Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:32–34
6:32Page 131
وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا لَعِبٞ وَلَهۡوٞۖ وَلَلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٣٢
And the worldly life is not but amusement and diversion; but the home of the Hereafter is best for those who fear Allāh, so will you not reason?
﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ . لَمّا ذَكَرَ قَوْلَهم، وقالُوا: ﴿إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩] ذَكَرَ مَصِيرَها، وأنَّ مُنْتَهى أمْرِها، أنَّها فانِيَةٌ مُنْقَضِيَةٌ عَنْ قَرِيبٍ، فَصارَتْ شَبِيهَةً بِاللَّهْوِ واللَّعِبِ، إذْ هُما لا يَدُومانِ ولا طائِلَ لَهُما، كَما أنَّها لا طائِلَ لَها، فاللَّهْوُ واللَّعِبُ اشْتِغالٌ بِما لا غِنى بِهِ ولا مَنفَعَةَ، كَذَلِكَ هي الدُّنْيا، بِخِلافِ الِاشْتِغالِ بِأعْمالِ الآخِرَةِ، فَإنَّها الَّتِي تُعْقِبُ المَنافِعَ والخَيْراتِ. وقالَ الحَسَنُ: في الكَلامِ حَذْفٌ، التَّقْدِيرُ وما أهْلُ الحَياةِ، إلّا أهْلُ لَعِبٍ ولَهْوٍ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ، وما أعْمالُ الحَياةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذِهِ حَياةُ الكافِرِ؛ لِأنَّهُ يُزْجِيها في غُرُورٍ وباطِلٍ، وأمّا حَياةُ المُؤْمِنِ، فَتُطْوى عَلى أعْمالٍ صالِحَةٍ، فَلا تَكُونُ لَعِبًا ولَهْوًا. وفي الحَدِيثِ: «ما أنا مِنَ الدَّدِ، ولا الدَّدُ مِنِّي» . والدَّدُ اللَّعِبُ، واللَّعِبُ واللَّهْوُ، قِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وكُرِّرَ تَأْكِيدًا لِذَمِّ الدُّنْيا. وقالَ الرُّمّانِيُّ: اللَّعِبُ عَمَلٌ يَشْغَلُ عَمّا يُنْتَفَعُ بِهِ إلى ما لا يُنْتَفَعُ بِهِ، واللَّهْوُ صَرْفُ النَّفْسِ عَنِ الجِدِّ إلى الهَزْلِ، يُقالُ: لُهِيتُ عَنْهُ؛ أيْ صَرَفْتُ نَفْسِي عَنْهُ. ورَدَّ عَلَيْهِ المَهْدَوِيُّ، فَقالَ هَذا: فِيهِ ضَعْفٌ وبُعْدٌ؛ لِأنَّ الَّذِي مَعْناهُ الصَّرْفُ، لامُهُ ياءٌ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: لَهَيانِ، ولامُ الأوَّلِ واوٌ انْتَهى. وهَذا التَّضْعِيفُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ (فَعِلَ) مِن ذَواتِ الواوِ، تَنْقَلِبُ فِيهِ الواوُ ياءً، كَما تَقُولُ: شَقِيَ فُلانٌ، وهو مِنَ الشِّقْوَةِ، فَكَذَلِكَ (لَهي)، أصْلُهُ (لَهِوَ) مِن ذَواتِ الواوِ، فانْقَلَبَتِ الواوُ ياءً؛ لِكَسْرَةِ ما قَبْلَها، فَقالُوا: (لَهي) كَما قالُوا: حَلِيَ بِعَيْنِي، وهو مِنَ الحَلْوِ. وأمّا اسْتِدْلالُهُ بِقَوْلِهِمْ في التَّثْنِيَةِ لَهَيانِ، فَفاسِدٌ؛ لِأنَّ التَّثْنِيَةَ هي كالفِعْلِ، تَنْقَلِبُ فِيهِ الواوُ ياءً؛ لِأنَّ مَبْناها عَلى المُفْرَدِ، وهي تَنْقَلِبُ في المُفْرَدِ في قَوْلِهِمْ: (لَهٍ) اسْمُ فاعِلٍ مِن (لَهي)، كَما قالُوا: شَجَّ، وهو مِنَ (p-١٠٩)الشَّجْوِ، وقالُوا في تَثْنِيَتِهِ: شَجَيانِ بِالياءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ شَيْءٍ مِن هَذا في المُفْرَداتِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ، ولَدارُ الآخِرَةِ، عَلى الإضافَةِ، وقالُوا: هو كَقَوْلِهِمْ: مَسْجِدُ الجامِعِ، فَقِيلَ هو مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى صِفَتِهِ. وقالَ الفَرّاءُ: هي إضافَةُ الشَّيْءِ إلى نَفْسِهِ، كَقَوْلِكَ: بارِحَةُ الأُولى، ويَوْمُ الخَمِيسِ، وحَقُّ اليَقِينِ، وإنَّما يَجُوزُ عِنْدَ اخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ انْتَهى. وقِيلَ: مِن حَذْفِ المَوْصُوفِ، وإقامَةِ الصِّفَةِ مَقامَهُ؛ أيْ ولَدارُ الحَياةِ الآخِرَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ، وما الحَياةُ الدُّنْيا، وهَذا قَوْلُ البَصْرِيِّينَ. وحَسُنَ ذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ قَدِ اسْتُعْمِلَتِ اسْتِعْمالَ الأسْماءِ، فَوَلِيَتِ العَوامِلَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ والأُولى﴾ [الليل: ١٣]، وقَوْلِهِ: ﴿ولَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ [الضحى: ٤] . وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ﴿ولَلدّارُ الآخِرَةُ﴾ بِتَعْرِيفِ الدّارِ بِـ (ال)، ورَفْعِ (الآخِرَةُ) نَعْتًا لَها. و(خَيْرٌ) هُنا أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وحَسُنَ حَذْفُ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ؛ لِوُقُوعِهِ خَبَرًا، والتَّقْدِيرُ مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا، وقِيلَ: (خَيْرٌ) هُنا لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ، وإنَّما هي كَقَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤]، إذْ لا اشْتِراكَ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ في أصْلِ الخَيْرِ، فَيَزِيدُ المُؤْمِنُ عَلَيْهِ، بَلْ هَذا مُخْتَصٌّ بِالمُؤْمِنِ. والدّارُ الآخِرَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي الجَنَّةُ. وقِيلَ: ذَلِكَ مَجازٌ عُبِّرَ بِهِ عَنِ الإقامَةِ في النَّعِيمِ؛ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎لِلَّهِ أيّامُ نَجِدٍ والنَّعِيمُ بِها قَدْ كانَ دارًا لَنا أكْرِمْ بِهِ دارا
ومَعْنى (الَّذِينَ يَتَّقُونَ) يَتَّقُونَ الشِّرْكَ لِأنَّ المُؤْمِنَ الفاسِقَ، ولَوْ قَدَّرْنا دُخُولَهُ النّارَ، فَإنَّهُ بَعْدُ يَدْخُلُ الجَنَّةَ، فَتَصِيرُ الدّارُ الآخِرَةُ خَيْرًا لَهُ مِن دارِ الدُّنْيا. وذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى الكُفْرَ والمَعاصِيَ، وقالَ في المُنْتَخَبِ نَحْوَهُ، قالَ: بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ هَذِهِ الخَيْرِيَّةَ، إنَّما تَحْصُلُ لِمَن كانَ مِنَ المُتَّقِينَ المَعاصِيَ والكَبائِرَ، فَأمّا الكافِرِينَ والفاسِقِينَ فَلا، لِأنَّ الدُّنْيا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ خَيْرٌ مِنَ الآخِرَةِ انْتَهى. وهو أشْبَهُ بِكَلامِ المُعْتَزِلَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهُ: (لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) دَلِيلٌ عَلى أنَّ ما سِوى أعْمالِ المُتَّقِينَ لَهْوٌ ولَعِبٌ انْتَهى. وقَدْ أبْدى الفَخْرُ الرّازِيُّ الخَيْرِيَّةَ هُنا، فَقالَ: خَيْراتُ الدُّنْيا خَسِيسَةٌ، وخَيْراتُ الآخِرَةِ شَرِيفَةٌ؛ وبَيانُهُ أنَّ خَيْراتِ الدُّنْيا لَيْسَتْ إلّا قَضاءَ الشَّهْوَتَيْنِ، وهو في نِهايَةِ الخَساسَةِ، بِدَلِيلِ مُشارَكَةِ الحَيَواناتِ الخَسِيسَةِ في ذَلِكَ، وزِيادَةِ بَعْضِها عَلى الإنْسانِ في ذَلِكَ، كالجَمَلِ في كَثْرَةِ الأكْلِ، والدِّيكِ في كَثْرَةِ الوِقاعِ، والذِّئْبِ في القُوَّةِ عَلى الفَسادِ والتَّمْزِيقِ، والعَقْرَبِ في قُوَّةِ الإيلامِ، وبِدَلِيلِ أنَّ الإكْثارَ مِن ذَلِكَ لا يُوجِبُ شَرَفًا، بَلِ المُكْثِرُ مِن ذَلِكَ مَمْقُوتٌ مُسْتَقْذَرٌ مُسْتَحْقَرٌ، يُوصَفُ بِأنَّهُ بَهِيمَةٌ، وبِدَلِيلِ عَدَمِ الِافْتِخارِ بِهَذِهِ الأحْوالِ، بَلِ العُقَلاءُ يُخْفُونَها، ويَخْتَفُونَ عِنْدَ فِعالِها، ويُكَنُّونَ عَنْها ولا يُصَرِّحُونَ بِها إلّا عِنْدَ الشَّتْمِ بِها، وبِأنَّ حَقِيقَةَ اللَّذّاتِ دَفْعُ الآلامِ وبِسُرْعَةِ انْقِضائِها، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ خَساسَةُ هَذِهِ اللَّذّاتِ. وأمّا السَّعاداتُ الرُّوحانِيَّةُ، فَسَعاداتٌ عالِيَةٌ شَرِيفَةٌ باقِيَةٌ مُقَدَّسَةٌ، وذَلِكَ أنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ إذا تَخَيَّلُوا في إنْسانٍ كَثْرَةَ العِلْمِ، وشِدَّةَ الِانْقِباضِ عَنِ اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ، فَإنَّهم بِالطَّبْعِ يُعَظِّمُونَهُ، ويَخْدِمُونَهُ ويَعُدُّونَ أنْفُسَهم عَبِيدًا لَهُ، وأشْقِياءَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، ولَوْ فَرَضْنا تَشارُكَ خَيْراتِ الدُّنْيا وخَيْراتِ الآخِرَةِ في التَّفْضِيلِ، لَكانَتْ خَيْراتُ الآخِرَةِ أفْضَلَ؛ لِأنَّ الوُصُولَ إلَيْها مَعْلُومٌ قَطْعًا. وخَيْراتُ الدُّنْيا لَيْسَتْ مَعْلُومَةً، بَلْ ولا مَظْنُونَةً، فَكَمْ مِن سُلْطانٍ قاهِرٍ بُكْرَةَ يَوْمٍ، أمْسى تَحْتَ التُّرابِ آخِرَهُ ! وكَمْ مُصْبِحٍ أمِيرًا عَظِيمًا أمْسى أسِيرًا حَقِيرا ! ولَوْ فَرَضْنا أنَّهُ وجَدَ بَعْدَ سُرُورِ يَوْمٍ يَوْمًا آخَرَ، فَإنَّهُ لا يَدْرِي هَلْ يَنْتَفِعُ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِما جَمَعَ مِنَ الأمْوالِ والطَّيِّباتِ واللَّذّاتِ ؟ بِخِلافِ مُوجِبِ السَّعاداتِ الأُخْرَوِيَّةِ، فَإنَّهُ يُقْطَعُ أنَّهُ يَنْتَفِعُ بِها في الآخِرَةِ، وهَبْ أنَّهُ انْتَفَعَ بِها، فَلَيْسَ ذَلِكَ الِانْتِفاعُ خالِيًا مِن شَوائِبِ المَكْرُوهاتِ والمُحْزِناتِ، وهَبْ أنَّهُ انْتَفَعَ في الغَدِ، فَإنَّها تَنْقَضِي، ويَحْزَنُ عِنْدَ انْقِضائِها؛ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎أشَدُّ الغَمِّ عِنْدِي في سُرُورٍ ∗∗∗ تَيَقَّنَ عَنْهُ صاحِبُهُ انْتِقالا
(p-١١٠)
6:33Page 131
قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحۡزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَۖ فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ ٣٣
We know that you, [O Muḥammad], are saddened by what they say. And indeed, they do not call you untruthful, but it is the verses of Allāh that the wrongdoers reject.
﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ . وقالَ النَّقّاشُ: نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ، فَإنَّهُ كانَ يُكَذِّبُ في العَلانِيَةِ، ويُصَدِّقُ في السِّرِّ، ويَقُولُ: نَخافُ أنْ تَتَخَطَّفَنا العَرَبُ ونَحْنُ أكَلَةُ رَأسٍ. وقالَ غَيْرُهُ: رُوِيَ أنَّ الأخْنَسَ بْنَ شُرَيْقٍ قالَ لِأبِي جَهْلٍ: يا أبا الحَكَمِ، أخْبِرْنِي عَنْ مُحَمَّدٍ أصادِقٌ هو أمْ كاذِبٌ ؟ فَإنَّهُ لَيْسَ عِنْدَنا أحَدٌ غَيْرَنا، فَقالَ لَهُ: واللَّهِ إنَّ مُحَمَّدًا لَصادِقٌ، وما كَذَبَ قَطُّ، ولَكِنْ إذا ذَهَبَ بَنُو قُصَيٍّ بِاللِّواءِ والسِّقايَةِ والحِجابَةِ والنُّبُوَّةِ، فَماذا يَكُونُ لِسائِرِ قُرَيْشٍ، فَنَزَلَتْ. ”قَدْ“ حَرْفُ تَوَقُّعٍ إذا دَخَلَتْ عَلى مُسْتَقْبَلِ الزَّمانِ، كانَ التَّوَقُّعُ مِنَ المُتَكَلِّمِ، كَقَوْلِكَ: قَدْ يَنْزِلُ المَطَرُ في شَهْرِ كَذا، وإذا كانَ ماضِيًا، أوْ فِعْلَ حالٍ بِمَعْنى المُضِيِّ، فالتَّوَقُّعُ كانَ عِنْدَ السّامِعِ، وأمّا المُتَكَلِّمُ فَهو مُوجِبُ ما أخْبَرَ بِهِ، وعَبَّرَ هُنا بِالمُضارِعِ، إذِ المُرادُ الِاتِّصافُ بِالعِلْمِ واسْتِمْرارُهُ، ولَمْ يُلْحَظْ فِيهِ الزَّمانُ، كَقَوْلِهِمْ: هو يُعْطِي ويَمْنَعُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ والتَّبْرِيزِيُّ: قَدْ نَعْلَمُ بِمَعْنى رُبَّما الَّذِي تَجِيءُ لِزِيادَةِ الفِعْلِ وكَثْرَتِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ: ولَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المالَ نائِلُهُ انْتَهى. وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ (قَدْ) تَأْتِي لِلتَّكْثِيرِ في الفِعْلِ، والزِّيادَةِ قَوْلٌ غَيْرُ مَشْهُورٍ لِلنُّحاةِ، وإنْ كانَ قَدْ قالَ بَعْضُهم مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎قَدْ أتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهُ كَأنَّ أثْوابَهُ مُجَّتْ بِفِرْصادِ
وبِقَوْلِهِ:
؎أخِي ثِقَةٍ لا يُتْلِفُ الخَمْرُ مالَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّهُ قَدْ يُهْلِكُ المالَ نائِلُهُ
والَّذِي نَقُولُهُ: إنَّ التَّكْثِيرَ لَمْ يُفْهَمْ مِن (قَدْ)، وإنَّما يُفْهَمُ مِن سِياقِ الكَلامِ؛ لِأنَّهُ لا يَحْصُلُ الفَخْرُ والمَدْحُ بِقَتْلِ قَرْنٍ واحِدٍ، ولا بِالكَرَمِ مَرَّةً واحِدَةً، وإنَّما يَحْصُلانِ بِكَثْرَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّ (قَدْ) تَكُونُ لِلتَّكْثِيرِ في الفِعْلِ، وزِيادَتِهِ لا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: (قَدْ نَعْلَمُ) لِأنَّ عِلْمَهُ تَعالى لا يُمْكِنُ فِيهِ الزِّيادَةُ والتَّكْثِيرُ، (p-١١١)وقَوْلُهُ: بِمَعْنى (رُبَّما) الَّتِي تَجِيءُ لِزِيادَةِ الفِعْلِ وكَثْرَتِهِ، والمَشْهُورُ أنَّ (رُبَّ) لِلتَّقْلِيلِ، لا لِلتَّكْثِيرِ، (وما) الدّاخِلَةُ عَلَيْها هي مُهَيِّئَةٌ لِأنْ يَلِيَها الفِعْلُ، و(ما) المُهَيِّئَةُ لا تُزِيلُ الكَلِمَةَ عَنْ مَدْلُولِها، ألا تَرى أنَّها في كَأنَّما يَقُومُ زَيْدٌ، ولَعَلَّما يَخْرُجُ بَكْرٌ، لَمْ تُزِلْ (كَأنَّ) عَنِ التَّشْبِيهِ، ولا (لَعَلَّ) عَنِ التَّرَجِّي. قالَ بَعْضُ أصْحابِنا: قَدْ كَرَّ بِما في التَّقْلِيلِ والصَّرْفِ إلى مَعْنى المُضِيِّ يَعْنِي إذا دَخَلَتْ عَلى المُضارِعِ، قالَ: هَذا ظاهِرُ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ، فَإنْ خَلَتْ مِن مَعْنى التَّقْلِيلِ، خَلَتْ غالِبًا مِنَ الصَّرْفِ إلى مَعْنى المُضِيِّ، وتَكُونُ حِينَئِذٍ لِلتَّحْقِيقِ والتَّوْكِيدِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿لِمَ تُؤْذُونَنِي وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ﴾ [الصف: ٥] وقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وقَدْ تُدْرِكُ الإنْسانَ رَحْمَةُ رَبِّهِ ∗∗∗ ولَوْ كانَ تَحْتَ الأرْضِ سَبْعِينَ وادِيًا
وقَدْ تَخْلُو مِنَ التَّقْلِيلِ، وهي صارِفَةٌ لِمَعْنى المُضِيِّ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ﴾ [البقرة: ١٤٤] انْتَهى. وقالَ مَكِّيٌّ: (قَدْ) هُنا وشِبْهُهُ تَأْتِي لِتَأْكِيدِ الشَّيْءِ وإيجابِهِ وتَصْدِيقِهِ، و(نَعْلَمُ) بِمَعْنى عَلِمْنا. وقالَ ابْنُ أبِي الفَضْلِ في ”رَيِّ الظَّمْآنِ“: كَلِمَةُ (قَدْ) تَأْتِي لِلتَّوَقُّعِ، وتَأْتِي لِلتَّقْرِيبِ مِنَ الحالِ، وتَأْتِي لِلتَّقْلِيلِ انْتَهى. نَحْوَ قَوْلِهِمْ: إنَّ الكَذُوبَ قَدْ يُصَدَّقُ، وإنَّ الجَبانَ قَدْ يَشْجُعُ، والضَّمِيرُ في (أنَّهُ) ضَمِيرُ الشَّأْنِ، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ مُفَسِّرَةٌ لَهُ في مَوْضِعِ خَبَرِ (أنَّ)، ولا يَقَعُ هُنا اسْمُ الفاعِلِ عَلى تَقْدِيرِ رَفْعِهِ ما بَعْدَهُ عَلى الفاعِلِيَّةِ مَوْقِعَ المُضارِعِ؛ لِما يَلْزَمُ مِن وُقُوعِ خَبَرِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ مُفْرَدًا، وذَلِكَ لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ (يَحْزُنْكَ) رُباعِيًّا وثُلاثِيًّا في آخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وتَوْجِيهُ ذَلِكَ فَأغْنى عَنْ إعادَتِهِ هُنا، والَّذِي يَقُولُونَ مَعْناهُ مِمّا يُنافِي ما أنْتَ عَلَيْهِ. قالَ الحَسَنُ: كانُوا يَقُولُونَ إنَّهُ ساحِرٌ وشاعِرٌ وكاهِنٌ ومَجْنُونٌ. وقِيلَ: كانُوا يُصَرِّحُونَ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِهِ ولا يَقْبَلُونَ دِينَهُ. وقِيلَ: كانُوا يَنْسُبُونَهُ إلى الكَذِبِ والِافْتِعالِ. وقِيلَ: كانَ بَعْضُ كُفّارِ قُرَيْشٍ يَقُولُ: لَهُ رَئْيٌ مِنَ الجِنِّ يُخْبِرُهُ بِما يُخْبِرُ بِهِ. وقَرَأ عَلِيٌّ ونافِعٌ والكِسائِيُّ بِتَخْفِيفِ (يُكَذِّبُونَكَ) . وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ وابْنُ عَبّاسٍ بِالتَّشْدِيدِ، فَقِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، نَحْوَ كَثُرَ وأكْثَرَ. وقِيلَ: بَيْنَهُما فَرْقٌ حَكى الكِسائِيُّ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: كَذَّبْتُ الرَّجُلَ إذْ نَسَبْتَ إلَيْهِ الكَذِبَ، وأكْذَبْتُهُ إذا نَسَبْتَ الكَذِبَ إلى ما جاءَ بِهِ، دُونَ أنْ تَنْسُبَهُ إلَيْهِ، وتَقُولُ العَرَبُ أيْضًا: أكْذَبْتُ الرَّجُلَ إذا وجَدْتَهُ كَذّابًا، كَما تَقُولُ: أحْمَدْتُ الرَّجُلَ إذا وجَدْتَهُ مَحْمُودًا، فَعَلى القَوْلِ بِالفَرْقِ يَكُونُ مَعْنى التَّخْفِيفِ، لا يَجِدُونَكَ كاذِبًا، أوْ لا يَنْسُبُونَ الكَذِبَ إلَيْكَ، وعَلى مَعْنى التَّشْدِيدِ يَكُونُ إمّا خَبَرًا مَحْضًا عَنْ عَدَمِ تَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ، ويَكُونُ مِن نِسْبَةِ ذَلِكَ إلى كُلِّهِمْ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، والمُرادُ بِهِ بَعْضُهُمْ؛ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ قَطْعًا أنَّ بَعْضَهم كانَ يُكَذِّبُهُ، ويُكَذِّبُ ما جاءَ بِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ نَفْيُ التَّكْذِيبِ لِانْتِفاءِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ المَضارِّ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: (لا يُكَذِّبُونَكَ) تَكْذِيبًا يَضُرُّكَ؛ لِأنَّكَ لَسْتَ بِكاذِبٍ، فَتَكْذِيبُهم كَلا تَكْذِيبٍ. وقالَ في المُنْتَخَبِ: لا يُرادُ بِقَوْلِهِ: (لا يُكَذِّبُونَكَ) خُصُوصِيَّةُ تَكْذِيبِهِ هو، بَلِ المَعْنى أنَّهم يُنْكِرُونَ دَلالَةَ المُعْجِزَةِ عَلى الصِّدْقِ مُطْلَقًا، فالمَعْنى (لا يُكَذِّبُونَكَ) عَلى التَّعْيِينِ، بَلْ يُكَذِّبُونَ جَمِيعَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ. وقالَ قَتادَةُ والسُّدِّيُّ: لا يُكَذِّبُونَكَ بِحُجَّةٍ وإنَّما هو تَكْذِيبُ عِنادٍ وبُهْتٍ. وقالَ ناجِيَةُ بْنُ كَعْبٍ: لا يَقُولُونَ إنَّكَ كاذِبٌ لِعِلْمِهِمْ بِصِدْقِكَ، ولَكِنْ يُكَذِّبُونَ ما جِئْتَ بِهِ. وقالَ ابْنُ السّائِبِ ومُقاتِلٌ: (لا يُكَذِّبُونَكَ) في السِّرِّ، ولَكِنْ يُكَذِّبُونَكَ في العَلانِيَةِ عَداوَةً. وقالَ: لا يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يَقُولُوا لَكَ فِيما أنْبَأْتَ بِهِ مِمّا في كُتُبِهِمْ، كَذَبْتَ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، ورَجَّحَ قِراءَةَ عَلِيٍّ بِالتَّخْفِيفِ بَعْضُهم، ولا تَرْجِيحَ بَيْنَ المُتَواتِرَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى أنَّ تَكْذِيبَكَ، أمْرٌ راجِعٌ إلى اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّكَ رَسُولُهُ المُصَدَّقُ بِالمُعْجِزاتِ، فَهم لا يُكَذِّبُونَكَ في الحَقِيقَةِ، وإنَّما يُكَذِّبُونَ اللَّهَ بِجَحُودِ آياتِهِ، فانْتَهِ عَنْ حُزْنِكَ لِنَفْسِكَ، وأنَّهم كَذَّبُوكَ، وأنْتَ صادِقٌ، ولَيَشْغَلْكَ عَنْ ذَلِكَ ما هو أهَمُّ، وهو اسْتِعْظامُكَ لِجُحُودِ آياتِ اللَّهِ، والِاسْتِهانَةِ بِكِتابِهِ، ونَحْوُهُ قَوْلُ (p-١١٢)السَّيِّدِ لِغُلامِهِ إذا أهانَهُ بَعْضُ النّاسِ، إنَّهم لَمْ يُهِينُوكَ، وإنَّما أهانُونِي، وفي هَذِهِ الطَّرِيقَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسَمّى الأمِينَ، فَعَرَفُوا أنَّهُ لا يَكْذِبُ في شَيْءٍ، ولَكِنَّهم كانُوا يَجْحَدُونَ، فَكانَ أبُو جَهْلٍ يَقُولُ: ما نُكَذِّبُكَ، وإنَّكَ عِنْدَنا لَمُصَدَّقٌ، وإنَّما نُكَذِّبُ ما جِئْتَنا بِهِ انْتَهى. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَلا تَحْزَنْ؛ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ، وأُقِيمَ الظّاهِرُ مَقامَ المُضْمَرِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ عِلَّةَ الجَحُودِ، هي الظُّلْمُ، وهي مُجاوَزَةُ الحَدِّ في الِاعْتِداءِ؛ أيْ ولَكِنَّهم بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ.
وآياتُهُ قالَ السُّدِّيُّ: مُحَمَّدٌ ﷺ . وقالَ ابْنُ السّائِبِ: مُحَمَّدٌ والقُرْآنُ. وقالَ مُقاتِلٌ: القُرْآنُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: آياتُ اللَّهِ؛ عَلاماتُهُ، وشَواهِدُ نَبِيِّهِ، والجُحُودُ إنْكارُ الشَّيْءِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ، وهو ضِدُّ الإقْرارِ. فَإنْ كانَتْ نَزَلَتْ في الكافِرِينَ مُطْلَقًا، فَيَكُونُ في الجُحُودِ تَجَوُّزٌ، إذْ كُلُّهم لَيْسَ كُفْرُهُ بَعْدَ مَعْرِفَةٍ، ولَكِنَّهم لَمّا أنْكَرُوا نُبُوَّتَهُ، ورامُوا تَكْذِيبَهُ بِالدَّعْوى الباطِلَةِ، عَبَّرَ عَنْ إنْكارِهِمْ بِأقْبَحِ وُجُوهِ الإنْكارِ، وهو الجَحْدُ تَغْلِيظًا عَلَيْهِمْ وتَقْبِيحًا لِفِعْلِهِمْ، إذْ مُعْجِزاتُهُ وآياتُهُ نَيِّرَةٌ، يَلْزَمُ كُلُّ مَفْطُورٍ أنْ يُقِرَّ بِها ويَعْلَمَها. وإنْ كانَتْ نَزَلَتْ في المُعانِدِينَ، تَرَتَّبَ الجُحُودُ حَقِيقَةً. وكُفْرُ العِنادِ يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَواهِرُ القُرْآنِ، وهو واقِعٌ أيْضًا، كَقِصَّةِ أبِي جَهْلٍ مَعَ الأخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، وقِصَّةِ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ، وقَوْلِهِ: ما كُنْتُ لِأُومِنَ بِنَبِيٍّ لَمْ يَكُنْ مِن ثَقِيفٍ. ومَنَعَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ جَوازَ كُفْرِ العِنادِ؛ لِأنَّ المَعْرِفَةَ تَقْتَضِي الإيمانَ، والجَحْدَ يَقْتَضِي الكُفْرَ، فامْتَنَعَ اجْتِماعُهُما، وتَأوَّلُوا ظَواهِرَ القُرْآنِ، فَقالُوا: في قَوْلِهِ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] أنَّها في أحْكامِ التَّوْراةِ الَّتِي بَدَّلُوها، كَآيَةِ الرَّجْمِ ونَحْوِها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكُفْرُ العِنادِ مِنَ العارِفِ بِاللَّهِ وبِالنُّبُوَّةِ بِعِيدٌ انْتَهى. والتَّأْوِيلاتُ في نَفْيِ التَّكْذِيبِ، إنَّما هو عَنِ اعْتِقاداتِهِمْ. أمّا بِالنِّسْبَةِ إلى أقْوالِهِمْ، فَأقْوالُهم مُكَذِّبَةٌ، إمّا لَهُ، وإمّا لِما جاءَ بِهِ.
6:34Page 131
وَلَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمۡ نَصۡرُنَاۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ وَلَقَدۡ جَآءَكَ مِن نَّبَإِيْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٣٤
And certainly were messengers denied before you, but they were patient over the denial, and they were harmed until Our victory came to them. And none can alter the words [i.e., decrees] of Allāh. And there has certainly come to you some information about the [previous] messengers.
﴿ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا﴾ . قالَ الضَّحّاكُ وابْنُ جُرَيْجٍ: عَزّى اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ فَعَلى قَوْلِهِما، يَكُونُ هو قَدْ كُذِّبَ، وهو مُنافٍ لِقَوْلِهِ: فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ، وزَوالُ المُنافاةِ بِما تَقَدَّمَ مِنَ التَّأْوِيلاتِ، كَقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ وغَيْرِهِ: أنَّ قَوْلَهُ: (لا يُكَذِّبُونَكَ) لَيْسَ هو مِن نَفْيِ تَكْذِيبِهِ حَقِيقَةً، قالَ: وإنَّما هو مِن بابِ قَوْلِكَ لِغُلامِكَ: ما أهانُوكَ، ولَكِنْ أهانُونِي. وجاءَ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ تَسْلِيَةً لَهُ ﷺ، ولَمّا سَلّاهُ تَعالى بِأنَّهم بِتَكْذِيبِكَ، إنَّما كَذَّبُوا اللَّهَ تَعالى، سَلّاهُ ثانِيًا بِأنَّ عادَةَ أتْباعِ الرُّسُلِ قَبْلَكَ، تَكْذِيبُ رُسُلِهِمْ، وأنَّ الرُّسُلَ صَبَرُوا، فَتَأسَّ بِهِمْ في الصَّبْرِ. (وما) في قَوْلِهِ: (ما كُذِّبُوا) مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ فَصَبَرُوا عَلى تَكْذِيبِهِمْ، والمَعْنى فَتَأسَّ بِهِمْ في الصَّبْرِ عَلى التَّكْذِيبِ والأذى حَتّى يَأْتِيَكَ النَّصْرُ والظَّفَرُ كَما أتاهم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا﴾ رَجاءَ ثَوابِي وأُوذُوا حَتّى نُشِرُوا بِالمَناشِيرِ، وحُرِّقُوا بِالنّارِ حَتّى أتاهم نَصْرُنا بِتَعْذِيبِ مَن يُكَذِّبُهُمُ. انْتَهى. ويَحْتَمِلُ (وأُوذُوا) أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: (كُذِّبَتْ)، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: (فَصَبَرُوا)، ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (كُذِّبُوا) . ويَكُونَ التَّقْدِيرُ: فَصَبَرُوا عَلى تَكْذِيبِهِمْ وإيذائِهِمْ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ أنَّهُ قَرَأ، وأُذُوا، بِغَيْرِ واوٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، جَعَلَهُ ثُلاثِيًّا، لا رُباعِيًّا مِن أذَيْتُ فُلانًا، لا مِن آذَيْتُ. وفي قَوْلِهِ: (نَصْرُنا) التِفاتٌ، إذْ قَبْلَهُ بِآياتِ اللَّهِ. وبَلاغَةُ هَذا الِالتِفاتِ أنَّهُ أضافَ النَّصْرَ إلى الضَّمِيرِ المُشْعِرِ بِالعَظَمَةِ المُتَنَزِّلِ فِيهِ الواحِدُ مَنزِلَةَ الجَمْعِ. والنَّصْرُ مَصْدَرٌ أُضِيفَ إلى الفاعِلِ، والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ نَصْرُنا إيّاهم عَلى مُكَذِّبِيهِمْ ومُؤْذِيهِمْ. والظّاهِرُ أنَّ الغايَةَ هُنا الصَّبْرُ والإيذاءُ؛ لِظاهِرِ عَطْفِ (وأُوذُوا) عَلى (فَصَبَرُوا)، وإنْ كانَ مَعْطُوفًا عَلى (كُذِّبُوا) فَتَكُونُ الغايَةُ لِلصَّبْرِ، أوْ مَعْطُوفًا عَلى (كُذِّبَتْ) فَغايَةٌ لَهُ ولِلتَّكْذِيبِ، أوْ لِلْإيذاءِ فَقَطْ.
* *
﴿ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ لِمَواعِيدِ اللَّهِ، ولَمْ يَذْكُرِ (p-١١٣)الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَهُ قالَ: لِمَواعِيدِهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ [الصافات: ١٧٢] . وقالَ الزَّجّاجُ: لِما أخْبَرَ بِهِ، وما أمَرَ بِهِ، والإخْبارُ والأوامِرُ مِن كَلِماتِ اللَّهِ. واقْتَصَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ عَلى بَعْضِ ما قالَ الزَّجّاجُ، فَقالَ: ولا رادَّ لِأوامِرِهِ. وقِيلَ: المَعْنى لِحُكُوماتِهِ، وأقْضِيَتِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١] أيْ وجَبَ ما قَضاهُ عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: المَعْنى لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى تَبْدِيلِ كَلِماتِ اللَّهِ، وإنْ زَخْرَفَ واجْتَهَدَ؛ لِأنَّهُ تَعالى صانَهُ بِرَصِينِ اللَّفْظِ، وقَوِيمِ المَعْنى، أنْ يُخْلَطَ بِكَلامِ أهْلِ الزَّيْغِ. وقِيلَ: اللَّفْظُ خَبَرٌ، والمَعْنى عَلى النَّهْيِ؛ أيْ لا يُبَدِّلُ أحَدٌ كَلِماتِ اللَّهِ، فَهو كَقَوْلِهِ: (لا رَيْبَ فِيهِ) أيْ لا يَرْتابُونَ فِيهِ عَلى أحَدِ الأقْوالِ.
* *
﴿ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَأِ المُرْسَلِينَ﴾ هَذا فِيهِ تَأْكِيدُ تَثْبِيتٍ لِما تَقَدَّمَ الإخْبارُ بِهِ مِن تَكْذِيبِ أتْباعِ الرُّسُلِ لِلرُّسُلِ وإيذائِهِمْ وصَبْرِهِمْ، إلى أنْ جاءَ النَّصْرُ لَهم عَلَيْهِمْ، والفاعِلُ (نَبَأِ) . قالَ الفارِسِيُّ: هو (مِن نَبَأِ) (ومِن) زائِدَةٌ؛ أيْ ولَقَدْ جاءَكَ نَبَأُ المُرْسَلِينَ، ويَضْعُفُ هَذا لِزِيادَةِ (مِن) في الواجِبِ. وقِيلَ: مَعْرِفَةٌ، وهَذا لا يَجُوزُ إلّا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ؛ ولِأنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلى العُمُومِ، بَلْ إنَّما جاءَ بَعْضُ نَبَئِهِمْ، لا أنْبائِهِمْ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ ومِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] . وقالَ الرُّمّانِيُّ: فاعِلُ (جاءَكَ) مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ جاءَكَ نَبَأٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الصَّوابُ عِنْدِي أنْ يُقَدَّرَ جَلاءً، أوْ بَيانًا. وتَمامُ هَذا القَوْلِ والَّذِي قَبْلَهُ أنَّ التَّقْدِيرَ: ولَقَدْ جاءَ هو مِن نَبَأِ المُرْسَلِينَ؛ أيْ نَبَأٌ، أوْ بَيانٌ، فَيَكُونُ الفاعِلُ مُضْمَرًا يُفَسَّرُ بِنَبَأٍ، أوْ بَيانٍ، لا مَحْذُوفًا لِأنَّ الفاعِلَ لا يُحْذَفُ. والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ الفاعِلَ مُضْمَرًا تَقْدِيرُهُ: هو، ويَدُلُّ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ؛ أيْ ولَقَدْ جاءَكَ هَذا الخَبَرُ مِن تَكْذِيبِ أتْباعِ الرُّسُلِ لِلرُّسُلِ، والصَّبْرِ والإيذاءِ إلى أنْ نُصِرُوا، وأنَّ هَذا الإخْبارَ، هو بَعْضُ نَبَأِ المُرْسَلِينَ الَّذِينَ يُتَأسّى بِهِمْ، و(مِن نَبَأِ) في مَوْضِعِ الحالِ، وذُو الحالِ ذَلِكَ المُضْمَرُ، والعامِلُ فِيها وفِيهِ (جاءَكَ) فَلا يَكُونُ المَعْنى عَلى هَذا، ولَقَدْ جاءَكَ نَبَأٌ، أوْ بَيانٌ، إلّا أنْ يُرادَ بِالنَّبَأِ والبَيانِ، هَذا النَّبَأُ السّابِقُ، أوِ البَيانُ السّابِقُ. وأمّا الزَّمَخْشَرِيُّ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِفاعِلِ (جاءَ)، بَلْ قالَ: ﴿ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَأِ المُرْسَلِينَ﴾ بَعْضُ أنْبائِهِمْ وقَصَصِهِمْ، وهو تَفْسِيرُ مَعْنًى، لا تَفْسِيرُ إعْرابٍ؛ لِأنَّ (مِن) لا تَكُونُ فاعِلَةً.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences