Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:113–124
7:113–116Page 164
وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرۡعَوۡنَ قَالُوٓاْ إِنَّ لَنَا لَأَجۡرًا إِن كُنَّا نَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبِينَ ١١٣
And the magicians came to Pharaoh. They said, "Indeed for us is a reward if we are the predominant."
قَالَ نَعَمۡ وَإِنَّكُمۡ لَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ١١٤
He said, "Yes, and, [moreover], you will be among those made near [to me]."
قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلۡقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحۡنُ ٱلۡمُلۡقِينَ ١١٥
They said, "O Moses, either you throw [your staff], or we will be the ones to throw [first]."
قَالَ أَلۡقُواْۖ فَلَمَّآ أَلۡقَوۡاْ سَحَرُوٓاْ أَعۡيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسۡتَرۡهَبُوهُمۡ وَجَآءُو بِسِحۡرٍ عَظِيمٖ ١١٦
He said, "Throw," and when they threw, they bewitched the eyes of the people and struck terror into them, and they presented a great [feat of] magic.1
﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ المَعْنى وتَقْدِيرُهُ فَأرْسِلْ حاشِرِينَ، وجَمَعُوا السَّحَرَةَ وأمَرَهم بِالمَجِيءِ، واضْطَرَبَ النّاقِلُونَ لِلْأخْبارِ في عَدَدِهِمْ (p-٣٦١)اضْطِرابًا مُتَناقِضًا يَعْجَبُ العاقِلُ مِن تَسْطِيرِهِ في الكُتُبِ، فَمِن قائِلٍ تِسْعُمِائَةِ ألْفِ ساحِرٍ وقائِلٍ سَبْعِينَ ساحِرًا فَما بَيْنَهُما مِنَ الأعْدادِ المُعَيَّنَةِ المُتَناقِضَةِ (وجاءَ) قالُوا: بِغَيْرِ حَرْفِ عَطْفٍ؛ لِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ جَوابِ سائِلٍ سَألَ ما قالُوهُ إذْ جاءَ قالُوا ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾، أيْ: جُعْلًا، وقالَ الحَوْفِيُّ: (وقالُوا) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ السَّحَرَةِ، والعامِلُ (جاءَ)، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وحَفْصٌ (إنَّ) عَلى وجْهِ الخَبَرِ، واشْتِراطُ الأجْرِ وإيجابُهُ عَلى تَقْدِيرِ الغَلَبَةِ ولا يُرِيدُونَ مُطْلَقَ الأجْرِ، بَلِ المَعْنى لَأجْرًا عَظِيمًا، ولِهَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ كَقَوْلِ العَرَبِ إنَّ لَهُ لَإبِلًا وإنَّ لَهُ لَغَنَمًا يَقْصِدُونَ الكَثْرَةَ، وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ أنْ تَكُونَ (إنَّ) اسْتِفْهامًا حُذِفَتْ مِنهُ الهَمْزَةُ كَقِراءَةِ الباقِينَ الَّذِينَ أثْبَتُوها وهُمُ الأخَوانِ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، وأبُو عَمْرٍو فَمِنهم مَن حَقَّقَهُما ومِنهم مَن سَهَّلَ الثّانِيَةَ، ومِنهم مَن أدْخَلَ بَيْنَهُما ألِفًا والخِلافُ في كُتُبِ القِراءاتِ، وفي خِطابِ السَّحَرَةِ بِذَلِكَ لِفِرْعَوْنَ دَلِيلٌ عَلى اسْتِطالَتِهِمْ عَلَيْهِ بِاحْتِياجِهِ إلَيْهِمْ وبِما يَحْصُلُ لِلْعالِمِ بِالشَّيْءِ مِنَ التَّرَفُّعِ عَلى مَن يَحْتاجُ إلَيْهِ، وعَلى مَن لا يَعْلَمُ مِثْلَ عِلْمِهِ و(نَحْنُ) إمّا تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ وإمّا فَصْلٌ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، وقالَ الحَوْفِيُّ: في جَوابِهِ ما تَقَدَّمَ.
﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾، أيْ: نَعَمْ إنَّ لَكم لَأجْرًا (وإنَّكم) فَعَطَفَ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ بَعْدَ (نَعَمْ) الَّتِي هي نائِبَةٌ عَنْها، والمَعْنى: لَمِنَ المُقَرَّبِينَ مِنِّي، أيْ: لا أقْتَصِرُ لَكم عَلى الجُعْلِ والثَّوابِ عَلى غَلَبَةِ مُوسى، بَلْ أزِيدُكم أنْ تَكُونُوا مِنَ المُقَرَّبِينَ فَتَحُوزُونَ إلى الأجْرِ الكَرامَةَ والرِّفْعَةَ والجاهَ والمَنزِلَةَ والمَثابَ، إنَّما يَتَهَنّى ويَغْتَبِطُ بِهِ إذا حازَ إلى ذَلِكَ الإكْرامَ، وفي مُبادَرَةِ فِرْعَوْنَ لَهم بِالوَعْدِ والتَّقْرِيبِ مِنهُ دَلِيلٌ عَلى شِدَّةِ اضْطِرارِهِ لَهم، وإنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِأنَّهُ عاجِزٌ، ولِذَلِكَ احْتاجَ إلى السَّحَرَةِ في دَفْعِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَخْيِيرُهم إيّاهُ أدَبٌ حَسَنٌ راعَوْهُ مَعَهُ كَما يَفْعَلُ أهْلُ الصِّناعاتِ إذا التَقَوْا، كالمُتَناظِرَيْنِ قَبْلَ أنْ يَتَخاوَضُوا في الجِدالِ والمُتَصارِعَيْنِ قَبْلَ أنْ يَأْخُذُوا في الصِّراعِ. انْتَهى. وقالَ القُرْطُبِيُّ تَأدَّبُوا مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْلِهِمْ ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ فَكانَ ذَلِكَ سَبَبَ إيمانِهِمْ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ تَخْيِيرَهم إيّاهُ لَيْسَ مِن بابِ الأدَبِ، بَلْ ذَلِكَ مِن بابِ الإدْلالِ لِما يَعْلَمُونَهُ مِنَ السِّحْرِ وإيهامِ الغَلَبَةِ والثِّقَةِ بِأنْفُسِهِمْ وعَدَمِ الِاكْتِراثِ والِابْتِهالِ بِأمْرِ مُوسى، كَما قالَ الفَرّاءُ لِسِيبَوَيْهِ حِينَ جَمَعَ الرَّشِيدُ بَيْنَ سِيبَوَيْهِ والكِسائِيِّ أتَسْألُ فَأُجِيبُ أمْ أبْتَدِئُ وتُجِيبُ ؟ فَهَذا جاءَ التَّخْيِيرُ فِيهِ عَلى سَبِيلِ الإدْلالِ بِنَفْسِهِ والمَلاءَةِ بِما عِنْدَهُ، وعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِمُناظَرَتِهِ والوُثُوقِ بِأنَّهُ هو الغالِبُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهم ﴿وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى رَغْبَتِهِمْ في أنْ يُلْقُوا قَبْلَهُ مِن تَأْكِيدِ ضَمِيرِهِمُ المُتَّصِلِ بِالمُنْفَصِلِ وتَعْرِيفِ الخَبَرِ وإقْحامِ الفَصْلِ. انْتَهى. وأجازُوا في ﴿أنْ تُلْقِيَ﴾ وفي ﴿أنْ نَكُونَ﴾ النَّصْبَ، أيِ: اخْتِرْ وافْعَلْ إمّا إلْقاءَكَ وإمّا إلْقاءَنا، والمَعْنى فِيهِ البُداءَةُ والدَّفْعُ أيْ إلْقاؤُكَ مَبْدُوءٌ بِهِ وإمّا إلْقاؤُنا، فَيَكُونُ مُبْتَدَأً أوْ إمّا أمْرُكَ الإلْقاءُ، أيِ: البُداءَةُ بِهِ، أوْ إمّا أمْرُنا الإلْقاءُ فَيَكُونُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ودَخَلَتْ (أنْ)؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ الفِعْلُ وحْدَهُ مَفْعُولًا ولا مُبْتَدَأً بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦] فالفِعْلُ بَعْدَ (إمّا) هُنا خَبَرٌ ثانٍ لِقَوْلِهِ: (وآخَرُونَ)، أوْ صِفَةٌ فَلَيْسَ مِن مَواضِعِ أنْ ومَفْعُولِ (p-٣٦٢)(تُلْقِيَ) مَحْذُوفٌ، أيْ: إمّا أنْ تُلْقِيَ عَصاكَ وكَذَلِكَ مَفْعُولُ ﴿المُلْقِينَ﴾، أيِ: المُلْقِينَ العَصا والحِبالَ.
﴿قالَ ألْقُوا﴾ أعْطاهم مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - التَّقَدُّمَ وُثُوقًا بِالحَقِّ وعِلْمًا أنَّهُ تَعالى يُبْطِلُهُ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهُ ﴿قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ [يونس: ٨١] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ سَوَّغَ لَهم مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما تَراغَبُوا فِيهِ ازْدِراءً لِشَأْنِهِمْ وثِقَةً بِما كانَ بِصَدَدِهِ مِنَ التَّأْيِيدِ السَّماوِيِّ، وأنَّ المُعْجِزَةَ لَمْ يَغْلِبْها سِحْرٌ أبَدًا. انْتَهى. والمَعْنى: ألْقُوا حِبالَكم وعِصِيَّكم، والظّاهِرُ أنَّهُ أمَرَ بِالإلْقاءِ. وقِيلَ: هو تَهْدِيدٌ، أيْ: فَسَتَرَوْنَ ما حَلَّ بِكم مِنَ الِافْتِضاحِ.
﴿فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ واسْتَرْهَبُوهم وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾، أيْ: أرَوُا العُيُونَ بِالحِيَلِ والتَّخَيُّلاتِ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ كَما قالَ تَعالى ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ [طه: ٦٦] .
وفِي قَوْلِهِ ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ السِّحْرَ لا يَقْلِبُ عَيْنًا، وإنَّما هو مِن بابِ التَّخَيُّلِ واسْتَرْهَبُوهم أيْ أرْهَبُوهم، واسْتَفْعَلَ هُنا بِمَعْنى أفْعَلَ كَأبَلَّ واسْتَبَلَّ، والرَّهْبَةُ الخَوْفُ والفَزَعُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ وأرْهَبُوهم إرْهابًا شَدِيدًا كَأنَّهُمُ اسْتَدْعَوْا رَهْبَتَهُمُ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ بِمَعْنى وأرْهَبُوهم فَكانَ فِعْلُهُمُ اقْتَضى واسْتَدَعى الرَّهْبَةَ مِنَ النّاسِ. انْتَهى ولا يَظْهَرُ ما قالا؛ لِأنَّ الِاسْتِدْعاءَ والطَّلَبَ لا يَلْزَمُ مِنهُ وُقُوعُ المُسْتَدْعى والمَطْلُوبِ، والظّاهِرُ هُنا حُصُولُ الرَّهْبَةِ فَلِذَلِكَ قُلْنا إنَّ اسْتَفْعَلَ فِيهِ مُوافِقُ أفْعَلَ، وصَرَّحَ أبُو البَقاءِ بِأنَّ مَعْنى (اسْتَرْهَبُوهم) طَلَبُوا مِنهُمُ الرَّهْبَةَ، ووَصَفَ السِّحْرَ بِعَظِيمٍ لِقُوَّةِ ما خُيِّلَ أوْ لِكَثْرَةِ آلاتِهِ مِنَ الحِبالِ والعِصِيِّ، رُوِيَ أنَّهم جاءُوا بِحِبالٍ مَن أدَمٍ وأخْشابٍ مُجَوَّفَةٍ مَمْلُوءَةٍ زِئْبَقًا وأوْقَدُوا في الوادِي نارًا فَحَمِيَتْ بِالنّارِ مِن تَحْتٍ وبِالشَّمْسِ مِن فَوْقٍ، فَتَحَرَّكَتْ ورَكِبَ بَعْضُها بَعْضًا وهَذا مِن بابِ الشَّعْبَذَةِ والدَّكِّ، ورُوِيَ غَيْرُ هَذا مِن حِيَلِهِمْ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ قالَ ألْقُوا فَألْقَوْا، فَلَمّا ألْقَوْا، والفاءُ عاطِفَةٌ عَلى هَذا المَحْذُوفِ، وقالَ الحَوْفِيُّ الفاءُ جَوابُ الأمْرِ انْتَهى. وهو لا يُعْقَلُ ما قالَ ونَقُولُ وُصِفَ بِعَظِيمٍ لِما ظَهَرَ مِن تَأْثِيرِهِ في الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ الَّتِي هي الأعْيُنُ بِما لَحِقَها مِن تَخْيِيلِ العِصِيِّ والحِبالِ حَيّاتٌ وفي الأعْضاءِ الباطِنَةِ الَّتِي هي القُلُوبُ بِما لَحِقَها مِنَ الفَزَعِ والخَوْفِ ولَمّا كانَتِ الرَّهْبَةُ ناشِئَةً عَنْ رُؤْيَةِ الأعْيُنِ تَأخَّرَتِ الجُمْلَةُ الدّالَّةُ عَلَيْها.
7:117–120Page 164
۞ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَلۡقِ عَصَاكَۖ فَإِذَا هِيَ تَلۡقَفُ مَا يَأۡفِكُونَ ١١٧
And We inspired to Moses, "Throw your staff," and at once it devoured what they were falsifying.
فَوَقَعَ ٱلۡحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١١٨
So the truth was established, and abolished was what they were doing.
فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُواْ صَٰغِرِينَ ١١٩
And they [i.e., Pharaoh and his people] were overcome right there and became debased.
وَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَٰجِدِينَ ١٢٠
And the magicians fell down in prostration [to Allāh].
﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢١] ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٢] ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٣] ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٤] ﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٥] ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦] ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهم وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] ﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩] ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٠] ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٣١] ﴿وقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٢] ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٣] ﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٣٤] ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٥] ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٦] ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا ودَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم قالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] ﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٩] (p-٣٦٣)لَقِفَ الشَّيْءَ لَقْفًا ولَقَفانًا: أخَذَهُ بِسُرْعَةٍ فَأكَلَهُ، أوِ ابْتَلَعَهُ ورَجُلٌ ثَقِفٌ لَقِفٌ: سَرِيعُ الأخْذِ ولَقِيفٌ ثَقِيفٌ: بَيِّنُ الثَّقافَةِ واللَّقافَةِ، ولَقِمَ ولَهِمَ ولَقِفَ بِمَعْنًى، ومِنهُ التَقَفْتُهُ وتَلَقَّفْتُهُ تَلَقُّفًا. مَهْما: اسْمٌ، خِلافًا لِلسُّهَيْلِيِّ إذْ زَعَمَ أنَّها قَدْ تَأْتِي حَرْفًا، وهي أداةُ شَرْطٍ ونَدَرَ الِاسْتِفْهامُ بِها في قَوْلِهِ:
؎مَهْما لِيَ اللَّيْلَةَ مَهْما لِيَهْ أوْدى بِنَعْلَيَّ وسِرْبالِيَهْ
وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها إذا كانَتِ اسْمَ شَرْطٍ قَدْ تَأْتِي ظَرْفَ زَمانٍ، وفي بَساطَتِها وتَرْكِيبِها مِن ما ما أوْ مِن مَهْ ما خِلافٌ ذُكِرَ في النَّحْوِ ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أماوِيُّ مَهْ مَن يَسْتَمِعْ في صَدِيقِهِ ∗∗∗ أقاوِيلَ هَذا النّاسِ ماوِيُّ يَنْدَمِ
عَلى أنَّهُ لا تَرْكِيبَ فِيها، بَلْ مَهْ بِمَعْنى اكْفُفْ، ومَن هي اسْمُ الشَّرْطِ، الجَرادُ: مَعْرُوفٌ واحِدُهُ جَرادَةٌ بِالتّاءِ لِلذَّكَرِ والأُنْثى ويُمَيِّزُ بَيْنَهُما الوَصْفُ وذَكَرَ التَّصْرِيفِيُّونَ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَرادِ قالُوا: والِاشْتِقاقُ في أسْماءِ الأجْناسِ قَلِيلٌ جِدًّا. القُمَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو الحَمْنانُ واحِدُهُ حَمْنانَةٌ، وهو ضَرْبٌ مِنَ القِرْدانِ، وسَتَأْتِي أقْوالُ المُفَسِّرِينَ فِيهِ. الضِّفْدَعُ: هو الحَيَوانُ المَعْرُوفُ، وتُكْسَرُ دالَهُ وتُفْتَحُ، وهو مُؤَنَّثٌ وشَذَّ جَمْعُهم لَهُ بِالألِفِ والتّاءِ قالُوا: ضِفْدَعاتٌ. النَّكْثُ: النَّقْضُ. اليَمُّ: البَحْرُ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎دَوِيَّةٌ ودُجى لَيْلٍ كَأنَّهُما ∗∗∗ يَمٌّ تَراطَنَ في حافاتِهِ الرُّومُ
وتَقَدَّمَتْ هَذِهِ المادَّةُ في فَتَيَمَّمُوا إلّا أنَّ ابْنَ قُتَيْبَةَ قالَ: اليَمُّ البَحْرُ بِالسُّرْيانِيَّةِ. وقِيلَ: بِالعِبْرانِيَّةِ. التَّدْمِيرُ: الإهْلاكُ وإخْرابُ البِناءِ. التَّتْبِيرُ: الإهْلاكُ، ومِنهُ التِّبْرُ لِتَهالُكِ النّاسِ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ والكِرْمانِيُّ: التَّتْبِيرُ: الإهْلاكُ وسُوءُ العُقْبى وأصْلُهُ الكَسْرُ، ومِنهُ تِبْرُ الذَّهَبِ؛ لِأنَّهُ كِسارُهُ.
﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ . الظّاهِرُ أنَّهُ وحْيُ إعْلامٍ كَما رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أتاهُ وقالَ لَهُ أنَّ الحَقَّ يَأْمُرُكَ أنْ تُلْقِيَ عَصاكَ، وكَوْنُهُ وحْيَ إعْلامٍ فِيهِ تَثْبِيتٌ لِلْجَأْشِ وتَبْشِيرٌ بِالنَّصْرِ، وقالَ قَوْمٌ: هو وحْيُ إلْهامٍ أُلْقِيَ ذَلِكَ في رُوعِهِ، وأنْ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُفَسِّرَةَ، وأنْ تَكُونَ النّاصِبَةَ، أيْ: بِأنْ ألْقِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ قَبْلَ الجُمْلَةِ الفُجائِيَّةِ، أيْ: فَألْقاها ﴿فَإذا هي تَلْقَفُ﴾ وتَكُونُ الجُمْلَةُ الفُجائِيَّةُ إخْبارًا بِما تَرَتَّبَ عَلى الإلْقاءِ، ولا يَكُونُ مُوحًى بِها في الذِّكْرِ ومَن يَذْهَبُ إلى أنَّ الفاءَ في نَحْوِ خَرَجْتُ فَإذا الأسَدُ زائِدَةٌ يُحْتَمَلُ عَلى قَوْلِهِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُوحًى بِها في الذِّكْرِ إلّا أنَّهُ يُقَدَّرُ المَحْذُوفُ بَعْدَها، أيْ: فَألْقاها فَلَقِفَتْهُ، وقَرَأ حَفْصٌ (تَلْقَفُ) بِسُكُونِ اللّامِ مِن لَقِفَ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (تَلَقَّفُ) مُضارِعُ لَقَّفَ، حُذِفَتْ إحْدى تاءَيْهِ، إذِ الأصْلُ تَتَلَقَّفُ، وقَرَأ البَزِّيُّ بِإدْغامِ المُضارِعَةِ في التّاءِ في الأصْلِ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ تَلْقَمُ بِالمِيمِ، أيْ: تَبْلَعُ كاللُّقْمَةِ (وما) مَوْصُولَةٌ، أيْ: (p-٣٦٤)ما يَأْفِكُونَهُ، أيْ: يَقْلِبُونَهُ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ ويُزَوِّرُونَهُ، قالُوا: أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: تَلْقَفُ إفْكَهم، تَسْمِيَةٌ لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ. رُوِيَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا كانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ خَرَجَ مُتَوَكِّئًا عَلى عَصاهُ، ويَدُهُ في يَدِ أخِيهِ، وقَدْ صُفَّ لَهُ السَّحَرَةُ في عَدَدٍ عَظِيمٍ، فَلَمّا ألْقَوْا واسْتَرْهَبُوا، أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ فَألْقى، فَإذا هي ثُعْبانٌ عَظِيمٌ حَتّى كانَ كالجَبَلِ، وقِيلَ: طالَ حَتّى جازَ النِّيلَ، وقِيلَ: طالَ حَتّى جازَ بِذَنَبِهِ بَحْرَ القُلْزُمِ، وقِيلَ: كانَ الجَمْعُ بِإسْكِنْدِرِيَّةَ، وطالَ حَتّى جازَ مَدِينَةَ البُحَيْرَةِ، ورُوِيَ أنَّهم جَعَلُوا يَرْقَوْنَ وحِبالُهم وعِصِيُّهم تَعْظُمُ وعَصا مُوسى تَعْظُمُ حَتّى سَدَّتِ الأُفُقَ وابْتَلَعَتِ الكُلَّ ورَجَعَتْ بَعْدُ عَصًا وأعْدَمَ اللَّهُ العِصِيَّ والحِبالَ، ومَدَّ مُوسى يَدَهُ في الثُّعْبانِ فَعادَ عَصًا كَما كانَ، فَعَلِمَ السَّحَرَةُ حِينَئِذٍ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن عِنْدِ البَشَرِ فَخَرُّوا سُجَّدًا مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أعْدَمَ اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ تِلْكَ الأجْرامَ العَظِيمَةَ، أوْ فَرَّقَها أجْزاءً لَطِيفَةً، وقالَتِ السَّحَرَةُ لَوْ كانَ هَذا سِحْرًا لَبَقِيَتْ حِبالُنا وعِصِيُّنا.
﴿فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: ظَهَرَ واسْتَبانَ، وقالَ أرْبابُ المَعانِي الوُقُوعُ ظُهُورُ الشَّيْءِ بِوُجُودِهِ نازِلًا إلى مُسْتَقَرِّهِ، قالَ القاضِي: فَوَقَعَ الحَقُّ يُفِيدُ قُوَّةَ الظُّهُورِ والثُّبُوتِ بِحَيْثُ لا يَصِحُّ فِيهِ البُطْلانُ كَما لا يَصِحُّ في الواقِعِ أنْ يَصِيرَ إلّا واقِعًا ومَعَ ثُبُوتِ الحَقِّ بِطَلَبٍ وزالَتْ تِلْكَ الأعْيانُ الَّتِي أتَوْا بِها وهي الحِبالُ والعِصِيُّ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ فَوَقَعَ في قُلُوبِهِمْ، أيْ: فَأثَّرَ فِيها مِن قَوْلِهِمْ: فَأْسٌ وقِيعٌ، أيْ: مُجَرَّدٌ. انْتَهى. و﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يَعُمُّ سِحْرَ السَّحَرَةِ وسَعْيَ فِرْعَوْنَ وشِيعَتِهِ.
﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾، أيْ: غُلِبَ جَمِيعُهم في مَكانِ اجْتِماعِهِمْ، أوْ ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿وانْقَلَبُوا﴾ أذِلّاءَ، وذَلِكَ أنَّ الِانْقِلابَ إنْ كانَ قَبْلَ إيمانِ السَّحَرَةِ فَهم شُرَكاؤُهم في ضَمِيرِ (انْقَلَبُوا) وإنْ كانَ بَعْدَ الإيمانِ فَلَيْسُوا داخِلِينَ في الضَّمِيرِ ولا لِحَقَهم صَغارٌ يَصِفُهُمُ اللَّهُ بِهِ؛ لِأنَّهم آمَنُوا واسْتَشْهَدُوا، وهَذا إذا كانَ الِانْقِلابُ حَقِيقَةً أمّا إذا لُوحِظَ فِيهِ مَعْنى الصَّيْرُورَةِ فالضَّمِيرُ في ﴿وانْقَلَبُوا﴾ شامِلٌ لِلسَّحَرَةِ، وغَيْرِهِمْ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: وصارُوا أذِلّاءَ مَبْهُوتِينَ.
﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ لَمّا كانَ الضَّمِيرُ قَبْلُ مُشْتَرِكًا جُرِّدَ المُؤْمِنُونَ وأُفْرِدُوا بِالذِّكْرِ، والمَعْنى: خَرُّوا سُجَّدًا كَأنَّما ألْقاهم مُلْقٍ لِشِدَّةِ خَرُورِهِمْ، وقِيلَ: لَمْ يَتَمالَكُوا مِمّا رَأوْا فَكَأنَّهم ألْقَوْا، وسُجُودُهم كانَ لِلَّهِ تَعالى لَمّا رَأوْا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فَتَيَقَّنُوا نُبُوَّةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - واسْتَعْظَمُوا هَذا النَّوْعَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: ألْقاهُمُ اللَّهُ سُجَّدًا سَبَّبَ لَهم مِنَ الهُدى ما وقَعُوا بِهِ ساجِدِينَ، وقِيلَ: سَجَدُوا مُوافَقَةً لِمُوسى وهارُونَ فَإنَّهُما سَجَدا لِلَّهِ شُكْرًا عَلى وُقُوعِ الحَقِّ فَوافَقُوهُما إذْ عَرَفُوا الحَقَّ، فَكَأنَّما ألْقَياهم، قالَ قَتادَةُ: كانُوا أوَّلَ النَّهارِ كُفّارًا سَحَرَةً وفي آخِرِهِ شُهَداءَ بَرَرَةً، وقالَ الحَسَنُ: تَراهُ وُلِدَ في الإسْلامِ ونَشَأ بَيْنَ المُسْلِمِينَ يَبِيعُ دِينَهُ بِكَذا وكَذا وهَؤُلاءِ كُفّارٌ نَشَئُوا في الكُفْرِ بَذَلُوا أنْفُسَهم لِلَّهِ تَعالى.
7:121–122Page 165
قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٢١
They said, "We have believed in the Lord of the worlds,
رَبِّ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ١٢٢
The Lord of Moses and Aaron."
﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾، أيْ: ساجِدِينَ قائِلِينَ، فَقالُوا في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ساجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٠]، أوْ مِنَ السَّحَرَةِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَهم مُلْتَبِسُونَ بِالسُّجُودِ لِلَّهِ شُكْرًا عَلى المَعْرِفَةِ والإيمانِ والقَوْلِ المُنْبِئِ عَنِ التَّصْدِيقِ الَّذِي مَحَلُّهُ القُلُوبُ ولَمّا كانَ السُّجُودُ أعْظَمَ القُرْبِ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ بادَرُوا بِهِ مُتَلَبِّسِينَ بِالقَوْلِ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ عِنْدَ القادِرِ عَلَيْهِ، إذِ الدُّخُولُ في الإيمانِ إنَّما يَدُلُّ عَلَيْهِ القَوْلُ وقالُوا رَبَّ العالَمِينَ وِفاقًا لِقَوْلِ مُوسى: إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، ولَمّا كانَ قَدْ يُوهِمُ هَذا اللَّفْظُ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى، كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ: أنا رَبُّكُمُ الأعْلى، نَصُّوا بِالبَدَلِ عَلى أنَّ رَبَّ العالَمِينَ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾، وأنَّهم فارَقُوا فِرْعَوْنَ وكَفَرُوا بِرُبُوبِيَّتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ جَمِيعُ السَّحَرَةِ، وقِيلَ: بَلْ (p-٣٦٥)قالَهُ رُؤَساؤُهم وسَمّى ابْنُ إسْحاقَ مِنهُمُ الرُّؤَساءَ، فَقالَ هم: سابُورُ وعازُورُ وخَطْخَطُ ومُصَفّى، وحَكاهُ ابْنُ ماكُولا أيْضًا، وقالَ مُقاتِلٌ: أكْبُرُهم شَمْعُونَ، وبَدَءُوا بِمُوسى قَبْلَ هارُونَ وإنْ كانَ أكْبَرَ سِنًّا مِن مُوسى قِيلَ بِثَلاثِ سِنِينَ؛ لِأنَّ مُوسى هو الَّذِي ناظَرَ فِرْعَوْنَ وظَهَرَتِ المُعْجِزَتانِ في يَدِهِ وعَصاهُ ولِأنَّ قَوْلَهُ: (وهارُونَ) فاصِلَةٌ، وجاءَ في طه ﴿بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ [طه: ٧٠]؛ لِأنَّ مُوسى فِيها فاصِلَةٌ، ويُحْتَمَلُ وُقُوعُ كُلٍّ مِنهُما مُرَتَّبًا مِن طائِفَةٍ وطائِفَةٍ، فَنَسَبَ فِعْلَ بَعْضٍ إلى المَجْمُوعِ في سُورَةٍ وبَعْضٍ إلى المَجْمُوعِ في سُورَةٍ أُخْرى، قالَ المُتَكَلِّمُونَ: وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى فَضِيلَةِ العِلْمِ؛ لِأنَّهم لَمّا كانُوا كامِلِينَ في عِلْمِ السِّحْرِ عَلِمُوا أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى حَقٌّ خارِجٌ عَنْ جِنْسِ السِّحْرِ ولَوْلا العِلْمُ لَتَوَهَّمُوا أنَّهُ سِحْرٌ، وأنَّهُ أسْحَرُ مِنهم.
7:123–124Page 165
قَالَ فِرۡعَوۡنُ ءَامَنتُم بِهِۦ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَمَكۡرٞ مَّكَرۡتُمُوهُ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لِتُخۡرِجُواْ مِنۡهَآ أَهۡلَهَاۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ١٢٣
Said Pharaoh, "You believed in him1 before I gave you permission. Indeed, this is a conspiracy which you conspired in the city to expel therefrom its people. But you are going to know.
لَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمۡ أَجۡمَعِينَ ١٢٤
I will surely cut off your hands and your feet on opposite sides; then I will surely crucify you all."
﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ قَرَأ حَفْصٌ ﴿آمَنتُمْ﴾ عَلى الخَبَرِ في كُلِّ القُرْآنِ، أيْ: فَعَلْتُمْ هَذا الفِعْلَ الشَّنِيعَ، وبَّخَهم بِذَلِكَ وقَرَّعَهم، وقَرَأ العَرَبِيّانِ ونافِعٌ والبَزِّيُّ بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ ومَدَّةٍ بَعْدَها مُطَوَّلَةٍ في تَقْدِيرِ ألِفَيْنِ إلّا ورْشًا، فَإنَّهُ يُسَهِّلُ الثّانِيَةَ، ولَمْ يُدْخِلْ أحَدٌ ألِفًا بَيْنَ المُحَقَّقَةِ والمُلَيَّنَةِ، وكَذَلِكَ في طه والشُّعَراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ فِيهِنَّ بِالِاسْتِفْهامِ وحَقَّقا الهَمْزَةَ وبَعْدَها ألِفٌ، وقَرَأ قُنْبُلٌ هُنا بِإبْدالِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ واوًا، لِضَمَّةِ نُونِ فِرْعَوْنَ وتَحْقِيقِ الهَمْزَةِ بَعْدَها، أوْ تَسْهِيلِها، أوْ إبْدالِها أوْ إسْكانِها، أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، وقَرَأ في طه مِثْلَ حَفْصٍ وفي الشُّعَراءِ مِثْلَ البَزِّيِّ، هَذا الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ الإنْكارُ والِاسْتِبْعادُ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِمْ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢١]، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى، وفي طه والشُّعَراءِ يَعُودُ في قَوْلِهِ لَهُ عَلى مُوسى لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ [طه: ٧١]، وقِيلَ: آمَنتُ بِهِ وآمَنتُ لَهُ واحِدٌ في قَوْلِهِ: ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى وهَنِ أمْرِهِ؛ لِأنَّهُ إنَّما جَعَلَ ذَنْبَهم بِمُفارَقَةِ الإذْنِ ولَمْ يَجْعَلْهُ نَفْسَ الإيمانِ إلّا بِشَرْطٍ.
﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها﴾، أيْ: صَنِيعُكم هَذا لِحِيلَةٌ احْتَلْتُمُوها أنْتُمْ ومُوسى في مِصْرَ قَبْلَ أنْ تَخْرُجُوا مِنها إلى هَذِهِ الصَّحْراءِ، وتَواطَأْتُمْ عَلى ذَلِكَ لِغَرَضٍ لَكم وهو أنْ تُخْرِجُوا مِنها القِبْطَ وتُسْكِنُوا بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ هَذا تَمْوِيهًا عَلى النّاسِ لِئَلّا يَتَّبِعُوا السَّحَرَةَ في الإيمانِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - اجْتَمَعَ مَعَ رَئِيسِ السَّحَرَةِ شَمْعُونَ فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتَ إنْ غَلَبْتُكم أتُؤْمِنُونَ بِي، فَقالَ لَهُ نَعَمْ فَعَلِمَ بِذَلِكَ فِرْعَوْنُ فَقالَ ما قالَ. انْتَهى. ولَمّا خافَ فِرْعَوْنُ أنْ يَكُونَ إيمانُ السَّحَرَةِ حُجَّةَ قَوْمِهِ ألْقى في الحالِ نَوْعَيْنِ مِنَ الشُّبَهِ أحَدَهُما: إنَّ هَذا تَواطُؤٌ مِنهم لا أنَّ ما جاءَ بِهِ حَقٌّ، والثّانِي: إنَّ ذَلِكَ طَلَبٌ مِنهم لِلْمَلِكِ.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ، ومَفْعُولُ ﴿تَعْلَمُونَ﴾ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما يَحِلُّ بِكم أُبْهِمَ في مُتَعَلِّقِ ﴿تَعْلَمُونَ﴾، ثُمَّ عَيَّنَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ فَقالَ مُقْسِمًا: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ لَمّا ظَهَرَتِ الحُجَّةُ عادَ إلى عادَةِ مُلُوكِ السُّوءِ إذا غُلِبُوا مِن تَعْذِيبِ مَن ناوَأهم وإنْ كانَ مُحِقًّا، ومَعْنى ﴿مِن خِلافٍ﴾، أيْ: يَدٌ يُمْنى ورِجْلٌ يُسْرى والعَكْسُ، قِيلَ: هو أوَّلُ مَن فَعَلَ هَذا، وقِيلَ: المَعْنى مِن أجْلِ الخِلافِ الَّذِي ظَهَرَ مِنكم، والصَّلْبُ التَّعْلِيقُ عَلى الخَشَبِ، وهَذا التَّوَعُّدُ الَّذِي تَوَعَّدَهُ فِرْعَوْنُ السَّحَرَةَ لَيْسَ في القُرْآنِ نَصٌّ عَلى أنَّهُ أنْفَذَهُ وأوْقَعَهُ بِهِمْ، ولَكِنْ رُوِيَ في القِصَصِ أنَّهُ قَطَعَ بَعْضًا وصَلَبَ بَعْضًا وتَقَدَّمَ قَوْلُ قَتادَةَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ، وقَرَأ (p-٣٦٦)مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ المَكِّيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ (لَأقْطَعَنَّ) مُضارِعُ قَطَعَ الثُّلاثِيِّ (لَأصْلُبَنَّكم) مُضارِعُ صَلَبَ الثُّلاثِيِّ بِضَمِّ لامِ (لَأصْلُبَنَّكم) ورُوِيَ بِكَسْرِها، وجاءَ هُنا (ثُمَّ) وفي السُّورَتَيْنِ ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ [طه: ٧١] بِالواوِ فَدَلَّ عَلى أنَّ الواوَ أُرِيدَ بِها مَعْنًى ثُمَّ مِن كَوْنِ الصَّلْبِ بَعْدَ القَطْعِ، والتَّعْدِيَةُ قَدْ يَكُونُ مَعَها مُهْلَةٌ، وقَدْ لا يَكُونُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences