Abu HayyanAl‑Hashr · 59:8–24

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-Hashr 59:8–24

59:8–14Page 546

لِلۡفُقَرَآءِ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأَمۡوَٰلِهِمۡ يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗا وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ ٨

For the poor emigrants who were expelled from their homes and their properties, seeking bounty from Allāh and [His] approval and supporting [the cause of] Allāh and His Messenger, [there is also a share]. Those are the truthful.

وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٩

And [also for] those who were settled in the Home [i.e.,al-Madīnah] and [adopted] the faith before them.1 They love those who emigrated to them and find not any want in their breasts of what they [i.e., the emigrants] were given but give [them] preference over themselves, even though they are in privation. And whoever is protected from the stinginess of his soul - it is those who will be the successful.

وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ ١٠

And [there is a share for] those who come after them, saying, "Our Lord, forgive us and our brothers who preceded us in faith and put not in our hearts [any] resentment toward those who have believed. Our Lord, indeed You are Kind and Merciful."

۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخۡوَٰنِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَئِنۡ أُخۡرِجۡتُمۡ لَنَخۡرُجَنَّ مَعَكُمۡ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمۡ أَحَدًا أَبَدٗا وَإِن قُوتِلۡتُمۡ لَنَنصُرَنَّكُمۡ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١١

Have you not considered those who practice hypocrisy, saying to their brothers [i.e., associates] who have disbelieved among the People of the Scripture, "If you are expelled, we will surely leave with you, and we will not obey, in regard to you, anyone - ever; and if you are fought, we will surely aid you." But Allāh testifies that they are liars.

لَئِنۡ أُخۡرِجُواْ لَا يَخۡرُجُونَ مَعَهُمۡ وَلَئِن قُوتِلُواْ لَا يَنصُرُونَهُمۡ وَلَئِن نَّصَرُوهُمۡ لَيُوَلُّنَّ ٱلۡأَدۡبَٰرَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ١٢

If they are expelled, they will not leave with them, and if they are fought, they will not aid them. And [even] if they should aid them, they will surely turn their backs; then [thereafter] they will not be aided.

لَأَنتُمۡ أَشَدُّ رَهۡبَةٗ فِي صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ ١٣

You [believers] are more fearful within their breasts than Allāh. That is because they are a people who do not understand.

لَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرٗى مُّحَصَّنَةٍ أَوۡ مِن وَرَآءِ جُدُرِۭۚ بَأۡسُهُم بَيۡنَهُمۡ شَدِيدٞۚ تَحۡسَبُهُمۡ جَمِيعٗا وَقُلُوبُهُمۡ شَتَّىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ ١٤

They will not fight you all except within fortified cities or from behind walls. Their violence [i.e., enmity] among themselves is severe. You think they are together, but their hearts are diverse. That is because they are a people who do not reason.

(p-٢٤٦)قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ ولا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولِإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ ولا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكم ولا نُطِيعُ فِيكم أحَدًا أبَدًا وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكم واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهم ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهم ولَئِنْ نَصَرُوهم لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ ﴿لَأنْتُمْ أشَدُّ رَهْبَةً في صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ ﴿لا يُقاتِلُونَكم جَمِيعًا إلّا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ أوْ مِن وراءِ جُدُرٍ بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم شَتّى ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ .

(لِلْفُقَراءِ)، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: (ولِذِي القُرْبى)، والمَعْطُوفُ عَلَيْهِ والَّذِي مَنَعَ الإبْدالَ مِن ﴿لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤]، (p-٢٤٧)والمَعْطُوفُ عَلَيْهِما، وإنْ كانَ المَعْنى لِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أخْرَجَ رَسُولَهُ مِنَ الفُقَراءِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾، وأنَّهُ يَتَرَفَّعُ بِرَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، عَنِ التَّسْمِيَةِ بِالفَقِيرِ، وأنَّ الإبْدالَ عَلى ظاهِرِ اللَّفْظِ مِن خِلافِ الواجِبِ في تَعْظِيمِ اللَّهِ عَزَّ وعَلا. انْتَهى. وإنَّما جَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: (ولِذِي القُرْبى)، لِأنَّهُ مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ، والمَعْنى إنَّما يَسْتَحِقُّ ذُو القُرْبى الفَقِيرُ. فالفَقْرُ شَرْطٌ فِيهِ عَلى مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ، فَفَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى مَذْهَبِهِ. وأمّا الشّافِعِيُّ، فَيَرى أنَّ سَبَبَ الِاسْتِحْقاقِ هو القَرابَةُ، فَيَأْخُذُ ذُو القُرْبى الغَنِيُّ لِقَرابَتِهِ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧]، وكُرِّرَتْ لامُ الجَرِّ لَمّا كانَتِ الأُولى مَجْرُورَةً بِاللّامِ، لِيُبَيِّنَ بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكم، أيْ ولَكِنْ يَكُونُ لِلْفُقَراءِ. انْتَهى. ثُمَّ وصَفَ تَعالى المُهاجِرِينَ بِما يَقْتَضِي فَقْرَهم ويُوجِبُ الإشْفاقَ عَلَيْهِمْ.

﴿أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾: أيْ في إيمانِهِمْ وجِهادِهِمْ قَوْلًا وفِعْلًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى المُهاجِرِينَ، وهُمُ الأنْصارُ، فَيَكُونُ قَدْ وقَعَ بَيْنَهُمُ الِاشْتِراكُ فِيما يُقَسَّمُ مِنَ الأمْوالِ. وقِيلَ: هو مُسْتَأْنَفٌ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ (يُحِبُّونَ) . أثْنى اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الخِصالِ الجَلِيلَةِ، كَما أثْنى عَلى المُهاجِرِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا﴾ إلَخْ، ”والإيمانَ“ مَعْطُوفٌ عَلى ”الدّارَ“، وهي المَدِينَةُ، والإيمانُ لَيْسَ مَكانًا فَيُتَبَوَّأُ. فَقِيلَ: هو مِن عَطْفِ الجُمَلِ، أيْ واعْتَقَدُوا الإيمانَ وأخْلَصُوا فِيهِ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ:

؎عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا

أوْ يَكُونُ ضِمْنَ ﴿تَبَوَّءُوا﴾ مَعْنى لَزِمُوا، واللُّزُومُ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ في الدّارِ والإيمانِ، فَيَصِحُّ العَطْفُ. أوْ لَمّا كانَ الإيمانُ قَدْ شَمِلَهم، صارَ كالمَكانِ الَّذِي يُقِيمُونَ فِيهِ، لَكِنْ يَكُونُ ذَلِكَ جَمْعًا بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ أرادَ دارَ الهِجْرَةِ ودارَ الإيمانِ، فَأقامَ لامَ التَّعْرِيفِ في الدّارِ مَقامَ المُضافِ إلَيْهِ، وحَذَفَ المُضافَ مِن دارِ الإيمانِ ووَضَعَ المُضافَ إلَيْهِ مَقامَهُ؛ أوْ سَمّى المَدِينَةَ، لِأنَّها دارُ الهِجْرَةِ ومَكانُ ظُهُورِ الإيمانِ بِالإيمانِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَعْنى تَبَوَّءُوا الدّارَ مَعَ الإيمانِ مَعًا، وبِهَذا الِاقْتِرانِ يَصِحُّ مَعْنى قَوْلِهِ: (مِن قَبْلِهِمْ) فَتَأمَّلْهُ. انْتَهى. ومَعْنى (مِن قَبْلِهِمْ): مِن قَبْلِ هِجْرَتِهِمْ، (حاجَةً): أيْ حَسَدًا، ﴿مِمّا أُوتُوا﴾: أيْ مِمّا أُعْطِيَ المُهاجِرُونَ، ونِعْمَ الحاجَةُ ما فَعَلَهُ الرَّسُولُ، ﷺ، في إعْطاءِ المُهاجِرِينَ مِن أمْوالِ بَنِي النَّضِيرِ والقُرى.

﴿ويُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ﴾: مِن ذَلِكَ قِصَّةُ الأنْصارِيِّ مَعَ ضَيْفِ الرَّسُولِ، ﷺ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهم إلّا ما يَأْكُلُ الصِّبْيَةُ، فَأوْهَمَهُ أنَّهُ يَأْكُلُ حَتّى أكَلَ الضَّيْفُ، فَقالَ لَهُ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «عَجِبَ اللَّهُ مِن فِعْلِكُما البارِحَةَ»، فالآيَةُ مُشِيرَةٌ إلى ذَلِكَ. ورُوِيَ غَيْرُ ذَلِكَ في إيثارِهِمْ. والخَصاصَةُ: الفاقَةُ، مَأْخُوذَةٌ مِن خَصاصِ البَيْتِ، وهو ما يَبْقى بَيْنَ عِيدانِهِ مِنَ الفُرَجِ والفُتُوحِ، فَكَأنَّ حالَ الفَقِيرِ هي كَذَلِكَ، يَتَخَلَّلُها النَّقْصُ والِاحْتِياجُ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: شِحٌّ بِكَسْرِ الشِّينِ. والجُمْهُورُ: بِإسْكانِ الواوِ وتَخْفِيفِ القافِ وضَمِّ الشِّينِ، والشُّحُّ: اللُّؤْمُ، وهو كَزازَةُ النَّفْسِ عَلى ما عِنْدَها، والحِرْصُ عَلى المَنعِ. قالَ الشّاعِرُ:

؎يُمارِسُ نَفْسًا بَيْنَ جَنْبَيْهِ كَزَّةً ∗∗∗ إذا هَمَّ بِالمَعْرُوفِ قالَتْ لَهُ مَهْلا

وأُضِيفَ الشُّحُّ إلى النَّفْسِ لِأنَّهُ غَرِيزَةٌ فِيها. وقالَ تَعالى: ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]، وفي الحَدِيثِ: «مَن أدّى الزَّكاةَ المَفْرُوضَةَ وقَرى الضَّيْفَ وأعْطى في النّائِبَةِ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ الشُّحِّ» .

﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾: الظّاهِرُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ المَعْطُوفِ عَلى المُهاجِرِينَ. فَقالَ الفَرّاءُ: هُمُ الفِرْقَةُ الثّالِثَةُ مِنَ الصَّحابَةِ، وهو مَن آمَنَ أوْ كَفَرَ في آخِرِ مُدَّةِ النَّبِيِّ، ﷺ . وقالَ الجُمْهُورُ: أرادَ مَن يَجِيءُ مِنَ التّابِعِينَ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ: يَكُونُ مَعْنى (مِن بَعْدِهِمْ): أيْ مِن بَعْدِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ السّابِقِينَ بِالإيمانِ، وهَؤُلاءِ تَأخَّرَ إيمانُهم، أوْ سَبَقَ إيمانُهُ وتَأخَّرَتْ وفاتُهُ حَتّى انْقَرَضَ مُعْظَمُ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ. وعَلى (p-٢٤٨)القَوْلِ الثّانِي: يَكُونُ مَعْنى (مِن بَعْدِهِمْ): أيْ مِن بَعْدِ مَماتِ المُهاجِرِينَ، مُهاجِرِيهِمْ وأنْصارِهِمْ. وإذا كانَ (والَّذِينَ) مَعْطُوفًا عَلى المَجْرُورِ قَبْلَهُ، فالظّاهِرُ أنَّهم مُشارِكُو مَن تَقَدَّمَ في حُكْمِ الفَيْءِ.

وقالَ مالِكُ بْنُ أوْسٍ: قَرَأ عَمْرٌو ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ [التوبة: ٦٠] الآيَةَ، فَقالَ: هَذِهِ لِهَؤُلاءِ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: ٤١]، فَقالَ: وهَذِهِ لِهَؤُلاءِ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧] حَتّى بَلَغَ ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ﴾ إلى ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ . ثُمَّ قالَ: لَئِنْ عِشْتُ لَنُؤْتِيَنَّ الرّاعِيَ وهو يَسِيرُ نَصِيبَهُ مِنها. وعَنْهُ أيْضًا: أنَّهُ اسْتَشارَ المُهاجِرِينَ والأنْصارَ فِيما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن ذَلِكَ في كَلامٍ كَثِيرٍ، آخِرُهُ أنَّهُ تَلا: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ [الحشر: ٧] الآيَةَ، فَلَمّا بَلَغَ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ قالَ: هي لِهَؤُلاءِ فَقَطْ، وتَلا: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ الآيَةَ، إلى قَوْلِهِ: (رَءُوفٌ رَحِيمٌ)؛ ثُمَّ قالَ: ما بَقِيَ أحَدٌ مِن أهْلِ الإسْلامِ إلّا وقَدْ دَخَلَ في ذَلِكَ. وقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لَوْلا مَن يَأْتِي مِن آخِرِ النّاسِ ما فُتِحَتْ قَرْيَةٌ إلّا قَسَّمْتُها كَما قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، خَيْبَرَ. وقِيلَ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ مَقْطُوعٌ مِمّا قَبْلَهُ، مَعْطُوفٌ عَطْفَ الجُمَلِ، لا عَطْفَ المُفْرَداتِ؛ فَإعْرابُهُ: (والَّذِينَ) مُبْتَدَأٌ، نُدِبُوا بِالدُّعاءِ لِلْأوَّلِينَ والثَّناءِ عَلَيْهِمْ، وهم مَن يَجِيءُ بَعْدَ الصَّحابَةِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والخَبَرُ (يَقُولُونَ)، أخْبَرَ تَعالى عَنْهم بِأنَّهم لِإيمانِهِمْ ومَحَبَّةِ أسْلافِهِمْ ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولِإخْوانِنا﴾، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ (يَقُولُونَ) اسْتِئْنافَ إخْبارٍ، قِيلَ: أوْ حالًا.

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا﴾ الآيَةَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ورِفاعَةَ بْنِ التّابُوتِ وقَوْمٍ مِن مُنافِقِي الأنْصارِ، كانُوا بَعَثُوا إلى بَنِي النَّضِيرِ بِما تَضَمَّنَتْهُ الجُمَلُ المَحْكِيَّةُ بِقَوْلِهِ: (يَقُولُونَ)، واللّامُ في (لِإخْوانِهِمْ) لِلتَّبْلِيغِ، والأُخُوَّةُ بَيْنَهم أُخُوَّةُ الكُفْرِ ومُوالاتُهم، ﴿ولا نُطِيعُ فِيكُمْ﴾: أيْ في قِتالِكم، (أحَدًا): مِنَ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ؛ أوْ ﴿لا نُطِيعُ فِيكُمْ﴾: أيْ في خُذْلانِكم وإخْلافِ ما وعَدْناكم مِنَ النُّصْرَةِ، و﴿لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾: جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ قَبْلَ ”إنِ“ الشَّرْطِيَّةِ، وجَوابُ إنْ مَحْذُوفٌ، والكَثِيرُ في كَلامِ العَرَبِ إثْباتُ اللّامِ المُؤْذِنَةُ بِالقَسَمِ قَبْلَ أداةِ الشَّرْطِ، ومِن حَذْفِها قَوْلُهُ: ﴿وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: ٧٣]، التَّقْدِيرُ: ولَئِنْ لَمْ يَنْتَهُوا لَكاذِبُونَ، أيْ في مَواعِيدِهِمْ لِلْيَهُودِ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ لِأنَّهُ إخْبارٌ بِالغَيْبِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَخْرُجُوا حِينَ أُخْرِجَ بَنُو النَّضِيرِ، بَلْ أقامُوا في دِيارِهِمْ، وهَذا إذا كانَ قَوْلُهُ: (لِإخْوانِهِمْ) أنَّهم بَنُو النَّضِيرِ. وقِيلَ: هم يَهُودُ المَدِينَةِ، والضَّمائِرُ عَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ. وقِيلَ: فِيها اخْتِلافٌ، أيْ لَئِنْ أُخْرِجَ اليَهُودُ لا يَخْرُجُ المُنافِقُونَ، ولَئِنْ قُوتِلَ اليَهُودُ لا يَنْصُرُهُمُ المُنافِقُونَ، ولَئِنْ نَصَرَ اليَهُودُ المُنافِقِينَ لَيُوَلِّي اليَهُودُ الأدْبارَ، وكَأنَّ صاحِبَ هَذا القَوْلِ نَظَرَ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ﴾، فَقَدْ أخْبَرَ أنَّهم لا يَنْصُرُونَهم، فَكَيْفَ يَأْتِي ﴿ولَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ ؟ فَأخْرَجَهُ في حَيِّزِ الإمْكانِ، وقَدْ أخْبَرَ أنَّهم لا يَنْصُرُونَهم، فَلا يُمْكِنُ نَصْرُهم إيّاهم بَعْدَ إخْبارِهِ تَعالى أنَّهُ لا يَقَعُ. وإذا كانَتِ الضَّمائِرُ مُتَّفِقَةً، فَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ ولَئِنْ نَصَرُوهم عَلى الفَرْضِ، والتَّقْدِيرُ كَقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وكَما يُعْلَمُ ما لا يَكُونُ لَوْ كانَ كَيْفَ يَكُونُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ: ولَئِنْ خالَفُوا ذَلِكَ فَإنَّهم يَنْهَزِمُونَ. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ﴾، وفي (ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ) عائِدٌ عَلى المَفْرُوضِ أنَّهم يَنْصُرُونَهم، أيْ ولَئِنْ نَصَرَهُمُ المُنافِقُونَ لَيُوَلُّنَّ المُنافِقُونَ الأدْبارَ، ثُمَّ لا يُنْصَرُ المُنافِقُونَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في التَّوَلِّي عائِدٌ عَلى اليَهُودِ، وكَذا في (لا يُنْصَرُونَ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجاءَتِ الأفْعالُ غَيْرَ مَجْزُومَةٍ في قَوْلِهِ: (لا يُخْرَجُونَ) و(لا يُنْصَرُونَ) لِأنَّها راجِعَةٌ عَلى حُكْمِ القَسَمِ، لا عَلى حُكْمِ الشَّرْطِ، وفي هَذا نَظَرٌ. انْتَهى. وأيُّ نَظَرٍ في هَذا ؟ وهَذا جاءَ عَلى القاعِدَةِ المُتَّفَقِ عَلَيْها مِن أنَّهُ إذا تَقَدَّمَ القَسَمُ عَلى الشَّرْطِ كانَ الجَوابُ لِلْقَسَمِ وحُذِفَ جَوابُ الشَّرْطِ، وكانَ فِعْلُهُ بِصِيغَةِ المُضِيِّ، أوْ مَجْزُومًا بِلَمْ، ولَهُ شَرْطٌ، وهو أنْ لا يَتَقَدَّمَهُ طالِبُ خَبَرٍ. واللّامُ في (لَئِنْ) مُؤْذِنَةٌ بِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ قَبْلَهُ، فالجَوابُ لَهُ. وقَدْ أجازَ الفَرّاءُ أنْ يُجابَ الشَّرْطُ، (p-٢٤٩)وإنْ تَقَدَّمَ القَسَمَ، ورَدَّهُ عَلَيْهِ البَصْرِيُّونَ. ثُمَّ خاطَبَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ هَؤُلاءِ يَخافُونَكم أشَدَّ خِيفَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، لِأنَّهم يَتَوَقَّعُونَ عاجِلَ شَرِّكم، ولِعَدَمِ إيمانِهِمْ لا يَتَوَقَّعُونَ أجَلَ عَذابِ اللَّهِ، وذَلِكَ لِقِلَّةِ فَهْمِهِمْ، و﴿رَهْبَةً﴾: مَصْدَرُ رَهِبَ المَبْنِيُّ لِلْمَفْعُولِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أشَدُّ مَرْهُوبِيَّةً، فالرَّهْبَةُ واقِعَةٌ مِنهم لا مِنَ المُخاطَبِينَ، والمُخاطَبُونَ مَرْهُوبُونَ، وهَذا كَما قالَ:

؎فَلَهُوَ أخْوَفُ عِنْدِي إذْ أُكَلِّمُهُ ∗∗∗ وقِيلَ إنَّكَ مَأْسُورٌ ومَقْتُولُ

؎مِن ضَيْغَمٍ بِثَراءِ الأرْضِ مُخْدِرَةً ∗∗∗ بِبَطْنِ عِثَّرَ غِيلٌ دُونَهُ غِيلُ

فالمُخْبَرُ عَنْهُ مَخُوفٌ لا خائِفٌ، والضَّمِيرُ في (صُدُورِهِمْ) . قِيلَ: لِلْيَهُودِ، وقِيلَ: لِلْمُنافِقِينَ، وقِيلَ: لِلْفَرِيقَيْنِ. وجَعْلُ الصَّدْرِ مَقَرًّا لِلرَّهْبَةِ دَلِيلٌ عَلى تَمَكُّنِها مِنهم بِحَيْثُ صارَتِ الصُّدُورُ مَقَرًّا لَها، والمَعْنى: رَهْبَتُهم مِنكم أشَدُّ مِن رَهْبَتِهِمْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

﴿لا يُقاتِلُونَكُمْ﴾: أيْ بَنُو النَّضِيرِ وجَمِيعُ اليَهُودِ. وقِيلَ: اليَهُودُ والمُنافِقُونَ (جَمِيعًا): أيْ مُجْتَمِعِينَ مُتَسانِدِينَ يُعَضِّدُ بَعْضُهم بَعْضًا، ﴿إلّا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾: لا في الصَّحْراءِ لِخَوْفِهِمْ مِنكم وتَحْصِينِها بِالدُّرُوبِ والخَنادِقِ، أوْ مِن وراءِ جِدارٍ يَتَسَتَّرُونَ بِهِ مِن أنْ تُصِيبُوهم. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿جُدُرٍ﴾ بِضَمَّتَيْنِ، جَمْعُ جِدارٍ؛ وأبُو رَجاءٍ والحَسَنُ وابْنُ وثّابٍ: بِإسْكانِ الدّالِ تَخْفِيفًا، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وعاصِمٍ والأعْمَشِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ وكَثِيرٌ مِنَ المَكِّيِّينَ: جِدارٍ بِالألِفِ وكَسْرِ الجِيمِ. وقَرَأ كَثِيرٌ مِنَ المَكِّيِّينَ وهارُونُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: جَدْرٍ بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ الدّالِ. قالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: وهو واخِذٌ بِلُغَةِ اليَمَنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَعْناهُ أصْلُ بُنْيانٍ كالسُّورِ ونَحْوِهِ. قالَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن جِدْرِ النَّخْلِ، أيْ مِن وراءِ نَخْلِهِمْ، إذْ هي مِمّا يُتَّقى بِهِ عِنْدَ المُصافَّةِ.

﴿بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ﴾: أيْ إذا اقْتَتَلُوا بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ. كانَ بَأْسُهم شَدِيدًا؛ أمّا إذا قاتَلُوكم، فَلا يَبْقى لَهم بَأْسٌ، لِأنَّ مَن حارَبَ أوْلِياءَ اللَّهِ خُذِلَ.

﴿تَحْسَبُهم جَمِيعًا﴾: أيْ مُجْتَمِعِينَ، ذَوِي أُلْفَةٍ واتِّحادٍ.

﴿وقُلُوبُهم شَتّى﴾: أيْ وأهْواؤُهم مُتَفَرِّقَةٌ، وكَذا حالُ المَخْذُولِينَ، لا تَسْتَقِرُّ أهْواؤُهم عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، ومُوجِبُ ذَلِكَ الشَّتاتِ هو انْتِفاءُ عُقُولِهِمْ، فَهم كالبَهائِمِ لا تَتَّفِقُ عَلى حالَةٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿شَتّى﴾ بِألِفِ التَّأْنِيثِ؛ ومُبَشِّرُ بْنُ عُبَيْدٍ: مُنَوَّنًا، جَعَلَها ألِفَ الإلْحاقِ؛ وعَبْدُ اللَّهِ: وقُلُوبُهم أشَتُّ: أيْ أشَدُّ تَفَرُّقًا، ومِن كَلامِ العَرَبِ: شَتّى تَئُوبُ الحَلْبَةُ. قالَ الشّاعِرُ:

؎إلى اللَّهِ أشْكُو فِتْيَةً شَقَّتِ العَصا ∗∗∗ هي اليَوْمَ شَتّى وهي أمْسِ جَمِيعُ

59:15–24Page 547

كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَرِيبٗاۖ ذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٥

[Theirs is] like the example of those shortly before them: they tasted the bad consequence of their affair, and they will have a painful punishment.

كَمَثَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ إِذۡ قَالَ لِلۡإِنسَٰنِ ٱكۡفُرۡ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦

[The hypocrites are] like the example of Satan when he says to man, "Disbelieve." But when he disbelieves, he says, "Indeed, I am disassociated from you. Indeed, I fear Allāh, Lord of the worlds."

فَكَانَ عَٰقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَٰلِدَيۡنِ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٧

So the outcome for both of them is that they will be in the Fire, abiding eternally therein. And that is the recompense of the wrongdoers.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨

O you who have believed, fear Allāh. And let every soul look to what it has put forth for tomorrow - and fear Allāh. Indeed, Allāh is Aware of what you do.

وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمۡ أَنفُسَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ١٩

And be not like those who forgot Allāh, so He made them forget themselves. Those are the defiantly disobedient.

لَا يَسۡتَوِيٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۚ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٢٠

Not equal are the companions of the Fire and the companions of Paradise. The companions of Paradise - they are the attainers [of success].

لَوۡ أَنزَلۡنَا هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلٖ لَّرَأَيۡتَهُۥ خَٰشِعٗا مُّتَصَدِّعٗا مِّنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ٢١

If We had sent down this Qur’ān upon a mountain, you would have seen it humbled and splitting from fear of Allāh. And these examples We present to the people that perhaps they will give thought.

هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِۖ هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ ٢٢

He is Allāh, other than whom there is no deity, Knower of the unseen and the witnessed.1 He is the Entirely Merciful, the Especially Merciful.

هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ ٱلۡمُؤۡمِنُ ٱلۡمُهَيۡمِنُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡجَبَّارُ ٱلۡمُتَكَبِّرُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٢٣

He is Allāh, other than whom there is no deity, the Sovereign,1 the Pure,2 the Perfection,3 the Grantor of Security,4 the Overseer,5 the Exalted in Might,6 the Compeller,7 the Superior.8 Exalted is Allāh above whatever they associate with Him.

هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡخَٰلِقُ ٱلۡبَارِئُ ٱلۡمُصَوِّرُۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٤

He is Allāh, the Creator,1 the Producer,2 the Fashioner;3 to Him belong the best names.4 Whatever is in the heavens and earth is exalting Him. And He is the Exalted in Might, the Wise.5

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهم أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ﴾ ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ﴿هُوَ اللَّهُ الخالِقُ البارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .

(p-٢٥٠)(كَمَثَلِ): خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ مَثَلُهم، أيْ بَنِي النَّضِيرِ ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا﴾: وهم بَنُو قَيْنُقاعَ، أجْلاهُمُ الرَّسُولُ، ﷺ، مِنَ المَدِينَةِ قَبْلَ بَنِي النَّضِيرِ فَكانُوا مَثَلًا لَهم، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أوْ أهْلُ بَدْرٍ الكُفّارُ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَتَلَهم، فَهم مِثْلُهم في أنْ غُلِبُوا وقُهِرُوا. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (مِن قَبْلِهِمْ) لِلْمُنافِقِينَ، و(الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ): مُنافِقُو الأُمَمِ الماضِيَةِ، غُلِبُوا وذُلُّوا عَلى وجْهِ الدَّهْرِ، فَهَؤُلاءِ مِثْلُهم. ويُبْعِدُ هَذا التَّأْوِيلَ لَفْظَةُ (قَرِيبًا) إنْ جَعَلْتَهُ مُتَعَلِّقًا بِما قَبْلَهُ، وقَرِيبًا ظَرْفُ زَمانٍ وإنْ جَعَلْتَهُ مَعْمُولًا لَذاقُوا، أيْ ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ قَرِيبًا مِن عِصْيانِهِمْ، أيْ لَمْ تَتَأخَّرْ عُقُوبَتُهم في الدُّنْيا، كَما لَمْ تَتَأخَّرْ عُقُوبَةُ هَؤُلاءِ. (ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ) في الآخِرَةِ.

﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ﴾: لَمّا مَثَّلَهم بِمَن قَبْلَهم، ذَكَرَ مَثَلَهم مَعَ المُنافِقِينَ، فالمُنافِقُونَ كالشَّيْطانِ، وبَنُو النَّضِيرِ كالإنْسانِ، والجُمْهُورُ: عَلى أنَّ الشَّيْطانَ والإنْسانَ اسْما جِنْسٍ يُوَرِّطُهُ في المَعْصِيَةِ ثُمَّ يَفِرُّ مِنهُ. كَذَلِكَ أغْوى المُنافِقُونَ بَنِي النَّضِيرِ، وحَرَّضُوهم عَلى الثَّباتِ، ووَعَدُوهُمُ النَّصْرَ. فَلَمّا نَشَبَ بَنُو النَّضِيرِ، خَذَلَهُمُ المُنافِقُونَ وتَرَكُوهم في أسْوَأِ حالٍ. وقِيلَ: المُرادُ اسْتِغْواءُ الشَّيْطانِ قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ. وقَوْلُهُ لَهم: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] . وقِيلَ: التَّمْثِيلُ بِشَيْطانٍ مَخْصُوصٍ مَعَ عابِدٍ مَخْصُوصٍ اسْتُودِعَ امْرَأةً، فَوَقَعَ عَلَيْها فَحَمَلَتْ، فَخَشِيَ الفَضِيحَةَ، فَقَتَلَها ودَفَنَها. سَوَّلَ لَهُ الشَّيْطانُ ذَلِكَ، ثُمَّ شَهَرَهُ، فاسْتُخْرِجَتْ فَوُجِدَتْ مَقْتُولَةً؛ وكانَ قالَ إنَّها ماتَتْ ودَفَنْتُها، فَعَلِمُوا بِذَلِكَ، فَتَعَرَّضَ لَهُ الشَّيْطانُ وقالَ: اكْفُرْ واسْجُدْ لِي وأنا أُنَجِّيكَ، فَفَعَلَ وتَرَكَهُ عِنْدَ ذَلِكَ وقالَ: أنا بَرِيءٌ مِنكَ. وقَوْلُ الشَّيْطانِ: ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ﴾ رِياءٌ، ولا يَمْنَعُهُ الخَوْفُ عَنْ سُوءٍ يُوقِعُ ابْنَ آدَمَ فِيهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿عاقِبَتَهُما﴾ بِنَصْبِ التّاءِ؛ والحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وسَلِيمُ بْنُ أرْقَمَ: بِرَفْعِهِما. والجُمْهُورُ: (خالِدِينَ) بِالياءِ حالًا، و(في النّارِ) خَبَرُ أنَّ؛ وعَبْدُ اللَّهِ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والأعْمَشُ وابْنُ عَبْلَةَ: بِالألِفِ، فَجازَ أنْ يَكُونَ خَبَرَ أنَّ، والظَّرْفُ مُلْغًى وإنْ كانَ قَدْ أُكِّدَ بِقَوْلِهِ: (فِيها)، وذَلِكَ جائِزٌ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، ومَنَعَ ذَلِكَ أهْلُ الكُوفَةِ، لِأنَّهُ إذا أُكِّدَ عِنْدَهم لا يُلْغى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في النّارِ خَبَرًا، لِأنَّ (خالِدِينَ) خَبَرٌ ثانٍ، فَلا يَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ.

ولَمّا انْقَضى في هَذِهِ السُّورَةِ وصْفُ المُنافِقِينَ واليَهُودِ وعَظَ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّ المَوْعِظَةَ بَعْدَ ذِكْرِ المُصِيبَةِ لَها مَوْقِعٌ في النَّفْسِ لِرِقَّةِ القُلُوبِ والحَذَرِ مِمّا يُوجِبُ العَذابَ، وكَرَّرَ الأمْرَ بِالتَّقْوى عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، أوْ لِاخْتِلافٍ مُتَعَلِّقٍ بِالتَّقْوى. فالأُولى في أداءِ الفَرائِضِ، لِأنَّهُ مُقْتَرِنٌ بِالعَمَلِ؛ والثّانِيَةُ في تَرْكِ المَعاصِي، لِأنَّهُ مُقْتَرِنٌ بِالتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولْتَنْظُرْ﴾: أمْرًا، واللّامُ ساكِنَةٌ؛ وأبُو حَيْوَةَ ويَحْيى بْنُ الحارِثِ: بِكَسْرِها. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ حَفْصٍ، عَنْ عاصِمٍ. والحَسَنُ: بِكَسْرِها وفَتْحِ الرّاءِ، جَعَلَها لامَ كَيْ. ولَمّا كانَ أمْرُ القِيامَةِ كائِنًا لا مَحالَةَ، عَبَّرَ عَنْهُ بِالغَدِ، وهو اليَوْمُ الَّذِي يَلِي يَوْمَكَ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيبِ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: لَمْ يَزَلْ يُقِرُّ بِهِ حَتّى جَعَلَهُ كالغَدِ، ونَحْوُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ [يونس: ٢٤]، يُرِيدُ تَقْرِيبَ الزَّمانِ الماضِي. وقِيلَ: عَبَّرَ عَنِ الآخِرَةِ بِالغَدِ، كَأنَّ الدُّنْيا والآخِرَةَ نَهارانِ يَوْمٌ وغَدٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِغَدٍ﴾: لِيَوْمِ المَوْتِ، لِأنَّهُ لِكُلِّ إنْسانٍ كَغَدِهِ. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: بِالأمْسِ الدُّنْيا وغَدٌ الآخِرَةُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أمّا تَنْكِيرُ النَّفْسِ فاسْتِقْلالٌ لِلْأنْفُسِ النَّواظِرِ فِيما قَدَّمْنَ لِلْآخِرَةِ، كَأنَّهُ: قِيلَ لِغَدٍ لا يُعْرَفُ كُنْهُهُ لِعِظَمِهِ. انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (لا تَكُونُوا) بِتاءِ الخِطابِ؛ وأبُو حَيْوَةَ: بِياءِ الغَيْبَةِ، عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ. (p-٢٥١)وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: كِنايَةٌ عَنْ ”نَفْسٌ“ الَّتِي هي اسْمُ الجِنْسِ؛ ﴿كالَّذِينَ نَسُوا﴾: هُمُ الكُفّارُ، وتَرَكُوا عِبادَةَ اللَّهِ وامْتِثالَ ما أمَرَ واجْتِنابَ ما نَهى، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى فَرْطِ غَفْلَتِهِمْ واتِّباعِ شَهَواتِهِمْ؛ ﴿فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾، حَيْثُ لَمْ يَسْعَوْا إلَيْها في الخَلاصِ مِنَ العَذابِ، وهَذا مِنَ المُجازاةِ عَلى الذَّنْبِ بِالذَّنْبِ. عُوقِبُوا عَلى نِسْيانِ جِهَةِ اللَّهِ تَعالى بِأنْ أنْساهم أنْفُسَهم. قالَ سُفْيانُ: المَعْنى حَظُّ أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ ذَكَرَ مُبايَنَةَ الفَرِيقَيْنِ: أصْحابُ النّارِ في الجَحِيمِ، وأصْحابُ الجَنَّةِ في النَّعِيمِ، كَما قالَ: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨]، وقالَ تَعالى: ﴿أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ [ص: ٢٨] .

﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ﴾: هَذا مِن بابِ التَّخْيِيلِ والتَّمْثِيلِ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ﴾ [الأحزاب: ٧٢]، ودَلَّ عَلى ذَلِكَ: ﴿وتِلْكَ الأمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾، والغَرَضُ تَوْبِيخُ الإنْسانِ عَلى قَسْوَةِ قَلْبِهِ وعَدَمِ تَأثُّرِهِ لِهَذا الَّذِي لَوْ أُنْزِلَ عَلى الجَبَلِ لَتَخَشَّعَ وتَصَدَّعَ. وإذا كانَ الجَبَلُ عَلى عِظَمِهِ وتَصَلُّبِهِ يَعْرِضُ لَهُ الخُشُوعُ والتَّصَدُّعُ، فابْنُ آدَمَ كانَ أوْلى بِذَلِكَ، لَكِنَّهُ عَلى حَقارَتِهِ وضَعْفِهِ لا يَتَأثَّرُ. وقَرَأ وطَلْحَةُ: مُصَّدِّعًا، بِإدْغامِ التّاءِ في الصّادِ؛ وأبُو السَّمّالِ وأبُو دِينارٍ الأعْرابِيُّ: القَدُّوسُ بِفَتْحِ القافِ؛ والجُمْهُورُ: بِالفَكِّ والضَّمِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: المُؤْمِنُ بِكَسْرِ المِيمِ، اسْمُ فاعِلٍ مِن آمَنَ بِمَعْنى أمَّنَ. وقالَ ثَعْلَبٌ: المُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ في أنَّهم آمَنُوا. وقالَ النَّحّاسُ: أوْ في شَهادَتِهِمْ عَلى النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: المُصَدِّقُ نَفْسَهُ في أقْوالِهِ الأزَلِيَّةِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، وقِيلَ: أبُو جَعْفَرٍ المَدَنِيُّ: المُؤْمَنُ بِفَتْحِ المِيمِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَكانَ المُؤْمَنُ بِهِ وكانَ جائِزًا، لَكِنَّ المُؤْمَنَ المُطْلَقَ بِلا حَرْفِ جَرٍّ يَكُونُ مِن كانَ خائِفًا فَأُومِنَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي المُؤْمَنُ بِهِ عَلى حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ، كَما تَقُولُ في قَوْمِ مُوسى مِن قَوْلِهِ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥]: المُخْتارُونَ.

﴿المُهَيْمِنُ﴾: تَقَدَّمَ شَرْحُهُ.

﴿الجَبّارُ﴾: القَهّارُ الَّذِي جَبَرَ خَلْقَهُ عَلى ما أرادَ. وقِيلَ: الجَبّارُ: الَّذِي لا يُدانِيهِ شَيْءٌ ولا يُلْحَقُ، ومِنهُ نَخْلَةٌ جَبّارَةٌ إذا لَمْ تُلْحَقُ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

؎سَوامِقَ جَبّارَ أثِيثٍ فُرُوعَهُ وعالَيْنَ قُنْوانًا مِنَ البُسْرِ أحْمَرا

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو العَظِيمُ، وجَبَرُوتُهُ: عَظَمَتُهُ. وقِيلَ: هو مِنَ الجَبْرِ، وهو الإصْلاحُ. جَبَرْتُ العَظْمَ: أصْلَحْتُهُ بَعْدَ الكَسْرِ. وقالَ الفَرّاءُ: مِن أجْبَرَهُ عَلى الأمْرِ: قَهَرَهُ، قالَ: ولَمْ أسْمَعْ فَعّالًا مِن أفْعَلَ إلّا في جَبّارٍ ودَرّاكٍ. انْتَهى، وسُمِعَ أسّارٌ فَهو أسارُ.

﴿المُتَكَبِّرُ﴾: المُبالِغُ في الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ. وقِيلَ: المُتَكَبِّرُ عَنْ ظُلْمِ عِبادِهِ، ﴿الخالِقُ﴾: المُقَدِّرُ لِما يُوجِدُهُ.

﴿البارِئُ﴾: المُمَيِّزُ بَعْضَهُ مِن بَعْضٍ بِالأشْكالِ المُخْتَلِفَةِ، ﴿المُصَوِّرُ﴾: المُمَثِّلُ. وقَرَأ عَلِيٌّ وحاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ والحَسَنُ وابْنُ السَّمَيْفَعِ: المُصَوَّرَ بِفَتْحِ الواوِ والرّاءِ، وانْتَصَبَ مَفْعُولًا بِالبارِئِ، وأرادَ بِهِ جِنْسَ المُصَوَّرِ. وعَنْ عَلِيٍّ؛ فَتْحُ الواوِ وكَسْرُ الرّاءِ عَلى إضافَةِ اسْمِ الفاعِلِ إلى المَفْعُولِ، نَحْوَ: الضّارِبُ الغُلامِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском