Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-Mujadila 58:8–22
58:8–13Page 543
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجۡوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَيَتَنَٰجَوۡنَ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِۖ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوۡكَ بِمَا لَمۡ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَيَقُولُونَ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ لَوۡلَا يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُۚ حَسۡبُهُمۡ جَهَنَّمُ يَصۡلَوۡنَهَاۖ فَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٨
Have you not considered those who were forbidden from private conversation [i.e., ridicule and conspiracy] and then return to that which they were forbidden and converse among themselves about sin and aggression and disobedience to the Messenger? And when they come to you, they greet you with that [word] by which Allāh does not greet you1 and say among themselves, "Why does Allāh not punish us for what we say?" Sufficient for them is Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the destination.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَنَٰجَيۡتُمۡ فَلَا تَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٩
O you who have believed, when you converse privately, do not converse about sin and aggression and disobedience to the Messenger but converse about righteousness and piety. And fear Allāh, to whom you will be gathered.
إِنَّمَا ٱلنَّجۡوَىٰ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ لِيَحۡزُنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيۡسَ بِضَآرِّهِمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٠
Private conversation is only from Satan that he may grieve those who have believed,1 but he will not harm them at all except by permission of Allāh. And upon Allāh let the believers rely.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قِيلَ لَكُمۡ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلۡمَجَٰلِسِ فَٱفۡسَحُواْ يَفۡسَحِ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَٱنشُزُواْ يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١١
O you who have believed, when you are told, "Space yourselves" in assemblies, then make space; Allāh will make space for you.1 And when you are told, "Arise,"2 then arise; Allāh will raise those who have believed among you and those who were given knowledge, by degrees. And Allāh is Aware of what you do.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَٰجَيۡتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَةٗۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٢
O you who have believed, when you [wish to] privately consult the Messenger, present before your consultation a charity. That is better for you and purer. But if you find not [the means] - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
ءَأَشۡفَقۡتُمۡ أَن تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَٰتٖۚ فَإِذۡ لَمۡ تَفۡعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٣
Have you feared to present before your consultation charities? Then when you do not and Allāh has forgiven you, then [at least] establish prayer and give zakāh and obey Allāh and His Messenger. And Allāh is Aware of what you do.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ ويَقُولُونَ في أنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهم جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالإثْمِ والعُدْوانِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وتَناجَوْا بِالبِرِّ والتَّقْوى واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ﴿إنَّما النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا ولَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئًا إلّا بِإذْنِ اللَّهِ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكم وإذا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكم وأطْهَرُ فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكم فَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ .
(p-٢٣٦)نَزَلَتْ (ألَمْ تَرَ) في اليَهُودِ والمُنافِقِينَ. كانُوا يَتَناجَوْنَ دُونَ المُؤْمِنِينَ، ويَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ ويَتَغامَزُونَ بِأعْيُنِهِمْ عَلَيْهِمْ، مُوهِمِينَ المُؤْمِنِينَ مِن أقْرِبائِهِمْ أنَّهم أصابَهم شَرٌّ، فَلا يَزالُونَ كَذَلِكَ حَتّى يَقْدَمَ أقْرِباؤُهم. فَلَمّا كَثُرَ ذَلِكَ مِنهم، شَكا المُؤْمِنُونَ إلى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، فَأمَرَهم أنْ لا يَتَناجَوْا دُونَ المُؤْمِنِينَ، فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَنَزَلَتْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: في المُنافِقِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ويَتَناجَوْنَ)؛ وحَمْزَةُ وطَلْحَةُ والأعْمَشُ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ ورُوَيْسٌ: ويَنْتَجُونَ مُضارِعُ انْتَجى.
﴿بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾: كانُوا يَقُولُونَ: السّامُّ عَلَيْكَ، وهو المَوْتُ؛ فَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ: وعَلَيْكم. وتَحِيَّةُ اللَّهِ لِأنْبِيائِهِ: ﴿وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ [النمل: ٥٩] .
﴿لَوْلا يُعَذِّبُنا اللَّهُ بِما نَقُولُ﴾: أيْ إنْ كانَ نَبِيًّا، فَما لَهُ لا يَدْعُو عَلَيْنا حَتّى نُعَذَّبَ بِما نَقُولُ ؟ فَقالَ تَعالى: ﴿حَسْبُهم جَهَنَّمُ﴾ .
ثُمَّ نَهى المُؤْمِنِينَ أنْ يَكُونَ تَناجِيهِمْ مِثْلَ تَناجِي الكُفّارِ، وبَدَأ بِالإثْمِ لِعُمُومِهِ، ثُمَّ بِالعُدْوانِ لِعَظَمَتِهِ في النُّفُوسِ، إذْ هي ظُلاماتُ العِبادِ. ثُمَّ تَرَقّى إلى ما هو أعْظَمُ، وهو مَعْصِيَةُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وفي هَذا طَعْنٌ عَلى المُنافِقِينَ، إذْ كانَ تَناجِيهِمْ في ذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَلا تَتَناجَوْا﴾، وأدْغَمَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ التّاءَ في التّاءِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ والأعْمَشُ وأبُو حَيْوَةَ ورُوَيْسٌ: فَلا تَنْتَجُوا مُضارِعُ انْتَجى؛ والجُمْهُورُ: بِضَمِّ عَيْنِ العُدْوانِ؛ وأبُو حَيْوَةَ بِكَسْرِها حَيْثُ وقَعَ؛ والضَّحّاكُ: ومَعْصِياتِ الرَّسُولِ عَلى الجَمْعِ. والجُمْهُورُ: عَلى الإفْرادِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: إذا انْتَجَيْتُمْ فَلا تَنْتَجُوا. وألْ في ﴿إنَّما النَّجْوى﴾ لِلْعَهْدِ في نَجْوى الكُفّارِ ﴿بِالإثْمِ والعُدْوانِ﴾، وكَوْنُها ﴿مِنَ الشَّيْطانِ﴾، لِأنَّهُ هو الَّذِي يُزَيِّنُها لَهم، فَكَأنَّها مِنهُ.
﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾: كانُوا يُوهِمُونَ المُؤْمِنِينَ أنَّ غُزاتَهم غُلِبُوا وأنَّ أقارِبَهم قُتِلُوا. (ولَيْسَ): أيِ التَّناجِي أوِ الشَّيْطانُ أوِ الحُزْنُ، (بِضارِّهِمْ): أيِ المُؤْمِنِينَ، ﴿إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾: أيْ بِمَشِيئَتِهِ، فَيَقْضِي بِالقَتْلِ أوِ الغَلَبَةِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي نَجْوى قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ يَقْصِدُونَ مُناجاةَ الرَّسُولِ، ﷺ، ولَيْسَ لَهم حاجَةٌ ولا ضَرُورَةٌ. يُرِيدُونَ التَّبَجُّحَ بِذَلِكَ، فَيَظُنُّ المُسْلِمُونَ أنَّ ذَلِكَ في أخْبارِ بَعْدَ، وقاصِدًا نَحْوَهُ. وقالَ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: نَزَلَتْ في المُناجاةِ الَّتِي يَراها المُؤْمِنُ في النَّوْمِ تَسُوءُهُ، فَكَأنَّهُ نَجْوى يُناجى بِها. انْتَهى. ولا يُناسِبُ هَذا القَوْلُ ما قَبْلَ الآيَةِ ولا ما بَعْدَها، وتَقَدَّمَتِ القِراءَتانِ في نَحْوِ: (لِيَحْزُنَ) . وقُرِئَ: بِفَتْحِ الياءِ والزّايِ، فَيَكُونُ (الَّذِينَ) فاعِلًا، وفي القِراءَتَيْنِ مَفْعُولًا.
ولَمّا نَهى تَعالى المُؤْمِنِينَ عَنْ ما هو سَبَبٌ لِلتَّباغُضِ والتَّنافُرِ، أمَرَهم بِما هو سَبَبٌ لِلتَّوادِّ والتَّقارُبِ، فَقالَ: (يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا) الآيَةَ. قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ: كانُوا يَتَنافَسُونَ في مَجْلِسِ الرَّسُولِ، ﷺ، فَأُمِرُوا أنْ يُفْسِحَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ مَجالِسُ القِتالِ إذا اصْطَفُّوا لِلْحَرْبِ. وقالَ الحَسَنُ ويَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ: كانَ الصَّحابَةُ يَتَشاحُّونَ عَلى الصَّفِّ الأوَّلِ، فَلا يُوَسِّعُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ رَغْبَةً في الشَّهادَةِ، فَنَزَلَتْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (تَفَسَّحُوا)؛ وداوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ وقَتادَةُ وعِيسى: تَفاسَحُوا. والجُمْهُورُ: في المَجْلِسِ؛ وعاصِمٌ وقَتادَةُ وعِيسى: ﴿فِي المَجالِسِ﴾ . وقُرِئَ: في المَجْلَسِ بِفَتْحِ اللّامِ، وهو الجُلُوسُ، أيْ تَوَسَّعُوا في جُلُوسِكم ولا تَتَضايَقُوا فِيهِ. والظّاهِرُ أنَّ الحُكْمَ مُطَّرِدٌ في المَجالِسِ الَّتِي لِلطّاعاتِ، وإنْ كانَ السَّبَبُ مَجْلِسَ الرَّسُولِ. وقِيلَ: الآيَةُ مَخْصُوصَةٌ بِمَجْلِسِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وكَذا مَجالِسُ العِلْمِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ ﴿فِي المَجالِسِ﴾، ويَتَأوَّلُ الجَمْعُ عَلى أنَّ لِكُلِّ أحَدٍ مَجْلِسًا في بَيْتِ الرَّسُولِ، ﷺ، وانْجَزَمَ ﴿يَفْسَحِ اللَّهُ﴾ عَلى جَوابِ الأمْرِ في رَحْمَتِهِ، أوْ في مَنازِلِكم في الجَنَّةِ، أوْ في قُبُورِكم، أوْ في قُلُوبِكم، أوْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، أقْوالٌ.
﴿وإذا قِيلَ انْشُزُوا﴾: أيِ انْهَضُوا في المَجْلِسِ لِلتَّفَسُّحِ، لِأنَّ مُرِيدَ التَّوْسِعَةِ عَلى الوارِدِ يَرْتَفِعُ إلى فَوْقٍ فَيَتَّسِعُ المَوْضِعُ. أُمِرُوا أوَّلًا (p-٢٣٧)بِالتَّفَسُّحِ، ثُمَّ ثانِيًا بِامْتِثالِ الأمْرِ فِيهِ إذا ائْتَمَرُوا. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ: مَعْناهُ: إذا دُعُوا إلى قِتالٍ وصَلاةٍ أوْ طاعَةٍ نَهَضُوا. وقِيلَ: إذا دُعُوا إلى القِيامِ عَنْ مَجْلِسِ الرَّسُولِ، ﷺ، نَهَضُوا، إذْ كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أحْيانًا يُؤْثِرُ الِانْفِرادَ في أمْرِ الإسْلامِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ والأعْرَجُ وابْنُ عامِرٍ ونافِعٌ وحَفْصٌ: بِضَمِّ السِّينِ في اللَّفْظَيْنِ؛ والحَسَنُ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وباقِي السَّبْعَةِ: بِكَسْرِها. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى (الَّذِينَ آمَنُوا)، والعَطْفُ مُشْعِرٌ بِالتَّغايُرِ، وهو مِن عَطْفِ الصِّفاتِ، والمَعْنى: يَرْفَعِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ العُلَماءَ دَرَجاتٍ، فالوَصْفانِ لِذاتٍ واحِدَةٍ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وغَيْرُهُ: تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: (مِنكم)، وانْتَصَبَ ﴿والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: ويَخُصَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ، فَلِلْمُؤْمِنِينَ رَفْعٌ، ولِلْعُلَماءِ دَرَجاتٌ، بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمُ اسْتِعارَةٌ والمَعْنى قَبْلَ نَجْواكم، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: أنَّ قَوْمًا مِنَ المُؤْمِنِينَ وأغْفالِهِمْ كَثُرَتْ مُناجاتُهم لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، في غَيْرِ حاجَةٍ إلّا لِتَظْهَرَ مَنزِلَتُهم، «وكانَ ﷺ، سَمْحًا لا يَرُدُّ أحَدًا» فَنَزَلَتْ مُشَدِّدَةً عَلَيْهِمْ أمْرَ المُناجاةِ، وهَذا الحُكْمُ قِيلَ نُسِخَ قَبْلَ العَمَلِ بِهِ. وقالَ قَتادَةُ: عُمِلَ بِهِ ساعَةً مِن نَهارٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: عَشَرَةُ أيّامٍ. وقالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: ما عَمِلَ بِهِ أحَدٌ غَيْرِي، أرَدْتُ المُناجاةَ ولِي دِينارٌ، فَصَرَفْتُهُ بِعَشَرَةِ دَراهِمَ، وناجَيْتُ عَشْرَ مِرارٍ أتَصَدَّقُ في كُلِّ مَرَّةٍ بِدِرْهَمٍ، ثُمَّ ظَهَرَتْ مَشَقَّةُ ذَلِكَ عَلى النّاسِ فَنَزَلَتِ الرُّخْصَةُ في تَرْكِ الصَّدَقَةِ، وقُرِئَ: صَدَقاتٍ بِالجَمْعِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي مَنسُوخَةٌ بِالآيَةِ الَّتِي بَعْدَها، وقِيلَ: بِآيَةِ الزَّكاةِ. أأشْفَقْتُمْ أخِفْتُمْ مِن ذَهابِ المالِ في الصَّدَقَةِ أوْ مِنَ العَجْزِ عَنْ وُجُودِها تَتَصَدَّقُونَ بِهِ. فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ وتابَ اللَّهُ عَلَيْكم عَذَرَكم ورَخَّصَ لَكم في أنْ لا تَفْعَلُوا فَلا تُفَرِّطُوا في الصَّلاةِ والزَّكاةِ وأفْعالِ الطّاعاتِ. وقَرَأ عَيّاشٌ عَنْ أبِي عَمْرٍو: خَبِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ. بِالياءِ مِن تَحْتٍ، والجُمْهُورُ بِالتّاءِ.
58:14–22Page 544
۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ قَوۡمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مَّا هُم مِّنكُمۡ وَلَا مِنۡهُمۡ وَيَحۡلِفُونَ عَلَى ٱلۡكَذِبِ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ١٤
Have you not considered those who make allies of a people with whom Allāh has become angry? They are neither of you nor of them, and they swear to untruth while they know [they are lying].
أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدًاۖ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٥
Allāh has prepared for them a severe punishment. Indeed, it was evil that they were doing.
ٱتَّخَذُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ جُنَّةٗ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ١٦
They took their [false] oaths as a cover, so they averted [people] from the way of Allāh, and for them is a humiliating punishment.
لَّن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١٧
Never will their wealth or their children avail them against Allāh at all. Those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally
يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا فَيَحۡلِفُونَ لَهُۥ كَمَا يَحۡلِفُونَ لَكُمۡ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍۚ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٨
On the Day Allāh will resurrect them all, and they will swear to Him as they swear to you and think that they are [standing] on something.1 Unquestionably, it is they who are the liars.
ٱسۡتَحۡوَذَ عَلَيۡهِمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَأَنسَىٰهُمۡ ذِكۡرَ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱلشَّيۡطَٰنِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٩
Satan has overcome them and made them forget the remembrance of Allāh. Those are the party of Satan. Unquestionably, the party of Satan - they will be the losers.
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡأَذَلِّينَ ٢٠
Indeed, the ones who oppose Allāh and His Messenger - those will be among the most humbled.
كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغۡلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِيٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ ٢١
Allāh has written [i.e., decreed], "I will surely overcome, I and My messengers." Indeed, Allāh is Powerful and Exalted in Might.
لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٖ مِّنۡهُۖ وَيُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱللَّهِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٢٢
You will not find a people who believe in Allāh and the Last Day having affection for those who oppose Allāh and His Messenger, even if they were their fathers or their sons or their brothers or their kindred. Those - He has decreed within their hearts faith and supported them with spirit1 from Him. And We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. Allāh is pleased with them, and they are pleased with Him - those are the party of Allāh. Unquestionably, the party of Allāh - they are the successful.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هم مِنكم ولا مِنهم ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأنْساهم ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ ألا إنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ في الأذَلِّينَ﴾ ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كانُوا آباءَهم أوْ أبْناءَهم أوْ إخْوانَهم أوْ عَشِيرَتَهم أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ وأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ ويُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ألا إنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ .
(p-٢٣٨)﴿الَّذِينَ تَوَلَّوْا﴾: هُمُ المُنافِقُونَ، والمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ: هُمُ اليَهُودُ، عَنِ السُّدِّيِّ ومُقاتِلٍ، «أنَّهُ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ: يَدْخُلُ عَلَيْكم رَجُلٌ قَلْبُهُ قَلْبُ جَبّارٍ ويَنْظُرُ بِعَيْنَيْ شَيْطانٍ، فَدَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، وكانَ أزْرَقَ أسْمَرَ قَصِيرًا خَفِيفَ اللِّحْيَةِ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: عَلامَ تَشْتُمُنِي أنْتَ وأصْحابُكَ ؟ فَحَلَفَ بِاللَّهِ ما فَعَلَ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ: ”فَعَلْتَ“، فَجاءَ بِأصْحابِهِ فَحَلَفُوا بِاللَّهِ ما سَبُّوهُ»، فَنَزَلَتْ. والضَّمِيرُ في (ما هم) عائِدٌ عَلى ﴿الَّذِينَ تَوَلَّوْا﴾، وهُمُ المُنافِقُونَ: أيْ لَيْسُوا مِنكم أيُّها المُؤْمِنُونَ، (ولا مِنهم): أيْ لَيْسُوا مِنَ الَّذِينَ تَوَلَّوْهم، وهُمُ اليَهُودُ. ”وما هم“ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ بِأنَّهم مُذَبْذَبُونَ، لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَثَلُ المُنافِقِ مَثَلُ الشّاةِ العائِرَةِ بَيْنَ الغَنَمَيْنِ لِأنَّهُ مَعَ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ ومَعَ الكُفّارِ بِقَلْبِهِ» . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا آخَرَ، وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (ما هم) يُرِيدُ بِهِ اليَهُودَ، وقَوْلُهُ: (ولا مِنهم) يُرِيدُ بِهِ المُنافِقِينَ، فَيَجِيءُ فِعْلُ المُنافِقِينَ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أحْسَنَ، لِأنَّهم تَوَلَّوْا مَغْضُوبًا عَلَيْهِمْ، لَيْسُوا مِن أنْفُسِهِمْ فَيَلْزَمُهم ذِمامُهم، ولا مِنَ القَوْمِ المُحِقِّينَ فَتَكُونُ المُوالاةُ صَوابًا. انْتَهى. والظّاهِرُ التَّأْوِيلُ الأوَّلُ، لِأنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا هُمُ المُحَدَّثُ عَنْهم. والضَّمِيرُ في (ويَحْلِفُونَ) عائِدٌ عَلَيْهِمْ، فَتَتَناسَقُ الضَّمائِرُ لَهم ولا تَخْتَلِفُ. وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَكُونُ (ما هم) اسْتِئْنافًا، وجازَ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ (تَوَلَّوْا) . وعَلى احْتِمالِ ابْنِ عَطِيَّةَ، يَكُونُ (ما هم) صِفَةً لِقَوْمٍ.
﴿ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ﴾، إمّا أنَّهم ما سَبُّوا، كَما رُوِيَ في سَبَبِ النُّزُولِ، أوْ عَلى أنَّهم مُسْلِمُونَ. والكَذِبُ هو ما ادَّعَوْهُ مِنَ الإسْلامِ.
﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ يُقَبِّحُ عَلَيْهِمْ، إذْ حَلَفُوا عَلى خِلافِ ما أبْطَنُوا، فالمَعْنى: وهم عالِمُونَ مُتَعَمِّدُونَ لَهُ. والعَذابُ الشَّدِيدُ: المُعَدُّ لَهم في الآخِرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أيْمانَهم) جَمْعُ يَمِينٍ؛ والحَسَنُ: إيمانَهم، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ: أيْ ما يُظْهِرُونَ مِنَ الإيمانِ، (جُنَّةً): أيْ ما يَتَسَتَّرُونَ بِهِ ويَتَّقُونَ المَحْدُودَ، وهو التُّرْسُ، (فَصَدُّوا): أيْ أعْرَضُوا، أوْ صَدُّوا النّاسَ عَنِ الإسْلامِ، إذْ كانُوا يُثَبِّطُونَ مَن لَقُوا عَنِ الإسْلامِ ويُضَعِّفُونَ أمْرَ الإيمانِ وأهْلِهِ، أوْ صَدُّوا المُسْلِمِينَ عَنْ قَتْلِهِمْ بِإظْهارِ الإيمانِ، وقَتْلُهم هو سَبِيلُ اللَّهِ فِيهِمْ، لَكِنْ ما أظْهَرُوهُ مِنَ الإسْلامِ صَدُّوا بِهِ المُسْلِمِينَ عَنْ قَتْلِهِمْ.
﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذِهِ الجُمْلَةِ في أوائِلِ آلِ عِمْرانَ.
﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾: أيْ لِلَّهِ تَعالى. ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ؟ ﴿كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ أنَّهم مُؤْمِنُونَ، ولَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ. والعَجَبُ مِنهم، كَيْفَ يَعْتَقِدُونَ أنَّ كُفْرَهم يَخْفى عَلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، ويُجْرُونَهُ مُجْرى المُؤْمِنِينَ في عَدَمِ اطِّلاعِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ ؟ والمَقْصُودُ أنَّهم مُقِيمُونَ عَلى الكَذِبِ، قَدْ تَعَوَّدُوهُ حَتّى كانَ عَلى ألْسِنَتِهِمْ في الآخِرَةِ كَما كانَ في الدُّنْيا، ﴿ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ﴾: أيْ شَيْءٍ نافِعٍ لَهم.
﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ﴾: أيْ أحاطَ بِهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ، وغَلَبَ عَلى نُفُوسِهِمْ واسْتَوْلى عَلَيْها، وتَقَدَّمَتْ هَذِهِ المادَّةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ١٤١] في النِّساءِ، وأنَّها مِن حاذَ الحِمارُ العانَةَ إذا ساقَها، وجَمْعُها غالِبًا لَها، ومِنهُ كانَ أحْوَذِيًّا نَسِيجَ وحْدِهِ. وقَرَأ عُمَرُ: اسْتَحاذَ، أخْرَجَهُ عَلى الأصْلِ، والقِياسُ واسْتَحْوَذَ شاذٌّ في القِياسِ فَصِيحٌ في الِاسْتِعْمالِ.
﴿فَأنْساهم ذِكْرَ اللَّهِ﴾: فَهم لا يَذْكُرُونَهُ، لا بِقُلُوبِهِمْ ولا بِألْسِنَتِهِمْ؛ و﴿حِزْبُ الشَّيْطانِ﴾: جُنْدُهُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
﴿أُولَئِكَ في الأذَلِّينَ﴾: هي أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، أيْ في جُمْلَةِ مَن هو أذَلُّ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، لا تَرى أحَدًا أذَلَّ مِنهم. وعَنْ مُقاتِلٍ: لَمّا فَتَحَ اللَّهُ مَكَّةَ لِلْمُؤْمِنِينَ والطّائِفَ وخَيْبَرَ وما حَوْلَهم، قالُوا: نَرْجُو أنْ يُظْهِرَنا اللَّهُ عَلى فارِسَ والرُّومِ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: (p-٢٣٩)أتَظُنُّونَ الرُّومَ وفارِسَ كَبَعْضِ القُرى الَّتِي غُلِبْتُمْ عَلَيْها ؟ واللَّهِ إنَّهم لَأكْثَرُ عَدَدًا وأشَدُّ بَطْشًا مِن أنْ تَظُنُّوا فِيهِمْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي﴾: (كِتابُ): أيْ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوْ قَضى. وقالَ قَتادَةُ: بِمَعْنى قالَ، (ورُسُلِي): أيْ مَن بَعَثْتُ مِنهم بِالحَرْبِ ومَن بَعَثْتُ مِنهم بِالحُجَّةِ.
﴿إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾: يَنْصُرُ حِزْبَهُ، (عَزِيزٌ): يَمْنَعُهُ مِن أنْ يَذِلَّ.
﴿لا تَجِدُ قَوْمًا﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، مِن بابِ التَّخْيِيلِ: خَيَّلَ أنَّ مِنَ المُمْتَنِعِ المُحالِ أنْ تَجِدَ قَوْمًا مُؤْمِنِينَ يُوادُّونَ المُشْرِكِينَ، والغَرَضُ مِنهُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ، وحَقُّهُ أنْ يَمْتَنِعَ ولا يُوجَدَ بِحالٍ مُبالَغَةً في النَّهْيِ عَنْهُ والزَّجْرِ عَنْ مُلابَسَتِهِ والتَّصَلُّبِ في مُجانَبَةِ أعْداءِ اللَّهِ. وزادَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كانُوا آباءَهُمْ﴾ . انْتَهى. وبَدَأ بِالآباءِ لِأنَّهُمُ الواجِبُ عَلى الأوْلادِ طاعَتُهم، فَنَهاهم عَنْ مُوادَّتِهِمْ. وقالَ تَعالى: ﴿وإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: ١٥]، ثُمَّ ثَنّى بِالأبْناءِ لِأنَّهم أعْلَقُ بِالقُلُوبِ، ثُمَّ أتى ثالِثًا بِالإخْوانِ لِأنَّهم بِهِمُ التَّعاضُدُ، كَما قِيلَ:
؎أخاكَ أخاكَ إنَّ مَن لا أخا لَهُ كَساعٍ إلى الهَيْجا بِغَيْرِ سِلاحِ
ثُمَّ رابِعًا بِالعَشِيرَةِ، لِأنَّ بِها التَّناصُرَ وبِهِمُ المُقاتَلَةَ والتَّغَلُّبَ والتَّسَرُّعَ إلى ما دُعُوا إلَيْهِ، كَما قالَ:
؎لا يَسْألُونَ أخاهم حِينَ يَنْدُبُهم ∗∗∗ في النّائِباتِ عَلى ما قالَ بُرْهانا
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كَتَبَ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، ﴿فِي قُلُوبِهِمُ الإيمانَ﴾ نَصْبًا، أيْ كَتَبَ اللَّهُ. وأبُو حَيْوَةَ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: كُتِبَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، والإيمانُ رُفِعَ. والجُمْهُورُ: ﴿أوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ عَلى الإفْرادِ؛ وأبُو رَجاءٍ: عَلى الجَمْعِ، والمَعْنى: أثْبَتَ الإيمانَ في قُلُوبِهِمْ وأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ تَعالى، وهو الهُدى والنُّورُ واللُّطْفُ. وقِيلَ: الرُّوحُ: القُرْآنُ. وقِيلَ: جِبْرِيلُ يَوْمَ بَدْرٍ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في مِنهُ عائِدٌ عَلى الإيمانِ، والإنْسانُ في نَفْسِهِ رُوحٌ يَحْيا بِهِ المُؤْمِنُ، والإشارَةُ بِأُولَئِكَ كَتَبَ إلى الَّذِينَ لا يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ. قِيلَ: والآيَةُ نَزَلَتْ في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ. وقِيلَ: الظّاهِرُ أنَّها مُتَّصِلَةٌ بِالآيِ الَّتِي في المُنافِقِينَ المُوالِينَ لِلْيَهُودِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في ابْنِ أُبَيٍّ وأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، رِضى اللَّهِ تَعالى عَنْهُ، كانَ مِنهُ سَبٌّ لِلرَّسُولِ ﷺ، فَصَكَّهُ أبُو بَكْرٍ صَكَّةً سَقَطَ مِنها، فَقالَ لَهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”أوَفَعَلْتَهُ“ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: ”لا تَعُدْ“، قالَ: واللَّهِ لَوْ كانَ السَّيْفُ قَرِيبًا مِنِّي لَقَتَلْتُهُ. وقِيلَ: في أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ، قَتَلَ أباهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الجَرّاحِ يَوْمَ أُحُدٍ، وفي أبِي بَكْرٍ دَعا ابْنَهُ يَوْمَ بَدْرٍ إلى البِرازِ، وفي مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ قَتَلَ أخاهُ ابْنَ عُمَيْرٍ يَوْمَ أُحُدٍ. وقالَ ابْنُ شَوْذَبٍ: يَوْمَ بَدْرٍ، وفي عُمَرَ قَتَلَ خالَهُ العاصِي بْنَ هِشامٍ يَوْمَ بَدْرٍ، وفي عَلِيٍّ وحَمْزَةَ وعُبَيْدِ بْنِ الحارِثِ، قَتَلُوا عُتْبَةَ وشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ والوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ يَوْمَ بَدْرٍ. وقالَ الواقِدِيُّ في قِصَّةِ أبِي عُبَيْدَةَ أنَّهُ قَتَلَ أباهُ، قالَ: كَذَلِكَ يَقُولُ أهْلُ الشّامِ، وقَدْ سَألْتُ رِجالًا مِن بَنِي فِهْرٍ فَقالُوا: تُوُفِّيَ أبُوهُ قَبْلَ الإسْلامِ. انْتَهى، يَعْنُونَ في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ ظُهُورِ الإسْلامِ. وقَدْ رَتَّبَ المُفَسِّرُونَ.
﴿ولَوْ كانُوا آباءَهم أوْ أبْناءَهم أوْ إخْوانَهم أوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ عَلى قِصَّةِ أبِي عُبَيْدَةَ وأبِي بَكْرٍ ومُصْعَبٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ وحَمْزَةَ وعُبَيْدٍ مَعَ أقْرِبائِهِمْ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences