Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:154–158
6:154Page 149
ثُمَّ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ يُؤۡمِنُونَ ١٥٤
Then1 We gave Moses the Scripture, making complete [Our favor] upon the one who did good [i.e., Moses] and as a detailed explanation of all things and as guidance and mercy that perhaps in the meeting with their Lord they would believe.
﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ (p-٢٥٥)(ثُمَّ) تَقْتَضِي المُهْلَةَ في الزَّمانِ، هَذا أصْلُ وضْعِها، ثُمَّ تَأْتِي لِلْمُهْلَةِ في الإخْبارِ. فَقالَ الزَّجّاجُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى أتْلُ تَقْدِيرُهُ: أتْلُ ما حَرَّمَ ثُمَّ أتْلُ ﴿آتَيْنا﴾ . وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى (قُلْ) عَلى إضْمارِ قُلْ، أيْ: ثُمَّ قُلْ ﴿آتَيْنا﴾ . وقِيلَ: التَّقْدِيرُ ثُمَّ إنِّي أُخْبِرُكم أنّا آتَيْنا. وقالَ الحَوْفِيُّ: رَتَّبَتْ ”ثُمَّ“ التِّلاوَةَ، أيْ: تَلَوْنا عَلَيْكم قِصَّةَ مُحَمَّدٍ ثُمَّ نَتْلُو عَلَيْكم قِصَّةَ مُوسى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَهَّلَتْها في تَرْتِيبِ القَوْلِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ كَأنَّهُ قالَ: ثُمَّ مِمّا وصَّيْنا أنّا ﴿آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾، ويَدْعُو إلى ذَلِكَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُتَقَدِّمٌ بِالزَّمانِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ . وقالَ ابْنُ القُشَيْرِيِّ: في الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ثُمَّ كُنّا قَدْ ﴿آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ قَبْلَ إنْزالِنا القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَطْفٌ عَلى ﴿وصّاكم بِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ عَطْفُهُ عَلَيْهِ بِثُمَّ والإيتاءُ قَبْلَ التَّوْصِيَةِ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ ؟ (قُلْتُ): هَذِهِ التَّوْصِيَةُ قَدِيمَةٌ لَمْ تَزَلْ تَواصاها كُلُّ أُمَّةٍ عَلى لِسانِ نَبِيِّها، كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُحْكَماتٌ لَمْ يَنْسَخْهُنَّ شَيْءٌ مِن جَمِيعِ الكُتُبِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] يا بَنِي آدَمَ قَدِيمًا وحَدِيثًا ثُمَّ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ أنّا ﴿آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ وأنْزَلْنا هَذا الكِتابَ المُبارَكَ، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ما تَقَدَّمَ قَبْلَ شَطْرِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [الأنعام: ٨٤] . انْتَهى. وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها مُتَكَلَّفَةٌ، والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُذْهَبَ إلَيْهِ أنَّها اسْتُعْمِلَتْ لِلْعَطْفِ كالواوِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ مُهْلَةٍ، وقَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ بَعْضُ النُّحاةِ. و﴿الكِتابُ﴾ [الأنعام: ١٥٦] هُنا التَّوْراةُ بِلا خِلافٍ، وانْتَصَبَ تَمامًا عَلى المَفْعُولِ لَهُ، أوْ عَلى المَصْدَرِ أتْمَمْناهُ تَمامًا مَصْدَرٌ عَلى حَذْفِ الزَّوائِدِ، أوْ عَلى الحالِ إمّا مِنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ، وكُلٌّ قَدْ قِيلَ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿تَمامًا﴾ أيْ: دُفْعَةً واحِدَةً لَمْ نُفَرِّقْ إنْزالَهُ كَما فَرَّقْنا إنْزالَ القُرْآنِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، والَّذِي أحْسَنَ جِنْسٌ أيْ عَلى مَن كانَ مُحْسِنًا مِن أهْلِ مِلَّتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أيْ: إتْمامًا لِلنِّعْمَةِ عِنْدَهم. وقِيلَ: المُرادُ بِالَّذِي أحْسَنَ مَخْصُوصٌ. فَقالَ الماوَرْدِيُّ: إبْراهِيمُ، كانَتْ نُبُوَّةُ مُوسى نِعْمَةً عَلى إبْراهِيمَ؛ لِأنَّهُ مِن ولَدِهِ، والإحْسانُ لِلْأبْناءِ إحْسانٌ لِلْآباءِ. وقِيلَ: مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَتِمَّةً لِلْكَرامَةِ عَلى العَبْدِ الَّذِي أحْسَنَ الطّاعَةَ في التَّبْلِيغِ وفي كُلِّ ما أُمِرَ بِهِ، والَّذِي في هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ واقِعَةٌ عَلى مَن يَعْقِلُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ﴿تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ مُوسى مِنَ العِلْمِ وكُتُبِ اللَّهِ القَدِيمَةِ، ونَحْوٌ مِنهُ قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، قالَ: مَعْنى الآيَةِ ﴿تَمامًا﴾ عَلى ما كانَ أحْسَنَ مِنَ العِلْمِ والحِكْمَةِ مِنَ العِلْمِ، والحِكْمَةُ مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُحْسِنُ كَذا أيْ يَعْلَمُهُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في هَذا التَّأْوِيلِ: ﴿تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ مُوسى مِنَ العِلْمِ والشَّرائِعِ، مِن أحْسَنَ الشَّيْءَ إذا أجادَ مَعْرِفَتَهُ، أيْ: زِيادَةً عَلى عِلْمِهِ عَلى وجْهِ التَّتْمِيمِ. انْتَهى. وقالابْنُ عَطِيَّةَ: عَلى ما أحْسَنَ هو مِن عِبادَةِ رَبِّهِ والِاضْطِلاعِ بِأُمُورِ نُبُوَّتِهِ، يُرِيدُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذا تَأْوِيلُ الرَّبِيعِ وقَتادَةَ. انْتَهى. والَّذِي في هَذا التَّأْوِيلِ واقِعَةُ عَلى غَيْرِ العاقِلِ. وقِيلَ: (الَّذِي) مَصْدَرِيَّةٌ، وهو قَوْلٌ كُوفِيٌّ، وفي ﴿أحْسَنَ﴾ ضَمِيرُ مُوسى، أيْ: تَمامًا عَلى إحْسانِ مُوسى بِطاعَتِنا وقِيامِهِ بِأمْرِنا ونَهْيِنا، ويَكُونُ في ”عَلى“ إشْعارٌ بِالعِلِّيَّةِ، كَما تَقُولُ: أحْسَنْتُ إلَيْكَ عَلى إحْسانِكَ إلَيَّ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿أحْسَنَ﴾ يَعُودُ عَلى اللَّهِ - تَعالى - وهَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، ومُتَعَلَّقُ الإحْسانِ إلى أنْبِيائِهِ أوْ إلى مُوسى، قَوْلانِ. وأحْسَنُ ما في هَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها فِعْلٌ. وقالَ بَعْضُ نُحاةِ الكُوفَةِ: يَصِحُّ أنْ يَكُونَ ﴿أحْسَنَ﴾ اسْمًا، وهو أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وهو مَجْرُورٌ صِفَةٌ لِلَّذِي، وإنْ كانَ نَكِرَةً مِن حَيْثُ قارَبَ المَعْرِفَةَ، إذْ لا يَدْخُلُهُ ألْ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: مَرَرْتُ بِالَّذِي خَيْرٌ مِنكَ، ولا يَجُوزُ مَرَرْتُ بِالَّذِي عالِمٌ. انْتَهى. وهَذا سائِغٌ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ في الكَلامِ، وهو خَطَأٌ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ مَعْمَرٍ وابْنُ أبِي إسْحاقَ: (أحْسَنُ) بِرَفْعِ النُّونِ، وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هو أحْسَنُ، و(أحْسَنُ) خَبَرٌ وصِلَةٌ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: ”مَثَلًا مّا بَعُوضَةً“ أيْ: تَمامًا عَلى الَّذِي (p-٢٥٦)هُوَ أحْسَنُ دِينٍ وأرْضاهُ، أوْ تامًّا كامِلًا عَلى أحْسَنِ ما تَكُونُ عَلَيْهِ الكُتُبُ، أيْ: عَلى الوَجْهِ والطَّرِيقِ الَّذِي هو أحْسَنُ ما تَكُونُ عَلَيْهِ الكُتُبُ، وهو مَعْنى قَوْلِ الكَلْبِيِّ: أتَمَّ لَهُ الكِتابَ عَلى أحْسَنِهِ. وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: (الَّذِي) هُنا بِمَعْنى الجَمْعِ، وأحْسَنَ صِلَةُ فِعْلٍ ماضٍ حُذِفَ مِنهُ الضَّمِيرُ وهو الواوُ فَبَقِيَ أحْسَنَ، أيْ: عَلى الَّذِينَ أحْسَنُوا، وحَذْفُ هَذا الضَّمِيرِ والِاجْتِزاءُ بِالضَّمَّةِ تَفْعَلُهُ العَرَبُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎فَلَوْ أنَّ الأطِبّاءَ كانَ حَوْلِي
وقالَ آخَرُ:
؎إذا شاءُوا أضَرُّوا مَن أرادُوا ∗∗∗ ولا يَأْلُوهُمُ أحَدٌ ضِرارًا
وقالَ آخَرُ:
؎شَبُّوا عَلى المَجْدِ وشابُوا واكْتَهَلَ
يُرِيدُ واكْتَهَلُوا، فَحَذَفَ الواوَ ثُمَّ حَذَفَ الضَّمِيرَ لِلْوَقْفِ. انْتَهى. وهَذا خَصَّهُ أصْحابُنا بِالضَّرُورَةِ فَلا يُحْمَلُ كِتابُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
﴿وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدًى ورَحْمَةً لَعَلَّهم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: لَعَلَّهم بِالبَعْثِ يُؤْمِنُونَ، فالإيمانُ بِهِ هو نِهايَةُ التَّصْدِيقِ، إذْ لا يَجِبُ بِالعَقْلِ لَكِنَّهُ يَجُوزُ في العَقْلِ وأوْجَبَهُ السَّمْعُ، وانْتِصابُ ﴿تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢] وما بَعْدَهُ كانْتِصابِ ﴿تَمامًا﴾ .
6:155Page 149
وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٥٥
And this [Qur’ān] is a Book We have revealed [which is] blessed, so follow it and fear Allāh that you may receive mercy.
﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ ”هَذا“ إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، و﴿أنْزَلْناهُ﴾ و﴿مُبارَكٌ﴾ صِفَتانِ لِ ﴿كِتابٌ﴾، أوْ خَبَرانِ عَنْ هَذا عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ تَعْدادَ الأخْبارِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ في مَعْنى خَبَرٍ واحِدٍ وكانَ الوَصْفُ بِالإنْزالِ آكَدَ مِنَ الوَصْفِ بِالبَرَكَةِ فَقُدِّمَ؛ لِأنَّ الكَلامَ مَعَ مَن يُنْكِرُ رِسالَةَ الرَّسُولِ ﷺ ويُنْكِرُ إنْزالَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، وكَوْنَهُ مُبارَكًا عَلَيْهِمْ هو وصْفٌ حاصِلٌ لَهم مِنهُ مُتَراخٍ عَنِ الإنْزالِ؛ فَلِذَلِكَ تَأخَّرَ الوَصْفُ بِالبَرَكَةِ، وتَقَدَّمَ الوَصْفُ بِالإنْزالِ، وكانَ الوَصْفُ بِالفِعْلِ المُسْنَدِ إلى نُونِ العَظَمَةِ أوْلى مِنَ الوَصْفِ بِالِاسْمِ لِما يَدُلُّ الإسْنادُ إلى اللَّهِ - تَعالى - مِنَ التَّعْظِيمِ والتَّشْرِيفِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في الِاسْمِ لَوْ كانَ التَّرْكِيبُ: مُنَزَّلٌ، أوْ مُنَزَّلٌ مِنّا، وبِرْكَةُ القُرْآنِ بِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ النَّفْعِ والنَّماءِ بِجَمْعِ كَلِمَةِ العَرَبِ بِهِ، والمَواعِظِ والحِكَمِ، والإعْلامِ بِأخْبارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ والأُجُورِ التّالِيَةِ، والشِّفاءِ مِنَ الأدْواءِ، والشَّفاعَةِ لِقارِئِهِ، وعَدِّهِ مِن أهْلِ اللَّهِ، وكَوْنِهِ مَعَ المُكْرَمِينَ مِنَ المَلائِكَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ البَرَكاتِ الَّتِي لا تُحْصى، ثُمَّ أمَرَ اللَّهُ - تَعالى - بِاتِّباعِهِ وهو العَمَلُ بِما فِيهِ والِانْتِهاءُ إلى ما تَضَمَّنَهُ والرُّجُوعُ إلَيْهِ عِنْدَ المُشْكِلاتِ. والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا﴾ أنَّهُ أمْرٌ بِالتَّقْوى العامَّةِ في جَمِيعِ الأشْياءِ. وقِيلَ: واتَّقُوا مُخالَفَتَهُ لِرَجاءِ الرَّحْمَةِ، وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: اتَّقُوا غَيْرَهُ فَإنَّهُ مَنسُوخٌ، وقالَ التِّبْرِيزِيُّ: في الكَلامِ إشارَةٌ وهو وصْفُ اللَّهِ التَّوْراةَ بِالتَّمامِ، والتَّمامُ يُؤْذِنُ بِالِانْصِرامِ. قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا تَمَّ أمَرٌ بَدا نَقْصُهُ تَوَقَّعْ زَوالًا إذا قِيلَ تَمَّ
فَنَسَخَها اللَّهُ بِالقُرْآنِ ودَيَّنَها بِالإسْلامِ، ووَصَفَ القُرْآنَ بِأنَّهُ مُبارَكٌ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، والمُبارَكُ هو الثّابِتُ الدّائِمُ في ازْدِيادٍ، وذَلِكَ مُشْعِرٌ بِبَقائِهِ ودَوامِهِ.
6:156Page 149
أَن تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلۡكِتَٰبُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيۡنِ مِن قَبۡلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمۡ لَغَٰفِلِينَ ١٥٦
[We revealed it] lest you say, "The Scripture was only sent down to two groups before us, but we were of their study unaware,"
﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾: ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، فَقَدَّرَهُ الكُوفِيُّونَ: لِئَلّا (p-٢٥٧)تَقُولُوا، ولِأجْلِ أنْ لا تَقُولُوا، وقَدَّرَهُ البَصْرِيُّونَ: كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا، والعامِلُ في كِلا المَذْهَبَيْنِ ﴿أنْزَلْناهُ﴾ [الأنعام: ١٥٥] مَحْذُوفَةٌ يَدُلُّ عَلَيْها قَوْلُهُ قَبْلُ ﴿أنْزَلْناهُ﴾ [الأنعام: ١٥٥]، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ ﴿أنْزَلْناهُ﴾ [الأنعام: ١٥٥] هَذِهِ المَلْفُوظَ بِها لِلْفاصِلِ بَيْنَهُما، وهو مُبارَكٌ الَّذِي هو وصْفٌ لِـ”﴿كِتابٌ﴾ [الأنعام: ١٥٥]“، أوْ خَبَرٌ عَنْ هَذا فَهو أجْنَبِيٌّ مِنَ العامِلِ والمَعْمُولِ. وظاهِرُ كَلامِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ العامِلَ فِيهِ ﴿أنْزَلْناهُ﴾ [الأنعام: ١٥٥] المَلْفُوظُ بِها. وقِيلَ: ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ مَفْعُولٌ، والعامِلُ فِيهِ ﴿واتَّقُوا﴾ [الأنعام: ١٥٥]، أيْ: واتَّقُوا أنْ تَقُولُوا؛ لِأنَّهُ لا حُجَّةَ لَكم فِيهِ، والكِتابُ هُنا جِنْسٌ، والطّائِفَتانِ هُما أهْلُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ اليَهُودُ والنَّصارى بِلا خِلافٌ، والخِطابُ مُتَوَجِّهٌ إلى كَفّارِ قُرَيْشٍ بِإثْباتِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِإنْزالِ هَذا الكِتابِ لِئَلّا يَحْتَجُّوا هم وكُفّارُ العَرَبِ بِأنَّهم لَمْ يَكُنْ لَهم كِتابٌ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وهَذا القُرْآنُ يا مَعْشَرَ العَرَبِ أُنْزِلَ حُجَّةً عَلَيْكم لِئَلّا تَقُولُوا: إنَّما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ بِغَيْرِ لِسانِنا عَلى غَيْرِنا ونَحْنُ لَمْ نَعْرِفْ ذَلِكَ، فَهَذا كِتابٌ بِلِسانِكم مَعَ رَجُلٍ مِنكم. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: أنْ يَقُولُوا، بِياءِ الغَيْبَةِ ويَعْنِيَ كُفّارَ قُرَيْشٍ. وقالَ الماتُرِيدِيُّ: المَعْنى إنَّما ظَهَرَ نُزُولُ الكِتابِ عِنْدَ الخَلْقِ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا ولَمْ يَكُونُوا وقْتَ نُزُلِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ يَهُودًا ولا نَصارى، وإنَّما حَدَثَ لَهُما هَذانِ الِاسْمانِ لِما حَدَثَ مِنهُما. و﴿دِراسَتِهِمْ﴾ قِراءَتُهم ودَرْسُهم، والمَعْنى عَنْ مِثْلِ ﴿دِراسَتِهِمْ﴾، وأعادَ الضَّمِيرَ جَمْعًا لِأنَّ كُلَّ طائِفَةٍ مِنهم جَمْعٌ كَما أعادَهُ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩]، وإنْ هُنا هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: إنْ نافِيَةٌ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، والتَّقْدِيرُ: وما كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ إلّا غافِلِينَ. وقالَ قُطْرُبٌ: في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ إنْ بِمَعْنى قَدْ، واللّامُ زائِدَةٌ، ولَيْسَ هَذا الخِلافُ مَقْصُورًا عَلى ما في هَذِهِ الآيَةِ، بَلْ هو جارٍ في شَخْصِيّاتِ هَذا التَّرْكِيبِ، وتَقْرِيرُهُ في عِلْمِ النَّحْوِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وإنْ كُنّا﴾ هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، واللّامُ هي الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، والأصْلُ ﴿وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ﴾ غافِلِينَ، عَلى أنَّ الهاءَ ضَمِيرٌ. انْتَهى. وما ذَهَبَ إلَيْهِ مِن أنَّ أصْلَهُ ﴿وإنْ كُنّا﴾ والهاءُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ يَلْزَمُ مِنهُ أنَّ إنِ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ عامِلَةٌ في مُضْمَرٍ مَحْذُوفٍ حالَةَ التَّخْفِيفِ، كَما قالَ النَّحْوِيُّونَ في أنَّ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والَّذِي نَصَّ النّاسُ عَلَيْهِ أنَّ إنِ المُخَفَّفَةَ مِنَ الثَّقِيلَةِ إذا لَزِمَتِ اللّامَ في أحَدِ الجُزَءَيْنِ بَعْدَها أوْ في أحَدِ مَعْمُولَيِ الفِعْلِ النّاسِخِ الَّذِي يَلِيها أنَّها مُهْمِلَةٌ لا تَعْمَلُ في ظاهِرٍ ولا مُضْمَرَ لا مُثْبَتَ ولا مَحْذُوفَ، فَهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مُخالِفٌ لِلنُّصُوصِ، ولَيْسَتْ إذا ولِيَها النّاسِخُ داخِلَةً في الأصْلِ عَلى ضَمِيرِ شَأْنٍ البَتَّةَ. و﴿عَنْ دِراسَتِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لَغافِلِينَ﴾، وهَذا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ في دَعْواهم أنَّ اللّامَ بِمَعْنى إلّا، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ ما بَعْدَ إلّا فِيما قَبْلَها، وكَذَلِكَ اللّامُ الَّتِي بِمَعْناها، ولَهم أنْ يَجْعَلُوا ”عَنْها“ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ، ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ اللّامَ لامُ ابْتِداءٍ لَزِمَتْ لِلْفَرْقِ، فَجازَ أنْ يَتَقَدَّمَ مَعْمُولُها عَلَيْها لَمّا وقَعَتْ في غَيْرِ ما هو لَها أصْلٌ، كَما جازَ ذَلِكَ في إنْ زَيْدًا طَعامَكَ لَآكِلٌ، حَيْثُ وقَعَتْ في غَيْرِ ما هو لَها أصْلٌ، ولَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِيها إذا وقَعَتْ فِيما هو لَها أصْلٌ وهو دُخُولُها عَلى المُبْتَدَأِ.
6:157Page 149
أَوۡ تَقُولُواْ لَوۡ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡكِتَٰبُ لَكُنَّآ أَهۡدَىٰ مِنۡهُمۡۚ فَقَدۡ جَآءَكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞۚ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنۡهَاۗ سَنَجۡزِي ٱلَّذِينَ يَصۡدِفُونَ عَنۡ ءَايَٰتِنَا سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصۡدِفُونَ ١٥٧
Or lest you say, "If only the Scripture had been revealed to us, we would have been better guided than they." So there has [now] come to you a clear evidence from your Lord and a guidance and mercy. Then who is more unjust than one who denies the verses of Allāh and turns away from them? We will recompense those who turn away from Our verses with the worst of punishment for their having turned away.
﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾ انْتِقالٌ مِنَ الإخْبارِ لِحَصْرِ إنْزالِ الكِتابِ عَلى غَيْرِهِمْ، وأنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمْ إلى الإخْبارِ بِحُكْمٍ عَلى تَقْدِيرٍ، والكِتابُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الكِتابُ السّابِقُ ذِكْرُهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الكِتابُ الَّذِي تَمَنَّوْا أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ، ومَعْنى ﴿أهْدى مِنهُمْ﴾ أرْشَدَ وأسْرَعَ اهْتِداءً لِكَوْنِهِ نَزَلَ عَلَيْنا بِلِسانِنا، فَنَحْنُ نَتَفَهَّمُهُ ونَتَدَبَّرُهُ ونُدْرِكُ (p-٢٥٨)ما تَضَمَّنَهُ مِن غَيْرِ إكْدادِ فِكْرٍ ولا تَعَلُّمِ لِسانٍ، بِخِلافِ الكِتابِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى الطّائِفَتَيْنِ، فَإنَّهُ بِغَيْرِ لِسانِنا، فَنَحْنُ لا نَعْرِفُهُ ولا نَغْفُلُ عَنْ دِراسَتِهِ، أوْ ﴿أهْدى مِنهُمْ﴾ لِكَوْنِ اليَهُودِ والنَّصارى قَدِ افْتَرَقَتْ فِرَقًا مُتَبايِنَةً فَلا نَعْرِفُ الحَقَّ مِنَ الباطِلِ.
﴿فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ﴾ هَذا قَطْعٌ لِاعْتِذارِهِمْ بِانْحِصارِ إنْزالِ الكِتابِ عَلى الطّائِفَتَيْنِ وبِكَوْنِهِمْ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمْ كِتابٌ، ولَوْ نَزَلَ لَكانُوا أهْدى مِنَ الطّائِفَتَيْنِ. والظّاهِرُ أنَّ البَيِّنَةَ هي القُرْآنُ وهو الحُجَّةُ الواضِحَةُ الدّالَّةُ النَّيِّرَةُ، حَيْثُ نَزَلَ عَلَيْهِمْ بِلِسانِهِمْ وألْزَمَ العالَمَ أحْكامَهُ وشَرِيعَتَهُ، وإنَّ الهُدى والنُّورَ مِن صِفاتِ القُرْآنِ. وقِيلَ: البَيِّنَةُ الرَّسُولُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
﴿بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: حُجَّةٌ وهو النَّبِيُّ ﷺ والقُرْآنُ. وقِيلَ: آياتُ اللَّهِ الَّتِي أظْهَرَها في كِتابِهِ وعَلى لِسانِ رَسُولِهِ. وقِيلَ: دِينُ اللَّهِ، والهُدى والنُّورُ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ مِن صِفاتِ ما فُسِّرَتِ البَيِّنَةُ بِهِ. والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ﴾ عَلى ما قَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ، جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى إنْ صَدَقْتُمْ فِيما كُنْتُمْ تَعُدُّونَ مِن أنْفُسِكم ﴿فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾، فَحُذِفَ الشَّرْطُ وهو مِن أحاسِنِ الحُذُوفِ. انْتَهى. وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ: إنْ كُنْتُمْ كَما تَزْعُمُونَ إذا نَزَلَ عَلَيْكم كِتابٌ تَكُونُونَ أهْدى مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ﴾ . وأطْبَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ الغَرَضَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى مُشْرِكِي العَرَبِ وقَطْعُ احْتِجاجِهِمْ.
* *
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها﴾ أيْ: بَعْدَ مَجِيءِ البَيِّنَةِ والهُدى والنُّورِ لا يَكُونُ أحَدٌ أشَدَّ ظُلْمًا مِنَ المُكَذِّبِ بِالأمْرِ الواضِحِ النَّيِّرِ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ والمُعْرِضِ عَنْهُ بَعْدَما لاحَتْ لَهُ صِحَّتُهُ وصِدْقُهُ وعَرَفَهُ أوْ تَمَكَّنَ مِن مَعْرِفَتِهِ، وتَأخَّرَ الإعْراضُ لِأنَّهُ ناشِئٌ عَنِ التَّكْذِيبِ، والإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ هو بَعْدَ رُؤْيَتِهِ وظُهُورِهِ. وقِيلَ: قَبْلَ الفاءِ شَرْطٌ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَإنْ كَذَّبْتُمْ فَلا أحَدَ أظْلَمُ مِنكم، وآياتُ اللَّهِ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِها القُرْآنُ والرَّسُولُ، والأوْلى أنْ يُحْمَلَ عَلى العُمُومِ.
﴿وصَدَفَ﴾ لازِمٌ بِمَعْنى أعْرَضَ، وقَدْ شَرَحْناهُ عَلى هَذا المَعْنى، ومُتَعَدٍّ، أيْ: صَدَفَ عَنْها غَيْرَهُ، بِمَعْنى صَدَّهُ، وفِيهِ مُبالَغَةٌ في الذَّمِّ حَيْثُ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وجَعَلَ غَيْرَهُ يُعْرِضُ عَنْها ويُكَذِّبُ بِها. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿مِمَّنْ كَذَّبَ﴾ بِتَخْفِيفِ الذّالِ.
﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ العَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾ عَلَّقَ الجَزاءَ عَلى الصُّدُوفِ لِأنَّهُ هو ناشِئٌ عَنِ التَّكْذِيبِ، و﴿سُوءَ العَذابِ﴾ شَدِيدَهُ، كَقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ﴾ [النحل: ٨٨]، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (يَصْدُفُونَ) بِضَمِّ الدّالِ.
6:158Page 150
هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ يَأۡتِيَ رَبُّكَ أَوۡ يَأۡتِيَ بَعۡضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَۗ يَوۡمَ يَأۡتِي بَعۡضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفۡسًا إِيمَٰنُهَا لَمۡ تَكُنۡ ءَامَنَتۡ مِن قَبۡلُ أَوۡ كَسَبَتۡ فِيٓ إِيمَٰنِهَا خَيۡرٗاۗ قُلِ ٱنتَظِرُوٓاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ ١٥٨
Do they [then] wait for anything except that the angels should come to them or your Lord should come or that there come some of the signs1 of your Lord? The Day that some of the signs of your Lord will come no soul will benefit from its faith as long as it had not believed before or had earned through its faith some good. Say, "Wait. Indeed, we [also] are waiting."
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ الضَّمِيرُ في ﴿يَنْظُرُونَ﴾ عائِدٌ عَلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم: ﴿فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٧]، وهُمُ العادِلُونَ بِرَبِّهِمْ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ مَضى أكْثَرُ السُّورَةِ في جِدالِهِمْ، أيْ: ما يَنْتَظِرُونَ ﴿إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ﴾ إلى قَبْضِ أرْواحِهِمْ وتَعْذِيبِها، وهو وقْتٌ لا تَنْفَعُ فِيهِ تَوْبَتُهم، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ. وقِيلَ: ﴿أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ﴾ الَّذِينَ يَنْصَرِفُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ”يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ“ . وقِيلَ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِمْ: ”أوْ تَأْتِي بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا“ أيْ: رُسُلًا مِنَ اللَّهِ إلَيْهِمْ كَما تَمَنَّوْا، أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ فِيهِمْ بِالقَتْلِ أوْ غَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ بِعِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ بِلا أيْنَ ولا كَيْفَ لِفَصْلِ القَضاءِ بَيْنَ خَلْقِهِ في المَوْقِفِ يَوْمَ القِيامَةِ. وقالَ الزَّجّاجُ: أوْ يَأْتِيَ إهْلاكُ رَبِّكَ إيّاهم. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلى كُلِّ تَأْوِيلٍ فَإنَّما هو بِحَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: أمْرُ رَبِّكَ وبَطْشُ وحِسابُ رَبِّكَ، وإلّا فالإتْيانُ المَفْهُومُ مِنَ اللُّغَةِ مُسْتَحِيلٌ في حَقِّ اللَّهِ - تَعالى - ألا تَرى أنَّ اللَّهَ - تَعالى - يَقُولُ: ﴿فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ [الحشر: ٢]، فَهَذا إتْيانٌ قَدْ وقَعَ وهو عَلى المَجازِ وحُذِفَ المُضافُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿أوْ يَأْتِيَ﴾ كُلُّ آياتِ رَبِّكَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ يُرِيدُ آياتِ القِيامَةِ والهَلاكَ الكُلِّيَّ، و﴿بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ أشْراطُ السّاعَةِ كَطُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها (p-٢٥٩)وغَيْرِها. انْتَهى. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ: إنَّهُ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، ورَواهُ أبُو سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: «لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها، فَإذا طَلَعَتْ ورَآها النّاسُ آمَنَ مَن عَلَيْها، فَذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا» . وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِيما رَوى عَنْهُ مَسْرُوقٌ: طُلُوعُ الشَّمْسِ والقَمَرِ مِن مَغْرِبِهِما. وقِيلَ: إحْدى الآياتِ الثَّلاثِ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها والدّابَّةُ وفَتْحُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، رَواهُ القاسِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: طُلُوعُها والدَّجّالُ والدّابَّةُ وفَتْحُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ. وقِيلَ: العَشْرُ الآياتِ الَّتِي في حَدِيثِ البَراءِ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، والدَّجّالُ، والدّابَّةُ، وخَسْفٌ بِالمُشْرِقِ، وخَسْفٌ بِالمَغْرِبِ، وخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ العَرَبِ، ونُزُولُ عِيسى، وفَتْحُ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ، ونارٌ تَخْرُجُ مِن قَعْرِ عَدَنَ تَسُوقُ النّاسَ إلى المَحْشَرِ. والظّاهِرُ أنَّهم تَوَعَّدُوا بِالشَّيْءِ العَظِيمِ مِن أشْراطِ السّاعَةِ لِيَذْهَبَ الفِكْرُ في ذَلِكَ كُلَّ مَذْهَبٍ، لَكِنْ أتى بَعْدَ ذَلِكَ الإخْبارُ عَنْهُ عَنْ هَذا البَعْضِ بِعَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ فِيهِ إذا أتى، وتَصْرِيحُ الرَّسُولِ بِأنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها وقْتٌ لا تَنْفَعُ فِيهِ التَّوْبَةُ فَيَظْهَرُ أنَّهُ هَذا البَعْضُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا البَعْضُ غَرْغَرَةَ الإنْسانِ عِنْدَ المَوْتِ، فَإنَّها تَكُونُ في وقْتٍ لا تَنْفَعُ فِيهِ التَّوْبَةُ. قالَ تَعالى: ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء: ١٨]، وفي الحَدِيثِ أنَّ تَوْبَةَ العَبْدِ تُقْبَلُ ما لَمْ يُغَرْغِرْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ غَيْرَ قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾، فَيَكُونُ هَذا عِبارَةً عَنْ ما يُقْطَعُ بِوُقُوعِهِ مِن أشْراطِ السّاعَةِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ فِيهِ وصْفٌ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ الَّتِي يَرْتَفِعُ مَعَها التَّوْبَةُ. وثَبَتَ بِالحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّ طُلُوعَ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها وقْتٌ لا تُقْبَلُ فِيهِ التَّوْبَةُ، ويَدُلُّ عَلى التَّغايُرِ إعادَةُ ”آياتُ رَبِّكَ“، إذْ لَوْ كانَتْ هَذِهِ تِلْكَ لَكانَ التَّرْكِيبُ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُها، أيْ: بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ.
﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ مَنطُوقُ الآيَةِ أنَّهُ إذا أتى هَذا البَعْضُ لا يَنْفَعُ نَفْسًا كافِرَةً إيمانُها الَّذِي أوْقَعَتْهُ إذْ ذاكَ، ولا يَنْفَعُ نَفْسًا سَبَقَ إيمانُها وما كَسَبَتْ فِيهِ خَيْرًا فَعَلَّقَ نَفْيَ الإيمانِ بِأحَدِ وصْفَيْنِ: إمّا نَفْيُ سَبْقِ الإيمانِ فَقَطْ، وإمّا سَبْقُهُ مَعَ نَفْيِ كَسْبِ الخَيْرِ، ومَفْهُومُهُ أنَّهُ يَنْفَعُ الإيمانُ السّابِقُ وحْدَهُ أوِ السّابِقُ ومَعَهُ الخَيْرُ، ومَفْهُومُ الصِّفَةِ قَوِيٌّ، فَيُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ لِمَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ مِن أنَّ الإيمانَ لا يُشْتَرَطُ في صِحَّتِهِ العَمَلُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿نَفْسًا﴾، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿آمَنَتْ﴾، والمَعْنى: أنَّ أشْراطَ السّاعَةِ إذا جاءَتْ، وهي آياتٌ مُلْجِئَةٌ مُضْطَرَّةٌ، ذَهَبَ أوانُ التَّكْلِيفِ عِنْدَها، فَلَمْ يَنْفَعِ الإيمانُ حِينَئِذٍ نَفْسًا غَيْرَ مُقَدِّمَةٍ إيمانَها مِن قَبْلِ ظُهُورِ الآياتِ، أوْ مُقَدِّمَةً إيمانَها غَيْرَ كاسِبَةٍ خَيْرًا في إيمانِها، فَلَمْ يُفَرَّقْ كَما تَرى بَيْنَ النَّفْسِ الكافِرَةِ إذا آمَنَتْ في غَيْرِ وقْتِ الإيمانِ، وبَيْنَ النَّفْسِ الَّتِي آمَنَتْ في وقْتِها ولَمْ تَكْسِبْ خَيْرًا، لِيُعْلَمَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [البقرة: ٢٥] جَمَعَ بَيْنَ قَرِينَتَيْنِ لا يَنْبَغِي أنْ تَنْفَكَّ إحْداهُما عَنِ الأُخْرى حَتّى يَفُوزَ صاحِبُها ويَسْعَدَ، وإلّا فالشَّقاوَةُ والهَلاكُ. انْتَهى. وهو جارٍ عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ. وقَرَأ الأخَوانِ: ”إلّا أنْ يَأْتِيَهم“ بِالياءِ. وقَرَأ ابْنُ عَمْرٍو وابْنُ سِيرِينَ وأبُو العالِيَةِ: ”يَوْمَ تَأْتِي بَعْضُ“ بِالتّاءِ، مِثْلَ ”تَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ“، وابْنُ سِيرِينَ: ”لا تَنْفَعُ نَفْسًا“ . قالَ أبُو حاتِمٍ: ذَكَرُوا أنَّها غَلَطٌ مِنهُ. وقالَ النَّحّاسُ: في هَذا شَيْءٌ دَقِيقٌ ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ، وذَلِكَ أنَّ الإيمانَ والنَّفْسَ كُلٌّ مِنهُما مُشْتَمِلٌ عَلى الآخَرِ، فَأنَّثَ الإيمانَ إذْ هو مَنَّ النَّفْسِ وبِها، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:(p-٢٦٠)
؎مَشَيْنَ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ أعالِيَّها مَرَّ الرِّياحِ النَّواسِمِ
انْتَهى.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَرَأ ابْنُ سِيرِينَ ”لا تَنْفَعُ“ بِالتّاءِ، لِكَوْنِ الإيمانِ مُضافًا إلى ضَمِيرِ المُؤَنَّثِ الَّذِي هو بَعْضُهُ، لِقَوْلِهِ: ذَهَبَتْ بَعْضُ أصابِعِهِ. انْتَهى. وهو غَلَطٌ؛ لِأنَّ الإيمانَ لَيْسَ بَعْضًا لِلنَّفْسِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أُنِّثَ عَلى مَعْنى الإيمانِ وهو المَعْرِفَةُ أوِ العَقِيدَةُ، فَكانَ مِثْلَ جاءَتْهُ كِتابِي فاحْتَقَرَها، عَلى مَعْنى الصَّحِيفَةِ، ونُصِبَ ﴿يَوْمَ يَأْتِي﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يَنْفَعُ﴾، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى تَقَدُّمِ مَعْمُولِ الفِعْلِ المَنفِيِّ بِلا عَلى لا، خِلافًا لِمَن مَنَعَ. وقَرَأ زُهَيْرٌ القَرَوِيُّ: (يَوْمُ يَأْتِي) بِالرَّفْعِ، والخَبَرُ ﴿لا يَنْفَعُ﴾، والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ: لا يَنْفَعُ فِيهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ صِفَةً، وجازَ الفَصْلُ بِالفاعِلِ بَيْنَ المَوْصُوفِ وصْفَتِهِ لِأنَّهُ لَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ، إذْ قَدِ اشْتَرَكَ المَوْصُوفُ الَّذِي هو المَفْعُولُ والفاعِلُ في العامِلِ، فَعَلى هَذا يَجُوزُ: ضَرَبَ هِنْدًا غُلامُها التَّمِيمِيَّةَ، ومَن جَعَلَ الجُمْلَةَ حالًا أبْعَدَ، ومَن جَعَلَها مُسْتَأْنَفَةً فَهو أبْعَدُ.
﴿قُلِ انْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ أيِ: انْتَظَرُوا ما تَنْتَظِرُونَ ﴿إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ ما يَحُلُّ بِكم، وهو أمْرُ تَهْدِيدٍ ووَعِيدٍ. مَن قالَ: إنَّهُ أمْرٌ بِالكَفِّ عَنِ القِتالِ، فَهو مَنسُوخٌ عِنْدَهُ بِآيَةِ السَّيْفِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences