Abu HayyanAl‑An'am · 6:63–69

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:63–69

6:63–65Page 135

قُلۡ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ تَدۡعُونَهُۥ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةٗ لَّئِنۡ أَنجَىٰنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٦٣

Say, "Who rescues you from the darknesses of the land and sea [when] you call upon Him imploring [aloud] and privately, 'If He should save us from this [crisis], we will surely be among the thankful.'"

قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنۡهَا وَمِن كُلِّ كَرۡبٖ ثُمَّ أَنتُمۡ تُشۡرِكُونَ ٦٤

Say, "It is Allāh who saves you from it and from every distress; then you [still] associate others with Him."

قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبۡعَثَ عَلَيۡكُمۡ عَذَابٗا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ يَلۡبِسَكُمۡ شِيَعٗا وَيُذِيقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَفۡقَهُونَ ٦٥

Say, "He is the [one] Able to send upon you affliction from above you or from beneath your feet or to confuse you [so you become] sects1 and make you taste the violence of one another." Look how We diversify the signs that they might understand.

﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ دَلائِلَ عَلى أُلُوهِيَّتِهِ تَعالى مِنَ العِلْمِ التّامِّ والقُدْرَةِ الكامِلَةِ ذَكَرَ نَوْعًا مِن أثَرِهِما وهو الإنْجاءُ مِنَ الشَّدائِدِ، وهو اسْتِفْهامٌ يُرادُ بِهِ التَّقْرِيرُ والإنْكارُ والتَّوْبِيخُ والتَّوْقِيفُ عَلى سُوءِ (p-١٥٠)مُعْتَقَدِهِمْ عِنْدَ عِبادَةِ الأصْنامِ وتَرْكِ الَّذِي يُنَجِّي مِنَ الشَّدائِدِ ويُلْجَأُ إلَيْهِ في كَشْفِها. قِيلَ: وأُرِيدَ حَقِيقَةُ الظَّلَمَةِ، وجُمِعَتْ بِاعْتِبارِ مَوادِّها، فَفي البَرِّ والبَحْرِ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ وظُلْمَةُ السَّحابِ وظُلْمَةُ الصَّواعِقِ، وفي البَرِّ أيْضًا ظُلْمَةُ الغُبارِ وظُلْمَةُ الغَيْمِ وظُلْمَةُ الرِّيحِ، وفي البَحْرِ أيْضًا ظُلْمَةُ الأمْواجِ، ويَكُونُ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، التَّقْدِيرُ: مَهالِكُ ظُلْمَةِ البَرِّ والبَحْرِ ومَخاوِفُها، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الظُّلُماتِ مَجازٌ عَنْ شَدائِدِ البَرِّ والبَحْرِ ومَخاوِفِهِما وأهْوالِهِما، والعَرَبُ تَقُولُ: يَوْمٌ أسْوَدُ ويَوْمٌ مُظْلِمٌ ويَوْمٌ ذُو كَواكِبَ، كَأنَّهُ لِإظْلامِهِ وغَيْبُوبَةِ شَمْسِهِ بَدَتْ فِيهِ الكَواكِبُ، ويَعْنُونَ بِهِ أنَّ ذَلِكَ اليَوْمَ شَدِيدٌ عَلَيْهِمْ. قالَ قَتادَةُ والزَّجّاجُ: مِن كُرَبِ البَرِّ والبَحْرِ. وحَكى الطَّبَرِيُّ ضَلالَ الطَّرِيقِ في الظُّلُماتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ما يُشْفُونَ عَلَيْهِ مِنَ الخَسْفِ في البَرِّ والغَرَقِ في البَحْرِ بِذُنُوبِهِمْ، فَإذا دَعَوْا وتَضَرَّعُوا كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمُ الخَسْفَ والغَرَقَ فَنَجَوْا مِن ظُلُماتِها. انْتَهى.

﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾ أيْ تُنادُونَهُ مُظْهِرِي الحاجَةِ إلَيْهِ ومُخْفِيها، والتَّضَرُّعُ وصْفٌ بادٍ عَلى الإنْسانِ، والخُفْيَةُ: الإخْفاءُ. وقالَ الحَسَنُ: تَضَرُّعًا: عَلانِيَةً، خُفْيَةً أيْ نِيَّةً، وانْتَصَبا عَلى المَصْدَرِ. و﴿تَدْعُونَهُ﴾ حالٌ، ويُقالُ: (خُفْيَةً) بِضَمِّ الخاءِ وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ وبِكَسْرِها وهي قِراءَةُ أبِي بَكْرٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ ﴿وخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥] مِنَ الخَوْفِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (مَن يُنَجِّيكم، قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم) بِالتَّشْدِيدِ فِيهِما، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ ويَعْقُوبُ وعَلِيُّ بْنُ نَصْرٍ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِالتَّخْفِيفِ فِيهِما، والحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ بِالتَّشْدِيدِ في ﴿مَن يُنَجِّيكُمْ﴾ والتَّخْفِيفِ في ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ﴾، جَمَعُوا بَيْنَ التَّعْدِيَةِ بِالهَمْزَةِ والتَّضْعِيفِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهُمْ﴾ [الطارق: ١٧] .

﴿لَئِنْ أنْجانا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ هَذِهِ إشارَةٌ إلى الظُّلُماتِ، والمَعْنى: قائِلِينَ لَئِنْ أُنْجِينا، لَمّا دَعَوْهُ أقْسَمُوا أنَّهم يَشْكُرُونَهُ عَلى كَشْفِ هَذِهِ الشَّدائِدِ، ودَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم لَمْ يَكُونُوا قَبْلَ الوُقُوعِ في هَذِهِ الشَّدائِدِ شاكِرِينَ لِأنْعُمِهِ. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: (لَئِنْ أنْجانا) عَلى الغائِبِ، وأمالَهُ الأخَوانِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ عَلى الخِطابِ.

﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكم مِنها ومِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ الضَّمِيرُ في (مِنها) عائِدٌ عَلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (مِن هَذِهِ) و(مِن كُلِّ) مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ أُعِيدَ مَعَهُ الخافِضُ، وأمَرَهُ تَعالى بِالمُسابَقَةِ إلى الجَوابِ لِيَكُونَ هو أسْبَقَ إلى الخَيْرِ وإلى الِاعْتِرافِ بِالحَقِّ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ تَعالى يُنَجِّي مِن هَذِهِ الشَّدائِدِ الَّتِي حَضَرَتْهم ومِن كُلِّ كَرْبٍ فَعَمَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، ثُمَّ ذَكَرَ قَبِيحَ ما يَأْتُونَ بَعْدَ ذَلِكَ وبَعْدَ إقْرارِهِمْ بِالدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ ووَعْدِهِمْ إيّاهُ بِالشُّكْرِ مِن إشْراكِهِمْ مَعَهُ في العِبادَةِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَطَفَ بِـ (ثُمَّ) لِلْمُهْلَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ قُبْحَ فِعْلِهِمْ أيْ ثُمَّ بَعْدَ مَعْرِفَتِكم بِهَذا كُلِّهِ وتَحَقُّقِهِ أنْتُمْ تُشْرِكُونَ. انْتَهى. وقِيلَ: مَعْنى (تُشْرِكُونَ) تَعُودُونَ إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الإشْراكِ وعِبادَةِ الأصْنامِ، ولا يَخْفى ما في هَذِهِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مِنَ التَّقْبِيحِ عَلَيْهِمْ إذْ وُوجِهُوا بِقَوْلِهِ: (ثُمَّ أنْتُمْ) كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ﴾ [البقرة: ٨٥] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٤]، وإذْ كانَ الخَبَرُ (تُشْرِكُونَ) بِصِيغَةِ المُضارِعِ المُشْعِرِ بِالِاسْتِمْرارِ والتَّجَدُّدِ في المُسْتَقْبَلِ كَما كانُوا عَلَيْهِ فِيما مَضى.

﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ هَذا إخْبارٌ يَتَضَمَّنُ (p-١٥١)الوَعِيدَ، والأظْهَرُ مَن نَسَقِ الآياتِ أنَّهُ خِطابٌ لِلْكُفّارِ، وهو مَذْهَبُ الطَّبَرِيِّ. وقالَ أُبَيٌّ وأبُو العالِيَةِ وجَماعَةٌ: هي خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. قالَ أُبَيٌّ: هُنَّ أرْبَعٌ عَذابٌ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ، مَضَتِ اثْنَتانِ بَعْدَ وفاةِ الرَّسُولِ بِخَمْسٍ وعِشْرِينَ سَنَةً لُبِسُوا شِيَعًا وأُذِيقَ بَعْضُهم بِأْسَ بَعْضٍ، وثِنْتانِ واقِعَتانِ لا مَحالَةَ: الخَسْفُ والرَّجْمُ. وقالَ الحَسَنُ: بَعْضُها لِلْكُفّارِ: بَعْثُ العَذابَ مِن فَوْقُ ومِن تَحْتُ، وسائِرُها لِلْمُؤْمِنِينَ. انْتَهى. وحِينَ نَزَلَتِ اسْتَعاذَ الرَّسُولُ ﷺ وقالَ في الثّالِثَةِ: ”هَذِهِ أهْوَنُ. أوْ: هَذِهِ أيْسَرُ“ واحْتَجَّ بِهَذا مَن قالَ هي لِلْمُؤْمِنِينَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ تَعَوَّذَ لِأُمَّتِهِ مِمّا وُعِدَ بِهِ الكُفّارُ وهَوَّنَ الثّالِثَةَ لِأنَّها في المَعْنى هي الَّتِي دَعا فِيها فَمُنِعَ، كَما في حَدِيثِ المُوَطَّأِ وغَيْرِهِ.

والظّاهِرُ ﴿مِن فَوْقِكم أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ الحَقِيقَةُ، كالصَّواعِقِ وكَما أمْطَرَ عَلى قَوْمِ لُوطٍ وأصْحابِ الفِيلِ الحِجارَةَ وأرْسَلَ عَلى قَوْمِ نُوحٍ الطُّوفانَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر: ١١]، وكالزَّلازِلِ ونَبْعِ الماءِ المُهْلِكِ وكَما خُسِفَ بِقارُونَ. وقالَ السُّدِّيُّ عَنْ أبِي مالِكٍ وابْنِ جُبَيْرٍ: الرَّجْمُ والخَسْفُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن فَوْقِكم وُلاةُ الجَوْرِ ومِن تَحْتِ أرْجُلِكم سَفَلَةُ السُّوءِ وخِدْمَتُهُ. وقِيلَ: حَبْسُ المَطَرِ والنَّباتِ. وقِيلَ: ﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾ خِذْلانُ السَّمْعِ والبَصَرِ والآذانِ واللِّسانِ ﴿مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾ خِذْلانُ الفَرْجِ والرِّجْلِ إلى المَعاصِي. انْتَهى. وهَذا والَّذِي قَبْلَهُ مَجازٌ بَعِيدٌ.

﴿أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا﴾ أيْ يَخْلِطَكم فِرَقًا مُخْتَلِفِينَ عَلى أهْواءٍ شَتّى، كُلُّ فِرْقَةٍ مِنكم مُشايِعَةٌ لِإمامٍ، ومَعْنى خَلْطِهِمْ إنْشابُ القِتالِ بَيْنَهم فَيَخْتَلِطُوا ويَشْتَبِكُوا في مَلاحِمِ القِتالِ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎وكَتِيبَةٌ لَبَّسْتُها بِكَتِيبَةٍ حَتّى إذا التَبَسَتْ نَفَضْتُ لَها يَدِي

؎فَتَرَكْتُهم تَقِصُّ الرِّماحُ ظُهُورَهم ∗∗∗ ما بَيْنَ مُنْعَفِرٍ وآخَرَ مُسْنَدٍ

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: تَثْبُتُ فِيكُمُ الأهْواءُ المُخْتَلِفَةُ فَتَصِيرُونَ فِرَقًا. وقِيلَ: المَعْنى: يَقْوى عَدُوُّكم حَتّى يُخالِطُوكم. وقَرَأ أبُو عَبْدِ اللَّهِ المَدَنِيُّ: ﴿يَلْبِسَكُمْ﴾ بِضَمِّ الياءِ مِنَ اللُّبْسِ اسْتِعارَةً مِنَ اللِّباسِ، فَعَلى فَتْحِ الياءِ يَكُونُ ﴿شِيَعًا﴾ حالًا. وقِيلَ: مَصْدَرٌ والعامِلُ فِيهِ ﴿يَلْبِسَكُمْ﴾ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ. انْتَهى. ويُحْتاجُ في كَوْنِهِ مَصْدَرًا إلى نَقْلٍ مِنَ اللُّغَةِ. وعَلى ضَمِّ الياءِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أوْ يُلْبِسَكُمُ الفِتْنَةَ شِيَعًا، ويَكُونُ ﴿شِيَعًا﴾ حالًا، وحُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ الثّانِي ﴿شِيَعًا﴾ كَأنَّ النّاسَ يُلْبِسُ بَعْضُهم بَعْضًا، كَما قالَ الشّاعِرُ:

؎لَبِسْتُ أُناسًا فَأفْنَيْتُهم ∗∗∗ وغادَرْتُ بَعْدَ أُناسٍ أُناسًا

وهِيَ عِبارَةٌ عَنِ الخُلْطَةِ والمُعايَشَةِ.

﴿ويُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ البَأْسُ: الشِّدَّةُ مِن قَتْلٍ وغَيْرِهِ، والإذاقَةُ: الإنالَةُ والإصابَةُ، وهي مَن أقْوى حَواسِّ الِاخْتِبارِ، وكَثُرَ اسْتِعْمالِها في كَلامِ العَرَبِ وفي القُرْآنِ، قالَ تَعالى: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٨]، وقالَ الشّاعِرُ:

؎أذَقْناهم كُؤُوسَ المَوْتِ صِرْفًا ∗∗∗ وذاقُوا مِن أسِنَّتِنا كُؤُوسًا

وقَرَأ الأعْمَشُ: (ونُذِيقَ) بِالنُّونِ وهي نُونُ عَظَمَةِ الواحِدِ، وهي التِفاتٌ فائِدَتُهُ نِسْبَةُ ذَلِكَ إلى اللَّهِ عَلى سَبِيلِ العَظَمَةِ والقُدْرَةِ القاهِرَةِ.

﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ﴾ هَذا اسْتِرْجاعٌ لَهم ولَفْظَةُ تَعَجُّبٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمَعْنى: إنّا نَسْلُكُ في مَجِيءِ الآياتِ أنْواعًا رَجاءَ أنْ يَفْقَهُوا ويَفْهَمُوا عَنِ اللَّهِ - تَعالى - لِأنَّ في اخْتِلافِ الآياتِ ما يَقْتَضِي الفَهْمَ، إنْ غَرَبَتْ آيَةٌ لَمْ تَغْرُبْ أُخْرى.

6:66–69Page 135

وَكَذَّبَ بِهِۦ قَوۡمُكَ وَهُوَ ٱلۡحَقُّۚ قُل لَّسۡتُ عَلَيۡكُم بِوَكِيلٖ ٦٦

But your people have denied it while it is the truth. Say, "I am not over you a manager [i.e., authority]."

لِّكُلِّ نَبَإٖ مُّسۡتَقَرّٞۚ وَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ٦٧

For every news [i.e., happening] is a finality;1 and you are going to know.

وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَلَا تَقۡعُدۡ بَعۡدَ ٱلذِّكۡرَىٰ مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٦٨

And when you see those who engage in [offensive] discourse1 concerning Our verses, then turn away from them until they enter into another conversation. And if Satan should cause you to forget, then do not remain after the reminder with the wrongdoing people.

وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنۡ حِسَابِهِم مِّن شَيۡءٖ وَلَٰكِن ذِكۡرَىٰ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ٦٩

And those who fear Allāh are not held accountable for them [i.e., the disbelievers] at all, but [only for] a reminder - that perhaps they will fear Him.

﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ﴾ قالَ السُّدِّيُّ: (بِهِ) عائِدٌ عَلى القُرْآنِ الَّذِي فِيهِ جاءَ تَصْرِيفُ الآياتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (بِهِ) راجِعٌ إلى العَذابِ وهو الحَقُّ أيْ لا بُدَّ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الوَعِيدِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ ونَحا إلَيْهِ الطَّبَرِيُّ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ (p-١٥٢)وهَذا لِقُرْبِ مُخاطَبَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِالكافِ. انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: (وكَذَّبَتْ بِهِ قَوْمُكُ) بِالتّاءِ، كَما قالَ: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الشعراء: ١٠٥]، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهُوَ الحَقُّ﴾ جُمْلَةُ اسْتِئْنافٍ لا حالٌ.

﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾ أيْ لَسْتُ بِقائِمٍ عَلَيْكم لِإكْراهِكم عَلى التَّوْحِيدِ. وقِيلَ: ﴿بِوَكِيلٍ﴾ بِمُسَلَّطٍ، وقِيلَ: لا أقْدِرُ عَلى مَنعِكم مِنَ التَّكْذِيبِ إجْبارًا إنَّما أنا مُنْذِرٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كانَ قَبْلَ نُزُولِ الجِهادِ والأمْرِ بِالقِتالِ ثُمَّ نُسِخَ. وقِيلَ: لا نَسْخَ في هَذا إذْ هو خَبَرٌ. والنَّسْخُ فِيهِ مُتَوَجِّهٌ لِأنَّ اللّازِمَ مِنَ اللَّفْظِ: لَسْتُ الآنَ. ولَيْسَ فِيهِ أنَّهُ لا يَكُونُ في المُسْتَقْبَلِ.

﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ أيْ لِكُلِّ أجَلٍ شَيْءٌ يُنَبِّئُ بِهِ، يَعْنِي مِن إنْبائِهِ بِأنَّهم يُعَذَّبُونَ، وإيعادِهِمْ بِهِ وقْتَ اسْتِقْرارٍ وحُصُولٍ لا بُدَّ مِنهُ. وقِيلَ: لِكُلِّ عَمَلٍ جَزاءٌ ولَيْسَ هَذا بِالظّاهِرِ. وقالَ السُّدِّيُّ: اسْتَقَرَّ نَبَأُ القُرْآنِ بِما كانَ يَعِدُهم مِنَ العَذابِ يَوْمَ بَدْرٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: مِنهُ في الدُّنْيا يَوْمَ بَدْرٍ، وفي الآخِرَةِ جَهَنَّمُ.

﴿وسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ مُبالَغَةٌ في التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَهْدِيدًا بِعَذابِ الآخِرَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَهْدِيدًا بِالحَرْبِ وأخْذِهِمْ بِالإيمانِ عَلى سَبِيلِ القَهْرِ والِاسْتِيلاءِ.

﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ هَذا خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ ويَدْخُلُ فِيهِ المُؤْمِنُونَ لِأنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ وهو سَماعُ الخَوْضِ في آياتِ اللَّهِ يَشْمَلُهُ وإيّاهم. وقِيلَ: هو خاصٌّ بِهِ وحْدَهُ لِأنَّ قِيامَهُ عَنْهم كانَ يَشُقُّ عَلَيْهِ وفِراقَهُ عَلى مُغاضِبِهِ، والمُؤْمِنُونَ عِنْدَهم لَيْسُوا كَهو. وقِيلَ: خِطابٌ لِلسّامِعِ والَّذِينَ يَخُوضُونَ: المُشْرِكُونَ أوِ اليَهُودُ أوْ أصْحابُ الأهْواءِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

و(رَأيْتَ) هُنا بَصَرِيَّةٌ ولِذَلِكَ تَعَدَّتْ إلى واحِدٍ ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ حالٍ مَحْذُوفَةٍ أيْ: وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا وهم خائِضُونَ فِيها، أيْ: وإذا رَأيْتَهم مُلْتَبِسِينَ بِهَذِهِ الحالَةِ. وقِيلَ: (رَأيْتَ) عِلْمِيَّةٌ لِأنَّ الخَوْضَ في الآياتِ لَيْسَ مِمّا يُدْرَكُ بِحاسَّةِ البَصَرِ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ حَذْفُ المَفْعُولِ الثّانِي مِن بابِ عَلِمْتُ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا خائِضِينَ فِيها، وحَذْفُهُ اقْتِصارًا لا يَجُوزُ، وحَذْفُهُ اخْتِصارًا عَزِيزٌ جِدًّا، حَتّى أنَّ بَعْضَ النَّحْوِيِّينَ مَنَعَهُ، والخَوْضُ في الآياتِ كِنايَةٌ عَنْ الِاسْتِهْزاءِ بِها والطَّعْنِ فِيها. وكانَتْ قُرَيْشٌ في أنْدِيَتِها تَفْعَلُ ذَلِكَ، ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيْ: لا تُجالِسْهم وقُمْ عَنْهم، ولَيْسَ إعْراضًا بِالقَلْبِ وحْدَهُ، بَيَّنَهُ ﴿وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]، وقَدْ تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ المُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ [النساء: ١٤٠] أنَّ الَّذِي نَزَلَ في الكِتابِ هو قَوْلُهُ: ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ﴾ الآيَةَ و﴿حَتّى يَخُوضُوا﴾، غايَةٌ لِلْإعْراضِ عَنْهم أيْ: فَلا بَأْسَ أنْ تُجالِسَهم، والضَّمِيرُ في (غَيْرِهِ) قالَ الحَوْفِيُّ: عائِدٌ إلى الخَوْضِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:

؎إذا نُهِيَ السَّفِيهُ جَرى إلَيْهِ وخالَفَ والسَّفِيهُ إلى خِلافِ

أيْ جَرى إلى السَّفَهِ. وقالَ أبُو البَقاءِ: إنَّما ذَكَرَ الهاءَ لِأنَّهُ أعادَها عَلى مَعْنى الآياتِ ولِأنَّها حَدِيثٌ، وقَوْلُ: ﴿وإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: إنْ شَغَلَكَ (p-١٥٣)بِوَسْوَسَتِهِ حَتّى تَنْسى النَّهْيَ عَنْ مُجالَسَتِهِمْ فَلا تَقْعُدْ مَعَهم بَعْدَ الذِّكْرى، أيْ ذِكْرِكَ النَّهْيَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: وإنْ كانَ الشَّيْطانُ يُنْسِيكَ قَبْلَ النَّهْيِ قُبْحَ مُجالَسَةِ المُسْتَهْزِئِينَ؛ لِأنَّها مِمّا تُنْكِرُهُ العُقُولُ، فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى، أيْ: بَعْدَ أنْ ذَكَّرْناكَ قُبْحَها ونَبَّهْناكَ عَلَيْهِ، مَعَهم. انْتَهى. وهو خِلافُ ظاهِرِ الشَّرْطِ لِأنَّهُ قَدْ نُهِيَ عَنِ القُعُودِ مَعَهم قَبْلُ، ثُمَّ عُطِفَ عَلى الشَّرْطِ السّابِقِ هَذا الشَّرْطُ فَكُلُّهُ مُسْتَقْبَلٌ، وما أحْسَنَ مَجِيءَ الشَّرْطِ الأوَّلِ بِـ (إذا) الَّتِي هي لِلْمُحَقَّقِ لِأنَّ كَوْنَهم يَخُوضُونَ في الآياتِ مُحَقَّقٌ، ومَجِيءُ الشَّرْطِ الثّانِي بِـ (إنْ) لِأنَّ (إنْ) لِغَيْرِ المُحَقَّقِ، وجاءَ ﴿مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ تَنْبِيهًا عَلى عِلَّةِ الخَوْضِ في الآياتِ والطَّعْنِ فِيها، وأنَّ سَبَبَ ذَلِكَ ظُلْمُهم وهو مُجاوَزَةُ الحَدِّ ووَضْعُ الأشْياءِ غَيْرَ مَواضِعِها. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(إمّا) شَرْطٌ ويَلْزَمُها النُّونُ الثَّقِيلَةُ في الأغْلَبِ، وقَدْ لا تَلْزَمُ كَما قالَ الشّاعِرُ:

؎إمّا يُصِبْكَ عَدُوٌّ في مُناوَأةٍ

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ. انْتَهى. وهَذِهِ المَسْألَةُ فِيها خِلافٌ. ذَهَبَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّها إذا زِيدَتْ بَعْدَ (إنْ) (ما) لَزِمَتْ نُونُ التَّوْكِيدِ ولا يَجُوزُ حَذْفُها إلّا ضَرُورَةً، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّها لا تَلْزَمُ وأنَّهُ يَجُوزُ في الكَلامِ، وتَقْيِيدُهُ الثَّقِيلَةَ لَيْسَ بِجَيِّدٍ بَلِ الصَّوابُ النُّونُ المُؤَكَّدَةُ سَواءٌ كانَتْ ثَقِيلَةً أمْ خَفِيفَةً، وكَأنَّهُ نَظَرَ إلى مَوارِدِها في القُرْآنِ وكَوْنِها لَمْ تَجِئْ فِيها بَعْدَ (إمّا) إلّا الثَّقِيلَةُ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: (يُنَسِّيَنَّكَ) مُشَدَّدًا عَدّاهُ بِالتَّضْعِيفِ وعَدّاهُ الجُمْهُورُ بِالهَمْزَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقَدْ ذَكَرَ القِراءَتَيْنِ: إلّا أنَّ التَّشْدِيدَ أكْثَرُ مُبالَغَةً. انْتَهى. ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، لا فَرْقَ بَيْنَ تَضْعِيفِ التَّعْدِيَةِ والهَمْزَةِ. ومَفْعُولُ ﴿يُنْسِيَنَّكَ﴾ الثّانِي مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: وإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ نَهْيَنا إيّاكَ عَنِ القُعُودِ مَعَهم. والذِّكْرى مَصْدَرُ ذَكَرَ، جاءَ عَلى فُعْلى وألِفُهُ لِلتَّأْنِيثِ، ولَمْ يَجِئْ مَصْدَرٌ عَلى فُعْلى غَيْرُهُ.

﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾، ﴿الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ، والضَّمِيرُ في ﴿حِسابِهِمْ﴾ عائِدٌ عَلى المُسْتَهْزِئِينَ الخائِضِينَ في الآياتِ. ورُوِيَ أنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا لَمّا نَزَلَتْ ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]: لا يُمْكِنُنا طَوافٌ ولا عِبادَةٌ في الحَرَمِ، فَنَزَلَتْ ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾، فَأُبِيحَ لَهم قَدْرُ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ التَّصَرُّفِ بَيْنَهم في العِبادَةِ ونَحْوِها، والظّاهِرُ أنَّ حُكْمَ الرَّسُولِ مُوافِقٌ لِحُكْمِ غَيْرِهِ لِانْدِراجِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، أُمِرَ هو بِالإعْراضِ عَنْهم حَتّى إنْ عَرَضَ نِسْيانٌ وذَكَرَ فَلا تَقْعُدْ مَعَهم. وقِيلَ: لِلْمُتَّقِينَ وهو رَأْسُهم أيْ: ما عَلَيْكم مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ.

﴿ولَكِنْ ذِكْرى﴾ أيْ: ولَكِنْ عَلَيْكم أنْ تُذَكِّرُوهم ذِكْرى إذا سَمِعْتُمُوهم يَخُوضُونَ بِأنْ تَقُومُوا عَنْهم وتُظْهِرُوا كَراهَةَ فِعْلِهِمْ وتَعِظُوهم.

﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ أيْ: لَعَلَّهم يَجْتَنِبُونَ الخَوْضَ في الآياتِ حَياءً مِنكم ورَغْبَةً في مُجالَسَتِكم، قالَهُ مُقاتِلٌ، أوْ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ الوَعِيدَ بِتَذْكِيرِكم إيّاهم. وقِيلَ: المَعْنى لا تَقْعُدُوا مَعَهم ولا (p-١٥٤)تَقْرَبُوهم حَتّى لا تَسْمَعُوا اسْتِهْزاءَهم وخَوْضَهم، ولَيْسَ نَهْيُكم عَنِ القُعُودِ لِأنَّ عَلَيْكم شَيْئًا مِن حِسابِهِمْ، وإنَّما هو ذِكْرى لَكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ أيْ: تَثْبُتُونَ عَلى تَقْواكم وتَزْدادُونَها، فالضَّمِيرُ في (لَعَلَّهم) عائِدٌ عَلى ﴿الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، ومَن قالَ: الخِطابُ في ”﴿وإذا رَأيْتَ﴾“ خاصٌّ بِالرَّسُولِ قالَ: ﴿الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَهُ، ومَعْناها الإباحَةُ لَهم دُونَهُ كَأنَّهُ قالَ: يا مُحَمَّدُ لا تَقْعُدْ مَعَهم، وأمّا المُؤْمِنُونَ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِمْ مِن حِسابِهِمْ، فَإنْ قَعَدُوا فَلْيُذَكِّرُوهم ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ اللَّهَ في تَرْكِ ما هم عَلَيْهِ. وقالَ هَذا القائِلُ: هَذِهِ الإباحَةُ الَّتِي اقْتَضَتْها هَذِهِ الآيَةُ نَسَخَتْها آيَةُ النِّساءِ. و﴿ذِكْرى﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ أيْ: ولَكِنْ تُذَكِّرُونَهم، ومَن قالَ: الإباحَةُ كانَتْ بِسَبَبِ العِباداتِ قالَ: نَسَخَ ذَلِكَ آيَةُ النِّساءِ، أوْ ذَكِّرُوهم في مَوْضِعِ رَفْعٍ أيْ: ولَكِنْ عَلَيْهِمْ ذِكْرى، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم: ولَكِنْ هو ذِكْرى، أيِ: الواجِبُ ذِكْرى. وقِيلَ: هَذا ذِكْرى أيِ النَّهْيُ ذِكْرى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ ﴿مِن شَيْءٍ﴾ كَقَوْلِكَ: ما في الدّارِ مِن أحَدٍ ولَكِنْ زَيْدٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن حِسابِهِمْ﴾ يَأْبى ذَلِكَ. انْتَهى. كَأنَّهُ تَخَيَّلَ أنَّ في العَطْفِ يَلْزَمُ القَيْدُ الَّذِي في المَعْطُوفِ عَلَيْهِ وهو مِن حِسابِهِمْ؛ لِأنَّهُ قَيْدٌ في شَيْءٍ فَلا يَجُوزُ عِنْدَهُ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ عَطْفًا عَلى ﴿مِن شَيْءٍ﴾ عَلى المَوْضِعِ؛ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ عِنْدَهُ: ولَكِنْ ذِكْرى مِن حِسابِهِمْ، ولَيْسَ المَعْنى عَلى هَذا، وهَذا الَّذِي تَخَيَّلَهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ. لا يَلْزَمُ في العَطْفِ بِـ (وْلَكِنْ) ما ذَكَرَ، تَقُولُ: ما عِنْدَنا رَجُلُ سُوءٍ ولَكِنْ رَجُلُ صِدْقٍ، وما عِنْدَنا رَجُلٌ مِن تَمِيمٍ ولَكِنْ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ، وما قامَ مِن رَجُلٍ عالِمٍ ولَكِنْ رَجُلٍ جاهِلٍ، فَعَلى هَذا الَّذِي قَرَّرْناهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَبِيلِ عَطْفِ الجُمَلِ كَما تَقَدَّمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ، والعَطْفُ إنَّما هو لِلْواوِ، ودَخَلَتْ (لَكِنْ) لِلِاسْتِدْراكِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَمْتَثِلَ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ مَعَ المُلْحِدِينَ وأهْلِ الجَدَلِ والخَوْضِ فِيهِ. وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ أنَّهُ قالَ: لا تُجالِسُوا أهْلَ الخُصُوماتِ فَإنَّهُمُ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِ اللَّهِ، تَعالى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском