Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:40–45
6:40–41Page 132
قُلۡ أَرَءَيۡتَكُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوۡ أَتَتۡكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَدۡعُونَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٠
Say, "Have you considered:1 if there came to you the punishment of Allāh or there came to you the Hour - is it other than Allāh you would invoke, if you should be truthful?"
بَلۡ إِيَّاهُ تَدۡعُونَ فَيَكۡشِفُ مَا تَدۡعُونَ إِلَيۡهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوۡنَ مَا تُشۡرِكُونَ ٤١
No, it is Him [alone] you would invoke, and He would remove that for which you invoked Him if He willed, and you would forget what you associate [with Him].
﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (p-١٢٤)هَذا ابْتِداءُ احْتِجاجٍ عَلى الكُفّارِ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ شُرَكاءَ. قالَ الكِرْمانِيُّ: (أرَأيْتَكم) كَلِمَةُ اسْتِفْهامٍ، وتَعَجُّبٍ، ولَيْسَ لَها نَظِيرٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والمَعْنى: أرَأيْتَكم إنْ خِفْتُمْ عَذابَ اللَّهِ، أوْ خِفْتُمْ هَلاكًا، أوْ خِفْتُمُ السّاعَةَ، أتَدْعُونَ أصْنامَكم، وتَلْجَأُونَ إلَيْها في كَشْفِ ذَلِكَ، إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في قَوْلِكم إنَّها آلِهَةٌ ؟ بَلْ تَدْعُونَ اللَّهَ الخالِقَ الرّازِقَ، فَيَكْشِفُ ما خِفْتُمُوهُ إنْ شاءَ، وتَنْسَوْنَ أصْنامَكُمْ؛ أيْ تَتْرُكُونَهم، فَعَبَّرَ عَنِ التَّرْكِ بِأعْظَمِ وُجُوهِهِ الَّذِي هو مَعَ التَّرْكِ، ذُهُولٌ وإغْفالٌ، فَكَيْفَ يُجْعَلُ إلَهًا مَن هَذِهِ حالُهُ في الشَّدائِدِ ؟ و﴿أتاكم عَذابُ اللَّهِ﴾ أتاكم خَوْفُهُ وأماراتُهُ، وأوائِلُهُ، مِثْلُ الجَدْبِ والبَأْساءِ والأمْراضِ الَّتِي يُخافُ مِنها الهَلاكُ، كالقُولَنْجِ. ويَدْعُو إلى هَذا التَّأْوِيلِ، أنّا لَوْ قَدَّرْنا إتْيانَ العَذابِ وحُلُولَهُ، لَمْ يَتَرَتَّبْ أنْ يَقُولَ بَعْدَ ذَلِكَ: فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ؛ لِأنَّ ما قَدْ صَحَّ حُلُولُهُ ومَضى، لا يَصِحُّ كَشْفُهُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالسّاعَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، ساعَةَ مَوْتِ الإنْسانِ انْتَهى. ولا يُضْطَرُّ إلى هَذا التَّأْوِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ، بَلْ إذا حَلَّ بِالإنْسانِ العَذابُ، واسْتَمَرَّ عَلَيْهِ، لا يَدْعُو إلّا اللَّهَ، وقَوْلُهُ: لِأنَّ ما صَحَّ حُلُولُهُ ومَضى، لا يَصِحُّ كَشْفُهُ، لَيْسَ كَما ذَكَرَ؛ لِأنَّ العَذابَ الَّذِي يَحِلُّ بِالإنْسانِ، هو جِنْسٌ مِنهُ ما مَرَّ وانْقَضى، فَذَلِكَ لا يَصِحُّ كَشْفُهُ، ومِنهُ ما هو مُلْتَبِسٌ بِالإنْسانِ في الحالِ، فَيَصِحُّ كَشْفُهُ وإزالَتُهُ، بِقَطْعِ اللَّهِ ذَلِكَ عَنِ الإنْسانِ. وهَذِهِ الآيَةُ تُنْظِرُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢]، فَما انْقَضى مِنَ الضُّرِّ الَّذِي مَسَّهُ، لا يَصِحُّ كَشْفُهُ، وما هو مُلْتَبِسٌ بِهِ، كَشَفَهُ اللَّهُ تَعالى، فالضُّرُّ جِنْسٌ كَما أنَّ العَذابَ هُنا جِنْسٌ. وقالَ مُقاتِلٌ: عَذابُ اللَّهِ هو العَذابُ الَّذِي كانَ يَأْتِي الأُمَمَ الخالِيَةَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو المَوْتُ، ويَعْنِي، واللَّهُ أعْلَمُ مُقَدِّماتِهِ مِنَ الشَّدائِدِ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّ (السّاعَةُ) هي القِيامَةُ، وأرَأيْتَ: الهَمْزَةُ فِيها لِلِاسْتِفْهامِ، فَإنْ كانَتِ البَصَرِيَّةَ، أوِ الَّتِي لِإصابَةِ الرُّؤْيَةِ، أوِ العِلْمِيَّةَ الباقِيَةَ عَلى بابِها، لَمْ يَجُزْ فِيها إلّا تَحْقِيقُ الهَمْزَةِ، أوْ تَسْهِيلُها بَيْنَ بَيْنَ، ولا يَجُوزُ حَذْفُها. وتَخْتَلِفُ (p-١٢٥)التّاءُ بِاخْتِلافِ المُخاطَبِ، ولا يَجُوزُ إلْحاقُ الكافِ بِها، وإنْ كانَتِ العِلْمِيَّةَ الَّتِي هي بِمَعْنى أخْبَرَنِي، جازَ أنْ تُحَقَّقَ الهَمْزَةُ، وبِهِ قَرَأ الجُمْهُورُ في ﴿أرَأيْتَكُمْ﴾، وأرَأيْتُمْ وأرَأيْتَ، وجازَ أنْ تُسَهَّلَ بَيْنَ بَيْنَ، وبِهِ قَرَأ نافِعٌ، ورُوِيَ عَنْهُ إبْدالُها ألِفًا مَحْضَةً، ويَطُولُ مَدُّها لِسُكُونِها وسُكُونِ ما بَعْدَها. وهَذا البَدَلُ ضَعِيفٌ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ، إلّا أنَّهُ قَدْ سُمِعَ مِن كَلامِ العَرَبِ، حَكاهُ قُطْرُبُ وغَيْرُهُ، وجازَ حَذْفُها، وبِهِ قَرَأ الكِسائِيُّ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ. قالَ الرّاجِزُ:
؎أرَيْتَ إنْ جاءَتْ بِهِ أُمْلُودا
بَلْ قَدْ زَعَمَ الفَرّاءُ أنَّها لُغَةُ أكْثَرِ العَرَبِ، قالَ الفَرّاءُ: لِلْعَرَبِ في أرَأيْتَ لُغَتانِ ومَعْنَيانِ: أحَدُهُما: أنْ تَسْألَ الرَّجُلَ، أرَأيْتَ زَيْدًا ؟ أيْ بِعَيْنِكَ، فَهَذِهِ مَهْمُوزَةٌ، وثانِيهِما: أنْ تَقُولَ: أرَأيْتَ، وأنْتَ تَقُولُ: أخْبِرْنِي فِيها هُنا، تَتْرُكُ الهَمْزَةَ إنْ شِئْتَ، وهو أكْثَرُ كَلامِ العَرَبِ، تُومِئُ إلى تَرْكِ الهَمْزَةِ؛ لِلْفَرْقِ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ انْتَهى. وإذا كانَتْ بِمَعْنى أخْبِرْنِي، جازَ أنْ تَخْتَلِفَ التّاءُ بِاخْتِلافِ المُخاطَبِ، وجازَ أنْ تَتَّصِلَ بِها الكافُ مُشْعِرَةً بِاخْتِلافِ المُخاطَبِ، وتَبْقى التّاءُ مَفْتُوحَةً، كَحالِها لِلْواحِدِ المُذَكَّرِ. ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّ التّاءَ هي الفاعِلُ، وما لَحِقَها حَرْفٌ يَدُلُّ عَلى اخْتِلافِ المُخاطَبِ، وأغْنى اخْتِلافُهُ عَنِ اخْتِلافِ التّاءِ. ومَذْهَبُ الكِسائِيِّ أنَّ الفاعِلَ هو التّاءُ، وأنَّ أداةَ الخِطابِ اللّاحِقَةَ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الأوَّلِ. ومَذْهَبُ الفَرّاءِ أنَّ التّاءَ هي حَرْفُ خِطابٍ (p-١٢٦)كَهِيَ في أنْتَ، وأنَّ أداةَ الخِطابِ بَعْدَهُ هي في مَوْضِعِ الفاعِلِ، اسْتُعِيرَتْ ضَمائِرُ النَّصْبِ لِلرَّفْعِ، والكَلامُ عَلى هَذِهِ المَذاهِبِ إبْدالًا وتَصْحِيحًا مَذْكُورٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، وكَوْنُ أرَأيْتَ وأرَأيْتَكَ بِمَعْنى أخْبِرْنِي، نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ والفَرّاءُ والفارِسِيُّ وابْنُ كَيْسانَ وغَيْرُهم. وذَلِكَ تَفْسِيرُ مَعْنًى، لا تَفْسِيرُ إعْرابٍ، قالُوا: فَتَقُولُ العَرَبُ: أرَأيْتَ زَيْدًا ما صَنَعَ ! فالمَفْعُولُ الأوَّلُ مُلْتَزَمٌ فِيهِ النَّصْبُ، ولا يَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ عَلى اعْتِبارِ تَعْلِيقِ أرَأيْتَ، وهو جائِزٌ في عَلِمْتَ ورَأيْتَ الباقِيَةِ عَلى مَعْنى عَلِمْتَ المُجَرَّدَةِ مِن مَعْنى أخْبِرْنِي؛ لِأنَّ أخْبِرْنِي لا تُعَلَّقُ، فَكَذَلِكَ ما كانَ بِمَعْناها، والجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. قالَ سِيبَوَيْهِ: وتَقُولُ أرَأيْتَكَ زَيْدًا أبُو مَن هو ؟ وأرَأيْتَكَ عَمْرًا أعِنْدَكَ هو أمْ عِنْدَ فُلانٍ ؟ لا يَحْسُنُ فِيهِ إلّا النَّصْبُ في زَيْدٍ، ألا تَرى أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: أرَأيْتَ أبُو مَن أنْتَ ؟، وأرَأيْتَ أزَيْدٌ ثَمَّ أمْ فُلانٌ لَمْ يَحْسُنْ؛ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى أخْبِرْنِي عَنْ زَيْدٍ. ثُمَّ قالَ سِيبَوَيْهِ: وصارَ الِاسْتِفْهامُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي. وقَدِ اعْتَرَضَ كَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ عَلى سِيبَوَيْهِ وخالَفُوهُ، وقالُوا: كَثِيرًا ما تُعَلَّقُ (أرَأيْتَ)، وفي القُرْآنِ مِن ذَلِكَ كَثِيرٌ، مِنهُ ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾، ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ [العلق: ٩] ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ١٠]، ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [العلق: ١٣] ﴿ألَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١٤] . وقالَ الشّاعِرُ:
؎أرَأيْتَ إنْ جاءَتْ بِهِ أُمْلُودًا
؎مُرَجَّلًا ويَلْبَسُ البُرُودا ∗∗∗ أقائِلُنَّ أحْضَرُوا الشُّهُودا
وذَهَبَ ابْنُ كَيْسانَ إلى أنَّ الجُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ في أرَأيْتَ زَيْدًا ما صَنَعَ ؟ بَدَلٌ مِن أرَأيْتَ. وزَعَمَ أبُو الحَسَنِ أنَّ أرَأيْتَكَ إذا كانَتْ بِمَعْنى أخْبِرْنِي، فَلا بُدَّ بَعْدَها مِنَ الِاسْمِ المُسْتَخْبَرِ عَنْهُ، وتَلْزَمُ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَهُ الِاسْتِفْهامَ؛ لِأنَّ أخْبِرْنِي مُوافِقٌ لِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، وزَعَمَ أيْضًا أنَّها تَخْرُجُ عَنْ بابِها بِالكُلِّيَّةِ، وتُضَمَّنُ مَعْنى (أما)، أوْ تَنَبَّهْ، وجَعَلَ مِن ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣] . وقَدْ أمْعَنّا الكَلامَ عَلى أرَأيْتَ، ومَسائِلُها في كِتابِنا المُسَمّى بِالتَّذْيِيلِ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ، وجَمَعْنا فِيهِ ما لا يُوجَدُ مَجْمُوعًا في كِتابٍ، فَيُوقَفُ عَلَيْهِ فِيهِ، ونَحْنُ نَتَكَلَّمُ عَلى كُلِّ مَكانٍ تَقَعُ فِيهِ أرَأيْتَ، في القُرْآنِ بِخُصُوصِيَّتِهِ. (p-١٢٧)فَنَقُولُ الَّذِي نَخْتارُهُ أنَّها باقِيَةٌ عَلى حُكْمِها مِنَ التَّعَدِّي إلى اثْنَيْنِ، فالأوَّلُ مَنصُوبٌ، والَّذِي لَمْ نَجِدْهُ بِالِاسْتِقْراءِ إلّا جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً، أوْ قَسَمِيَّةً، فَإذا تَقَرَّرَ هَذا، فَنَقُولُ: المَفْعُولُ الأوَّلُ في هَذِهِ الآيَةِ مَحْذُوفٌ، والمَسْألَةُ مِن بابِ التَّنازُعِ، تَنازَعَ (أرَأيْتَكم)، والشَّرْطُ عَلى عَذابِ اللَّهِ، فَأُعْمِلَ الثّانِي، وهو (أتاكم)، فارْتَفَعَ عَذابُ بِهِ، ولَوْ أُعْمِلَ الأوَّلُ لَكانَ التَّرْكِيبُ (عَذابَ)، بِالنَّصْبِ، ونَظِيرُهُ اضْرِبْ إنْ جاءَكَ زَيْدٌ، عَلى إعْمالِ (جاءَكَ)، ولَوْ نُصِبَ لَجازَ، وكانَ مِن إعْمالِ الأوَّلِ، وأمّا المَفْعُولُ الثّانِي، فَهي الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ مِن ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾، والرّابِطُ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ بِالمَفْعُولِ الأوَّلِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ لِكَشْفِهِ، والمَعْنى: قُلْ أرَأيْتَكم عَذابَ اللَّهِ إنْ أتاكم، أوِ السّاعَةَ إنْ أتَتْكم، أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ لِكَشْفِهِ، أوْ كَشْفِ نَوارٍ لَها، وزَعَمَ أبُو الحَسَنِ أنَّ ﴿أرَأيْتَكُمْ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى أمّا. قالَ: وتَكُونُ أبَدًا بَعْدَ الشَّرْطِ وظُرُوفِ الزَّمانِ، والتَّقْدِيرُ: أمّا إنْ أتاكم عَذابُهُ والِاسْتِفْهامُ جَوابُ أرَأيْتَ، لا جَوابَ الشَّرْطِ، وهَذا إخْراجٌ لِأرَأيْتَ عَنْ مَدْلُولِها بِالكُلِّيَّةِ، وقَدْ ذَكَرْنا تَخْرِيجَها عَلى ما اسْتَقَرَّ فِيها، فَلا نَحْتاجُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ البَعِيدِ. وعَلى ما زَعَمَ أبُو الحَسَنِ، لا يَكُونُ لِأرَأيْتَ مَفْعُولانِ، ولا مَفْعُولٌ واحِدٌ. وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ مَفْعُولَ (أرَأيْتَكم) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، تَقْدِيرُهُ: أرَأيْتَكم عِبادَتَكُمُ الأصْنامَ، هَلْ تَنْفَعُكم عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ ؟ ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ . وقالَ آخَرُونَ: لا تَحْتاجُ هُنا إلى جَوابِ مَفْعُولٍ؛ لِأنَّ الشَّرْطَ وجَوابَهُ قَدْ حَصَّلا مَعْنى المَفْعُولِ، وهَذانِ القَوْلانِ ضَعِيفانِ، وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ، فَذَهَبَ الحَوْفِيُّ إلى أنَّ جَوابَهُ (أرَأيْتَكم) قُدِّمَ لِدُخُولِ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ عَلَيْهِ، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَنا، وإنَّما يَجُوزُ تَقْدِيمُ جَوابِ الشَّرْطِ عَلَيْهِ في مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ وأبِي زَيْدٍ والمُبَرِّدِ. وذَهَبَ غَيْرُهُ إلى أنَّهُ مَحْذُوفٌ، فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ: إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ، أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ مَن تَدْعُونَ ؟ وإصْلاحُهُ بِدُخُولِ الفاءِ؛ أيْ فَمَن تَدْعُونَ ؟ لِأنَّ الجُمْلَةَ الِاسْتِفْهامِيَّةَ إذا وقَعَتْ جَوابًا لِلشَّرْطِ، فَلا بُدَّ فِيها مِنَ الفاءِ ؟ وقَدَّرَهُ غَيْرُهُ؛ إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ، أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ، دَعَوْتُمُ اللَّهَ، ودَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الشَّرْطُ بِقَوْلِهِ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ انْتَهى. فَلا يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الشَّرْطُ بِقَوْلِهِ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ﴾ لِأنَّهُ لَوْ تَعَلَّقَ بِهِ لَكانَ جَوابًا لِلشَّرْطِ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلشَّرْطِ؛ لِأنَّ جَوابَ الشَّرْطِ إذا كانَ اسْتِفْهامًا بِالحَرْفِ، لا يَكُونُ إلّا بِـ (هَلْ) مُقَدَّمًا عَلَيْها الفاءُ، نَحْوَ إنْ قامَ زَيْدٌ فَهَلْ تُكْرِمُهُ ؟ ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في الهَمْزَةِ، لا تَتَقَدَّمُ الفاءُ عَلى الهَمْزَةِ ولا تَتَأخَّرُ عَنْها، فَلا يَجُوزُ إنْ قامَ زَيْدٌ فَأتُكْرِمُهُ ؟ ولا أفَتُكْرِمُهُ، ولا أتُكْرِمَنَّهُ، بَلْ إذا جاءَ الِاسْتِفْهامُ جَوابًا لِلشَّرْطِ، لَمْ يَكُنْ إلّا بِما يَصِحُّ وُقُوعُهُ بَعْدَ الفاءِ لا قَبْلَها، هَكَذا نَقَلَهُ الأخْفَشُ عَنِ العَرَبِ، ولا يَجُوزُ أيْضًا مِن وجْهٍ آخَرَ؛ لِأنّا قَدْ قَرَّرْنا أنَّ (أرَأيْتَكَ) مُتَعَدٍّ إلى اثْنَيْنِ: أحَدُهُما في هَذِهِ الآيَةِ مَحْذُوفٌ، وأنَّهُ مِن بابِ التَّنازُعِ، والآخَرُ وقَعَتِ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ مَوْقِعَهُ، فَلَوْ جَعَلْتَها جَوابًا لِلشَّرْطِ لَبَقِيَتْ (أرَأيْتَكم) مُتَعَدِّيَةً إلى واحِدٍ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، وأيْضًا التِزامُ العَرَبِ في الشَّرْطِ الجائِي بَعْدَ أرَأيْتَ، مُضِيَّ الفِعْلِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ لِأنَّهُ لا يُحْذَفُ جَوابُ الشَّرْطِ إلّا عِنْدَ مُضِيِّ فِعْلِهِ، قالَ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ﴾، ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٦]، ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا﴾ [يونس: ٥٠]، ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ٤٦]، ﴿أفَرَأيْتَ إنْ مَتَّعْناهم سِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥]، ﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [العلق: ١٣] ﴿ألَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ؛ وقالَ الشّاعِرُ:
؎أرَأيْتَ إنْ جاءَتْ بِهِ أُمْلُودا
وأيْضًا فَمَجِيءُ الجُمَلِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ مُصَدَّرَةً بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ، دَلِيلٌ عَلى أنَّها لَيْسَتْ جَوابَ الشَّرْطِ، إذْ لا يَصِحُّ وُقُوعُها جَوابًا لِلشَّرْطِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: إنْ عُلِّقَتِ الشَّرْطِيَّةُ، يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ﴾، فَما تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ﴾ مَعَ قَوْلِهِ: (p-١٢٨)﴿أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ ! وقَوارِعُ السّاعَةِ لا تُكْشَفُ عَنِ المُشْرِكِينَ، قُلْتُ: قَدِ اشْتَرَطَ في الكَشْفِ المَشِيئَةَ، وهو قَوْلُهُ: إنْ شاءَ إيذانًا بِأنَّهُ إنْ فَعَلَ، كانَ لَهُ وجْهٌ مِنَ الحِكْمَةِ، إلّا أنَّهُ لا يَفْعَلُ لِوَجْهٍ آخَرَ مِنَ الحِكْمَةِ أرْجَحَ مِنهُ انْتَهى. وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ الشَّرْطُ بِقَوْلِهِ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ﴾، وقَدِ اسْتَدَلَّ لِلْفاعِلِ أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ. وتُلُخِّصَ في جَوابِ الشَّرْطِ أقْوالٌ: أحَدُها؛ أنَّهُ مَذْكُورٌ، وهو (أرَأيْتَكم)، المُتَقَدِّمُ، والآخَرُ أنَّهُ مَذْكُورٌ، وهو ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ . والثّالِثُ: أنَّهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: مَن تَدْعُونَ. والرّابِعُ: أنَّهُ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: دَعَوْتُمُ اللَّهَ، هَذا ما وجَدْناهُ مَنقُولًا. والَّذِي نَذْهَبُ إلَيْهِ غَيْرُ هَذِهِ الأقْوالِ، وهو أنْ يَكُونَ مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ (أرَأيْتَكم) عَلَيْهِ، وتَقْدِيرُهُ: ﴿إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ﴾، فَأخْبِرُونِي عَنْهُ، أتَدْعُونَ غَيْرَ اللَّهِ لِكَشْفِهِ ؟ كَما تَقُولُ: أخْبِرْنِي عَنْ زَيْدٍ إنْ جاءَكَ ما تَصْنَعُ بِهِ ؟ التَّقْدِيرُ: إنْ جاءَكَ فَأخْبِرْنِي، فَحُذِفَ الجَوابُ لِدَلالَةِ أخْبِرْنِي عَلَيْهِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ أنْتَ ظالِمٌ إنْ فَعَلْتَ، التَّقْدِيرُ: فَأنْتَ ظالِمٌ، فَحُذِفَ فَأنْتَ ظالِمٌ، وهو جَوابُ الشَّرْطِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وهَذا التَّقْدِيرُ الَّذِي قَدَّرْناهُ هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ قَواعِدُ العَرَبِيَّةِ. و(غَيْرَ اللَّهِ) عَنى بِهِ الأصْنامَ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ هُنا بَعْدَ الهَمْزَةِ، يَدُلُّ عَلى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ دُعاءَ الأصْنامِ، إذْ لا يُنْكَرُ الدُّعاءُ، إنَّما يُنْكَرُ أنَّ الأصْنامَ تُدْعى، كَما تَقُولُ: أزَيْدًا تَضْرِبُ ؟ لا تُنْكِرُ الضَّرْبَ، ولَكِنْ تُنْكِرُ أنْ يَكُونَ مَحَلُّهُ زَيْدًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَكَّتَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾ بِمَعْنى أتَخُصُّونَ آلِهَتَكم بِالدَّعْوَةِ فِيما هو عادَتُكم إذا أصابَكم ضُرٌّ، أمْ تَدْعُونَ اللَّهَ دُونَها ؟ انْتَهى. وقَدَّرَهُ بِمَعْنى أتَخُصُّونَ؛ لِأنَّ عِنْدَهُ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ مُؤْذِنٌ بِالتَّخْصِيصِ والحَصْرِ، وقَدْ تَكَلَّمْنا فِيما سَبَقَ في ذَلِكَ، وأنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى الحَصْرِ والتَّخْصِيصِ. وهَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ عُلَماءِ البَيانِ مِن بابِ اسْتِدْراجِ المُخاطَبِ، وهو أنْ يُلِينَ الخِطابَ، ويَمْزُجَهُ بِنَوْعٍ مِنَ التَّلَطُّفِ والتَّعَطُّفِ، حَتّى يُوقِعَ المُخاطَبَ في أمْرٍ يَعْتَرِفُ بِهِ، فَتَقُومَ الحُجَّةُ عَلَيْهِ. واللَّهُ تَعالى خاطَبَ هَؤُلاءِ الكُفّارَ بِلِينٍ مِنَ القَوْلِ، وذَكَرَ لَهم أمْرًا لا يُنازِعُونَ فِيهِ، وهو أنَّهم كانُوا إذا مَسَّهُمُ الضُّرُّ، دَعَوُا اللَّهَ لا غَيْرَهُ. وجَوابُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دَعْواكم أنَّ غَيْرَ اللَّهِ إلَهٌ، فَهَلْ تَدْعُونَهُ لِكَشْفِ ما يَحِلُّ بِكم مِنَ العَذابِ ؟ ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ . (إيّاهُ) ضَمِيرُ نَصْبٍ مُنْفَصِلٌ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] مُسْتَوْفًى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هُنا (إيّاهُ) اسْمٌ مُضْمَرٌ أُجْرِي مَجْرى المُظْهَراتِ في أنَّهُ يُضافُ أبَدًا انْتَهى. وهَذا مُخالِفٌ لِمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ؛ لِأنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ أنَّ ما اتَّصَلَ بِإيّا مِن دَلِيلِ تَكَلُّمٍ أوْ خِطابٍ أوْ غَيْبَةٍ، وهو حَرْفٌ لا اسْمٌ، أُضِيفَ إلَيْهِ إيّا؛ لِأنَّ المُضْمَرَ عِنْدَهُ لا يُضافُ؛ لِأنَّهُ أعْرَفُ المَعارِفِ، فَلَوْ أُضِيفَ لَزِمَ مِن ذَلِكَ تَنَكُّرُهُ حَتّى يُضافَ، ويَصِيرَ إذْ ذاكَ مَعْرِفَةً بِالإضافَةِ، لا يَكُونُ مُضْمَرًا، وهَذا فاسِدٌ. ومَجِيئُهُ هُنا مُقَدَّمًا عَلى فِعْلِهِ دَلِيلٌ عَلى الِاعْتِناءِ بِذِكْرِ المَفْعُولِ، وعِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّ تَقْدِيمَهُ دَلِيلٌ عَلى الحَصْرِ والِاخْتِصاصِ؛ ولِذَلِكَ قالَ: بَلْ تَخُصُّونَهُ بِالدُّعاءِ دُونَ الآلِهَةِ. والِاخْتِصاصُ عِنْدَنا والحَصْرُ فُهِمَ مِن سِياقِ الكَلامِ، لا مِن تَقْدِيمِ المَفْعُولِ عَلى العامِلِ. و(بَلْ) هُنا لِلْإضْرابِ والِانْتِقالِ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ مِن غَيْرِ إبْطالٍ؛ لِما تَضَمَّنَهُ الكَلامُ السّابِقُ مِن مَعْنى النَّفْيِ؛ لِأنَّ مَعْنى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ النَّفْيُ، وتَقْدِيرُها: ما تَدْعُونَ أصْنامَكم لِكَشْفِ العَذابِ. وهَذا كَلامٌ حَقٌّ لا يُمْكِنُ فِيهِ الإضْرابُ، يَعْنِي الإبْطالَ. و(ما) مِن قَوْلِهِ: ﴿ما تَدْعُونَ﴾ الأظْهَرُ أنَّها مَوْصُولَةٌ؛ أيْ فَيَكْشِفُ الَّذِي تَدْعُونَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ ظَرْفِيَّةً انْتَهى. ويَكُونَ مَفْعُولُ (يَكْشِفُ) مَحْذُوفًا؛ أيْ فَيَكْشِفُ العَذابَ مُدَّةَ دُعائِكُمْ؛ أيْ ما دُمْتُمْ داعِيهِ، وهَذا فِيهِ حَذْفُ المَفْعُولِ، وخُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ لِغَيْرِ حاجَةٍ، ويُضْعِفُهُ وصْلُ (ما) الظَّرْفِيَّةُ بِالمُضارِعِ، وهو قَلِيلٌ جِدًّا، إنَّما بابُها أنْ تُوصَلَ بِالماضِي، تَقُولُ: ألّا أُكَلِّمَكَ ما طَلَعَتِ الشَّمْسُ، ولِذَلِكَ عِلَّةُ أمّا ذُكِرَتْ في عِلْمِ النَّحْوِ قالَ ابْنُ (p-١٢٩)عَطِيَّةَ: ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً عَلى حَذْفٍ في الكَلامِ. وقالَ الزَّجّاجُ: وهو مِثْلُ واسْألِ القَرْيَةَ انْتَهى. ويَكُونُ تَقْدِيرُ المَحْذُوفِ، فَيَكْشِفُ مُوجِبَ دُعائِكم، وهو العَذابُ، وهَذِهِ دَعْوى مَحْذُوفٍ غَيْرِ مُتَعَيِّنٍ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ. والضَّمِيرُ في (إلَيْهِ) عائِدٌ عَلى (ما) المَوْصُولَةِ؛ أيْ إلى كَشْفِهِ، ودَعا بِالنِّسْبَةِ إلى مُتَعَلِّقِ الدُّعاءِ، يَتَعَدّى بِـ (إلى)، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ﴾ [النور: ٤٨] الآيَةَ؛ وقالَ الشّاعِرُ:
؎وإنْ دَعَوْتِ إلى جُلّى ومَكْرُمَةٍ ∗∗∗ يَوْمًا سَراةَ كِرامِ النّاسِ فادْعِينا
وتَتَعَدّى بِاللّامِ أيْضًا؛ قالَ الشّاعِرُ:
؎وإنْ أُدْعَ لِلْجُلّى أكُنْ مِن حُماتِها
وقالَ آخَرُ:
؎دَعَوْتُ لَمّا نابَنِي مُسَوَّرا
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والضَّمِيرُ في (إلَيْهِ) يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ إلى اللَّهِ بِتَقْدِيرِ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ دَعا بِالنِّسْبَةِ إلى مُجِيبِ الدُّعاءِ، إنَّما يَتَعَدّى لِمَفْعُولٍ بِهِ دُونَ حَرْفِ جَرٍّ، قالَ تَعالى: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] . ومِن كَلامِ العَرَبِ: دَعَوْتُ اللَّهَ سَمِيعًا ولا تَقُولُ بِهَذا المَعْنى دَعَوْتُ إلى اللَّهِ، إلّا أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُصَحَّحَ كَلامُهُ بِدَعْوى التَّضْمِينِ، ضَمَّنَ يَدْعُونَ مَعْنى يَلْجَأُونَ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَيَكْشِفُ ما يَلْجَأُونَ فِيهِ بِالدُّعاءِ إلى اللَّهِ، لَكِنَّ التَّضْمِينَ لَيْسَ بِقِياسٍ، ولا يُصارُ إلَيْهِ إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، ولا ضَرُورَةَ هُنا تَدْعُو إلَيْهِ. وعَلَّقَ تَعالى الكَشْفَ بِمَشِيئَتِهِ، فَإنْ شاءَ أنْ يَتَفَضَّلَ بِالكَشْفِ، فَعَلَ، وإنْ لَمْ يَشَأْ، لَمْ يَفْعَلْ، لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ شاءَ: إنْ أرادَ أنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكم، ولَمْ تَكُنْ مَفْسَدَةً انْتَهى. وفي قَوْلِهِ: ولَمْ تَكُنْ مَفْسَدَةً دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ النِّسْيانُ حَقِيقَةٌ، والذُّهُولُ والغَفْلَةُ عَنِ الأصْنامِ؛ لِأنَّ الشَّخْصَ إذا دَهَمَهُ ما لا طاقَةَ لَهُ بِدَفْعِهِ، تَجَرَّدَ خاطِرُهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، إلّا مِنَ اللَّهِ الكاشِفِ لِذاكَ الدّاهِمِ، فَيَكادُ يَصِيرُ المَلْجَأُ إلى التَّعَلُّقِ بِاللَّهِ والذُّهُولِ عَنْ مَن سِواهُ، فَلا يَذْكُرُ غَيْرَ اللَّهِ القادِرِ عَلى كَشْفِ ما دَهَمَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ وتَكْرَهُونَ آلِهَتَكم، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَتْرُكُونَهم، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ هَذا، وسَبَقَهُ إلَيْهِ الزَّجّاجُ، فَقالَ: تَتْرُكُونَهم لِعِلْمِكم أنَّهم في الحَقِيقَةِ لا يَضُرُّونَ ولا يَنْفَعُونَ. وقالَ النَّحّاسُ: هو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ [طه: ١١٥] . وقِيلَ: يُعْرِضُونَ إعْراضَ النّاسِي لِلْيَأْسِ مِنَ النَّجاةِ مِن قَبْلِهِ. و(ما) مَوْصُولَةٌ؛ أيْ وتَنْسَوْنَ الَّذِي تُشْرِكُونَ. وقِيلَ: (ما) مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ وتَنْسَوْنَ إشْراكَكم، ومَعْنى هَذِهِ الجُمَلِ، بَلْ لا مَلْجَأ لَكم إلّا اللَّهُ تَعالى، وأصْنامُكم مُطْرَحَةٌ مَنسِيَّةٌ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.
6:42–45Page 132
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَتَضَرَّعُونَ ٤٢
And We have already sent [messengers] to nations before you, [O Muḥammad]; then We seized them with poverty and hardship that perhaps they might humble themselves [to Us].
فَلَوۡلَآ إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَٰكِن قَسَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٤٣
Then why, when Our punishment came to them, did they not humble themselves? But their hearts became hardened, and Satan made attractive to them that which they were doing.
فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ ٤٤
So when they forgot that by which they had been reminded,1 We opened to them the doors of every [good] thing until, when they rejoiced in that which they were given, We seized them suddenly, and they were [then] in despair.
فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْۚ وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٥
So the people that committed wrong were eliminated. And praise to Allāh, Lord of the worlds.
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ هَذا تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، . وإنَّ عادَةَ الأُمَمِ مَعَ رُسُلِهِمُ التَّكْذِيبُ والمُبالَغَةُ في قَسْوَةِ القُلُوبِ، حَتّى هم إذا أُخِذُوا بِالبَلايا لا يَتَذَلَّلُونَ لِلَّهِ، ولا يَسْألُونَهُ كَشْفَها، وهَؤُلاءِ الأُمَمُ الَّذِينَ بَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، أبْلَغُ انْحِرافًا، وأشَدُّ شَكِيمَةً، وأجْلَدُ مِنَ الَّذِينَ بُعِثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إذْ خاطَبَهم تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أرَأيْتَكُمْ﴾ [الأنعام: ٤٠] الآيَةَ. وأخْبَرَ أنَّهم عِنْدَ الأزَماتِ لا يَدْعُونَ (p-١٣٠)لِكَشْفِها، إلّا اللَّهَ تَعالى. وفي الكَلامِ حَذْفٌ، التَّقْدِيرُ: ولَقَدْ أرْسَلْنا الرُّسُلَ إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَكَذَّبُوا فَأخَذْناهم وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ البَأْساءِ والضَّرّاءِ. والتَّرَجِّي هُنا بِالنِّسْبَةِ إلى البَشَرِ؛ أيْ لَوْ رَأى أحَدٌ ما حَلَّ بِهِمْ، لَرَجا تَضَرُّعَهم وابْتِهالَهم إلى اللَّهِ في كَشْفِهِ، والأخْذُ: الإمْساكُ بِقُوَّةٍ وبَطْشٍ وقَهْرٍ، وهو هُنا مَجازٌ عَنْ مُتابَعَةِ العُقُوبَةِ والمُلازَمَةِ، والمَعْنى لَعاقَبْناهم في الدُّنْيا.
﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ (لَوْلا) هُنا حَرْفُ تَحْضِيضٍ، يَلِيها الفِعْلُ ظاهِرًا، أوْ مُضْمَرًا، أوْ يُفْصَلُ بَيْنَهُما بِمَعْمُولِ الفِعْلِ مِن مَفْعُولٍ بِهِ وظَرْفٍ كَهَذِهِ الآيَةِ فَصَلَ بَيْنَ (لَوْلا)، و(تَضَرَّعُوا) بِإذْ، وهي مَعْمُولَةٌ لَتَضَرَّعُوا، والتَّحْضِيضُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَقَعْ تَضَرُّعُهم حِينَ جاءَ البَأْسُ، فَمَعْناهُ إظْهارُ مُعاتَبَةِ مُذْنِبٍ غائِبٍ، وإظْهارُ سُوءِ فِعْلِهِ؛ لِيَتَحَسَّرَ عَلَيْهِ المُخاطَبُ، وإسْنادُ المَجِيءِ إلى البَأْسِ، مَجازٌ عَنْ وُصُولِهِ إلَيْهِمْ، والمُرادُ أوائِلُ البَأْسِ وعَلاماتُهُ.
﴿ولَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ صَلُبَتْ وصَبَرَتْ عَلى مُلاقاةِ العَذابِ؛ لِما أرادَ اللَّهُ مِن كُفْرِهِمْ، ووُقُوعُ (لَكِنْ) هَنا حَسَنٌ؛ لِأنَّ المَعْنى انْتِفاءُ التَّذَلُّلِ عِنْدَ مَجِيءِ البَأْسِ، ووُجُودِ القَسْوَةِ الدّالَّةِ عَلى العُتُوِّ والتَّعَزُّزِ، فَوَقَعَتْ (لَكِنْ) بَيْنَ ضِدَّيْنِ، وهُما اللِّينُ والقَسْوَةُ، وكَذا إنْ كانَتِ القَسْوَةُ عِبارَةً عَنِ الكُفْرِ، فَعَبَّرَ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ، والضَّراعَةُ عِبارَةٌ عَنِ الإيمانِ، فَعَبَّرَ بِالسَّبَبِ عَنِ المُسَبَّبِ، كانَتْ أيْضًا واقِعَةً بَيْنَ ضِدَّيْنِ، تَقُولُ: قَسا قَلْبُهُ فَكَفَرَ، وآمَنَ فَتَضَرَّعَ.
﴿وزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ داخِلَةً تَحْتَ الِاسْتِدْراكِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ. والظّاهِرُ الأوَّلُ، فَيَكُونُ الحامِلُ عَلى تَرْكِ التَّضَرُّعِ قَسْوَةَ قُلُوبِهِمْ، وإعْجابَهم بِأعْمالِهِمُ الَّتِي كانَ الشَّيْطانُ سَبَبًا في تَحْسِينِها لَهم.
﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أيْ فَلَمّا تَرَكُوا الِاتِّعاظَ والِازْدِجارَ بِما ذُكِّرُوا بِهِ مِنَ البَأْسِ، اسْتَدْرَجْناهم بِتَيْسِيرِ مَطالِبِهِمُ الدُّنْيَوِيَّةِ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾، إذْ يَقْتَضِي شُمُولَ الخَيْراتِ، وبُلُوغَ الطَّلَباتِ.
﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً﴾ مَعْنى هَذِهِ الجُمَلِ، مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لِأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] . وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قالَ: ”«إذا رَأيْتُمُ اللَّهَ تَعالى يُعْطِي العِبادَ ما يَشاءُونَ عَلى مَعاصِيهِمْ، فَإنَّما ذَلِكَ اسْتِدْراجٌ مِنهُ لَهم، ثُمَّ تَلا ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾» الآيَةَ. والأبْوابُ اسْتِعارَةٌ عَنِ الأسْبابِ الَّتِي هَيَّأها اللَّهُ لَهم، المُقْتَضِيَةِ لِبَسْطِ الرِّزْقِ عَلَيْهِمْ، والإبْهامُ في هَذا العُمُومِ؛ لِتَهْوِيلِ ما فُتِحَ عَلَيْهِمْ وتَعْظِيمِهِ، وغَيّا الفَتْحَ بِفَرَحِهِمْ بِما أُوتُوا، وتَرَتَّبَ عَلى فَرَحِهِمْ أخْذُهم بَغْتَةً؛ أيْ إهْلاكُهم فَجْأةً، وهو أشَدُّ الإهْلاكِ، إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْ شُعُورٌ بِهِ، فَتَتَوَطَّنَ النَّفْسُ عَلى لِقائِهِ، ابْتَلاهم أوَّلًا بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ، فَلَمْ يَتَّعِظُوا، ثُمَّ نَقَلَهم إلى ما أوْجَبَ سُرُورَهم مِن إسْباغِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَجِدْ ذَلِكَ (p-١٣١)عِنْدَهم ولا قَصَدُوا الشُّكْرَ ولا أصْغَوْا إلى إنابَةٍ بَلْ لَمْ يَحْصُلُوا إلّا عَلى فَرَحٍ بِما أسْبَغَ عَلَيْهِمْ. قالَ مُحَمَّدُ بْنُ النَّضْرِ الحارِثِيُّ: أُمْهِلَ هَؤُلاءِ القَوْمُ عِشْرِينَ سَنَةً.
﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ أيْ باهِتُونَ بائِسُونَ لا يُحِيرُونَ جَوابًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ (فَتَّحْنا) بِتَشْدِيدِ التّاءِ، والتَّشْدِيدُ لِتَكْثِيرِ الفِعْلِ،“ وإذا " هي الفُجائِيَّةُ وهي حَرْفٌ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ وظَرْفُ مَكانٍ، ونُسِبَ إلى سِيبَوَيْهِ، وظَرْفُ زَمانٍ وهو مَذْهَبُ الرِّياشِيِّ، والعامِلُ فِيها - إذا قُلْنا بِظَرْفِيَّتِها - هو خَبَرُ المُبْتَدَأِ أيْ فَفي ذَلِكَ المَكانِ هم مُبْلِسُونَ، أيْ مَكانِ إقامَتِهِمْ وذَلِكَ الزَّمانِ هم مُبْلِسُونَ، وأصْلُ الإبْلاسِ الإطْراقُ لِحُلُولِ نِقْمَةٍ أوْ زَوالِ نِعْمَةٍ. قالَ الحَسَنُ: مُكْتَئِبُونَ. وقالَ السُّدِّيُّ: هالِكُونَ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ وقُطْرُبٌ: خاشِعُونَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مُتَحَيِّرُونَ. وقالَ الزَّجّاجُ: مُتَحَسِّرُونَ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: السّاكِتُ عِنْدَ انْقِطاعِ الحُجَّةِ.
﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ عِبارَةٌ عَنِ اسْتِئْصالِهِمْ بِالهَلاكِ، والمَعْنى: فَقُطِعَ دابِرُهم، ونَبَّهَ عَلى سَبَبِ الِاسْتِئْصالِ بِذِكْرِ الوَصْفِ الَّذِي هو الظُّلْمُ، وهو هُنا الكُفْرُ، والدّابِرُ: التّابِعُ لِلشَّيْءِ مِن خَلْفِهِ، يُقالُ: دَبَرَ الوالِدَ الوَلَدُ يَدْبُرُهُ، وفُلانٌ دَبَرَ القَوْمَ دُبُورًا ودَبَرًا: إذا كانَ آخِرَهم. وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎فاسْتُؤْصِلُوا بِعَذابٍ خَصَّ دابِرَهم فَما اسْتَطاعُوا لَهُ صَرْفًا ولا انْتَصَرُوا
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: دابِرُ القَوْمِ آخِرُهُمُ الَّذِي يَدْبُرُهم. وقالَ الأصْمَعِيُّ: الدّابِرُ: الأصْلُ، يُقالُ: قَطَعَ اللَّهُ دابِرَهُ أيْ أذْهَبَ أصْلَهُ، وقَرَأ عِكْرِمَةُ: (فَقَطَعَ دابِرَ) بِفَتْحِ القافِ والطّاءِ والرّاءِ، أيْ فَقَطَعَ اللَّهُ، وهو التِفاتٌ إذْ فِيهِ الخُرُوجُ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى ضَمِيرِ الغائِبِ.
﴿والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إيذانٌ بِوُجُوبِ الحَمْدِ لِلَّهِ عِنْدَ هَلاكِ الظَّلَمَةِ وأنَّهُ مِن أجَلِّ النِّعَمِ وأجْزَلِ القِسَمِ. انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ تَعالى لَمّا أرْسَلَ الرُّسُلَ إلى هَؤُلاءِ الأُمَمِ كَذَّبُوهم وآذَوْهم فابْتَلاهُمُ اللَّهُ تارَةً بِالبَلاءِ، وتارَةً بِالرَّخاءِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا فَأهْلَكَهم واسْتَراحَ الرُّسُلُ مِن شَرِّهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، وصارَ ذَلِكَ نِعْمَةً في حَقِّ الرُّسُلِ إذْ أنْجَزَ اللَّهُ وعْدَهُ عَلى لِسانِهِمْ بِهَلاكِ المُكَذِّبِينَ فَناسَبَ هَذا الفِعْلَ كُلَّهُ الخَتْمُ بِالحَمْدِ لَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences