Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:138–142
7:138–139Page 167
وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتَوۡاْ عَلَىٰ قَوۡمٖ يَعۡكُفُونَ عَلَىٰٓ أَصۡنَامٖ لَّهُمۡۚ قَالُواْ يَٰمُوسَى ٱجۡعَل لَّنَآ إِلَٰهٗا كَمَا لَهُمۡ ءَالِهَةٞۚ قَالَ إِنَّكُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ ١٣٨
And We took the Children of Israel across the sea; then they came upon a people intent in devotion to [some] idols of theirs. They [the Children of Israel] said, "O Moses, make for us a god just as they have gods." He said, "Indeed, you are a people behaving ignorantly.
إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ مُتَبَّرٞ مَّا هُمۡ فِيهِ وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٣٩
Indeed, those [worshippers] - destroyed is that in which they are [engaged], and worthless is whatever they were doing."
﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ لَمّا بَيَّنَ أنْواعَ نِعَمِهِ تَعالى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِإهْلاكِ عَدُوِّهِمْ أتْبَعَ بِالنِّعْمَةِ العُظْمى مِن إراءَتِهِمْ هَذِهِ الآيَةَ العَظِيمَةَ وقَطْعِهِمُ البَحْرَ مَعَ السَّلامَةِ، والبَحْرُ بَحْرُ القُلْزُمِ، وأخْطَأ مَن قالَ إنَّهُ نِيلُ مِصْرَ ومَعْنى (جاوَزْنا) قَطَعْنا بِهِمُ البَحْرَ يُقالُ جاوَزَ الوادِيَ إذا قَطَعَهُ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ يُقالُ جاوَزَ الوادِيَ إذا قَطَعَهُ، وجاوَزَ بِغَيْرِهِ البَحْرَ عَبَرَ بِهِ فَكَأنَّهُ قالَ وجُزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ، أيْ: أجَزْناهُمُ البَحْرَ، وفاعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ المُجَرَّدِ يُقالُ: جاوَزَ وجازَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَرَأ الحَسَنُ وإبْراهِيمُ، وأبُو رَجاءٍ ويَعْقُوبُ (وجَوَّزْنا) وهو مِمّا جاءَ فِيهِ فَعَّلَ بِمَعْنى فَعَلَ المُجَرَّدِ نَحْوُ قَدَّرَ وقَدَرَ، ولَيْسَ التَّضْعِيفُ لِلتَّعْدِيَةِ، رُوِيَ أنَّهُ عَبَرَ بِهِمْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَوْمَ عاشُوراءَ بَعْدَما أهْلَكَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ فَصامُوا شُكْرًا لِلَّهِ، وأُعْطِيَ مُوسى التَّوْراةَ يَوْمَ النَّحْرِ فَبَيْنَ الأمْرَيْنِ أحَدَ عَشَرَ شَهْرًا.
* *
﴿فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ﴾ قالَ قَتادَةُ، وأبُو عَمْرٍو الجَوْنِيُّ: هم مِن لَخْمٍ وجُذامٍ كانُوا يَسْكُنُونَ الرِّيفَ، وقِيلَ: كانُوا نُزُولًا بِالرِّقَّةِ رِقَّةِ مِصْرَ، وهي قَرْيَةٌ بِرِيفِ مِصْرَ تُعْرَفُ بِساحِلِ البَحْرِ يُتَوَصَّلُ مِنها إلى الفَيُّومِ، وقِيلَ: هُمُ الكَنْعانِيُّونَ الَّذِينَ أُمِرَ مُوسى بِقِتالِهِمْ ومَعْنى (فَأتَوْا) فَمَرُّوا يُقالُ أتَتْ عَلَيْهِ سُنُونَ، ومَعْنى (يَعْكُفُونَ) يُقِيمُونَ ويُواظِبُونَ عَلى عِبادَةِ أصْنامٍ، وقَرَأ الأخَوانِ، وأبُو عُمَرَ وفي رِوايَةِ عَبْدِ الوارِثِ بِكَسْرِ الكافِ وباقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّها وهُما فَصِيحَتانِ، والأصْنامُ قِيلَ: بَقَرٌ حَقِيقَةً. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ كانَتْ تَماثِيلَ بَقَرٍ مِن حِجارَةٍ وعِيدانٍ ونَحْوِهِ، وذَلِكَ كانَ أوَّلَ فِتْنَةِ العِجْلِ.
* *
﴿قالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ الظّاهِرُ أنَّ طَلَبَ مِثْلِ هَذا كُفْرٌ وارْتِدادٌ وعِنادٌ، جَرَوْا في ذَلِكَ عَلى عادَتِهِمْ في تَعَنُّتِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ وطَلَبِهِمْ ما لا يَنْبَغِي، وقَدْ تَقَدَّمَ مِن كَلامِهِمْ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو كُفْرٌ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (p-٣٧٨)الظّاهِرُ أنَّهُمُ اسْتَحْسَنُوا ما رَأوْا مِن آلِهَةِ أُولَئِكَ القَوْمِ فَأرادُوا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في شَرْعِ مُوسى وفي جُمْلَةِ ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، وإلّا فَبَعِيدٌ أنْ يَقُولُوا لِمُوسى ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ نُفْرِدُهُ بِالعِبادَةِ. انْتَهى وفي الحَدِيثِ: «مَرُّوا في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ عَلى رَوْحِ سِدْرَةٍ خَضْراءَ عَظِيمَةٍ، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لَنا ذاتَ أنْواطٍ» . وكانَتْ ذاتُ أنْواطٍ سَرْحَةً لِبَعْضِ المُشْرِكِينَ يُعَلِّقُونَ بِها أسْلِحَتَهم، ولَها يَوْمٌ يَجْتَمِعُونَ إلَيْها، فَأرادَ قائِلُ ذَلِكَ أنْ يَشْرَعَ الرَّسُولُ ذَلِكَ في الإسْلامِ، ورَأى الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى عِبادَةِ تِلْكَ السَّرْحَةِ فَأنْكَرَهُ، وقالَ: «اللَّهُ أكْبَرُ قُلْتُمْ واللَّهِ كَما قالَ بَنُو إسْرائِيلَ» .
﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ خالِقًا مُدَبِّرًا؛ لِأنَّ الَّذِي يَجْعَلُهُ مُوسى لا يُمْكِنُ أنْ يَجْعَلَهُ خالِقًا لِلْعالَمِ ومُدَبِّرًا، فالأقْرَبُ أنَّهم طَلَبُوا أنْ يُعَيِّنَ لَهم تَماثِيلَ وصُوَرًا، يَتَقَرَّبُونَ بِعِبادَتِها إلى اللَّهِ تَعالى، وقَدْ حُكِيَ عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ قَوْلُهم: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] وأجْمَعَ كُلُّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى أنَّ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ كُفْرٌ سَواءٌ اعْتُقِدَ كَوْنُهُ إلَهًا لِلْعالَمِ، أوْ أنَّ عِبادَتَهُ تُقَرِّبُ إلى اللَّهِ. انْتَهى. ويَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَصْدُرْ مِن جَمِيعِهِمْ فَإنَّهُ كانَ فِيهِمُ السَّبْعُونَ المُخْتارُونَ، ومَن لا يَصْدُرُ مِنهُ هَذا السُّؤالُ الباطِلُ لَكِنَّهُ نُسِبَ ذَلِكَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا وقَعَ مِن بَعْضِهِمْ عَلى عادَةِ العَرَبِ في ذَلِكَ و”ما“ في ”كَما“ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كافَّةٌ لِلْكافِ ولِذَلِكَ وقَعَتِ الجُمْلَةُ بَعْدَها، وقالَ غَيْرُهُ: مَوْصُولَةٌ حَرْفِيَّةٌ، أيْ: كَما ثَبَتَ لَهم آلِهَةٌ فَتَكُونُ قَدْ حُذِفَ صِلَتُها عَلى حَدِّ ما قالَ ابْنُ مالِكٍ في أنَّهُ إذا حُذِفَتْ صِلَةُ ما فَلا بُدَّ مِن إبْقاءِ مَعْمُولِها كَقَوْلِهِمْ: لا أُكَلِّمُكَ ما إنَّ في السَّماءِ نَجْمًا، أيْ: ما ثَبَتَ أنَّ في السَّماءِ نَجْمًا، ويَكُونُ آلِهَةٌ فاعِلًا يُثْبِتُ المَحْذُوفَةَ، وقِيلَ: مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ ولَهم صِلَتُها والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلَيْها مُسْتَكِنٌّ في المَجْرُورِ، والتَّقْدِيرُ: كالَّذِي لَهم وآلِهَةٌ بَدَلٌ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ.
﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ تَعَجَّبَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن قَوْلِهِمْ عَلى أثَرِ ما رَأوْا مِنَ الآياتِ العَظِيمَةِ والمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ، ووَصَفَهم بِالجَهْلِ المُطْلَقِ وأكَّدَهُ بِإنَّ؛ لِأنَّهُ لا جَهْلَ أعْظَمُ مِن هَذِهِ المَقالَةِ، ولا أشْنَعُ وأتى بِلَفْظِ (تَجْهَلُونَ) ولَمْ يَقُلْ جَهِلْتُمْ إشْعارًا بِأنَّ ذَلِكَ مِنهم كالطَّبْعِ والغَرِيزَةِ لا يَنْتَقِلُونَ عَنْهُ في ماضٍ ولا مُسْتَقْبَلٍ.
﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى العاكِفِينَ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ، ومَعْنى مُتَبَّرٌ مُهْلَكٌ مُدَمَّرٌ مُكَسَّرٌ، وأصْلُهُ الكَسْرُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: مُبْطَلٌ، وقالَ أبُو اليَسَعِ: مُضَلَّلٌ، وقالَ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ: مُدَمَّرٌ رَدِيءٌ سَيِّئُ العاقِبَةِ وما هم فِيهِ يَعُمُّ جَمِيعَ أحْوالِهِمْ، وبَطَلُ عَمَلِهِمْ هو اضْمِحْلالُهُ بِحَيْثُ لا يُنْتَفَعُ بِهِ وإنْ كانَ مَقْصُودًا بِهِ التَّقَرُّبُ إلى اللَّهِ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي إيقاعِ (هَؤُلاءِ) اسْمًا لـِ (إنَّ) وتَقْدِيمِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لَها واسْمٌ لِعِبادِهِ بِأنَّهم هُمُ المُعَرَّضُونَ لِلتَّبارِ، وأنَّهُ لا يَعْدُوهُمُ البَتَّةَ وأنَّهُ لَهم ضَرْبَةُ لازِمٍ لِيُحَذِّرَهم عاقِبَةَ ما طَلَبُوا ويُبَغِّضَ لَهم فِيما أحَبُّوا انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ مِن أنَّهُ قَدْ جَزَمَ خَبَرَ المُبْتَدَأِ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لِأنَّ لِأنَّ الأحْسَنَ في (p-٣٧٩)إعْرابِ مِثْلِ هَذا أنْ يَكُونَ خَبَرُ إنَّ مُتَبَّرًا، وما بَعْدَهُ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وكَذَلِكَ (ما كانُوا) هو فاعِلٌ بِقَوْلِهِ (وباطِلٌ) فَيَكُونُ إذْ ذاكَ قَدْ أخْبَرَ عَنِ اسْمِ إنَّ بِمُفْرَدٍ لا جُمْلَةٍ، وهو نَظِيرُ إنَّ زَيْدًا مَضْرُوبٌ غُلامُهُ، فالأحْسَنُ في الإعْرابِ أنْ يَكُونَ غُلامُهُ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ومَضْرُوبٌ خَبَرُ إنَّ، والوَجْهُ الآخَرُ وهو أنْ يَكَوْنَ مُبْتَدَأً ومَضْرُوبٌ خَبَرُهُ جائِزٌ مَرْجُوحٌ.
7:140Page 167
قَالَ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡغِيكُمۡ إِلَٰهٗا وَهُوَ فَضَّلَكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٤٠
He said, "Is it other than Allāh I should desire for you as a god1 while He has preferred you over the worlds?"
﴿قالَ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا وهو فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾ ما أحْسَنَ ما خاطَبَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَدَأهم أوَّلًا بِنِسْبَتِهِمْ إلى الجَهْلِ ثُمَّ ثانِيًا أخْبَرَهم بِأنَّ عُبّادَ الأصْنامِ لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ بَلْ مَآلُ أمْرِهِمْ إلى الهَلاكِ وبُطْلانِ العَمَلِ، وثالِثًا أنْكَرَ وتَعَجَّبَ أنْ يَقَعَ هو عَلَيْهِ السَّلامُ في أنْ يَبْغِيَ لَهم غَيْرَ اللَّهِ إلَهًا أيْ أغَيْرَ المُسْتَحِقِّ لِلْعِبادَةِ والأُلُوهِيَّةِ أطْلُبُ لَكم مَعْبُودًا ؟ وهو الَّذِي شَرَّفَكم واخْتَصَّكم بِالنِّعَمِ الَّتِي لَمْ يُعْطِها مَن سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ لا غَيْرُهُ فَكَيْفَ أبْغِي لَكم إلَهًا غَيْرَهُ، ومَعْنى عَلى العالَمِينَ عَلى عالَمَيْ زَمانِهِمْ أوْ بِكَثْرَةِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ، قالَ ابْنُ القُشَيْرِيِّ: بِإهْلاكِ عَدُوِّهِمْ وبِما خَصَّهم مِنَ الآياتِ، وانْتَصَبَ (غَيْرَ) مَفْعُولًا بِأبْغِيكم أيْ أبْغِي لَكم غَيْرَ اللَّهِ، (وإلَهًا) تَمْيِيزٌ عَنْ (غَيْرَ) أوْ حالٌ أوْ عَلى الحالِ (وإلَهًا) المَفْعُولُ والتَّقْدِيرُ أبْغِي لَكم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ فَكانَ غَيْرُ صِفَةً، فَلَمّا تَقَدَّمَ انْتَصَبَ حالًا، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وغَيْرُ مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ هَذا هو الظّاهِرُ ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الحالِ انْتَهى. ولا يَظْهَرَ نَصْبُهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ لِأنَّ أبْغِي مُفَرِّغٌ لَهُ أوْ لِقَوْلِهِ إلَهًا، فَإنَّ تَخَيُّلَ أنَّهُ مَنصُوبٌ بِـ أبْغِي مُضْمَرَةً يُفَسِّرُها هَذا الظّاهِرُ فَلا يَصِحُّ لِأنَّ الجُمْلَةَ المُفَسِّرَةَ لا رابِطَ فِيها لا مِن ضَمِيرٍ ولا مِن مُلابِسٍ يَرْبُطُها بِغَيْرٍ، فَلَوْ كانَ التَّرْكِيبُ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكُمُوهُ لَصَحَّ، ويَحْتَمِلُ وهو فَضَّلَكم أنْ يَكُونَ حالًا وأنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا.
7:141Page 167
وَإِذۡ أَنجَيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ ١٤١
And [recall, O Children of Israel], when We saved you from the people of Pharaoh, [who were] afflicting you with the worst torment - killing your sons and keeping your women alive. And in that was a great trial from your Lord.
﴿وإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُقَتِّلُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ وقَرَأ الجُمْهُورُ (أنْجَيْناكم) وفِرْقَةٌ (نَجَّيْناكم) مُشَدَّدًا وابْنُ عامِرٍ (أنْجاكم) فَعَلى أنْجاكم يَكُونُ جارِيًا عَلى قَوْلِهِ (وهو فَضَّلَكم) خاطَبَ بِها مُوسى قَوْمَهُ، وفي قِراءَةِ النُّونِ خاطَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: الخِطابُ لِمَن كانَ عَلى عَهْدِ الرَّسُولِ ﷺ تَقْرِيعًا لَهم بِما فَعَلَ أوائِلُهم وبِما جاءُوا بِهِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في أوائِلِ البَقَرَةِ، وقَرَأ نافِعٌ (يَقْتُلُونَ) مِن قَتَلَ والجُمْهُورُ مِن قَتَّلَ مُشَدَّدًا.
7:142Page 167
۞ وَوَٰعَدۡنَا مُوسَىٰ ثَلَٰثِينَ لَيۡلَةٗ وَأَتۡمَمۡنَٰهَا بِعَشۡرٖ فَتَمَّ مِيقَٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَٰرُونَ ٱخۡلُفۡنِي فِي قَوۡمِي وَأَصۡلِحۡ وَلَا تَتَّبِعۡ سَبِيلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ١٤٢
And We made an appointment with Moses for thirty nights and perfected them by [the addition of] ten; so the term of his Lord was completed as forty nights. And Moses said to his brother Aaron, "Take my place among my people, do right [by them],1 and do not follow the way of the corrupters."
﴿وواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ رُوِيَ (p-٣٨٠)أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدَ بَنِي إسْرائِيلَ وهو بِمِصْرَ إنْ أهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّهم أتاهم بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ فِيهِ بَيانُ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُوَنَ، فَلَمّا هَلَكَ فِرْعَوْنُ سَألَ مُوسى رَبَّهُ تَعالى الكِتابَ فَأمَرَهُ بِصَوْمِ ثَلاثِينَ يَوْمًا وهو شَهْرُ ذِي القِعْدَةِ فَلَمّا أتَمَّ الثَّلاثِينَ أنْكَرَ خُلُوفَ فِيهِ فَتَسَوَّكَ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ كُنّا نَشُمُّ مِن فِيكَ رائِحَةَ المِسْكِ فَأفْسَدْتَهُ بِالسِّواكِ، وقِيلَ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أما عَلِمْتَ أنَّ«خُلُوفَ فَمِ الصّائِمِ عِنْدَ اللَّهِ أطْيَبُ مِن رِيحِ المِسْكِ» فَأمَرَهُ أنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ عَشْرَةَ أيّامٍ مِن ذِي الحِجَّةِ لِذَلِكَ، وقِيلَ أمَرَهَ اللَّهُ بِأنْ يَصُومَ ثَلاثِينَ يَوْمًا وأنْ يَعْمَلَ فِيها بِما يُقَرِّبُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ التَّوْراةُ في العَشْرِ وكُلِّمَ فِيها، وأُجْمِلَ ذِكْرُ الأرْبَعِينَ في البَقَرَةِ وفُصِّلَ هُنا، وقالَ الكَلْبِيُّ: لَمّا قَطَعَ مُوسى البَحْرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ وغَرِقَ فِرْعَوْنُ قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى: ائْتِنا بِكِتابٍ مِن رَبِّنا كَما وعَدْتَنا وزَعَمْتَ أنَّكَ تَأْتِينا بِهِ إلى شَهْرٍ فاخْتارَ مُوسى مِن قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا لِيَنْطَلِقُوا مَعَهُ فَلَمّا تَجَهَّزُوا قالَ اللَّهُ تَعالى لِمُوسى أخْبِرْ قَوْمَكَ أنَّكَ لَنْ تَأْتِيَهم أرْبَعِينَ لَيْلَةً، وذَلِكَ حِينَ أُتِمَّتْ بِعَشْرٍ، فَلَمّا خَرَجَ مُوسى بِالسَّبْعِينَ أمَرَهم أنْ يَنْتَظِرُوهُ أسْفَلَ الجَبَلِ وصَعِدَ مُوسى الجَبَلَ وكَلَّمَهُ اللَّهُ أرْبَعِينَ يَوْمًا وأرْبَعِينَ لَيْلَةً، وكَتَبَ لَهُ الألْواحَ ثُمَّ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ عَدُّوا عِشْرِينَ لَيْلَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا، وقالُوا قَدْ أخْلَفَنا مُوسى الوَعْدَ وجَعَلَ لَهُمُ السّامِرِيُّ العِجْلَ فَعَبَدُوهُ، وقِيلَ: زِيدَتِ العَشْرُ بَعْدَ الشَّهْرِ لِلْمُناجاةِ، وقِيلَ: التَفَتَ في طَرِيقِهِ فَزِيدَها، وقِيلَ: زِيدَتْ عُقُوبَةً لِقَوْمِهِ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، وقِيلَ: أُعْلِمَ مُوسى بِمَغِيبِهِ ثَلاثِينَ لَيْلَةً فَلَمّا زادَهُ العَشْرَ في مَغِيبِهِ لَمْ يُعْلَمُوا بِذَلِكَ ووَجَسَتْ نُفُوسُهم لِلزِّيادَةِ عَلى ما أخْبَرَهم فَقالَ السّامِرِيُّ هَلَكَ مُوسى ولَيْسَ بِراجِعٍ، وأضَلَّهم بِالعِجْلِ فاتَّبَعُوهُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وفائِدَةُ التَّفْصِيلِ قالُوا: إنَّ الثَّلاثِينَ لِلتَّهَيُّؤِ لِلْمُناجاةِ والعَشْرَ لِإنْزالِ التَّوْراةِ وتَكْلِيمِهِ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: بادَرَ إلى مِيقاتِ رَبِّهِ قَبْلَ قَوْمِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يامُوسى﴾ [طه: ٨٣] الآيَةَ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ أتى الطُّورَ عِنْدَ تَمامِ الثَّلاثِينَ فَلَمّا أُعْلِمَ بِخَبَرِ قَوْمِهِ مَعَ السّامِرِيِّ رَجَعَ إلى قَوْمِهِ قَبْلَ تَمامِ مُدَّةِ الوَعْدِ ثُمَّ عادَ إلى المِيقاتِ في عَشْرٍ أُخَرَ، قِيلَ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ وعْدانِ أوَّلٌ حَضَرَهُ مُوسى وثانٍ حَضَرَهُ المُخْتارُونَ لِيَسْمَعُوا كَلامَ اللَّهِ فاخْتَلَفَ الوَعْدُ لِاخْتِلافِ الحاضِرِينَ، والثَّلاثُونَ هي شَهْرُ ذِي القَعْدَةِ والعَشْرُ مِن ذِي الحِجَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٌ ومُجاهِدٌ وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ ووَعَدْنا وقالُوا انْتَصَبَ (ثَلاثِينَ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، فَقَدَّرَهُ أبُو البَقاءِ إتْيانَ ثَلاثِينَ أوْ تَمامَ ثَلاثِينَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ (وثَلاثِينَ) نُصِبَ عَلى تَقْدِيرِ أجَّلْناهُ أوْ مُناجاةِ ثَلاثِينَ، ولَيْسَتْ مُنْتَصِبَةً عَلى الظَّرْفِ، والهاءُ في (وأتْمَمْناها) عائِدَةٌ عَلى المُواعَدَةِ المَفْهُومَةِ مِن (واعَدْنا)، وقالَ الحَوْفِيُّ الهاءُ والألِفُ نُصِبا بِأتْمَمْناها، وهُما راجِعَتانِ إلى (ثَلاثِينَ) ولا يَظْهَرُ لِأنَّ الثَّلاثِينَ لَمْ تَكُنْ ناقِصَةً فَتُمِّمَتْ بِعَشْرٍ، وحُذِفَ مُمَيِّزُ عَشْرٍ أيْ عَشْرِ لَيالٍ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ”وتَمَّمْناها“ مُشَدَّدًا، والمِيقاتُ ما وُقِّتَ لَهُ مِنَ الوَقْتِ وضَرْبِهِ لَهُ، وجاءَ بِلَفْظِ رَبِّهِ ولَمْ يَأْتِ عَلى (واعَدْنا) فَكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ فَتَمَّ مِيقاتُنا لِأنَّ لَفْظَ (رَبِّهِ) دالٌّ عَلى أنَّهُ مُصْلِحُهُ وناظِرٌ في أمْرِهِ ومالِكُهُ والمُتَصَرِّفُ فِيهِ، قِيلَ: والفَرْقُ بَيْنَ المِيقاتِ والوَقْتِ أنَّ المِيقاتَ ما قُدِّرَ فِيهِ عَمَلٌ مِنَ الأعْمالِ، والوَقْتُ وقْتُ الشَّيْءِ، وانْتَصَبَ (أرْبَعِينَ) عَلى الحالِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، الحالُ فِيهِ فَقالَ أتى بِـ (تَمَّ) بالِغًا هَذا العَدَدَ فَعَلى هَذا لا يَكُونُ الحالُ (أرْبَعِينَ) بَلِ الحالُ هَذا المَحْذُوفُ فَيُنافِي قَوْلَهُ (وأرْبَعِينَ) لَيْلَةً نُصِبَ عَلى الحالِ.
* *
(p-٣٨١)﴿وقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ولا تَتَبَّعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ وقُرِئَ شاذًّا ”هارُونُ“ بِالضَّمِّ عَلى النِّداءِ، أيْ: يا هارُونُ، أمَرَهُ حِينَ أرادَ المُضِيَّ لِلْمُناجاةِ والمَغِيبِ فِيها أنْ يَكُونَ خَلِيفَتَهُ في قَوْمِهِ وأنْ يُصْلِحَ في نَفْسِهِ أوْ ما يَجِبُ أنْ يُصْلِحَ مِن أمْرِ قَوْمِهِ، ونَهاهُ أنْ يَتَّبِعَ سَبِيلَ مَن أفْسَدَ وفي النَّهْيِ دَلِيلٌ عَلى وُجُودِ المُفْسِدِينَ، ولِذَلِكَ نَهاهُ عَنِ اتِّباعِ سَبِيلِهِمْ، وأمْرُهُ إيّاهُ بِالصَّلاحِ ونَهْيُهُ عَنِ اتِّباعِ سَبِيلِ المُفْسِدِينَ هو عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ لا لِتَوَهُّمِ أنَّهُ يَقَعُ مِنهُ خِلافُ الإصْلاحِ واتِّباعُ تِلْكَ السَّبِيلِ؛ لِأنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، ومَعْنى (اخْلُفْنِي) اسْتَبِدَّ بِالأمْرِ، وذَلِكَ في حَياتِهِ إذْ راحَ إلى مُناجاةِ رَبِّهِ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّكَ تَكُونُ خَلِيفَتِي بَعْدَ مَوْتِي ألا تَرى أنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ ماتَ قَبْلَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، ولَيْسَ في قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ لِعَلِيٍّ «أنْتَ مِنِّي كَهارُونَ مِن مُوسى» دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ خَلِيفَتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ إذْ لَمْ يَكُنْ هارُونُ خَلِيفَةً بَعْدَ مَوْتِ مُوسى وإنَّما اسْتَخْلَفَ الرَّسُولُ عَلِيًّا عَلى أهْلِ بَيْتِهِ إذْ سافَرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في بَعْضِ مَغازِيهِ، كَما اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلى المَدِينَةِ فَلَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَكُونُ خَلِيفَةً بَعْدَ مَوْتِ الرَّسُولِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences