Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:71–77
5:71Page 120
وَحَسِبُوٓاْ أَلَّا تَكُونَ فِتۡنَةٞ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٞ مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ٧١
And they thought there would be no [resulting] punishment, so they became blind and deaf. Then Allāh turned to them in forgiveness; then [again] many of them became blind and deaf. And Allāh is Seeing of what they do.
﴿وحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا عَلى الكُفْرِ قَبْلَ البَعْثَةِ، فَلَمّا بُعِثَ الرَّسُولُ كَذَّبُوهُ بَغْيًا وحَسَدًا، فَعَمُوا وصَمُّوا لِمُجانَبَةِ الحَقِّ، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ أيْ: عَرَّضَهم لِلتَّوْبَةِ بِإرْسالِ الرَّسُولِ، ﷺ، وإنْ لَمْ يَتُوبُوا ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهم لِأنَّهم لَمْ يُجْمِعُوا كُلُّهم عَلى خِلافِهِ. انْتَهى. والضَّمِيرُ في: وحَسِبُوا، عائِدٌ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، وحُسْبانُهم سَبَبُهُ اغْتِرارُهم بِإمْهالِ اللَّهِ حِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ وقَتَلُوا، أوْ وُقُوعُ كَوْنِهِمْ أبْناءَ اللَّهِ وأحِبّاءَهُ في أنْفُسِهِمْ، وأنَّهم لا تَمَسُّهُمُ النّارُ إلّا مِقْدارَ الزَّمانِ الَّذِي عَبَدُوا فِيهِ العِجْلَ، وإمْدادُ اللَّهِ لَهم بِطُولِ الأعْمارِ وسِعَةِ الأرْزاقِ، أوْ وُقُوعُ كَوْنِ الجَنَّةِ لا يَدْخُلُها إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى في أنْفُسِهِمْ، واعْتِقادُهُمُ امْتِناعُ النَّسْخِ عَلى شَرِيعَةِ مُوسى، فَكُلُّ مَن جاءَهم مِن رَسُولٍ كَذَّبُوهُ وقَتَلُوهُ؛ خَمْسَةُ أقْوالٍ. والفِتْنَةُ هُنا: الِابْتِلاءُ والِاخْتِبارُ. فَقِيلَ: في الدُّنْيا بِالقَحْطِ والوَباءِ وهو الطّاعُونُ، أوِ القَتْلِ، أوِ العَداوَةِ، أوْ ضِيقِ الحالِ، أوِ القُمَّلِ، والضَّفادِعِ، والدَّمِ، أوِ التِّيهِ، وقِتالِ الجَبّارِينَ، أوْ مَجْمُوعِ ما ذُكِرَ؛ أقْوالٌ ثَمانِيَةٌ. وقِيلَ: في الآخِرَةِ بِالِافْتِضاحِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، أوْ هو يَوْمُ القِيامَةِ وشِدَّتُهُ، أوِ العَذابُ بِالنّارِ والخُلُودِ؛ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. وقِيلَ: الفِتْنَةُ ما نالَهم في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، وسَدَّتْ أنْ وصِلَتُها مَسَدَّ مَفْعُولَيْ حَسِبَ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ بِنَصْبِ نُونِ تَكُونَ بِأنِ النّاصِبَةِ لِلْمُضارِعِ، وهو عَلى الأصْلِ إذْ حَسِبَ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي في أصْلِ الوَضْعِ لِغَيْرِ المُتَيَقَّنِ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ وحَمْزَةُ بِرَفْعِ النُّونِ، وأنْ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ مَحْذُوفٌ، والجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ. نَزَلَ الحُسْبانُ في (p-٥٣٤)صُدُورِهِمْ مَنزِلَةَ العِلْمِ، وقَدِ اسْتُعْمِلَتْ حَسِبَ في المُتَيَقَّنِ قَلِيلًا؛ قالَ الشّاعِرُ:
؎حَسِبْتُ التُّقى والجُودَ خَيْرَ تِجارَةٍ رَباحًا إذا ما المَرْءُ أصْبَحَ ثاقِلا
وتَكُونُ هُنا تامَّةً.
﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ قالَتْ جَماعَةٌ: تَوْبَتُهم هَذِهِ رَدُّهم إلى بَيْتِ المَقْدِسِ بَعْدَ الإخْراجِ الأوَّلِ وعَماهم وصَمَمِهِمْ. قِيلَ: وُلُوجُهم في شَهَواتِهِمْ فَلَمْ يُبْصِرُوا الحَقَّ، ولَمْ يَسْمَعُوا داعِيَ اللَّهِ. وقالَتْ جَماعَةٌ: تَوْبَتُهم بِبَعْثِ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ. وقالَتْ جَماعَةٌ: بَعْثُ مُحَمَّدٍ، ﷺ . وقِيلَ: الأوَّلُ: في زَمانِ زَكَرِيّا ويَحْيَـى وعِيسى، عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولِتَوْفِيقِ كَثِيرٍ مِنهم لِلْإيمانِ. والثّانِي: في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، آمَنَ جَماعَةٌ بِهِ، وأقامَ الكَثِيرُ مِنهم عَلى كُفْرِهِمْ. وقِيلَ: الأوَّلُ عِبادَةُ العِجْلِ ثُمَّ التَّوْبَةُ عَنْهُ، ثُمَّ الثّانِي بِطَلَبِ الرُّؤْيَةِ وهي مُحالُّ غَيْرُ مَعْقُولٍ في صِفاتِ اللَّهِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، جَرْيًا عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ في إنْكارِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ القَفّالُ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ ما يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِهَذِهِ الآيَةِ وقِيلَ: الأوَّلُ بَعْدَ مُوسى ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ بِبَعْثِ عِيسى. والثّانِي بِالكُفْرِ بِالرَّسُولِ؛ والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ المَعْنى حَسِبَ بَنُو إسْرائِيلَ حَيْثُ هم أبْناءُ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ أنْ لا يُبْتَلَوْا إذا عَصَوُا اللَّهَ، فَعَصَوُا اللَّهَ تَعالى وكَنّى عَنِ العِصْيانِ بِالعَمى والصَّمَمِ، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ إذْ حَلَّتْ بِهِمُ الفِتْنَةُ بِرُجُوعِهِمْ عَنِ المَعْصِيَةِ إلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وبُدِئَ بِالعَمى لِأنَّهُ أوَّلُ ما يَعْرِضُ لِلْمُعْرِضِ عَنِ الشَّرائِعِ أنْ لا يُبْصِرَ مَن أتاهُ بِها مِن عِنْدِ اللَّهِ، ثُمَّ لَوْ أبْصَرَهُ لَمْ يَسْمَعْ كَلامَهُ، فَعَرَضَ لَهُمُ الصَّمَمُ عَنْ كَلامِهِ. ولَمّا كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الهِدايَةِ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُمُ الضَّلالُ، نُسِبَ الفِعْلُ إلَيْهِمْ وأُسْنِدَ لَهم ولَمْ يَأْتِ: فَأعْماهُمُ اللَّهُ وأصَمَّهم كَما جاءَ في قَوْلِهِ: (أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهم) إذْ هَذا فِيمَن لَمْ تَسْبِقْ لَهُ هِدايَةٌ، وأُسْنِدَ الفِعْلُ الشَّرِيفُ إلى اللَّهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ لَمْ يَأْتِ، ثُمَّ تابُوا إظْهارًا لِلِاعْتِناءِ بِهِمْ ولُطْفِهِ تَعالى بِهِمْ. وفي العَطْفِ بِالفاءِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم يَعْقُبُ الحُسْبانَ عِصْيانُهم وضَلالُهم، وفي العَطْفِ بِثُمَّ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم تَمادَوْا في الضَّلالِ زَمانًا إلى أنْ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ بِضَمِّ العَيْنِ والصّادِ وتَخْفِيفِ المِيمِ، مِن عَمُوا، جَرَتْ مَجْرى زُكِمَ الرَّجُلُ وأزْكَمَهُ، وحُمَّ وأحَمَّهُ، ولا يُقالُ: زَكَمَهُ اللَّهُ ولا حَمَّهُ اللَّهُ، كَما لا يُقالُ: عُمِيتُهُ ولا صُمِمْتُهُ، وهي أفْعالٌ جاءَتْ مَبْنِيَّةً لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ وهي مُتَعَدِّيَةٌ ثُلاثِيَّةٌ، فَإذا بُنِيَتْ لِلْفاعِلِ صارَتْ قاصِرَةً، فَإذا أرَدْتَ بِناءَها لِلْفاعِلِ مُتَعَدِّيَةً أدْخَلْتَ هَمْزَةَ التَّنَقُّلِ وهي نَوْعٌ غَرِيبٌ في الأفْعالِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعُمُوا وصُمُّوا، بِالضَّمِّ، عَلى تَقْدِيرِ عَماهُمُ اللَّهُ وصَمَّهم؛ أيْ: رَماهم بِالعَمى والصَّمَمِ، كَما يُقالُ: نَزَكْتُهُ؛ إذا ضَرَبْتَهُ بِالنَّيْزَكِ، ورَكَبْتُهُ؛ إذا ضَرَبْتَهُ بِرُكْبَتِكَ. انْتَهى. وارْتِفاعُ كَثِيرٌ عَلى البَدَلِ مِنَ المُضْمَرِ. وجَوَّزُوا أنْ يَرْتَفِعَ عَلى الفاعِلِ، والواوُ عَلامَةٌ لِلْجَمْعِ لا ضَمِيرٌ عَلى لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ، ولا يَنْبَغِي ذَلِكَ لِقِلَّةِ هَذِهِ اللُّغَةِ. وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هم؛ أيِ: العَمى والصَّمُّ كَثِيرٌ مِنهم. وقِيلَ: مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ قَبْلَهُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ. وضُعِّفَ بِأنَّ الفِعْلَ قَدْ وقَعَ مَوْقِعَهُ، فَلا يُنْوى بِهِ التَّأْخِيرُ. والوَجْهُ هو الإعْرابُ الأوَّلُ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: كَثِيرًا مِنهم بِالنَّصْبِ.
﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ هَذا فِيهِ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، وناسَبَ خَتْمُ الآيَةِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى بَصِيرٍ، إذْ تَقَدَّمَ قَبْلَهُ فَعَمُوا.
5:72–73Page 120
لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ وَقَالَ ٱلۡمَسِيحُ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۖ إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ٧٢
They have certainly disbelieved who say, "Allāh is the Messiah, the son of Mary" while the Messiah has said, "O Children of Israel, worship Allāh, my Lord and your Lord." Indeed, he who associates others with Allāh - Allāh has forbidden him Paradise, and his refuge is the Fire. And there are not for the wrongdoers any helpers.
لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٣
They have certainly disbelieved who say, "Allāh is the third of three."1 And there is no god except one God. And if they do not desist from what they are saying, there will surely afflict the disbelievers among them a painful punishment.
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذِهِ الجُمْلَةِ وقائِلُو ذَلِكَ: هُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ، زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى تَجَلّى في شَخْصِ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿وقالَ المَسِيحُ يابَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ رَدَّ اللَّهُ تَعالى مَقالَتَهم بِقَوْلِ مَن يَدَّعُونَ إلَهِيَّتَهُ وهُ وعِيسى، أنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم في أنَّهم كُلُّهم مَرْبُوبُونَ، وأمَرَهم بِإخْلاصِ العِبادَةِ، ونَبَّهَ عَلى الوَصْفِ المُوجِبِ (p-٥٣٥)لِلْعِبادَةِ وهو الرُّبُوبِيَّةُ. وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَيْهِمْ في فَسادِ دَعْواهم، وهو أنَّ الَّذِي يُعَظِّمُونَهُ ويَرْفَعُونَ قَدْرَهُ عَمّا لَيْسَ لَهُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ مَقالَتَهم، وهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ تَعالى عَنْهُ هو مَذْكُورٌ في إنْجِيلِهِمْ يَقْرَءُونَهُ ولا يَعْمَلُونَ بِهِ، وهو قَوْلُ المَسِيحِ: يا مَعْشَرَ بَنِي المَعْمُودِيَّةِ. وفي رِوايَةٍ: يا مَعْشَرَ الشُّعُوبِ قُومُوا بِنا إلى أبِي وأبِيكم، وإلَهِي وإلَهِكم، ومُخَلِّصِي ومُخَلِّصِكم.
﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ ومَأْواهُ النّارُ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ المَسِيحِ، فَهو داخِلٌ تَحْتَ القَوْلِ. وفِيهِ أعْظَمُ رَدْعٍ مِنهُ عَنْ عِبادَتِهِ، إذْ أخْبَرَ أنَّهُ مَن عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ مَنَعَهُ اللَّهُ دارَ مَن أفْرَدَهُ بِالعِبادَةِ، وجَعَلَ مَأْواهُ النّارَ.
﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] . وقِيلَ: هو مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى مُسْتَأْنَفٌ، أخْبَرَ بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ عِتْبانَ بْنِ مالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ: ”«إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ النّارَ عَلى مَن قالَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ» ) .
﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ ظاهِرُهُ أنَّهُ مِن كَلامِ عِيسى، أخْبَرَهم أنَّهُ مَن تَجاوَزَ ووَضَعَ الشَّيْءَ غَيْرَ مَوْضِعِهِ فَلا ناصِرَ لَهُ، ولا مُساعِدَ فِيما افْتَرى وتَقَوَّلَ، وفي ذَلِكَ رَدْعٌ لَهم عَمّا انْتَحَلُوهُ في حَقِّهِمْ مِن دَعْوى أنَّهُ إلَهٌ، وأنَّهُ ظُلْمٌ إذا جَعَلُوا ما هو مُسْتَحِيلٌ في العَقْلِ واجِبًا وُقُوعُهُ، أوْ فَلا ناصِرَ لَهُ ولا مُنَجِّيَ مِن عَذابِ اللَّهِ في الآخِرَةِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى، أخْبَرَ أنَّهم ظَلَمُوا وعَدَلُوا عَنِ الحَقِّ في أمْرِ عِيسى وتَقَوُّلِهِمْ عَلَيْهِ، فَلا ناصِرَ لَهم عَلى ذَلِكَ.
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ هَؤُلاءِ هُمُ المَلْكِيَّةُ مِنَ النَّصارى القائِلُونَ بِالتَّثْلِيثِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، أحَدُ ألِهَةٍ ثَلاثَةٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: أرادُوا بِذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى وعِيسى وأُمَّهُ آلِهَةٌ ثَلاثَةٌ، ويُؤَكِّدُهُ ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، ﴿ما اتَّخَذَ صاحِبَةً ولا ولَدًا﴾ [الجن: ٣]، ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] . وحَكى المُتَكَلِّمُونَ عَنِ النَّصارى أنَّهم يَقُولُونَ: جَوْهَرٌ واحِدٌ ثَلاثَةُ أقانِيمَ: أبٌ، وابْنٌ، ورُوحُ قُدُسٍ. وهَذِهِ الثَّلاثَةُ إلَهٌ واحِدٌ، كَما أنَّ الشَّمْسَ تَتَناوَلُ: القُرْصَ، والشُّعاعَ، والحَرارَةَ؛ وعَنَوْا بِالأبِ الذّاتَ، وبِالِابْنِ الكَلِمَةَ، وبِالرُّوحِ الحَياةَ. وأثْبَتُوا الذّاتَ والكَلِمَةَ والحَياةَ وقالُوا: إنَّ الكَلِمَةَ الَّتِي هي كَلامُ اللَّهِ اخْتَلَطَتْ بِجَسَدِ عِيسى اخْتِلاطَ الماءِ بِالخَمْرِ، أوِ اخْتِلاطَ اللَّبَنِ بِالماءِ، وزَعَمُوا أنَّ الأبَ إلَهٌ، والِابْنَ إلَهٌ، والرُّوحَ إلَهٌ، والكُلُّ إلَهٌ واحِدٌ. وهَذا مَعْلُومُ البُطْلانِ بِبَدِيهَةِ العَقْلِ أنَّ الثَّلاثَةَ لا تَكُونُ واحِدًا، وأنَّ الواحِدَ لا يَكُونُ ثَلاثَةً، ولا يَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ في ثالِثُ ثَلاثَةٍ إلّا الإضافَةُ، لِأنَّكَ لا تَقُولُ ثَلَّثْتُ الثَّلاثَةَ. وأجازَ النَّصْبَ في الَّذِي يَلِي اسْمَ الفاعِلِ المُوافِقَ لَهُ في اللَّفْظِ أحْمَدُ بْنُ يَحْيَـى ثَعْلَبٌ، ورَدُّوهُ عَلَيْهِ جَعَلُوهُ كاسْمِ الفاعِلِ مَعَ العَدَدِ المُخالِفِ نَحْوَ: رابِعُ ثَلاثَةٍ، ولَيْسَ مِثْلَهُ إذْ تَقُولُ: رَبَّعْتُ الثَّلاثَةَ؛ أيْ: صَيَّرْتُهم بِكَ أرْبَعَةً.
﴿وما مِن إلَهٍ إلّا إلَهٌ واحِدٌ﴾ مَعْناهُ لا يَكُونُ إلَهٌ في الوُجُودِ إلّا مُتَّصِفًا بِالوَحْدانِيَّةِ، وأكَدَّ ذَلِكَ بِزِيادَةِ“ مِنِ ”الِاسْتِغْراقِيَّةِ وحَصْرِ إلَهِيَّتِهِ في صِفَةِ الوَحْدانِيَّةِ؛ وإلَهٌ رُفِعَ عَلى البَدَلِ (p-٥٣٦)مِن إلَهٍ عَلى المَوْضِعِ؛ وأجازَ الكِسائِيُّ إتْباعَهُ عَلى اللَّفْظِ، لِأنَّهُ يُجِيزُ زِيادَةَ مِن في الواجِبِ، والتَّقْدِيرُ: وما إلَهٌ في الوُجُودِ إلّا إلَهٌ واحِدٌ؛ أيْ: مَوْصُوفٌ بِالوَحْدانِيَّةِ لا ثانِيَ لَهُ وهو اللَّهُ تَعالى.
﴿وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: عَمّا يَفْتَرُونَ ويَعْتَقِدُونَ في عِيسى مِن أنَّهُ هو اللَّهُ، أوْ أنَّهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، أوْعَدَهُـمْ بِإصابَةِ العَذابِ الألِيمِ لَهم في الدُّنْيا بِالسَّبْيِ والقَتْلِ، وفي الآخِرَةِ بِالخُلُودِ في النّارِ، وقَدَّمَ الوَعِيدَ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِسِماتِ الحُدُوثِ إبْلاغًا في الزَّجْرِ؛ أيْ: هَذِهِ المَقالَةُ في غايَةِ الفَسادِ، بِحَيْثُ لا تَخْتَلِفُ العُقُولُ في فَسادِها، فَلِذَلِكَ تَوَعَّدَ أوَّلًا عَلَيْها بِالعَذابِ، ثُمَّ أتْبَعَ الوَعِيدَ بِالِاسْتِدْلالِ بِسِماتِ الحُدُوثِ عَلى بُطْلانِها.
ولَيَمَسَّنَّ اللّامُ فِيهِ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ قَبْلَ أداةِ الشَّرْطِ، وأكْثَرُ ما يَجِيءُ هَذا التَّرْكِيبُ وقَدْ صَحِبَتْ إنِ اللّامَ المُؤْذِنَةَ بِالقَسَمِ المَحْذُوفِ كَقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦٠] ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] ومِثْلُهُ: ﴿وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] ومَعْنى مَجِيءِ إنَّ بِغَيْرِ فاءٍ، دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ قَبْلَ إنْ قَسَمٌ مَحْذُوفٌ إذْ لَوْلا نِيَّةُ القَسَمِ لَقالَ: فَإنَّكم لَمُشْرِكُونَ الَّذِينَ كَفَرُوا؛ أيِ: الَّذِينَ ثَبَتُوا عَلى هَذا الِاعْتِقادِ. وأقامَ الظّاهِرَ مَقامَ المُضْمَرِ، إذْ كانَ الرَّبْطُ يَحْصُلُ بِقَوْلِهِ: لَيَمَسَّنَّهم، لِتَكْرِيرِ الشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ في قَوْلِهِ: لَقَدْ كَفَرَ ولِلْإعْلامِ بِأنَّهم كانُوا بِمَكانٍ مِنَ الكُفْرِ، إذْ جَعَلَ الفِعْلَ في صِلَةِ الَّذِينَ وهي تَقْتَضِي كَوْنَها مَعْلُومَةً لِلسّامِعِ مَفْرُوغًا مِن ثُبُوتِها، واسْتِقْرارِها لَهم و“ مِن ”في“ مِنهم ”لِلتَّبْعِيضِ؛ أيْ: كائِنًا مِنهم، والرَّبْطُ حاصِلٌ بِالضَّمِيرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: كافِرَهم ولَيْسُوا كُلُّهم بَقُوا عَلى الكُفْرِ، بَلْ قَدْ تابَ كَثِيرٌ مِنهم مِنَ النَّصْرانِيَّةِ. ومَن أثْبَتَ أنَّ“ مِن " تَكُونُ لِبَيانِ الجِنْسِ أجازَ ذَلِكَ هُنا، ونَظَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠] .
5:74Page 120
أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧٤
So will they not repent to Allāh and seek His forgiveness? And Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ هَذا لُطْفٌ بِهِمْ واسْتِدْعاءٌ إلى التَّنَصُّلِ مِن تِلْكَ المَقالَةِ الشَّنْعاءِ بَعْدَ أنْ كَرَّرَ عَلَيْهِمُ الشَّهادَةَ بِالكُفْرِ. والفاءُ في أفَلا لِلْعَطْفِ، حَجَزَتْ بَيْنَ الِاسْتِفْهامِ ولا النّافِيَةِ، والتَّقْدِيرُ: فَألا، وعَلى طَرِيقَةِ الزَّمَخْشَرِيِّ تَكُونُ قَدْ عَطَفَتْ فِعْلًا عَلى فِعْلٍ، كَأنَّ التَّقْدِيرَ: أيَثْبُتُونَ عَلى الكُفْرِ فَلا يَتُوبُونَ، والمَعْنى عَلى التَّعَجُّبِ مِنِ انْتِفاءِ تَوْبَتِهِمْ وعَدَمِ اسْتِغْفارِهِمْ، وهم أجْدَرُ النّاسِ بِذَلِكَ، لِأنَّ كُفْرَهم أقْبَحُ الكُفْرِ، وأفْضَحُ في سُوءِ الِاعْتِقادِ، فَتَعَجَّبَ مِن كَوْنِهِمْ لا يَتُوبُونَ مِن هَذا الجُرْمِ العَظِيمِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ الأمْرُ كَقَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] . قالَ: إنَّما كانَ بِمَعْنى الأمْرِ، لِأنَّ المَفْهُومَ مِنَ الصِّيغَةِ طَلَبُ التَّوْبَةِ والحَثُّ عَلَيْها، فَمَعْناهُ: تُوبُوا إلى اللَّهِ واسْتَغْفِرُوهُ مِن ذَنْبِكُمُ القَوْلَيْنِ المُسْتَحِيلَيْنِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: رَفَقَ جَلَّ وعَلا بِهِمْ بِتَحْضِيضِهِ إيّاهم عَلى التَّوْبَةِ وطَلَبِ المَغْفِرَةِ. انْتَهى. وما ذَكَرُوهُ مِنَ الحَثِّ والتَّحْضِيضِ عَلى التَّوْبَةِ مِن حَيْثُ المَعْنى، لا مِن حَيْثُ مَدْلُولُ اللَّفْظِ، لِأنَّ ”أفَلا“ غَيْرُ مَدْلُولِ ”ألا“ الَّتِي لِلْحَضِّ والحَثِّ.
﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ نَبَّهَ تَعالى عَلى هَذَيْنِ (p-٥٣٧)الوَصْفَيْنِ اللَّذَيْنِ بِهِما يَحْصُلُ قَبُولُ التَّوْبَةِ والغُفْرانِ لِلْحَوْبَةِ؛ والمَعْنى: كَيْفَ لا تُوجَدُ التَّوْبَةُ مِن هَذا الذَّنَبِ وطَلَبُ المَغْفِرَةِ، والمَسْئُولُ مِنهُ ذَلِكَ مُتَّصِفٌ بِالغُفْرانِ التّامِّ والرَّحْمَةِ الواسِعَةِ لِهَؤُلاءِ وغَيْرِهِمْ ؟ .
5:75Page 120
مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٧٥
The Messiah, son of Mary, was not but a messenger; [other] messengers have passed on before him. And his mother was a supporter of truth. They both used to eat food.1 Look how We make clear to them the signs; then look how they are deluded.
﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ لَمّا رَدَّ عَلى النَّصارى قَوْلَهُمُ الأوَّلَ بِقَوْلِ المَسِيحِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ٧٢] والثّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿وما مِن إلَهٍ إلّا إلَهٌ واحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣] أثْبَتَ لَهُ الرِّسالَةَ بِصُورَةِ الحَصْرِ؛ أيْ: ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ شَيْءٌ مِمّا تَدَّعِيهِ النَّصارى مِن كَوْنِهِ إلَهًا وكَوْنِهِ أحَدَ آلِهَةٍ ثَلاثَةٍ، بَلْ هو رَسُولٌ مِن جِنْسِ الرُّسُلِ الَّذِينَ خَلَوْا وتَقَدَّمُوا، جاءَ بِآياتٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ كَما جاءُوا، فَإنْ أحْيا المَوْتى وأبْرَأ الأكْمَهَ والأبْرَصَ عَلى يَدِهِ، فَقَدْ أحْيا العَصا وجَعَلَها حَيَّةً تَسْعى، وفَلَقَ البَحْرَ وطَمَسَ عَلى يَدِ مُوسى، وإنْ خَلَقَهُ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ فَقَدْ خَلَقَ آدَمَ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ وأُنْثى. وفي قَوْلِهِ: إلّا رَسُولٌ؛ رَدٌّ عَلى اليَهُودِ حَيْثُ ادَّعَوْا كَذِبَهُ في دَعْوى الرِّسالَةِ، وحَيْثُ ادَّعَوْا أنَّهُ لَيْسَ لِرِشْدَةٍ. وقَرَأ حَطّانُ: مِن قَبْلِهِ رُسُلٌ بِالتَّنْكِيرِ.
﴿وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ هَذا البِناءُ مِن أبْنِيَةِ المُبالَغَةِ، والأظْهَرُ أنَّهُ مِنَ الثُّلاثِيِّ المُجَرَّدِ، إذْ بِناءُ هَذا التَّرْكِيبِ مِنهُ سِكِّيتٌ وسِكِّيرٌ، وشِرِّيبٌ وطِبِّيخٌ، مِن سَكَتَ وسَكِرَ، وشَرِبَ وطَبَخَ. ولا يَعْمَلُ ما كانَ مَبْنِيًّا مِنَ الثُّلاثِيِّ المُتَعَدِّي كَما يَعْمَلُ فَعُولٌ وفَعّالٌ ومِفْعالٌ، فَلا يُقالُ: زَيْدٌ شِرِّيبٌ الماءَ، كَما تَقُولُ: ضَرّابٌ زَيْدًا؛ والمَعْنى: الإخْبارُ عَنْها بِكَثْرَةِ الصِّدْقِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِنَ التَّصْدِيقِ؛ وبِهِ سُمِّيَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقَ. ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَ أنَّهُ مِنَ التَّصْدِيقِ. وهَذا القَوْلُ خِلافُ الظّاهِرِ مِن هَذا البِناءِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأمُّهُ صِدِّيقَةٌ؛ أيْ: وما أمُّهُ إلّا كَبَعْضِ النِّساءِ المُصَدِّقاتِ لِلْأنْبِياءِ المُؤْمِناتِ بِهِمْ، فَما مَنزِلَتُهُما إلّا مَنزِلَةُ بَشَرَيْنِ: أحَدُهُما نَبِيٌّ، والآخَرُ صَحابِيٌّ، فَمِن أيْنَ اشْتَبَهَ عَلَيْكم أمْرُهُما حَتّى وصَفْتُمُوهُما بِما لَمْ يُوصَفْ بِهِ سائِرُ الأنْبِياءِ وصَحابَتِهِمْ ؟ مَعَ أنَّهُ لا تَمَيُّزَ ولا تَفاوُتَ بَيْنَهُما وبَيْنَهم بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ. انْتَهى. وفِيهِ تَحْمِيلُ لَفْظِ القُرْآنِ ما لَيْسَ فِيهِ، مِن ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: وأمُّهُ صِدِّيقَةٌ؛ لَيْسَ فِيهِ إلّا الإخْبارُ عَنْها بِصِفَةِ كَثْرَةِ الصِّدْقِ، وجَعَلَهُ هو مِن بابِ الحَصْرِ فَقالَ: وما أمُّهُ إلّا كَبَعْضِ النِّساءِ المُصَدِّقاتِ إلى آخِرِهِ، وهَكَذا عادَتُهُ يُحَمِّلُ ألْفاظَ القُرْآنِ ما لا تَدُلُّ عَلَيْهِ. قالَ الحَسَنُ: صَدَّقَتْ جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمّا أتاها كَما حَكى تَعالى عَنْها: ﴿وصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢] . وقِيلَ: صَدَّقَتْ بِآياتِ رَبِّها، وبِما أخْبَرَ بِهِ ولَدُها. وقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِمُبالَغَتِها في صِدْقِ حالِها مَعَ اللَّهِ، وصِدْقِها في بَراءَتِها مِمّا رَمَتْها بِهِ اليَهُودُ. وقِيلَ: وصْفُها بِصِدِّيقَةٍ لا يَدُلُّ عَلى أنَّها نَبِيَّةٌ، إذْ هي رُتْبَةٌ لا تَسْتَلْزِمُ النُّبُوَّةَ. قالَ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ﴾ [النساء: ٦٩] ومِن ذَلِكَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، ولا يَلْزَمُ مِن تَكْلِيمِ المَلائِكَةِ بَشَرًا نُبُوَّتُهُ فَقَدْ كَلَّمَتِ المَلائِكَةُ قَوْمًا لَيْسُوا بِأنْبِياءَ لِحَدِيثِ الثَّلاثَةِ: الأقْرَعِ، والأعْمى، والأبْرَصِ؛ فَكَذَلِكَ مَرْيَمُ.
(كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ) هَذا تَنْبِيهٌ عَلى سِمَةِ الحُدُوثِ، وتَبْعِيدٌ عَمّا اعْتَقَدَتْهُ النَّصارى فِيهِما مِنَ الإلَهِيَّةِ، لِأنَّ مَنِ احْتاجَ إلى الطَّعامِ وما يَتْبَعُهُ مِنَ العَوارِضِ لَمْ يَكُنْ إلّا جِسْمًا مُرَكَّبًا مَن عَظْمٍ ولَحْمٍ وعُرُوقٍ وأعْصابٍ وأخْلاطٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وهو مِمّا يَدُلُّ عَلى مَصْنُوعٍ مُؤَلَّفٍ مُدَبَّرٍ كَغَيْرِهِ مِنَ الأجْسامِ، ولا حاجَةَ تَدْعُو إلى قَوْلِهِمْ: كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ؛ كِنايَةً عَنْ خُرُوجِهِ، وإنْ كانَ قَدْ قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وإنَّما ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى سِماتِ الحُدُوثِ. والحاجَةُ إلى التَّغَذِّي المُفْتَقِرِ إلَيْهِ الحَيَوانُ في قِيامِهِ المُنَزَّهِ عَنْهُ الإلَهُ، قالَ تَعالى: (وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ) وإنْ كانَ يَلْزَمُ مِنَ الِاحْتِياجِ إلى أكْلِ الطَّعامِ خُرُوجُهُ، فَلَيْسَ مَقْصُودًا مِنَ اللَّفْظِ مُسْتَعارًا لَهُ ذَلِكَ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنِ المَسِيحِ وأُمِّهِ، مُنَبِّهَةٌ كَما ذَكَرْنا عَلى سِماتِ الحُدُوثِ، وأنَّهُما مُشارِكانِ لِلنّاسِ في ذَلِكَ، ولا مَوْضِعَ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الإعْرابِ. (انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ) (p-٥٣٨)أيِ الأعْلامَ مِنَ الأدِلَّةِ الظّاهِرَةِ عَلى بُطْلانِ ما اعْتَقَدُوهُ، وهَذا أمْرٌ لِلنَّبِيِّ، ﷺ . وفي ضِمْنِ ذَلِكَ الأمْرُ لِأُمَّتِهِ في ضَلالِ هَؤُلاءِ وبُعْدِهِمْ عَنْ قَبُولِ ما نُبِّهُوا عَلَيْهِ. (ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ) كَرَّرَ الأمْرَ بِالنَّظَرِ لِاخْتِلافِ المُتَعَلِّقِ، لِأنَّ الأوَّلَ: أثَرٌ بِالنَّظَرِ في كَوْنِهِ تَعالى أوْضَحَ لَهُمُ الآياتِ وبَيَّنَها بِحَيْثُ لا يَقَعُ مَعَها لُبْسٌ، والأمْرُ الثّانِي: هو بِالنَّظَرِ في كَوْنِهِمْ يُصْرَفُونَ عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ وتَأمُّلِهِ، أوْ في كَوْنِهِمْ يَقْلِبُونَ ما بُيِّنَ لَهم إلى الضِّدِّ مِنهُ، وهَذانِ أمْرا تَعْجِيبٍ. ودَخَلَتْ ثُمَّ لِتَراخِي ما بَيْنَ العَجَبَيْنِ، وكَأنَّهُ يَقْتَضِي العَجَبَ مِن تَوْضِيحِ الآياتِ وتَبْيِينِها، ثُمَّ يَنْظُرُ في حالِ مَن بُيِّنَتْ لَهُ فَيَرى إعْراضَهم عَنِ الآياتِ أعْجَبَ مِن تَوْضِيحِها، لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن تَبْيِينِها تَبَيُّنُها لَهم والرُّجُوعُ إلَيْها، فَكَوْنُهم أُفِكُوا عَنْها أعْجَبُ.
5:76Page 120
قُلۡ أَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗاۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٧٦
Say, "Do you worship besides Allāh that which holds for you no [power of] harm or benefit while it is Allāh who is the Hearing, the Knowing?"
﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ لَمّا بَيَّنَ تَعالى بِدَلِيلِ النَّقْلِ والعَقْلِ انْتِفاءَ الإلَهِيَّةِ عَنْ عِيسى، وكانَ قَدْ تَوَعَّدَهم ثُمَّ اسْتَدْعاهم لِلتَّوْبَةِ وطَلَبِ الغُفْرانِ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ووَبَّخَهم مِن وجْهٍ آخَرَ وهو عَجْزُهُ وعَدَمُ اقْتِدارِهِ عَلى دَفْعِ ضَرَرٍ وجَلْبِ نَفْعٍ، وأنَّ مَن كانَ لا يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ حَرِيٌّ أنْ لا يَدْفَعَ عَنْكم. والخِطابُ لِلنَّصارى، نَهاهم عَنْ عِبادَةِ عِيسى وغَيْرِهِ، وأنَّ ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مُساوِيهِمْ في العَجْزِ وعَدَمِ القُدْرَةِ؛ والمَعْنى: ما لا يَمْلِكُ لَكم إيصالَ خَيْرٍ ولا نَفْعٍ. قِيلَ: وعَبَّرَ بِما تَنْبِيهًا عَلى أوَّلِ أحْوالِهِ، إذْ مَرَّتْ عَلَيْهِ أزْمانُ حالَةِ الحَمْلِ لا يُوصَفُ بِالعَقْلِ فِيها، ومَن هَذِهِ صِفَتُهُ فَكَيْفَ يَكُونُ إلَهًا، أوْ لِأنَّها مُبْهَمَةٌ؛ كَما قالَ سِيبَوَيْهِ. وما: مُبْهَمَةٌ تَقَعُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، أوْ أُرِيدَ بِهِ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ مِمَّنْ يَعْقِلُ، وما لا يَعْقِلُ. وعَبَّرَ ”بِما“ تَغْلِيبًا لِغَيْرِ العاقِلِ، إذْ أكْثَرُ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ هو ما لا يَعْقِلُ كالأصْنامِ والأوْثانِ، أوْ أُرِيدَ النَّوْعُ؛ أيِ: النَّوْعُ الَّذِي لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا كَقَوْلِهِ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣] أيِ: النَّوْعَ الطَّيِّبَ، ولَمّا كانَ إشْراكُهم بِاللَّهِ تَضَمَّنَ القَوْلَ والِاعْتِقادَ جاءَ الخَتْمُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ أيِ: السَّمِيعُ لِأقْوالِكم، العَلِيمُ بِاعْتِقادِكم وما انْطَوَتْ عَلَيْهِ نِيّاتُكم. وفي الإخْبارِ عَنْهُ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ عَلى ما يَقُولُونَهُ ويَعْتَقِدُونَهُ، وتَضَمَّنَتِ الآيَةُ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ حَيْثُ عَبَدُوا مِن دُونِهِ مَن هو مُتَّصِفٌ بِالعَجْزِ عَنْ دَفْعِ ضَرَرٍ أوْ جَلْبِ نَفْعٍ. قِيلَ: ومَن مَرَّتْ عَلَيْهِ مُدَدٌ لا يَسْمَعُ فِيها ولا يَعْلَمُ، وتَرَكُوا القادِرَ عَلى الإطْلاقِ السَّمِيعَ لِلْأصْواتِ العَلِيمَ بِالنِّيّاتِ.
5:77Page 121
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٧٧
Say, "O People of the Scripture, do not exceed limits in your religion beyond the truth and do not follow the inclinations of a people who had gone astray before and misled many and have strayed from the soundness of the way."
﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم غَيْرَ الحَقِّ﴾ ظاهِرُهُ نِداءُ أهْلِ الكِتابِ الحاضِرِينَ زَمانَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، ويَتَناوَلُ مَن جاءَ بَعْدَهم. ولَمّا سَبَقَ القَوْلُ في أباطِيلِ اليَهُودِ وأباطِيلِ النَّصارى، جُمِعَ الفَرِيقانِ في النَّهْيِ عَنِ الغُلُوِّ في الدِّينِ. وانْتَصَبَ غَيْرَ الحَقِّ وهو الغُلُوُّ الباطِلُ، ولَيْسَ المُرادُ بِالدِّينِ هُنا ما هم عَلَيْهِ، بَلِ المُرادُ الدِّينُ الحَقُّ، الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى وعِيسى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الغُلُوُّ في الدِّينِ غُلُوّانِ: غُلُوٌّ حَقٌّ، وهو أنْ يَفْحَصَ عَنْ حَقائِقِهِ ويُفَتِّشَ عَنْ أباعِدِ مَعانِيهِ ويَجْتَهِدَ في تَحْصِيلِ حُجَجِهِ كَما يَفْعَلُ المُتَكَلِّمُونَ مِن أهْلِ العَدْلِ والتَّوْحِيدِ، وغُلُوٌّ باطِلٌ وهو أنْ يُجاوِزَ الحَقَّ ويَتَعَدّاهُ بِالإعْراضِ عَنِ الأدِلَّةِ واتِّباعِ الشُّبَهِ كَما يَفْعَلُ أهْلُ الأهْواءِ والبِدَعِ. انْتَهى. وأهْلُ العَدْلِ والتَّوْحِيدِ هم أئِمَّةُ المُعْتَزِلَةِ، وأهْلُ الأهْواءِ والبِدَعِ عِنْدَهُ هم (p-٥٣٩)أهْلُ السُّنَّةِ، ومَن عَدا المُعْتَزِلَةَ. ومَن غُلُوِّ اليَهُودِ إنْكارُ نُبُوَّةِ عِيسى، وادِّعاؤُهم فِيهِ أنَّهُ اللَّهُ. ومِن غُلُوِّ النَّصارى ما تَقَدَّمَ مِنِ اعْتِقادِ بَعْضِهِمْ فِيهِ أنَّهُ اللَّهُ، وبَعْضِهِمْ أنَّهُ أحَدُ آلِهَةٍ ثَلاثَةٍ. وانْتِصابُ ”غَيْرَ“ هُنا عَلى الصِّفَةِ؛ أيْ: غُلُوًّا غَيْرَ الحَقِّ. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّها اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّها اسْتِثْناءٌ، ويُقَدِّرُهُ: لَكِنَّ الحَقَّ فاتَّبِعُوهُ.
﴿ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ هَؤُلاءِ القَوْمُ هم أسْلافُ اليَهُودِ والنَّصارى ضَلُّوا في أنْفُسِهِمْ وأضَلُّوا غَيْرَهم كَثِيرًا، ثُمَّ عَيَّنَ ما ضَلُّوا عَنْهُ وهو السَّبِيلُ السَّوِيُّ الَّذِي هو وسَطٌ في الدِّينِ وهو خَيْرُها فَلا إفْراطَ ولا تَفْرِيطَ، بَلْ هو سَواءٌ مُعْتَدِلٌ خِيارٌ. وقِيلَ: الخِطابُ لِلنَّصارى، وهو ظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ قالَ: قَدْ ضَلُّوا مَن قَبْلُ: هم أئِمَّتُهم في النَّصْرانِيَّةِ كانُوا عَلى الضَّلالِ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ، ﷺ، وأضَلُّوا كَثِيرًا مِمَّنْ شايَعَهم عَلى التَّثْلِيثِ، وضَلُّوا لَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ حِينَ كَذَّبُوهُ وحَسَدُوهُ وبَغَوْا عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذِهِ المُخاطَبَةُ هي لِلنَّصارى الَّذِينَ غَلَوْا في عِيسى والقَوْمِ الَّذِينَ نَهى النَّصارى عَنِ اتِّباعِ أهْوائِهِمْ، والَّذِي دَعا إلى هَذا التَّأْوِيلِ أنَّ النَّصارى في غُلُوِّهِمْ لَيْسُوا عَلى هَوى بَنِي إسْرائِيلَ، بَلْ هم في الضِّدِّ بِالأقْوالِ، وإنَّما اجْتَمَعُوا في اتِّباعِ مَوْضِعِ الهَوى. فالآيَةُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ لِمَن تَلُومُهُ عَلى عِوَجٍ: هَذِهِ الطَّرِيقَةُ طَرِيقَةُ فُلانٍ؛ تُمَثِّلُهُ بِآخَرَ قَدِ اعْوَجَّ نَوْعًا مِنَ الِاعْوِجاجِ وإنِ اخْتَلَفَتْ نَوازِلُهُ. ووَصَفَ تَعالى اليَهُودَ بِأنَّهم ضَلُّوا قَدِيمًا، وأضَلُّوا كَثِيرًا مِن أتْباعِهِمْ، ثُمَّ أكَّدَ الأمْرَ بِتَكْرارِ قَوْلِهِ: وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ؛ وذَهَبَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ إلى أنَّ المَعْنى: يا أهْلَ الكِتابِ مِنَ النَّصارى لا تَتَّبِعُوا أهْواءَ هَؤُلاءِ اليَهُودِ الَّذِينَ ضَلُّوا مِن قَبْلُ؛ أيْ: ضَلَّ أسْلافُهم وهم قَبْلَ مَجِيءِ مُحَمَّدٍ، ﷺ، وأضَلُّوا كَثِيرًا مِنَ المُنافِقِينَ، وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ الآنَ بَعْدَ وُضُوحِ الحَقِّ. انْتَهى. ولا حاجَةَ لِإخْراجِ الكَلامِ عَنْ ظاهِرِهِ مِن أنَّهُ نِداءٌ لِأهْلِ الكِتابِ طائِفَتَيِ اليَهُودِ والنَّصارى، وأنَّ قَوْلَهُ: ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ؛ هم: أسْلافُهم. فَإنَّ الزّائِغَ عَنِ الحَقِّ كَثِيرًا ما يَعْتَذِرُ أنَّهُ عَلى دِينِ أبِيهِ وطَرِيقَتِهِ، كَما قالُوا: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] فَنُهُوا عَنِ اتِّباعِ أسْلافِهِمْ، وكانَ في تَنْكِيرِ قَوْمٍ تَحْقِيرٌ لَهم. وما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ تَخْصِيصٌ لِعُمُومٍ مِن غَيْرِ داعِيَةٍ إلَيْهِ. وما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْضًا تَخْصِيصٌ وتَأْوِيلٌ بَعِيدٌ في قَوْلِهِ: ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ؛ أنَّ المُرادَ بِهِمُ اليَهُودُ، وأنَّ المَعْنى: لا تَكُونُوا عَلى هَوًى كَما كانَ اليَهُودُ عَلى هَوًى، لِأنَّ الظّاهِرَ النَّهْيُ عَنِ اتِّباعِ أهْواءِ أُولَئِكَ القَوْمِ. وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الضَّلالَ الأوَّلَ عَنِ الدِّينِ، والثّانِيَ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences