُوبِيَّةِ والنَّسْطُورِيةِ. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المَعْنى لا يَزالُونَ مُتَباغِضِينَ مُتَعادِينَ، فَلا يُمْكِنُ اجْتِماعُ كَلِمَتِهِمْ عَلى قِتالِكَ، ولا يَقْدِرُونَ عَلى ضَرَرِكَ، ولا يَصِلُونَ إلَيْكَ ولا إلى أتْباعِكَ، لِأنَّ الطّائِفَتَيْنِ لا تَوادَّ بَيْنَهم فَيَجْتَمِعانِ عَلى حَرْبِكَ. وفي ذَلِكَ إخْبارٌ بِالمُغَيَّبِ، وهو أنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ لِحَرْبِ المُسْلِمِينَ جَيْشا يَهُودٍ ونَصارى مُذْ كانَ الإسْلامُ إلى هَذا الوَقْتِ. وأشارَ إلى هَذا المَعْنى الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: فَكُلُّهم أبَدًا مُخْتَلِفٌ وقُلُوبُهم شَتّى، لا يَقَعُ اتِّفاقٌ بَيْنَهم ولا تَعاضُدٌ. انْتَهى. والعَداوَةُ أخَصُّ مِنَ البَغْضاءِ، لِأنَّ كُلَّ عَدُوٍّ مُبْغَضٌ، وقَدْ يُبْغَضُ مَن لَيْسَ بِعَدُوٍّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكَأنَّ العَداوَةَ شَيْءٌ يُشْهَدُ يَكُونُ عَنْهُ عَمَلٌ وحَرْبٌ، والبَغْضاءُ لا تَتَجاوَزُ النُّفُوسَ. انْتَهى كَلامُهُ.
﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ قالَ قَوْمٌ: هو عَلى (p-٥٢٦)حَقِيقَتِهِ ولَيْسَ اسْتِعارَةً، وهو أنَّ العَرَبَ كانَتْ تَتَواعَدُ لِلْقِتالِ، وعَلامَتُهم إيقادُ نارٍ عَلى جَبَلٍ أوْ رَبْوَةٍ، فَيَتَبادَرُونَ والجَيْشُ يَسْرِي لَيْلًا فَيُوقِدُ مَن مَرَّ بِهِمْ لَيْلًا النّارَ فَيَكُونُ إنْذارًا، وهَذِهِ عادَةٌ لَنا مَعَ الرُّومِ عَلى جَزِيرَةِ الأنْدَلُسِ، يَكُونُ قَرِيبًا مِن دِيارِهِمْ رَبِيئَةً لِلْمُسْلِمِينَ مُسْتَخْفٍ في جَبَلٍ في غارٍ، فَإذا خَرَجَ الكُفّارُ لِحَرْبِ المُسْلِمِينَ أوْقَدَ نارًا، فَإذا رَآها رَبِيئَةٌ آخَرُ قَدْ أعَدَّ لِلْمُسْلِمِينَ في قَرِيبٍ مِن ذَلِكَ الجَبَلِ أوْقَدَ نارًا، وهَكَذا إلى أنْ يَصِلَ الخَبَرُ لِلْمُسْلِمِينَ في أقْرَبِ زَمانٍ، ويَعْرِفُ ذَلِكَ مِن أيِّ جِهَةِ نَهْرٍ مِنَ الكُفّارِ، فَيُعِدُّ المُسْلِمُونَ لِلِقائِهِمْ. وقِيلَ: إذا تَراءى الجَمْعانِ وتَنازَلَ العَسْكَرانِ أوْقَدُوا بِاللَّيْلِ نارًا مَخافَةَ البَياتِ، فَهَذا أصْلُ نارِ الحَرْبِ. وقِيلَ: كانُوا إذا تَحالَفُوا عَلى الجِدِّ في حَرْبِهِمْ أوْقَدُوا نارًا وتَحالَفُوا، فَعَلى كَوْنِ النّارِ حَقِيقَةً يَكُونُ مَعْنى إطْفائِها أنَّهُ ألْقى اللَّهُ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ فَخافُوا أنْ يُغْشَوْا في مَنازِلِهِمْ فَيَضَعُونَ، فَلَمّا تَقاعَدُوا عَنْهم أطَفْؤُها، وأضافَ تَعالى الإطْفاءَ إلَيْهِ إضافَةَ المُسَبَّبِ إلى سَبَبِهِ الأصْلِيِّ.
وقالَ الجُمْهُورُ: هو اسْتِعارَةٌ، وإيقادُ النّارِ عِبارَةٌ عَنْ إظْهارِ الحِقْدِ والكَيْدِ والمَكْرِ بِالمُؤْمِنِينَ والِاغْتِيالِ والقِتالِ، وإطْفاؤُها صَرْفُ اللَّهِ عَنْهم ذَلِكَ، وتَفَرُّقِ آرائِهِمْ، وحَلِّ عَزائِمِهِمْ، وتَفَرُّقِ كَلِمَتِهِمْ، وإلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ. فَهم لا يُرِيدُونَ مُحارَبَةَ أحَدٍ إلّا غُلِبُوا وقُهِرُوا، ولَمْ يَقُمْ لَهم نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى أحَدٍ، وقَدْ أتاهُمُ الإسْلامُ وهم في مِلْكِ المَجُوسِ. وقِيلَ: خالَفُوا اليَهُودَ فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ، ثُمَّ أفْسَدُوا فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِطْرِيقَ الرُّومِيَّ، ثُمَّ أفْسَدُوا فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَجُوسَ، ثُمَّ أفْسَدُوا فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المُسْلِمِينَ. وقالَ قَوْمٌ: هَذا مَثَلٌ ضُرِبَ لِاجْتِهادِهِمْ في المُحارَبَةِ، والتِهابِ شُواظِ قُلُوبِهِمْ، وغَلَيانِ صُدُورِهِمْ. ومِنهُ: الآنَ حَمِيَ الوَطِيسُ؛ لِلْجِدِّ في الحَرْبِ، وفُلانٌ مُسْعِرُ حَرْبٍ يُهَيِّجُها بِبَسالَتِهِ، وضُرِبَ الإطْفاءُ مَثَلًا لِإرْغامِ أُنُوفِهِمْ وخِذْلانِهِمْ في كُلِّ مَوْطِنٍ. قالَ مُجاهِدٌ: هي تَبْشِيرٌ لِلرَّسُولِ بِأنَّهم كُلَّما حارَبُوهُ نُصِرَ عَلَيْهِمْ، وإشارَةٌ إلى حاضِرِيهِ مِنَ اليَهُودِ. وقالَ السُّدِّيُّ والرَّبِيعُ وغَيْرُهُما: هي إخْبارٌ عَنْ أسْلافِهِمْ مُنْذُ عُصُورٍ هَدَّ اللَّهُ مُلْكَهم، فَلا تُرْفَعُ لَهم رايَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولا يُقاتِلُونَ جَمِيعًا إلّا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ. وقالَ قَتادَةُ: لا تَلْقى اليَهُودَ بِبَلْدَةٍ إلّا وجَدْتَهم مِن أذَلِّ النّاسِ.
﴿ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِالسَّعْيِ نَقْلَ الأقْدامِ؛ أيْ: لا يَكْتَفُونَ في إظْهارِ الفَسادِ إلّا بِنَقْلِ أقْدامِهِمْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَيَكُونُ أبْلَغَ في الِاجْتِهادِ، والظّاهِرُ أنَّهُ يُرادُ بِهِ العَمَلُ والفِعْلُ؛ أيْ: يَجْتَهِدُونَ في كَيْدِ أهْلِ الإسْلامِ ومَحْوِ ذِكْرِ الرَّسُولِ مِن كُتُبِهِمْ؛ والأرْضُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها الجِنْسُ، أوْ أرْضُ الحِجازِ، فَتَكُونُ ”ألْ“ فِيهِ لِلْعَهْدِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ: فَسادُهم بِالمَعاصِي. وقالَ الزَّجّاجُ: بِدَفْعِ الإسْلامِ ومَحْوِ ذِكْرِ الرَّسُولِ مِن كُتُبِهِمْ. وقِيلَ: بِسَفْكِ الدِّماءِ واسْتِحْلالِ المَحارِمِ. وقِيلَ: بِالكُفْرِ. وقِيلَ: بِالظُّلْمِ، وكُلُّ هَذِهِ الأقْوالِ مُتَقارِبَةٌ.
﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ ظاهِرُ المُفْسِدِينَ العُمُومُ، فَيَنْدَرِجُ هَؤُلاءِ فِيهِمْ. وقِيلَ: ألْ، لِلْعَهْدِ؛ وهم هَؤُلاءِ. وانْتِفاءُ المَحَبَّةِ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ لا يَعُودُ عَلَيْهِمْ بِفَضْلِهِ وإحْسانِهِ، فَهَؤُلاءِ يُثِيبُهم. وإذا لَمْ يُثِبْهم فَهو مُعاقِبُهم، إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَ العِقابِ والثَّوابِ.
5:65Page 119
وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَكَفَّرۡنَا عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٦٥
And if only the People of the Scripture had believed and feared Allāh, We would have removed from them their misdeeds and admitted them to Gardens of Pleasure.
﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَأدْخَلْناهم جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ . قِيلَ: المُرادُ أسْلافُهم، ودَخَلَ فِيها المُعاصِرُونَ بِالمَعْنى. والغَرَضُ الإخْبارُ عَنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ أطْفَأ اللَّهُ نِيرانَهم وأذَلَّهم بِمَعاصِيهِمْ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهم مُعاصِرُو الرَّسُولِ (p-٥٢٧)ﷺ، وفي ذَلِكَ تَرْغِيبٌ لَهم في الدُّخُولِ في الإسْلامِ. وذَكَرَ شَيْئَيْنِ وهُما: الإيمانُ، والتَّقْوى. ورَتَّبَ عَلَيْهِمْ شَيْئَيْنِ: قابَلَ الإيمانَ بِتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ إذِ الإسْلامُ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ، وتَرَتَّبَ عَلى التَّقْوى وهي امْتِثالُ الأوامِرِ واجْتِنابُ المَناهِي دُخُولُ جَنَّةِ النَّعِيمِ، وإضافَةُ الجَنَّةِ إلى النَّعِيمِ تَنْبِيهًا عَلى ما كانُوا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ العَذابِ لَوْ لَمْ يُؤْمِنُوا ويَتَّقُوا. وقِيلَ: واتَّقَوْا؛ أيِ: الكُفْرَ بِمُحَمَّدٍ، ﷺ، وبِ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: المَعاصِي الَّتِي لُعِنُوا بِسَبَبِها. وقِيلَ: الشِّرْكُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَوْ أنَّهم آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ، ﷺ، وبِما جاءَ بِهِ، وقَرَنُوا إيمانَهم بِالتَّقْوى الَّتِي هي الشَّرِيطَةُ في الفَوْزِ بِالإيمانِ، لَكَفَّرْنا عَنْهم تِلْكَ السَّيِّئاتِ، فَلَمْ نُؤاخِذْهم بِها، ولَأدْخَلْناهم مَعَ المُسْلِمِينَ الجَنَّةَ. وفِيهِ إعْلامٌ بِعِظَمِ مَعاصِي اليَهُودِ والنَّصارى وكَثْرَةِ سَيِّئاتِهِمْ، ودَلالَةٌ عَلى سِعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وفَتْحِهِ بابَ التَّوْبَةِ عَلى كُلِّ عاصٍ وإنْ عَظُمَتْ مَعاصِيهِ وبَلَغَتْ مَبالِغَ سَيِّئاتِ اليَهُودِ والنَّصارى، وأنَّ الإيمانَ لا يُنْجِي ولا يُسْعِدُ إلّا مَشْفُوعًا بِالتَّقْوى؛ كَما قالَ الحَسَنُ: هَذا العَمُودُ فَأيْنَ الأطْنابُ. انْتَهى كَلامُهُ؛ وفِيهِ مِنَ الِاعْتِزالِ. وقَرَنُوا إيمانَهم بِالتَّقْوى الَّتِي هي الشَّرِيطَةُ في الفَوْزِ بِالإيمانِ، وقَوْلُهُ: وأنَّ الإيمانَ لا يُنْجِي ولا يُسْعِدُ إلّا مَشْفُوعًا بِالتَّقْوى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences