Abu HayyanAl‑A'raf · 7:125–131

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:125–131

7:125Page 165

قَالُوٓاْ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ ١٢٥

They said, "Indeed, to our Lord we will return.

﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ هَذا تَسْلِيمٌ واتِّكالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى وثِقَةٌ بِما عِنْدَهُ، والمَعْنى: إنّا نَرْجِعُ إلى ثَوابِ رَبِّنا يَوْمَ الجَزاءِ عَلى ما نَلْقاهُ مِنَ الشَّدائِدِ، أوْ إنّا نَنْقَلِبُ إلى لِقاءِ رَبِّنا ورَحْمَتِهِ، وخَلاصِنا مِنكَ ومِن لِقائِكَ، أوْ إنّا مَيِّتُونَ مُنْقَلِبُونَ إلى اللَّهِ فَلا نُبالِي بِالمَوْتِ إذْ لا تَقْدِرُ أنْ تَفْعَلَ بِنا إلّا ما لا بُدَّ لَنا مِنهُ، فالِانْقِلابُ الأوَّلُ يَكُونُ المُرادُ بِهِ يَوْمَ الجَزاءِ، وهَذانِ الِانْقِلابانِ المُرادُ بِهِما في الدُّنْيا، ويَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِقَوْلِهِ: (وإنّا) ضَمِيرُ أنْفُسِهِمْ وفِرْعَوْنَ، أيْ: نَنْقَلِبُ إلى اللَّهِ جَمِيعًا فَيَحْكُمَ بَيْنَنا لِقَوْلِهِ: ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا﴾ [الأعراف: ١٢٦] فَإنَّ هَذا الضَّمِيرَ يَخُصُّ مُؤْمِنِي السَّحَرَةِ، والأوْلى اتِّحادُ الضَّمائِرِ، والَّذِي أجازَ هَذا الوَجْهَ هو الزَّمَخْشَرِيُّ، وفي قَوْلِهِمْ ﴿إلى رَبِّنا﴾ تَبَرُّؤٌ مِن فِرْعَوْنَ ومِن رُبُوبِيَّتِهِ، وفي الشُّعَراءِ: لا ضَيْرَ؛ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ اخْتُصِرَتْ فِيها القِصَّةُ واتَّسَعَتْ في الشُّعَراءِ، ذُكِرَ فِيها أحْوالُ فِرْعَوْنَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها فَبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨] وخَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٦] فَوَقَعَ فِيها زَوائِدُ لَمْ تَقَعْ في هَذِهِ السُّورَةِ، ولا في طه. قالَهُ الكِرْمانِيُّ.

﴿وما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا﴾ [الأعراف: ١٢٦] قالَ الضَّحّاكُ: وما تَطْعَنُ عَلَيْنا، وقالَ غَيْرُهُ: وما تَكْرَهُ مِنّا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما تَعِيبُ مِنّا، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما تَعُدُّ عَلَيْنا ذَنْبًا وتُؤاخِذُنا بِهِ وعَلى هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ آمَنّا﴾ [الأعراف: ١٢٦] في مَوْضِعِ المَفْعُولِ ويَكُونُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ مِنَ المَفْعُولِ، وجاءَ هَذا التَّرْكِيبُ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ [المائدة: ٥٩] ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا﴾ [البروج: ٨]، وهَذا الفِعْلُ في لِسانِ العَرَبِ يَتَعَدّى بِعَلى تَقُولُ نَقَمْتُ عَلى الرَّجُلِ أنْقِمُ إذا غَلَبَ عَلَيْهِ، والَّذِي يَظْهَرُ مِن تَعْدِيَتِهِ بِمِن أنَّ المَعْنى وما تَنْقِمُ مِنّا، أيْ: ما تَنالُ مِنّا كَقَوْلِهِ: فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ، أيْ: يَنالُهُ بِمَكْرُوهٍ، ويَكُونُ فَعَلَ وافْتَعَلَ فِيهِ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَقَدَرَ واقْتَدَرَ، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ آمَنّا﴾ [الأعراف: ١٢٦] مُفْعُولًا مِن أجْلِهِ، واسْتِثْناءً مُفَرَّغًا، أيْ: ما تَنالُ مِنّا وتُعَذِّبُنا لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِأنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا وعَلى هَذا المَعْنى يَدُلُّ تَفْسِيرُ عَطاءٍ، قالَ عَطاءٌ: أيْ: ما لَنا عِنْدَكَ ذَنْبٌ تُعَذِّبُنا عَلَيْهِ إلّا أنّا آمَنّا، والآياتُ المُعْجِزاتُ الَّتِي أتى بِها مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن جَعَلَ لَمّا ظَرْفًا جَعَلَ العامِلَ فِيها ﴿أنْ آمَنّا﴾ [الأعراف: ١٢٦] ومَن جَعَلَها حَرْفًا جَعَلَ جَوابَها مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: لَمّا جاءَتْنا آمَنّا، وفي كَلامِهِمْ هَذا تَكْذِيبٌ لِفِرْعَوْنَ في ادِّعائِهِ الرُّبُوبِيَّةَ، وانْسِلاخٌ مِنهم عَنِ اعْتِقادِهِمْ ذَلِكَ فِيهِ والإيمانُ بِاللَّهِ هو أصْلُ المَفاخِرِ والمَناقِبِ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ:

؎ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ

وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأبُو اليُسْرِ هاشِمٌ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (وما تَنْقَمُ) بِفَتْحِ القافِ مُضارِعُ نَقِمَ بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ والأفْصَحُ قِراءَةُ الجُمْهُورِ.

7:126Page 165

وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلَّآ أَنۡ ءَامَنَّا بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتۡنَاۚ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَتَوَفَّنَا مُسۡلِمِينَ ١٢٦

And you do not resent us except because we believed in the signs of our Lord when they came to us. Our Lord, pour upon us patience1 and let us die as Muslims [in submission to You]."

﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ لَمّا أوْعَدَهم بِالقَطْعِ والصَّلْبِ سَألُوا اللَّهَ تَعالى أنْ يَرْزُقَهُمُ الصَّبْرَ عَلى ما يَحُلُّ بِهِمْ إنْ حَلَّ، ولَيْسَ في هَذا السُّؤالِ ما يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ هَذا المُوعَدِ بِهِمْ خِلافًا لِمَن قالَ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ولا في قَوْلِهِ: وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَحُلَّ بِهِمُ المَوْعُودُ خِلافًا لِمَن قالَ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهم سَألُوا اللَّهَ أنْ يَكُونَ تَوَفِّيهِمْ مِن جِهَتِهِ لا بِهَذا القَطْعِ والقَتْلِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى جُمْلَةِ ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ سَألُوا المَوْتَ عَلى الإسْلامِ وهو الِانْقِيادُ إلى دِينِ اللَّهِ وما أمَرَ بِهِ.

﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] .

(p-٣٦٧)قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا آمَنَتِ السَّحَرَةُ اتَّبَعَ مُوسى سِتُّمِائَةِ ألْفٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ مُقاتِلٌ: ومَكَثَ مُوسى بِمِصْرَ بَعْدَ إيمانِ السَّحَرَةِ عامًا، أوْ نَحْوَهُ يُرِيهِمُ الآياتِ، وتَضَمَّنُ قَوْلُ المَلَأِ إغْراءَ فِرْعَوْنَ بِمُوسى وقَوْمِهِ وتَحْرِيضَهُ عَلى قَتْلِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ حَتّى لا يَكُونَ لَهم خُرُوجٌ عَنْ دِينِ فِرْعَوْنَ، ويَعْنِي بِقَوْمِهِ مَنِ اتَّبَعَهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَيَكُونُ الِاسْتِفْهامُ عَلى هَذا اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَعَجُّبٍ، وقِيلَ: هو اسْتِخْبارٌ، والغَرَضُ بِهِ أنْ يَعْلَمُوا ما في قَلْبِ فِرْعَوْنَ مِن مُوسى ومَن آمَنَ بِهِ، قالَ مُقاتِلٌ: والإفْسادُ هو خَوْفُ أنْ يَقْتُلُوا أبْناءَ القِبْطِ ويَسْتَحْيُوا نِساءَهم عَلى سَبِيلِ المُقاصَّةِ مِنهم، كَما فَعَلُوا هم بِبَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: الإفْسادُ دُعاؤُهُمُ النّاسَ إلى مُخالَفَةِ فِرْعَوْنَ وتَرْكِ عِبادَتِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (ويَذَرَكَ) بِالياءِ وفَتْحِ الرّاءِ عَطْفًا عَلى (لِيُفْسِدُوا)، أيْ: لِلْإفْسادِ ولِتَرْكِكَ وتَرْكِ آلِهَتِكَ، وكانَ التَّرْكُ هو لِذَلِكَ وبَدَءُوا أوَّلًا بِالعِلَّةِ العامَّةِ وهي الإفْسادُ، ثُمَّ اتَّبَعُوهُ بِالخاصَّةِ لِيَدُلُّوا عَلى أنَّ ذَلِكَ التَّرْكَ مِن فِرْعَوْنَ لِمُوسى وقَوْمِهِ هو أيْضًا يَئُولُ إلى شَيْءٍ يَخْتَصُّ بِفِرْعَوْنَ قَدَحُوا بِذَلِكَ زَنْدَ تَغَيُّظِهِ عَلى مُوسى وقَوْمِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أبْقى عَلَيْهِمْ إذْ هُمُ الأشْرافُ، وبِتَرْكِ مُوسى وقَوْمِهِ بِمِصْرَ يَذْهَبُ مُلْكُهم وشَرَفُهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النُّصْبُ عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى: أنّى يَكُونُ الجَمْعُ بَيْنَ تَرْكِكَ مُوسى وقَوْمَهُ لِلْإفْسادِ وبَيْنَ تَرْكِهِمْ إيّاكَ وعِبادَةِ آلِهَتِكَ، أيْ: إنَّ هَذا مِمّا لا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ، وقَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ (ويَذَرُكَ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى (أتَذَرُ)، بِمَعْنى أتَذَرُهُ ويَذَرُكَ، أيْ: أتُطْلِقُ لَهُ ذَلِكَ، أوْ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أوْ عَلى الحالِ عَلى تَقْدِيرِ وهو يَذَرُكَ، وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ (ويَذَرْكَ) بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى التَّوَهُّمِ كَأنَّهُ تَوَهَّمَ النُّطْقَ يُفْسِدُوا جَزْمًا عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ كَما قالَ: ﴿فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]، أوْ عَلى التَّخْفِيفِ مِن (ويَذَرَكَ)، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ (ونَذَرُكَ) بِالنُّونِ ورَفْعِ الرّاءِ، تَوَعَّدُوهُ بِتَرْكِهِ وتَرْكِ آلِهَتِهِ، أوْ عَلى مَعْنى الإخْبارِ، أيْ: إنَّ الأمْرَ يَئُولُ إلى هَذا، وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: (في الأرْضِ)، وقَدْ تَرَكُوكَ أنْ يَعْبُدُوكَ (وآلِهَتَكَ)، وقَرَأ الأعْمَشُ، وقَدْ تَرَكَكَ وآلِهَتَكَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (وآلِهَتَكَ) عَلى الجَمْعِ، والظّاهِرُ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ لَهُ آلِهَةٌ يَعْبُدُها، وقالَ سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ: بَلَغَنِي أنَّهُ كانَ يَعْبُدُ البَقَرَ، وقِيلَ: كانَ يَعْبُدُ حَجَرًا يُعَلِّقُهُ في صَدْرِهِ كَياقُوتَةٍ، أوْ نَحْوِها، وقِيلَ: الإضافَةُ هي عَلى مَعْنى أنَّهُ شَرَعَ لَهم عِبادَةَ آلِهَةٍ مِن بَقَرٍ وأصْنامٍ وغَيْرِ ذَلِكَ وجَعَلَ نَفْسَهُ الإلَهَ الأعْلى، فَقَوْلُهُ عَلى هَذا ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] إنَّما هو بِمُناسَبَةٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ سِواهُ مِنَ المَعْبُوداتِ، قِيلَ: كانُوا قِبْطًا يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ ويَزْعُمُونَ أنَّها تَسْتَجِيبُ دُعاءَ مَن دَعاها، وفِرْعَوْنُ كانَ يَدَّعِي أنَّ الشَّمْسَ اسْتَجابَتْ لَهُ ومَلَّكَتْهُ عَلَيْهِمْ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسٌ وجَماعَةٌ غَيْرُهم: (وإلَهَتَكَ) وفَسَّرُوا ذَلِكَ بِأمْرَيْنِ أحَدِهِما: أنَّ المَعْنى وعِبادَتَكَ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مَصْدَرًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ فِرْعَوْنُ يُعْبَدُ ولا يَعْبُدُ، والثّانِي: أنَّ المَعْنى ومَعْبُودَكَ وهي الشَّمْسُ الَّتِي كانَ يَعْبُدُها، والشَّمْسُ تُسَمّى إلَهَةً عَلَمًا عَلَيْها مَمْنُوعَةَ الصَّرْفِ.

7:127–128Page 165

وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوۡمَهُۥ لِيُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَنَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡ وَإِنَّا فَوۡقَهُمۡ قَٰهِرُونَ ١٢٧

And the eminent among the people of Pharaoh said, "Will you leave Moses and his people to cause corruption in the land and abandon you and your gods?" [Pharaoh] said, "We will kill their sons and keep their women alive; and indeed, we are subjugators over them."

قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱللَّهِ وَٱصۡبِرُوٓاْۖ إِنَّ ٱلۡأَرۡضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ ١٢٨

Said Moses to his people, "Seek help through Allāh and be patient. Indeed, the earth belongs to Allāh. He causes to inherit it whom He wills of His servants. And the [best] outcome is for the righteous."

﴿قالَ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهم وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ وإنَّما لَمْ يُعاجِلْ مُوسى وقَوْمَهُ بِالقِتالِ؛ لِأنَّهُ كانَ مَلِيءٌ مِن مُوسى رُعْبًا، والمَعْنى: أنَّهُ قالَ سَنُعِيدُ عَلَيْهِمْ ما كُنّا فَعَلْنا بِهِمْ قَبْلُ مِن قَتْلِ أبْنائِهِمْ لِيَقِلَّ رَهْطُهُ الَّذِينَ يَقَعُ الإفْسادُ بِواسِطَتِهِمْ، والفَوْقِيَّةُ هُنا بِالمَنزِلَةِ والتَّمَكُّنِ في الدُّنْيا و(قاهِرُونَ) يَقْتَضِي تَحْقِيرَهم، أيْ: قاهِرُونَ لَهم قَهْرًا أقَلَّ مِن أنْ نَهْتَمَّ بِهِ فَنَحْنُ عَلى ما كُنّا عَلَيْهِ مِنَ الغَلَبَةِ، أوْ أنَّ غَلَبَةَ مُوسى لا أثَرَ لَها في مُلْكِنا واسْتِيلائِنا، ولِئَلّا يَتَوَهَّمُ العامَّةُ أنَّهُ المَوْلُودُ الَّذِي تَحَدَّثَ المُنَجِّمُونَ عَنْهُ، والكَهَنَةُ بِذَهابِ مُلْكِنا عَلى يَدِهِ فَيُثَبِّطُهم ذَلِكَ عَنْ طاعَتِنا ويَدْعُوهم إلى اتِّباعِهِ وإنَّهُ مُنْتَظَرٌ بَعْدُ وشَدَّدَ (سَنُقَتِّلُ)، (ويُقَتِّلُونَ) الكُوفِيُّونَ (p-٣٦٨)والعَرَبِيّانِ، وخَفَّفَهُما نافِعٌ وخَفَّفَ ابْنُ كَثِيرٍ (سَنَقْتُلُ) وشَدَّدَ (ويُقَتِّلُونَ) .

﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا﴾ لَمّا تَوَعَّدَهم فِرْعَوْنُ جَزِعُوا وتَضَجَّرُوا فَسَكَّنَهم مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأمَرَهم بِالِاسْتِعانَةِ بِاللَّهِ وبِالصَّبْرِ وسَلّاهم ووَعَدَهُمُ النَّصْرَ، وذَكَّرَهم ما وعَدَ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ مِن إهْلاكِ القِبْطِ وتَوْرِيثِهِمْ أرْضَهم ودِيارَهم.

﴿إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ . أيْ: أرْضُ مِصْرَ وألْ فِيهِ لِلْعَهْدِ، وهي الأرْضُ الَّتِي كانُوا فِيها، وقِيلَ: الأرْضُ أرْضُ الدُّنْيا، فَهي عَلى العُمُومِ، وقِيلَ: المُرادُ أرْضُ الجَنَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] وتَعَدّى ﴿اسْتَعِينُوا﴾ هُنا بِالباءِ، وفي ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] بِنَفْسِهِ، وجاءَ: اللَّهُمَّ إنّا نَسْتَعِينُكَ.

﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ قِيلَ: النَّصْرُ والظَّفَرُ، وقِيلَ: الدّارُ الآخِرَةُ، وقِيلَ: السَّعادَةُ والشَّهادَةُ، وقِيلَ: الجَنَّةُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخاتِمَةُ المَحْمُودَةُ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ مِنهم ومِنَ القِبْطِ وإنَّ المَشِيئَةَ مُتَناوِلَةٌ لَهم. انْتَهى. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ ﴿يُورِثُها﴾ بِفَتْحِ الرّاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ ﴿يُورِثُها﴾ بِتَشْدِيدِ الرّاءِ عَلى المُبالَغَةِ ورُوِيَتْ عَنْ حَفْصٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيٌّ (والعاقِبَةَ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى (أنَّ الأرْضَ) وفي وعْدِ مُوسى تَبْشِيرٌ لِقَوْمِهِ بِالنَّصْرِ وحُسْنِ الخاتِمَةِ، ونَتِيجَةُ طَلَبِ الإعانَةِ تَوْرِيثُ الأرْضِ لَهم، ونَتِيجَةُ الصَّبْرِ العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ والنَّصْرُ عَلى مَن عاداهم، فَلِذَلِكَ كانَ الأمْرُ بِشَيْئَيْنِ يَنْتِجُ عَنْهُما شَيْئانِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ أُخْلِيتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَنِ الواوِ وأُدْخِلَتْ عَلى الَّذِي قَبْلَها ؟ قُلْتُ: هي جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وأمّا ﴿وقالَ المَلَأُ﴾ فَمَعْطُوفَةٌ عَلى ما سَبَقَها مِن قَوْلِهِ: ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ [الأعراف: ١٠٩] . انْتَهى.

7:129Page 165

قَالُوٓاْ أُوذِينَا مِن قَبۡلِ أَن تَأۡتِيَنَا وَمِنۢ بَعۡدِ مَا جِئۡتَنَاۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُهۡلِكَ عَدُوَّكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ ١٢٩

They said, "We have been harmed before you came to us and after you have come to us." He said, "Perhaps your Lord will destroy your enemy and grant you succession in the land and see how you will do."

﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾، أيْ: بِابْتِلائِنا بِذَبْحِ أبْنائِنا مَخافَةَ ما كانَ يَتَوَقَّعُ فِرْعَوْنُ مِن هَلاكِ مُلْكِهِ عَلى يَدِ المَوْلُودِ الَّذِي يُولَدُ مِنّا ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن قَبْلِ مَوْلِدِ مُوسى إلى أنِ اسْتَنْبَأ ﴿ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ إعادَةُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وزادَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما كانُوا يُسْتَعْبَدُونَ ويُمْتَهَنُونَ فِيهِ مِن أنْواعِ الخَدَمِ والمِهَنِ ويُمَسُّونَ بِهِ مِنَ العَذابِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي مِن بَعْدِ مَجِيئِهِ يَعْنُونَ بِهِ وعِيدَ فِرْعَوْنَ وسائِرَ ما كانَ خِلالَ تِلْكَ المُدَّةِ مِنَ الإخافَةِ لَهم، وقالَ الحَسَنُ: بِأخْذِ الجِزْيَةِ مِنهم قَبْلَ بَعْثِ مُوسى إلَيْهِمْ وبَعْدَ بَعْثِهِ ما زادَ عَلى ذَلِكَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: كانُوا يَضْرِبُونَ لَهُ اللَّبِنَ ويُعْطِيهِمُ التِّبْنَ، فَلَمّا جاءَ مُوسى غَرَّمَهُمُ التِّبْنَ، وكانَ النِّساءُ يَغْزِلْنَ لَهُ الكَتّانَ ويَنْسِجْنَهُ، وقالَ جَرِيرٌ: اسْتَسْخَرَهم مِن قَبْلِ إتْيانِ مُوسى في أوَّلِ النَّهارِ إلى نِصْفِ النَّهارِ فَلَمّا جاءَ مُوسى اسْتَسْخَرَهُمُ النَّهارَ كُلَّهُ بِلا طَعامٍ ولا شَرابٍ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى مِن قَبْلِ بِالِاسْتِعْبادِ وقَتْلِ الأوْلادِ ومِن بَعْدُ بِالتَّهْدِيدِ والإبْعادِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ، وقِيلَ: مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا بِعَهْدِ اللَّهِ بِالخَلاصِ ﴿ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ بِهِ قالُوهُ في مَعْرِضِ الشَّكْوى مِن فِرْعَوْنَ واسْتِعانَةً عَلَيْهِ بِمُوسى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ: قالُوا ذَلِكَ حِينَ اتَّبَعَهم واضْطَرَّهم إلى البَحْرِ فَضاقَتْ صُدُورُهم ورَأوْا بَحْرًا أمامَهم وعَدُوًّا كَثِيفًا وراءَهم لَمّا أسْرى بِهِمْ مُوسى حَتّى هَجَمُوا عَلى البَحْرِ التَفَتُوا فَإذا هم بِرَهْجِ دَوابِّ فِرْعَوْنَ، فَقالُوا هَذِهِ المَقالَةَ وقالُوا هَذا البَحْرُ أمامَنا، وهَذا فِرْعَوْنُ وراءَنا قَدْ رَهِقَنا بِمَن مَعَهُ. انْتَهى. وهَذا القَوْلُ فِيهِ بُعْدٌ، وسِياقُ الآياتِ يَدُلُّ عَلى التَّرْتِيبِ، وقَدْ جاءَ بَعْدَ هَذِهِ ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠]، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو كَلامٌ يَجْرِي عَلى المَعْهُودِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِنِ اضْطِرابِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ وقِلَّةِ يَقِينِهِمْ وصَبْرِهِمْ عَلى الدِّينِ. انْتَهى. قِيلَ: ولا يَدُلُّ قَوْلُهم ذَلِكَ عَلى كَراهَةِ مَجِيءِ مُوسى؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلى الكُفْرِ وإنَّما قالُوهُ؛ لِأنَّهُ كانَ وعَدَهم بِزَوالِ المَضارِّ، فَظَنُّوا أنَّها نُزُولٌ عَلى الفَوْرِ، فَقَوْلُهم ذَلِكَ اسْتِعْطافٌ لا نَفْرَةٌ.

* *

﴿قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (p-٣٦٩)هَذا رَجاءٌ مِن نَبِيِّ اللَّهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ومِثْلُهُ مِنَ الأنْبِياءِ يُقَوِّي قُلُوبَ أتْباعِهِمْ فَيَصْبِرُونَ إلى وُقُوعِ مُتَعَلِّقِ الرَّجاءِ، ولا تَنافِيَ بَيْنَ هَذا الرَّجاءِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] مِن حَيْثُ إنَّ الرَّجاءَ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِحُصُولِ مُتَعَلِّقِهِ، والإخْبارُ بِأنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ واقِعٌ لا مَحالَةَ؛ لِأنَّ العاقِبَةَ إنْ كانَتْ في الآخِرَةِ فَظاهِرٌ جِدًّا عَدَمُ التَّنافِي، وإنْ كانَتْ في الدُّنْيا فَلَيْسَ فِيها تَصْرِيحٌ بِعاقِبَةِ هَؤُلاءِ القَوْمِ المَخْصُوصِينَ، فَسَلَكَ مُوسى طَرِيقَ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ وساقَ الكَلامَ مَساقَ الرَّجاءِ، وقالَ التِّبْرِيزِيُّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَدْ أوْحى بِذَلِكَ إلى مُوسى فَعَسى لِلتَّحْقِيقِ، أوْ لَمْ يُوحِ فَيَكُونُ عَلى التَّرَجِّي مِنهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَصْرِيحٌ بِما رَمَزَ إلَيْهِ مِنَ البِشارَةِ قَبْلُ، وكَشْفٌ عَنْهُ، وهو إهْلاكُ فِرْعَوْنَ واسْتِخْلافُهم بَعْدَهُ في أرْضِ مِصْرَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واسْتِعْطافُ مُوسى لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ ووَعْدُهُ لَهم بِالِاسْتِخْلافِ في الأرْضِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَسْتَدْعِي نُفُوسًا نافِرَةً، ويُقَوِّي هَذا الظَّنَّ في جِهَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وسُلُوكُهم هَذا السَّبِيلَ في غَيْرِ قِصَّةٍ، والأرْضِ هُنا أرْضُ مِصْرَ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ هَذا الرَّجاءِ بِوُقُوعِ مُتَعَلِّقِهِ فَأغْرَقَ فِرْعَوْنَ ومَلَّكَهم مِصْرَ وماتَ داوُدُ وسُلَيْمانُ، وقِيلَ: أرْضُ الشّامِ فَقَدْ فَتَحُوا بَيْتَ المَقْدِسِ مَعَ يُوشَعَ ومَلَكُوا الشّامَ وماتَ داوُدُ وسُلَيْمانَ، ومَعْنى ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾، أيْ: في اسْتِخْلافِكم مِنَ الإصْلاحِ والإفْسادِ، وهي جُمْلَةٌ تَجْرِي مَجْرى البَعْثِ والتَّحْرِيضِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وفي الحَدِيثِ: «إنَّ الدُّنْيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وإنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكم فِيها فَناظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ»، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَيَرى الكائِنَ مِنكم مِنَ العَمَلِ حَسَنِهِ وقَبِيحِهِ وشُكْرِ النِّعْمَةِ وكُفْرانِها لِيُجازِيَكم عَلى حَسَبِ ما يُوجَدُ مِنكم. انْتَهى. وفِيهِ تَلْوِيحُ الِاعْتِزالِ. ودَخَلَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وهو أحَدُ كِبارِ المُعْتَزِلَةِ وزُهّادِهِمْ عَلى المَنصُورِ ثانِي خُلَفاءِ بَنِي العَبّاسِ قَبْلَ الخِلافَةِ وعَلى مائِدَتِهِ رَغِيفٌ، أوْ رَغِيفانِ، وطَلَبَ زِيادَةً لِعَمْرٍو فَلَمْ تُوجَدْ فَقَرَأ عَمْرٌو هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْدَ ما اسْتَخْلَفَ، فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، وقالَ: قَدْ بَقِيَ ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ .

7:130Page 165

وَلَقَدۡ أَخَذۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ ١٣٠

And We certainly seized1 the people of Pharaoh with years of famine and a deficiency in fruits that perhaps they would be reminded.

﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ الأخْذُ: التَّناوُلُ بِاليَدِ ومَعْناهُ هُنا الِابْتِلاءُ في المُدَّةِ الَّتِي كانَ أقامَ بَيْنَهم مُوسى يَدْعُوهم إلى اللَّهِ، ومَعْنى بِالسِّنِينَ: بِالقُحُوطِ والجُدُوبِ، والسَّنَةُ تُطْلَقُ عَلى الحَوْلِ وتُطْلَقُ عَلى الجَدْبِ ضِدُّ الخِصْبِ وبِهَذا المَعْنى تَكُونُ مِنَ الأسْماءِ الغالِبَةِ كالنَّجْمِ والدَّبَرانِ، وقَدِ اشْتَقُّوا مِنها بِهَذا المَعْنى فَقالُوا أسْنَتَ القَوْمُ إذا أجْدَبُوا، ومِنهُ قَوْلُهُ:

؎ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافُ

وقالَ حاتِمٌ:

؎فَإنّا نُهِينُ المالَ مِن غَيْرِ ضِنَّةٍ ∗∗∗ ولا يَشْتَكِينا في السِّنِينَ ضَرِيرُها

وفِي سِنِينَ لُغَتانِ أشْهُرُهُما إعْرابُها بِالواوِ رَفْعًا والياءِ جَرًّا ونَصْبًا، وقَدْ تَكَلَّفَ النُّحاةُ عِلَّةً لِكَوْنِها جُمِعَتْ هَذا الجَمْعَ، والأُخْرى جَعْلُ الإعْرابِ في النُّونِ والتِزامُ الياءِ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ، نَقَلَها أبُو زَيْدٍ والفَرّاءُ، وقالَ الفَرّاءُ: هي في هَذِهِ اللُّغَةِ مَصْرُوفَةٌ عِنْدَ بَنِي عامِرٍ، وغَيْرُ مَصْرُوفَةٍ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، والكَلامُ عَلى ذَلِكَ أمْعَنُ في كُتُبِ النَّحْوِ، وكانَ هَذا الجَدَبُ سَبْعَ سِنِينَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: أمّا السُّنُونَ فَكانَتْ لِبادِيَتِهِمْ ومَواشِيهِمْ، وأمّا نَقْصُ الثَّمَراتِ فَكانَ في أمْصارِهِمْ وهَذِهِ سِيرَةُ اللَّهِ في الأُمَمِ يَبْتَلِيها بِالنِّقَمِ لِيَزْدَجِرُوا ويَتَذَكَّرُوا بِذَلِكَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ النِّعَمِ، فَإنَّ الشِّدَّةَ تَجْلِبُ الإنابَةَ والخَشْيَةَ ورِقَّةَ القَلْبِ والرُّجُوعَ إلى طَلَبِ لُطْفِ اللَّهِ وإحْسانِهِ، وكَذا فَعَلَ بِقُرَيْشٍ حِينَ دَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» . ورُوِيَ أنَّهُ يَبِسَ لَهم كُلُّ شَيْءٍ حَتّى نِيلُ مِصْرَ، ونُقِصُوا مِنَ الثَّمَراتِ حَتّى كانَتِ النَّخْلَةُ تَحْمِلُ الثَّمَرَةَ الواحِدَةَ، ومَعْنى ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ رَجاءٌ لِتَذَكُّرِهم وتَنَبُّهِهِمْ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِابْتِلاءَ إنَّما هو لِإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ وتَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ فَيَزْدَجِرُوا.

7:131Page 166

فَإِذَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَٰذِهِۦۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةٞ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓۗ أَلَآ إِنَّمَا طَٰٓئِرُهُمۡ عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ١٣١

But when good [i.e., provision] came to them, they said, "This is ours [by right]." And if a bad [condition] struck them, they saw an evil omen in Moses and those with him. Unquestionably, their fortune is with Allāh, but most of them do not know.

(p-٣٧٠)﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ ابْتُلُوا بِالجَدْبِ ونَقْصِ الثَّمَراتِ رَجاءَ التَّذْكِيرِ فَلَمْ يَقَعِ المَرْجُوُّ وصارُوا إذا أخْصَبُوا وصَحُّوا قالُوا: نَحْنُ أحِقّاءُ بِذَلِكَ، وإذا أصابَهم ما يَسُوءُهم تَشاءَمُوا بِمُوسى وزَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِهِ، واللّامُ في (لَنا) قِيلَ لِلِاسْتِحْقاقِ كَما تَقُولُ السَّرْجُ لِلْفَرَسِ وتَشاؤُمُهم بِمُوسى ومَن مَعَهُ مَعْناهُ أنَّهُ لَوْلا كَوْنُهم فِينا لَمْ يُصِبْنا كَما قالَ الكُفّارُ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذِهِ مِن عِنْدِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨] وأتى الشَّرْطُ بِإذا في مَجِيءِ الحَسَنَةِ وهي لِما تَيَقَّنَ وُجُودُهُ؛ لِأنَّ إحْسانَ اللَّهِ هو المَعْهُودُ الواسِعُ العامُّ لِخَلْقِهِ بِحَيْثُ إنَّ إحْسانَهُ لِخَلْقِهِ عامٌّ حَتّى في حالِ الِابْتِلاءِ، وأتى الشَّرْطُ بِإنْ في إصابَةِ السَّيِّئَةِ وهي لِلْمُمْكِنِ إبْرازًا أنَّ إصابَةَ السَّيِّئَةِ مِمّا قَدْ يَقَعُ، وقَدْ لا يَقَعُ، وجْهُهُ رَحْمَةُ اللَّهِ أوْسَعُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ قِيلَ ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ﴾ بِإذا وتَعْرِيفِ الحَسَنَةِ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ بِإنْ وتَنْكِيرِ السَّيِّئَةِ قُلْتُ: لِأنَّ جِنْسَ الحَسَنَةِ وُقُوعُهُ كالواجِبِ لِكَثْرَتِهِ واتِّساعِهِ، وأمّا السَّيِّئَةُ فَلا تَقَعُ إلّا في النُّدْرَةِ، ولا يَقَعُ إلّا يَسِيرٌ مِنها ومِنهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: وقَدْ عَدَدْتَ أيّامَ البَلاءِ فَهَلّا عَدَدْتَ أيّامَ الرَّخاءِ. انْتَهى. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: تَطَيَّرُوا بِالتّاءِ وتَخْفِيفِ الطّاءِ فِعْلًا ماضِيًا، وهو جَوابُ ﴿وإنْ تُصِبْهُمْ﴾، وهَذا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مَخْصُوصٌ بِالشِّعْرِ أعْنِي أنْ يَكُونَ فِعْلُ الشَّرْطِ مُضارِعًا وفِعْلُ الجَزاءِ ماضِيَ اللَّفْظِ نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎مَن يَكِدْنِي بِسَيِّئٍ كُنْتُ مِنهُ كالشَّجى بَيْنَ حَلْقِهِ والوَرِيدِ

وبَعْضُ النَّحْوِيِّينَ يُجَوِّزُهُ في الكَلامِ وما رُوِيَ مِن أنْ مُجاهِدًا قَرَأ تَشاءَمُوا مَكانَ تَطَيَّرُوا فَيَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى التَّفْسِيرِ لا عَلى أنَّهُ قُرْآنٌ لِمُخالَفَتِهِ سَوادَ المُصْحَفِ.

* *

﴿ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (طائِرُهم) ما يُصِيبُهم، أيْ: ما طارَ لَهم في القَدَرِ مِمّا هم لاقُوهُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن زَجْرِ الطَّيْرِ، سُمِّيَ ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ القَدَرِ لِلْإنْسانِ طائِرًا لَمّا كانَ يُعْتَقَدُ أنَّ كُلَّ ما يُصِيبُهُ إنَّما هو بِحَسَبِ ما يَراهُ في الطّائِرِ فَهي لَفْظَةٌ مُسْتَعارَةٌ. قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: سَبَبُ خَيْرِهِمْ وشَرِّهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وهو حُكْمُهُ ومَشِيئَتُهُ، واللَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَشاءُ ما يُصِيبُهم مِنَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ، ولَيْسَ شُؤْمُ أحَدِهِمْ ولا يُمْنُهُ بِسَبَبٍ فِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ألا إنَّما سَبَبُ شُؤْمِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ وهو عَمَلُهُمُ المَكْتُوبُ عِنْدَهُ يَجْرِي عَلَيْهِمْ ما يَسُوءُهم لِأجْلِهِ ويُعاقَبُونَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ بِما وعَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ [غافر: ٤٦] الآيَةَ ولا طائِرَ أشْأمُ مِن هَذا، وقَرَأ الحَسَنُ ألا إنَّما طَيْرُهم وحَكَمَ بِنَفْيِ العِلْمِ عَنْ أكْثَرِهِمْ؛ لِأنَّ القَلِيلَ مِنهم عَلِمَ كَمُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ وآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنَّ كَوْنَ الضَّمِيرِ في طائِرِهِمْ لِضَمِيرِ العالَمِ، ويَجِيءُ تَخْصِيصُ الأكْثَرِ عَلى ظاهِرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ و﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهُمْ﴾ لَيْسَ قَرِيبًا أنْ يُعْلَمَ لِانْغِمارِهِمْ في الجَهْلِ وعَلى هَذا فِيهِمْ قَلِيلٌ مُعَدٌّ لِأنْ يَعْلَمَ لَوْ وفَّقَهُ اللَّهُ. انْتَهى. وهُما احْتِمالانِ بَعِيدانِ وأبْعَدُ مِنهُ قَوْلُهُ: وإمّا أنْ يُرادَ الجَمْعُ وتَجُوزُ في العِبارَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском