Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:125–129
6:125–126Page 144
فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ كَذَٰلِكَ يَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٢٥
So whoever Allāh wants to guide - He expands his breast to [contain] Islām; and whoever He wants to send astray1 - He makes his breast tight and constricted as though he were climbing into the sky. Thus does Allāh place defilement upon those who do not believe.
وَهَٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسۡتَقِيمٗاۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ ١٢٦
And this is the path of your Lord, [leading] straight. We have detailed the verses for a people who remember.
﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الرَّسُولِ ﷺ وفي أبِي جَهْلٍ، والهِدايَةُ هُنا مُقابِلَةُ الضَّلالَةِ، والشَّرْحُ كِنايَةٌ عَنْ جَعْلِهِ قابِلًا لِلْإسْلامِ مُتَوَسِّعًا لِقَبُولِ تَكالِيفِهِ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ إلى صَدْرِهِ مَجازٌ عَنْ ذاتِ الشَّخْصِ، ولِذَلِكَ قالُوا: فُلانٌ واسِعُ الصَّدْرِ إذا كانَ الشَّخْصُ مُحْتَمِلًا ما يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ المَشاقِّ والتَّكالِيفِ، ونِسْبَةُ إرادَةِ الهُدى والضَّلالِ إلى اللَّهِ إسْنادٌ حَقِيقِيٌّ لِأنَّهُ تَعالى هو الخالِقُ ذَلِكَ والمُوجِدُ لَهُ والمُرِيدُ لَهُ، وشَرْحُ الصَّدْرِ تَسْهِيلُ قَبُولِ الإيمانِ عَلَيْهِ وتَحْسِينُهُ وإعْدادُهُ لِقَبُولِهِ، وضَمِيرُ فاعِلِ الهُدى عائِدٌ عَلى اللَّهِ، أيْ: يَشْرَحُ اللَّهُ صَدْرَهُ، وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الهُدى المُنْسَبِكِ مِن ﴿أنْ يَهْدِيَهُ﴾، أيْ: يَشْرَحُ الهُدى صَدْرَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَتَرَكَّبُ عَلَيْهِ مَذْهَبُ القَدَرِيَّةِ في خَلْقِ الأعْمالِ. انْتَهى. وفي الحَدِيثِ السُّؤالُ عَنْ كَيْفِيَّةِ هَذا الشَّرْحِ، وأنَّهُ إذا وقَعَ النُّورُ في القَلْبِ انْشَرَحَ الصَّدْرُ، وأمارَتُهُ الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ الفَوْتِ. والضِّيقُ والحَرَجُ كِنايَةٌ عَنْ ضِدِّ الشَّرْحِ، واسْتِعارَةٌ لِعَدَمِ قَبُولِ الإيمانِ، والحَرِجُ الشَّدِيدُ الضِّيقِ، والضَّمِيرُ في (يَجْعَلْ) عائِدٌ عَلى (اللَّهُ)، ومَعْنى يَجْعَلُ يُصَيِّرُ لِأنَّ الإنْسانَ يُخْلَقُ أوَّلًا عَلى الفِطْرَةِ، وهي كَوْنُهُ مُهَيَّئًا لِما يُلْقى إلَيْهِ ولِما يُجْعَلُ فِيهِ، فَإذا أرادَ اللَّهُ إضْلالَهُ أضَلَّهُ وجَعَلَهُ لا يَقْبَلُ الإيمانَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (يَجْعَلْ) بِمَعْنى يَخْلُقُ، ويَنْتَصِبُ ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ عَلى الحالِ، أيْ: يَخْلُقُهُ عَلى هَذِهِ الهَيْئَةِ فَلا يَسْمَعُ الإيمانَ ولا يَقْبَلُهُ. ولِاعْتِزالِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ ذَهَبَ إلى أنَّ (يَجْعَلْ) هُنا بِمَعْنى يُسَمِّي، قالَ: كَقَوْلِهِ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزخرف: ١٩] قالَ: أيْ سَمُّوهم، أوْ بِمَعْنى يُحْكَمُ لَهُ بِالضِّيقِ، كَما تَقُولُ: هَذا يَجْعَلُ البَصْرَةَ مِصْرًا، أيْ: يَحْكُمُ لَها بِحُكْمِها فِرارًا مِن نِسْبَةِ خَلْقِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ - تَعالى - أوْ تَصْيِيرُهُ وُجُوبًا عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ. ونَحْوٌ مِنهُ في خُرُوجِ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: ﴿أنْ يَهْدِيَهُ﴾ أنْ يَلْطُفَ بِهِ، ولا يُرِيدُ أنْ يَلْطُفَ إلّا بِمَن لَهُ لُطْفٌ، ”يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ“: يَلْطُفْ بِهِ حَتّى يَرْغَبَ في الإسْلامِ وتَسْكُنَ (p-٢١٨)إلَيْهِ نَفْسُهُ ويُحِبَّ الدُّخُولَ فِيهِ، ﴿ومَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ﴾: أنْ يَخْذُلَهُ ويُخَلِّيَهُ وشَأْنَهُ، وهو الَّذِي لا لُطْفَ لَهُ، ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾: يَمْنَعُهُ ألْطافَهُ حَتّى يَقْسُوَ قَلْبُهُ ويَنْبُوَ عَنْ قَبُولِ الحَقِّ ويَنْسَدُّ فَلا يَدْخُلُهُ الإيمانُ. انْتَهى. وهَذا كُلُّهُ إخْراجُ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ وتَأْوِيلٌ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ، والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ مَعْناها أنَّهُ كَما يُزاوِلُ أمْرًا غَيْرَ مُمْكِنٍ؛ لِأنَّ صُعُودَ السَّماءِ مَثَلٌ فِيما يَبْعُدُ ويَمْتَنِعُ مِن الِاسْتِطاعَةِ ويَضِيقُ عَلَيْهِ عِنْدَ المَقْدِرَةِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وهو قَرِيبٌ مِن تَأْوِيلِ ابْنِ جُرَيْجٍ وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ والسُّدِّيِّ، قالُوا: أيْ كانَ هَذا الضَّيِّقُ الصَّدْرِ الحَرِجُ يُحاوِلُ الصُّعُودَ في السَّماءِ حَتّى حاوَلَ الإيمانَ أوْ فَكَّرَ فِيهِ، ويَجِدُ صُعُوبَتَهُ عَلَيْهِ كَصُعُوبَةِ الصُّعُودِ في السَّماءِ. انْتَهى. ولِامْتِناعِ ذَلِكَ عِنْدَهم حَكى اللَّهُ عَنْهم أنَّهُمُ اقْتَرَحُوا قَوْلَهم ”أوْ تَرْقى في السَّماءِ“ . وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: المَعْنى لا تَجِدُ مَسْلَكًا إلّا صَعَدًا مِن شِدَّةِ التَّضايُقِ، يُرِيدُ ضاقَتْ عَلَيْهِ الأرْضُ فَظَلَّ مُصْعِدًا إلى السَّماءِ. وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ عازِبُ الرَّأْيِ طائِرُ القَلْبِ في الهَواءِ كَما يَطِيرُ الشَّيْءُ الخَفِيفُ عِنْدَ عَصْفِ الرِّياحِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: (ضِيقًا) هُنا وفي الفُرْقانِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مُخَفَّفًا مِن ضَيِّقٍ كَما قالُوا لِينٌ. وقالَ الكِسائِيُّ: الضَّيِّقُ بِالتَّشْدِيدِ في الأجْرامِ وبِالتَّخْفِيفِ في المَعانِي، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، قالُوا في مَصْدَرٍ ضاقَ ضَيْقٌ بِفَتْحِ الضّادِ وكَسْرِها بِمَعْنًى واحِدٍ، فَإمّا يَنْسُبُ إلى الصَّدْرِ عَلى المُبالَغَةِ، أوْ عَلى مَعْنى الإضافَةِ، أيْ: ذا ضِيقٍ، أوْ عَلى جَعْلِهِ مَجازًا عَنِ اسْمِ الفاعِلِ، وهَذا عَلى الأوْجُهِ الثَّلاثَةِ المَقُولَةِ في نَعْتِ الأجْرامِ بِالمَصادِرِ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ: (حَرَجًا) بِفَتْحِ الرّاءِ وهو مَصْدَرٌ، أيْ: ذا حَرَجٍ، أوْ جُعِلَ نَفْسَ الحَرَجِ، أوْ بِمَعْنى حَرِجَ بِكَسْرِ الرّاءِ، ورُوِيَتْ عَنْ عُمَرَ وقَرَأها لَهُ ثَمَّةَ بَعْضُ الصَّحابَةِ بِالكَسْرِ، فَقالَ: ابْغُونِي رَجُلًا مِن كِنانَةَ راعِيًا ولَكِنْ مَن بَنِيَ مُدْلِجٍ، فَلَمّا جاءَهُ قالَ: يا فَتى ما الحَرِجَةُ عِنْدَكم ؟ قالَ: الشَّجَرَةُ تَكُونُ بَيْنَ الأشْجارِ لا يَصِلُ إلَيْها راعِيَةً ولا وحْشِيَّةٌ، فَقالَ عُمَرُ: كَذَلِكَ قَلْبُ المُنافِقِ لا يَصِلُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الخَيْرِ. انْتَهى. وهَذا تَنْبِيهٌ - واللَّهُ أعْلَمُ - عَلى جِهَةِ اشْتِقاقِ الفِعْلِ مِن نَفْسِ العَيْنِ، كَقَوْلِهِمْ: اسْتَحْجَرَ واسْتَنْوَقَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: (يَصْعَدُ) مُضارِعُ صَعِدَ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ: يَصّاعَدُ أصْلُهُ يَتَصاعَدُ فَأُدْغِمَ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: (يَصَّعَّدُ) بِتَشْدِيدِ الصّادِ والعَيْنِ، وأصْلُهُ يَتَصَعَّدُ، وبِهَذا قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ وابْنُ مُصَرِّفٍ والأعْمَشُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: ﴿كَأنَّما يَصَّعَّدُ﴾ مِن سُفْلٍ إلى عُلُوٍّ ولَمْ يُرِدِ السَّماءَ المُظِلَّةَ بِعَيْنِها، كَما قالَ سِيبَوَيْهِ: والقَيْدُودُ الطَّوِيلُ في غَيْرِ سَماءٍ، أيْ: في غَيْرِ ارْتِفاعٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ بِالصّاعِدِ في عَقَبَةٍ كَؤُودٍ كَأنَّهُ يَصْعَدُ بِها في الهَواءِ، ويَصْعَدُ مَعْناهُ يَعْلُو، ويَصَّعَّدُ مَعْناهُ يَتَكَلَّفُ مِن ذَلِكَ ما يَشُقُّ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: ما تَصَعَّدَنِي شَيْءٌ كَما تَصَعَّدَنِي خِطْبَةُ النِّكاحِ، ورُوِيَ: ما تَصَعَّدَنِي خِطْبَةٌ.
﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَعْلِ جَعْلُهُ الصَّدْرَ ﴿ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ ويَبْعُدُ ما قالَهُ الزَّجّاجُ: أيْ مِثْلَ ما قَصَصْنا عَلَيْكَ (يَجْعَلُ) ومَعْنى يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ؛ يُلْقِي اللَّهُ أوْ يُصَيِّرُ اللَّهُ العَذابَ، والرِّجْسُ بِمَعْنى العَذابِ قالَهُ أهْلُ اللُّغَةِ. وتَعْدِيَةُ يَجْعَلُ بِعَلى يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ نُلْقِي كَما تَقُولُ: جَعَلْتُ مَتاعَكَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى يُصَيِّرُ و(عَلى) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (يَجْعَلُ اللَّهُ) يَعْنِي الخِذْلانَ ومَنعَ التَّوْفِيقِ وصَفَهُ بِنَقِيضِ ما يُوصَفُ بِهِ التَّوْفِيقُ مِنَ الطِّيبِ أوْ أرادَ الفِعْلَ المُؤَدِّيَ إلى الرِّجْسِ وهو العَذابُ مِن الِارْتِجاسِ وهو الِاضْطِرابُ؛ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقِهِ الِاعْتِزالِيِّ، ونَقِيضُ الطَّيِّبِ النَّتِنُ الرّائِحَةِ الكَرِيهَةِ، والرِّجْسُ والنَّجَسُ بِمَعْنًى واحِدٍ قالَهُ بَعْضُ أهْلِ الكُوفَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ: الرِّجْسُ كُلُّ ما لا خَيْرَ فِيهِ. وقالَ عَطاءٌ وابْنُ زَيْدٍ وأبُو عُبَيْدَةَ: الرِّجْسُ العَذابُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: اللَّعْنَةُ في الدُّنْيا والعَذابُ في الآخِرَةِ، وقِيلَ: الرِّجْسُ السُّخْطُ. وقالَ إسْماعِيلُ الضَّرِيرُ: الرِّجْسُ التَّعْذِيبُ وأصْلُهُ النَّتِنُ النَّجِسُ وهو رَجاسَةُ الكُفْرِ.
(p-٢١٩)﴿وهَذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (وهَذا) إلى القُرْآنِ والشَّرْعِ الَّذِي جاءَ بِهِ الرَّسُولُ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ القُرْآنِ قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، أوِ التَّوْحِيدِ قالَهُ بَعْضُهم، أوْ ما قَرَّرَهُ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ في هَذِهِ الآيَةِ وفي غَيْرِها مِن سُبُلِ الهُدى وسُبُلِ الضَّلالَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (وهَذا صِراطُ رَبِّكَ) طَرِيقُهُ الَّذِي اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ وعادَتُهُ في التَّوْفِيقِ والخِذْلانِ ونَحْوٌ مِنهُ قَوْلُ إسْماعِيلَ الضَّرِيرِ يَعْنِي هَذا صُنْعُ رَبِّكَ وهَذا إشارَةٌ إلى الهُدى والضَّلالِ، وأُضِيفَ الصِّراطُ إلى الرَّبِّ عَلى جِهَةِ أنَّهُ مِن عِنْدِهِ وبِأمْرِهِ ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ لا عِوَجَ فِيهِ وانْتَصَبَ ﴿مُسْتَقِيمًا﴾ عَلى أنَّهُ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ.
﴿قَدْ فَصَّلْنا الآياتِ﴾ أيْ بَيَّنّاها ولَمْ نَتْرُكْ فِيها إجْمالًا ولا التِباسًا.
﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ يَتَدَبَّرُونَ بِعُقُولِهِمْ وكَأنَّ الآياتِ كانَتْ شَيْئًا غائِبًا عَنْهم لَمْ يَذْكُرُوها فَلَمّا فُصِّلَتْ تَذَكَّرُوها.
6:127Page 144
۞ لَهُمۡ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمۡۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢٧
For them will be the Home of Peace [i.e., Paradise] with their Lord. And He will be their protecting friend because of what they used to do.
﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وهو ولِيُّهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: لَهُمُ الجَنَّةُ، و(السَّلامُ) اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ - تَعالى - كَما قِيلَ في الكَعْبَةِ بَيْتُ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وأُضِيفَتْ إلَيْهِ تَشْرِيفًا، أوْ دارُ السَّلامَةِ مِن كُلِّ آفَةٍ، والسَّلامُ والسَّلامَةُ بِمَعْنًى، كاللَّذادِ واللَّذاذَةِ والضَّلالِ والضَّلالَةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ ﴿دارُ السَّلامِ﴾ بِمَعْنى التَّحِيَّةِ لِأنَّ تَحِيَّةَ أهْلِها فِيها سَلامٌ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، ومَعْنى ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: في نُزُلِهِ وضِيافَتِهِ، كَما تَقُولُ: نَحْنُ اليَوْمَ عِنْدَ فُلانٍ، أيْ: في كَرامَتِهِ وضِيافَتِهِ، قالَهُ قَوْمٌ، أوْ في الآخِرَةِ بَعْدَ الحَشْرِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، أوْ في ضَمانِهِ، كَما تَقُولُ: لِفُلانٍ عَلَيَّ حَقٌّ لا يُنْسى، أوْ ذَخِيرَةٌ لَهم لا يَعْلَمُونَ كُنْهَها، لِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]، قالَهُ قَوْمٌ مِنهُمُ الزَّمَخْشَرِيُّ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ عِنْدَ لِقاءِ رَبِّهِمْ، قالَهُ قَوْمٌ، أوْ في جِوارِهِ كَما جاءَ في جِوارِ الرَّحْمَنِ في جَنَّةِ عَدْنٍ عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى شَرَفِ الرُّتْبَةِ والمَنزِلَةِ، كَما قالَهُ في صِفَةِ المَلائِكَةِ: ﴿ومَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩]، وكَما قالَ: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، وكَما قالَ: ﴿ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١]، ”وهو ولِيُّهم“ أيْ: مُوالِيهِمْ ومُحِبُّهم، أوْ ناصِرُهم عَلى أعْدائِهِمْ، أوْ مُتَوَلَّيْهِمْ بِالجَزاءِ عَلى أعْمالِهِمْ.
6:128Page 144
وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ قَدِ ٱسۡتَكۡثَرۡتُم مِّنَ ٱلۡإِنسِۖ وَقَالَ أَوۡلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلۡإِنسِ رَبَّنَا ٱسۡتَمۡتَعَ بَعۡضُنَا بِبَعۡضٖ وَبَلَغۡنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيٓ أَجَّلۡتَ لَنَاۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثۡوَىٰكُمۡ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ١٢٨
And [mention, O Muḥammad], the Day when He will gather them together [and say], "O company of jinn, you have [misled] many of mankind." And their allies among mankind will say, "Our Lord, some of us made use of others, and we have [now] reached our term which You appointed for us." He will say, "The Fire is your residence, wherein you will abide eternally, except for what Allāh wills. Indeed, your Lord is Wise and Knowing."
﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾ الظّاهِرُ العُمُومُ في الثِّقَلَيْنِ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ الشَّياطِينِ وهُمُ الجِنُّ والكَفَرَةُ أوْلِياؤُهم، والمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ﴿لَهم دارُ السَّلامِ﴾ [الأنعام: ١٢٧] قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَدُلُّ عَلَيْهِ التَّأْكِيدُ العامُّ بِقَوْلِهِ ﴿جَمِيعًا﴾ . وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: وهَذا النِّداءُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ في يَحْشُرُهم دَخَلَ فِيهِ الجِنُّ حِينَ حَشَرَهم ثُمَّ ناداهم، أمّا الثِّقْلانِ فَحَسْبُ، أوْ هُما وغَيْرُهُما مِنَ الخَلائِقِ. انْتَهى. ومَن جَعَلَ ”ويَوْمَ“ مَعْطُوفًا عَلى ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٧] ”ويَوْمَ يَحْشُرُهم“ فالعامِلُ في الظَّرْفِ ولِيُّهم، وكانَ الضَّمِيرُ خاصًّا بِالمُؤْمِنِينَ، وهو بَعِيدٌ، والأوْلى أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ مَعْمُولًا لِفِعْلِ القَوْلِ المَحْكِيِّ بِهِ النِّداءُ، أيْ: ويَوْمَ نَحْشُرُهم نَقُولُ يا مَعْشَرَ الجِنِّ، وهو أوْلى مِمّا أجازَ بَعْضُهم مِن نَصْبِهِ بِاذْكُرْ مَفْعُولًا بِهِ لِخُرُوجِهِ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ، ومِمّا أجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن نَصْبِهِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ غَيْرِ فِعْلِ القَوْلِ واذْكُرْ، تَقْدِيرُهُ عِنْدَهُ: ((p-٢٢٠)﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٢]) وقُلْنا ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ﴾، كانَ ما لا يُوصَفُ لِفَظاعَتِهِ لِاسْتِلْزامِهِ حَذْفُ جُمْلَتَيْنِ مِنَ الكَلامِ، جُمْلَةُ وقُلْنا وجُمْلَةُ العامِلِ، وقَدَّرَ الزَّجّاجُ فِعْلَ القَوْلِ المَحْذُوفِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، التَّقْدِيرُ: فَيُقالُ لَهم لِأنَّهُ يَبْعُدُ أنْ يُكَلِّمَهُمُ اللَّهُ شِفاهًا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٧٤]، ونِداؤُهم نِداءُ شُهْرَةٍ وتَوْبِيخٍ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، والمَعْشَرُ الجَماعَةُ، ويُجْمَعُ عَلى المُعاشِرِ، كَما جاءَ «نَحْنُ مُعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ» . وقالَ الأفْوَهُ:
؎فِينا مُعاشِرُ لَنْ يَبْنُوا لِقَوْمِهِمُ وإنْ بَنى قَوْمُهم ما أفْسَدُوا عادُوا
ومَعْنى الِاسْتِكْثارِ هُنا إضْلالُهم مِنهم كَثِيرًا وجَعْلُهم أتْباعَهم، كَما تَقُولُ: اسْتَكْثَرَ فُلانٌ مِنَ الجُنُودِ واسْتَكْثَرَ فُلانٌ مِنَ الأشْياعِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ: أفْرَطْتُمْ في إضْلالِهِمْ وإغْوائِهِمْ. وقَرَأ حَفْصٌ: (يَحْشُرُهم) بِالياءِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِالنُّونِ.
﴿وقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ وقالَ أوْلِياءُ الجِنَّ، أيِ الكُفّارُ مِنَ الإنْسِ: ﴿رَبَّنا اسْتَمْتَعَ﴾ انْتَفَعَ ﴿بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾، فانْتِفاعُ الإنْسِ بِالشَّياطِينِ حَيْثُ دَلُّوهم عَلى الشَّهَواتِ وعَلى التَّوَصُّلاتِ إلَيْها، وانْتِفاعُ الجِنِّ بِالإنْسِ حَيْثُ أطاعُوهم وساعَدُوهم عَلى مُرادِهِمْ في إغْوائِهِمْ، رُوِيَ هَذا المَعْنى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ والزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، ومُقاتِلٌ: اسْتِمْتاعُ الإنْسِ بِالجِنِّ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: أعُوذُ بِعَظِيمِ هَذا الوادِي مِن شَرِّ أهْلِهِ، إذا باتَ بِالوادِي في سَفَرِهِ، واسْتِمْتاعُ الجِنِّ بِالإنْسِ افْتِخارُهم عَلى قَوْمِهِمْ وقَوْلُهم: قَدْ سُدْنا الإنْسَ حَتّى صارُوا يَعُوذُونَ بِنا. قالَ الكِرْمانِيُّ: كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ الأرْضَ مَمْلُوءَةٌ جِنًّا وأنَّ مَن لَمْ يُدْخِلْهُ جِنِّيٌّ في جِوارِهِ خَبَلَهُ الآخَرُونَ، وكَذَلِكَ كانُوا إذا قَتَلُوا صَيْدًا اسْتَعاذُوا بِهِمْ لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّ هَذِهِ البَهائِمَ لِلْجِنِّ مِنها مَراكِبُهم. وقِيلَ: في كَوْنِ عِظامِهِمْ طَعامًا لِلْجِنِّ، وأرْواثِ دَوابِّهِمْ عَلَفًا، واسْتِمْتاعُ الإنْسِ بِالجِنِّ اسْتِعانَتُهم بِهِمْ عَلى مَقاصِدِهِمْ حِينَ يَسْتَخْدِمُونَهم بِالعَزائِمِ، أوْ يُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ. انْتَهى. ووُجُوهُ الِاسْتِمْتاعِ كَثِيرَةٌ، تَدْخُلُ هَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها تَحْتَها، فَيَنْبَغِي أنْ يُعْتَقَدَ في هَذِهِ الأقْوالِ أنَّها تَمْثِيلٌ في الِاسْتِمْتاعِ لا حَصْرٌ في واحِدٍ مِنها، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ أيْ: بَعْضُ الإنْسِ بِالجِنِّ وبَعْضُ الجِنِّ بِالإنْسِ. وقِيلَ: المَعْنى اسْتَمْتَعَ بَعْضُ الإنْسِ بِبَعْضِهِ وبَعْضُ الجِنِّ بِبَعْضِهِ، جَعَلَ الِاسْتِمْتاعَ لِبَعْضِ الصِّنْفِ بِبَعْضٍ، والقَوْلُ السّابِقُ بَعْضُ الصِّنْفَيْنِ بِبَعْضِ الصِّنْفَيْنِ، والأجَلُ الَّذِي بَلَغُوهُ المَوْتُ، قالَهُ الجُمْهُورُ وابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما. وقِيلَ: البَعْثُ والحَشْرُ، ولَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ. وقِيلَ: هو الغايَةُ الَّتِي انْتَهى إلَيْها جَمِيعُهم مِن الِاسْتِمْتاعِ، وهَذا القَوْلُ مِنهُمُ اعْتِذارٌ عَنِ الجِنِّ في كَوْنِهِمُ اسْتَكْثَرُوا مِنهم، وإشارَةٌ إلى أنَّ ذَلِكَ بِقَدَرِكَ وقَضائِكَ إذْ لِكُلِّ كِتابٍ أجْلٌ، واعْتِرافٌ بِما كانَ مِنهم مَن طاعَةِ الشَّياطِينِ واتِّباعِ الهَوى والتَّكْذِيبِ بِالبَعْثِ، واسْتِسْلامٌ وتَحَسُّرٌ عَلى حالِهِمْ. وقُرِئَ: آجالَنا عَلى الجَمْعِ الَّذِي عَلى التَّذْكِيرِ والإفْرادِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: هو جِنْسٌ أوْقَعَ الَّذِي مَوْقِعَ الَّتِي. انْتَهى. وإعْرابُهُ عِنْدِي بَدَّلٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: الوَقْتَ الَّذِي، وحِينَئِذٍ يَكُونُ جِنْسًا ولا يَكُونُ إعْرابُهُ نَعْتًا لِعَدَمِ المُطابَقَةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ دَلِيلٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ في قَوْلِهِمْ: بِالأجَلَيْنِ؛ لِأنَّهم أقَرُّوا بِذَلِكَ وفِيهِمُ المَعْقُولُ وغَيْرُهُ.
﴿قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ أيْ مَكانَ ثُوائِكم، أيْ إقامَتِكم، قالَ الزَّجّاجُ: وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هو عِنْدِي مَصْدَرٌ لا مَوْضِعٌ، وذَلِكَ لِعَمَلِهِ في الحالِ الَّتِي هي خالِدِينَ، والمَوْضِعُ لَيْسَ فِيهِ مَعْنى فِعْلٍ فَيَكُونُ عامِلًا، والتَّقْدِيرُ: النّارُ ذاتُ ثُوائِكم. انْتَهى. ويَصِحُّ قَوْلُ الزَّجّاجِ عَلى إضْمارٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿مَثْواكُمْ﴾ أيْ: يَثْوَوْنَ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي يَلِيها الِاسْتِثْناءُ. وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: هو مِن قَوْلِهِ: ﴿وبَلَغْنا أجَلَنا الَّذِي أجَّلْتَ لَنا﴾ أيْ: إلّا مَن أهْلَكْتَهُ واخْتَرَمْتَهُ. قِيلَ: الأجَلُ الَّذِي سَمَّيْتَهُ لِكُفْرِهِ وضَلالِهِ، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ عَلى ما (p-٢٢١)زَعَمَ لَكانَ التَّرْكِيبُ إلّا ما شِئْتَ، ولِأنَّ القَوْلَ بِالأجَلَيْنِ: أجْلِ الِاخْتِرامِ والأجْلِ الَّذِي سَمّاهُ اللَّهُ، باطِلٌ، والفَصْلُ بَيْنَ المُسْتَثْنى مِنهُ والمُسْتَثْنى بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها﴾، وفي ذَلِكَ تَنافُرُ التَّرْكِيبِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ مُرادٌ حَقِيقَةً ولَيْسَ بِمَجازٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أوْ يَكُونُ مِن قَوْلِ المُوتُورِ الَّذِي ظَفِرَ بِواتِرِهِ ولَمْ يَزَلْ يَخْرُقُ عَلَيْهِ أنْيابَهُ - وقَدْ طَلَبَ إلَيْهِ أنْ يُنَفِّسَ عَنْهُ خِناقَهُ -: أهْلَكَنِيَ اللَّهُ إنْ نَفَّسْتُ عَنْكَ إلّا إذا شِئْتَ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ لا يَشاءُ إلّا التَّشَفِّي مِنهُ بِأقْصى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنَ التَّعْنِيفِ والتَّشْدِيدِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ إلّا إذا شِئْتَ مِن أشَدِّ الوَعِيدِ مَعَ تَهَكُّمٍ بِالمَوْعِدِ لِخُرُوجِهِ في صُورَةِ الِاسْتِثْناءِ الَّذِي فِيهِ إطْماعٌ. انْتَهى. وإذا كانَ اسْتِثْناءً حَقِيقَةً فاخْتَلَفُوا في الَّذِي اسْتُثْنِيَ ما هو ؟ فَقالَ قَوْمٌ: هو اسْتِثْناءُ أشْخاصٍ مِنَ المُخاطَبِينَ، وهم مَن آمَنَ في الدُّنْيا بِعَذابٍ كانَ مِن هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ، ولَمّا كانَ هَؤُلاءِ صِنْفًا، ساغَ في العِبارَةِ عَنْهم (ما)، فَصارَ كَقَوْلِهِ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣]، حَيْثُ وقَعَتْ ما عَلى نَوْعِ مَن يَعْقِلُ، وهَذا القَوْلُ فِيهِ بُعْدٌ لِأنَّ هَذا خِطابٌ لِلْكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ فِيمَن آمَنُ مِنهم في الدُّنْيا، وشَرْطُ مَن أُخْرِجَ بِالِاسْتِثْناءِ اتِّحادُ زَمانِهِ وزَمانُ المُخْرَجِ مِنهُ ؟ فَإذا قُلْتَ: قامَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا، فَمَعْناهُ إلّا زَيْدًا فَإنَّهُ ما قامَ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَعْنى إلّا زَيْدًا فَإنَّهُ ما يَقُومُ في المُسْتَقْبَلِ، وكَذَلِكَ سَأضْرِبُ القَوْمَ إلّا زَيْدًا، مَعْناهُ إلّا زَيْدًا فَإنِّي لا أضْرِبُهُ في المُسْتَقْبَلِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المَعْنى إلّا زَيْدًا فَإنِّي ضَرَبْتُهُ أمْسِ، إلّا إنْ كانَ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا فَإنَّهُ يَسُوغُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلّا المَوْتَةَ الأُولى﴾ [الدخان: ٥٦] أيْ: لَكِنِ المَوْتَةَ الأُولى في الدُّنْيا فَإنَّهم ذاقُوها. وقالَ قَوْمٌ: المُسْتَثْنى هُمُ العُصاةُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ النّارَ مِن أهْلِ التَّوْحِيدِ، أيْ: إلّا النَّوْعَ الَّذِي دَخَلَها مِنَ العُصاةِ فَإنَّهم لا يُخَلَّدُونَ في النّارِ. وقالَ قَوْمٌ: الِاسْتِثْناءُ مِنَ الأزْمانِ، أيْ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أبَدًا إلّا الزَّمانَ الَّذِي شاءَ اللَّهُ أنْ لا يَخْلُدُوا فِيهِ، واخْتَلَفَ هَؤُلاءِ في تَعْيِينِ الزَّمانِ. فَقالَ الطَّبَرِيُّ: هي المُدَّةُ الَّتِي بَيْنَ حَشْرِهِمْ إلى دُخُولِهِمُ النّارَ، وساغَ هَذا مِن حَيْثُ العِبارَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿النّارُ مَثْواكُمْ﴾ لا يُخَصُّ بِصِيغَتِها مُسْتَقْبَلُ الزَّمانِ دُونَ غَيْرِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ، أيْ: يَخْلُدُونَ في عَذابِ الأبَدِ كُلِّهِ إلّا ما شاءَ اللَّهُ، أيِ: الأوْقاتِ الَّتِي يُنْقَلُونَ فِيها مِن عَذابِ النّارِ إلى عَذابِ الزَّمْهَرِيرِ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم يَدْخُلُونَ وادِيًا مِنَ الزَّمْهَرِيرِ ما يُمَيِّزُ بَعْضَ أوْصالِهِمْ مِن بَعْضٍ، فَيَتَعاوَوْنَ ويَطْلُبُونَ الرَّدَّ إلى الجَحِيمِ. وقالَ الحَسَنُ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ مِن كَوْنِهِمْ في الدُّنْيا بِغَيْرِ عَذابٍ، وهَذا راجِعٌ إلى الزَّمانِ، أيْ: إلّا الزَّمانَ الَّذِي كانُوا فِيهِ في الدُّنْيا بِغَيْرِ عَذابٍ، ويَرُدُّ عَلى هَذا القَوْلِ ما يَرُدُّ عَلى مَن جَعَلَهُ اسْتِثْناءً مِنَ الأشْخاصِ الَّذِينَ آمَنُوا في الدُّنْيا. وقالَ الفَرّاءُ: إلّا بِمَعْنى سَواءً، والمَعْنى سَواءً ما يَشاءُ مِن زِيادَةٍ في العَذابِ، ويَجِيءُ إلى هَذا الزَّجّاجُ. وقالَ غَيْرُهُ: إلّا ما شاءَ اللَّهُ مِنَ النَّكالِ والزِّيادَةِ عَلى العَذابِ، وهَذا راجِعٌ إلى الِاسْتِثْناءِ مِنَ المَصْدَرِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْنى الكَلامِ، إذِ المَعْنى تُعَذَّبُونَ بِالنّارِ ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ إلّا ما شاءَ مِنَ العَذابِ الزّائِدِ عَلى النّارِ فَإنَّهُ يُعَذِّبُكم بِهِ، ويَكُونُ إذْ ذاكَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا، إذِ العَذابُ الزّائِدُ عَلى عَذابِ النّارِ لَمْ يَنْدَرِجْ تَحْتَ عَذابِ النّارِ، والظّاهِرُ أنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ هو مِن تَمامِ كَلامِ اللَّهِ لِلْمُخاطَبِينَ، وعَلَيْهِ جاءَتْ تَفاسِيرُ الِاسْتِثْناءِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَتَّجِهُ عِنْدِي في هَذا الِاسْتِثْناءِ أنْ يَكُونَ مُخاطَبَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ وأُمَّتِهِ، ولَيْسَ مِمّا يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ، والمُسْتَثْنى هو مَن كانَ مِنَ الكَفَرَةِ يَوْمَئِذٍ يُؤْمِنُ في عِلْمِ اللَّهِ، كَأنَّهُ لَمّا أخْبَرَهم أنَّهُ يُقالُ لِلْكُفّارِ ﴿مَثْواكُمْ﴾ اسْتَثْنى لَهم مَن يُمْكِنُ أنْ يُؤْمِنَ مِمَّنْ يُرُونَهُ يَوْمَئِذٍ كافِرًا، ويَقَعُ ”ما“ عَلى صِفَةِ مَن يَعْقِلُ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ اتِّصالُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ أيْ: مَن يُمْكِنُ أنْ يُؤْمِنَ مِنهم. انْتَهى، وهو تَأْوِيلٌ حَسَنٌ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ تُوجِبُ الوَقْفَ في جَمِيعِ الكُفّارِ. قِيلَ: ومَعْنى ذَلِكَ أنَّها تُوجِبُ الوَقْفَ فِيمَن لَمْ يَمُتْ إذْ قَدْ يُسْلِمْ، (p-٢٢٢)ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: جُعِلَ أمْرُهم في مَبْلَغِ عَذابِهِمْ، ومُدَّتُهُ إلى مَشِيئَتِهِ، حَتّى لا يَحْكُمَ اللَّهُ في خَلْقِهِ، وعَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَحْكُمَ عَلى اللَّهِ في خَلْقِهِ لا يُنْزِلُهم جَنَّةً ولا نارًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الإجْماعُ عَلى التَّخْلِيدِ الأبَدِيِّ في الكُفّارِ، ولا يَصِحُّ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. انْتَهى. وقَدْ تَعَلَّقَ قَوْمٌ بِظاهِرِ هَذا الِاسْتِثْناءِ، فَزَعَمُوا أنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ مِنَ النّارِ كُلَّ بَرٍّ وفاجِرٍ ومُسْلِمٍ وكافِرٍ، وأنَّ النّارَ تَخْلُو وتَخَرَبُ، وقَدْ ذُكِرَ هَذا عَنْ بَعْضِ الصَّحابَةِ، ولا يَصِحُّ، ولا يُعْتَبَرُ خِلافُ هَؤُلاءِ ولا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ.
﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَفْعَلُ شَيْئًا إلّا بِمُوجِبِ الحِكْمَةِ عَلَيْهِمْ بِأنَّ الكُفّارَ يَسْتَوْجِبُونَ عَذابَ الأبَدِ. انْتَهى. وهَذا عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: صِفَتانِ مُناسِبَتانِ بِهَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ تَخْلِيدَ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ في النّارِ صادَرٌ عَنْ حِكْمَةٍ، وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: (حَكِيمٌ) في تَدْبِيرِ المَبْدَإ والمَعادِ، (عَلِيمٌ) بِما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُ العِبادِ. وقالَ إسْماعِيلُ الضَّرِيرُ: (حَكِيمٌ) حَكَمَ عَلَيْهِمُ الخُلُودَ، (عَلِيمٌ) بِهِمْ وبِعُقُوبَتِهِمْ. وقالَ البَغَوِيُّ: (عَلِيمٌ) بِالَّذِي اسْتَثْناهُ وبِما في قُلُوبِهِمْ مِنَ البِرِّ والتَّقْوى. وقالَ القُرْطُبِيُّ: (حَكِيمٌ) في عُقُوبَتِهِمْ، (عَلِيمٌ) بِمِقْدارِ مُجازاتِهِمْ.
6:129Page 144
وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعۡضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعۡضَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٢٩
And thus will We make some of the wrongdoers allies of others for what they used to earn.1
﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى أنَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ بِمَعْنى أنَّهُ يَحْفَظُهم ويَنْصُرُهم عَلى أنَّ الكافِرِينَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ في الظُّلْمِ والخِزْيِ. قالَ قَتادَةُ: يَجْعَلُ بَعْضَهم ولِيَّ بَعْضٍ في الكُفْرِ والظُّلْمِ، يُرِيدُ ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الجِنِّ والإنْسِ واسْتِمْتاعِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ. وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: يَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا في دُخُولِ النّارِ، أيْ: يَجْعَلُ بَعْضَهم يَلِي بَعْضًا في الدُّخُولِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَعْناهُ نُسَلِّطُ ﴿بَعْضَ الظّالِمِينَ﴾ عَلى بَعْضٍ ونَجْعَلُهم أوْلِياءَ النِّقْمَةِ مِنهم، وهَذا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ، وحِينَ قَتَلَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوانَ عَمْرَو بْنَ سَعِيدٍ الأشْدَقَ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وصَعِدَ المِنبَرَ: إنَّ فَمَ الذِّئابِ قَتَلَ لَطِيمَ الشَّيْطانِ، وتَلا ﴿وكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ﴾ الآيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَفْسِيرُها أنَّ اللَّهَ إذا أرادَ بِقَوْمٍ شَرًّا ولّى عَلَيْهِمْ شِرارَهم، أوْ خَيْرًا ولّى عَلَيْهِمْ خِيارَهم، وفي بَعْضِ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ: ”أفْنى أعْدائِي بِأعْدائِي ثُمَّ أُفْنِيهِمْ بِأوْلِيائِي“ . وقالَ إسْماعِيلُ الضَّرِيرُ: نَتْرُكُ المُشْرِكِينَ إلى بَعْضِهِمْ في النُّصْرَةِ والمَعُونَةِ والحاجَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نُخَلِّيهِمْ حَتّى يَتَوَلّى بَعْضُهم بَعْضًا، كَما فَعَلَ الشَّياطِينُ وغُواةُ الإنْسِ، أوْ يَجْعَلُ بَعْضَهم أوْلِياءَ بَعْضٍ يَوْمَ القِيامَةِ وقُرَناءَهم كَما كانُوا في الدُّنْيا ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي. انْتَهى. وقَوْلُهُ نُخَلِّيهِمْ هو عَلى طَرِيقِهِ الِاعْتِزالِيِّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences