Abu HayyanAl‑A'raf · 7:151–155

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:151–155

7:151–153Page 169

قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَلِأَخِي وَأَدۡخِلۡنَا فِي رَحۡمَتِكَۖ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١٥١

[Moses] said, "My Lord, forgive me and my brother and admit us into Your mercy, for You are the most merciful of the merciful."

إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ سَيَنَالُهُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَذِلَّةٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُفۡتَرِينَ ١٥٢

Indeed, those who took the calf [for worship] will obtain anger from their Lord and humiliation in the life of this world, and thus do We recompense the inventors [of falsehood].

وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِهَا وَءَامَنُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٥٣

But those who committed misdeeds and then repented after them and believed - indeed your Lord, thereafter, is Forgiving and Merciful.

(p-٣٩٧)﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ . لَمّا اعْتَذَرَ إلَيْهِ أخُوهُ اسْتَغْفَرَ لِنَفْسِهِ ولَهُ، قالُوا: واسْتِغْفارُهُ لِنَفْسِهِ بِسَبَبِ فِعْلَتِهِ مَعَ أخِيهِ، وعَجَلَتِهِ في إلْقاءِ الألْواحِ، واسْتِغْفارُهُ لِأخِيهِ مِن فِعْلَتِهِ في الصَّبْرِ لِبَنِي إسْرائِيلَ، قالُوا: ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِغْفارُ مِمّا لا يَعْلَمُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا اعْتَذَرَ إلَيْهِ أخُوهُ، وذَكَرَ شَماتَةَ الأعْداءِ، ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي﴾ لِيُرْضِيَ أخاهُ ويُظْهِرَ لِأهْلِ الشَّماتَةِ رِضاهُ عَنْهُ، فَلا تَتِمُّ لَهم شَماتَتُهم، واسْتَغْفَرَ لِنَفْسِهِ مِمّا فَرَطَ مِنهُ إلى أخِيهِ، ولِأخِيهِ أنْ عَسى فَرَّطَ في حِينِ الخِلافَةِ، وطَلَبَ أنْ لا يَتَفَرَّقا عَنْ رَحْمَتِهِ، ولا تَزالَ مُتَضَمِّنَةً لَهُما في الدُّنْيا والآخِرَةِ، انْتَهى، وقَوْلُهُ: ولِأخِيهِ أنْ عَسى فَرَّطَ، إنْ كانَتْ أنْ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ فَتَكُونُ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ ويُقَرِّبُ مَعْناهُ، وإنْ كانَتْ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فَتَكُونُ لِلشَّرْطِ، ولا يَصِحُّ إذْ ذاكَ دُخُولُها عَلى عَسى؛ لِأنَّ أدَواتِ الشَّرْطِ لا تَدْخُلُ عَلى الفِعْلِ الجامِدِ.

﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ . الظّاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى إخْبارًا عَمّا يَنالُ عُبّادَ العِجْلِ ومُخاطَبَةً لِمُوسى بِما يَنالُهم. وقِيلَ: هو مِن بَقِيَّةِ كَلامِ مُوسى إلى قَوْلِهِ: ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ﴾ [العنكبوت: ٢٥] وأصْدَقَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ والأوَّلُ الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ في نَسَقٍ واحِدٍ مَعَ الكَلامِ قَبْلَهُ والمَعْنى اتَّخَذُوهُ إلاهًا لِقَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَـذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى﴾ [طه: ٨٨]، قِيلَ: والغَضَبُ في الآخِرَةِ والذِّلَّةُ في الدُّنْيا، وهم فِرْقَةٌ مِنَ اليَهُودِ أُشْرِبُوا حُبَّ العِجْلِ فَلَمْ يَتُوبُوا، وقِيلَ: هم مَن ماتَ مِنهم قَبْلَ رُجُوعِ مُوسى مِنَ المِيقاتِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو ما أُمِرُوا بِهِ مِن قَتْلِ أنْفُسِهِمْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والذِّلَّةُ خُرُوجُهم مِن دِيارِهِمْ؛ لِأنَّ ذُلَّ الغُرْبَةِ مَثَلٌ مَضْرُوبٌ، انْتَهى، ويَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: اسْتِمْرارُ انْقِطاعِهِمْ عَنْ دِيارِهِمْ لِأنَّ خُرُوجَهم كانَ سَبَقَ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، وقالَ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: هو في قَتْلِ بَنِي قُرَيْظَةَ وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ؛ لِأنَّهم تَوَلَّوْا مُتَّخِذِي العِجْلِ، وقِيلَ: ما نالَ أوْلادُهم عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ السَّبْيِ والجَلاءِ والجِزْيَةِ وغَيْرِها، وجَمَعَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: هو ما نالَ أبْناءَهم وهم بَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ مِن غَضَبِ اللَّهِ تَعالى بِالقَتْلِ والجَلاءِ، ومِنَ الذِّلَّةِ بِضَرْبِ الجِزْيَةِ، انْتَهى، والغَضَبُ إنْ أُخِذَ بِمَعْنى الإرادَةِ فَهو صِفَةُ ذاتٍ، أوْ بِمَعْنى العُقُوبَةِ فَهو صِفَةُ فِعْلٍ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: سَيَنالُهم، وكَذَلِكَ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ النَّيْلِ مِنَ الغَضَبِ والذِّلَّةِ نَجْزِي مَنِ افْتَرى الكَذِبَ عَلى اللَّهِ، وأيُّ افْتِراءٍ أعْظَمُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى﴾ [طه: ٨٨] والمُفْتَرِينَ عامٌّ في كُلِّ مُفْتَرٍ، وقالَ أبُو قِلابَةَ ومالِكٌ وسُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُلُّ صاحِبِ بِدْعَةٍ أوْ فِرْيَةٍ ذَلِيلٌ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِالآيَةِ.

﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها وآمَنُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، السَّيِّئاتِ هي الكُفْرُ والمَعاصِي غَيْرَهُ: ثُمَّ تابُوا أيْ رَجَعُوا إلى اللَّهِ، ﴿مِن بَعْدِها﴾ أيْ مِن بَعْدِ عَمَلِ السَّيِّئاتِ وآمَنُوا دامُوا عَلى إيمانِهِمْ وأخْلَصُوا فِيهِ، أوْ تَكُونُ الواوُ حالِيَّةً، أيْ وقَدْ آمَنُوا ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ أيْ مِن بَعْدِ عَمَلِ السَّيِّئاتِ، هَذا هو الظّاهِرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في: مِن بَعْدِها عائِدًا عَلى التَّوْبَةِ، أيْ: إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِ تَوْبَتِهِمْ، فَيَعُودُ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ثُمَّ تابُوا وهَذا عِنْدِي أوْلى لِأنَّكَ إذا جَعَلْتَ (p-٣٩٨)الضَّمِيرَ عائِدًا عَلى: السَّيِّئاتِ، احْتَجْتَ إلى حَذْفِ مُضافٍ وحَذْفِ مَعْطُوفٍ؛ إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ مِن بَعْدِ عَمَلِ السَّيِّئاتِ والتَّوْبَةِ مِنها، وخَبَرُ: (الَّذِينَ) قَوْلُهُ: إنَّ رَبَّكَ وما بَعْدَهُ، والرّابِطُ مَحْذُوفٌ، أيْ: لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لَهم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَغَفُورٌ لَسَتُورٌ عَلَيْهِمْ مَحّاءٌ لِما كانَ مِنهم: رَحِيمٌ مُنْعِمٌ عَلَيْهِمْ بِالجَنَّةِ، وهَذا حُكْمٌ عامٌّ يَدْخُلُ تَحْتَهُ مُتَّخِذُو العِجْلِ ومَن عَداهم، عَظَّمَ جِنايَتَهم أوْ لا، ثُمَّ أرْدَفَها بِعِظَمِ رَحْمَتِهِ لِيُعْلَمَ أنَّ الذُّنُوبَ وإنْ جَلَّتْ وإنْ عَظُمَتْ فَإنَّ عَفْوَهُ تَعالى وكَرَمَهُ أعْظَمُ وأجَلُّ، ولَكِنْ لا بُدَّ مِن حِفْظِ الشَّرِيطَةِ وهي وُجُوبُ التَّوْبَةِ والإنابَةِ، وما وراءَهُ طَمَعٌ فارِغٌ وأشْعَبِيَّةٌ بارِدَةٌ لا يَلْتَفِتُ إلَيْها حازِمٌ، انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ.

7:154Page 169

وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلۡغَضَبُ أَخَذَ ٱلۡأَلۡوَاحَۖ وَفِي نُسۡخَتِهَا هُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ هُمۡ لِرَبِّهِمۡ يَرۡهَبُونَ ١٥٤

And when the anger subsided in Moses, he took up the tablets; and in their inscription was guidance and mercy for those who are fearful of their Lord.

﴿ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ لَلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ . سُكُوتُ غَضَبِهِ كانَ - واللَّهُ أعْلَمُ - بِسَبَبِ اعْتِذارِ أخِيهِ، وكَوْنِهِ لَمْ يُقَصِّرْ في نَهْيِ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْ عِبادَةِ العِجْلِ، ووَعْدِ اللَّهِ إيّاهُ بِالِانْتِقامِ مِنهم، وسُكُوتُ الغَضَبِ اسْتِعارَةٌ، شَبَّهَ خُمُودَ الغَضَبِ بِانْقِطاعِ كَلامِ المُتَكَلِّمِ وهو سُكُوتُهُ. قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: تَقُولُ العَرَبُ: سالَ الوادِي ثُمَّ سَكَتَ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَصْدَرُ: سَكَتَ الغَضَبُ سَكَنَ، ومَصْدَرُ سَكَتَ الرَّجُلُ سُكُوتٌ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ فِعْلٌ عَلى حَدِّهِ، ولَيْسَ مِن سُكُوتِ النّاسِ، وقِيلَ: هو مِن بابِ القَلْبِ، أيْ: ولَمّا سَكَتَ مُوسى عَنِ الغَضَبِ، نَحْوَ: أدْخَلْتُ فِيَّ في الحَجَرِ، وأدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي، انْتَهى، ولا يَنْبَغِي هَذا، لِأنَّهُ مِنَ القَلْبِ وهو لَمْ يَقَعْ إلّا في قَلِيلٍ مِنَ الكَلامِ، والصَّحِيحُ أنَّهُ لا يَنْقاسُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا مَثَلٌ، كَأنَّ الغَضَبَ كانَ يُغْرِيهِ عَلى ما فَعَلَ، ويَقُولُ لَهُ: قُلْ لِقَوْمِكَ كَذا، وألْقِ الألْواحَ، وخُذْ بِرَأْسِ أخِيكَ إلَيْكَ، فَتَرَكَ النُّطْقَ بِذَلِكَ وتَرَكَ الإغْراءَ، ولَمْ يَسْتَحْسِنْ هَذِهِ الكَلِمَةَ ولَمْ يَسْتَفْصِحْها كُلُّ ذِي طَبْعٍ سَلِيمٍ وذَوْقٍ صَحِيحٍ إلّا لِذَلِكَ، ولِأنَّهُ مِن قَبِيلِ شُعَبِ البَلاغَةِ، وإلّا فَما لِقِراءَةِ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ”ولَمّا سَكَنَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ“ لا تَجِدُ النَّفْسُ عِنْدَها شَيْئًا مِن تِلْكَ الهَزَّةِ وطَرَفًا مِن تِلْكَ الرَّوْعَةِ، وقُرِئَ: أُسْكِتَ رُباعِيًّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وكَذا هو في مُصْحَفِ حَفْصَةَ، والمَنوِيُّ عِنْدَ اللَّهِ، أوْ أخُوهُ بِاعْتِذارِهِ إلَيْهِ أوْ تَنَصُّلِهِ، أيْ أسْكَتَ اللَّهُ أوْ هارُونُ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ولَمّا صَبَرَ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ولَمّا انْشَقَّ، والمَعْنى: ولَمّا طُفِيَ غَضَبُهُ أخَذَ ألْواحَ التَّوْراةِ الَّتِي كانَ ألْقاها مِن يَدِهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ ألْقاها فَتَكَسَّرَتْ فَصامَ أرْبَعِينَ يَوْمًا فَرُدَّتْ إلَيْهِ في لَوْحَيْنِ ولَمْ يَفْقِدْ مِنها شَيْئًا، وفي نُسْخَتِها أيْ فِيما نُسِخَ مِنَ الألْواحِ المُكَسَّرَةِ، أوْ فِيما نُسِخَ فِيها، أوْ فِيما بَقِيَ مِنها بَعْدَ المَرْفُوعِ وهو سُبُعُها، والأظْهَرُ أنَّ المَعْنى: وفِيما نُقِلَ وحُوِّلَ مِنها، واللّامُ في: لِرَبِّهِمْ تَقْوِيَةٌ لِوُصُولِ الفِعْلِ إلى مَفْعُولِهِ المُتَقَدِّمِ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: هي زائِدَةٌ، وقالَ الأخْفَشُ: هي لامُ المَفْعُولِ لَهُ، أيْ لِأجْلِ رَبِّهِمْ: يَرْهَبُونَ لا رِياءً ولا سُمْعَةً، وقالَ المُبَرِّدُ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَصْدَرِ، المَعْنى: الَّذِينَ هم رَهْبَتُهم لِرَبِّهِمْ، وهَذا عَلى طَرِيقَةِ البَصْرِيِّينَ لا يَتَمَشّى؛ لِأنَّ فِيهِ حَذْفُ المَصْدَرِ وإبْقاءُ مَعْمُولِهِ، وهو لا يَجُوزُ عِنْدَهم إلّا في الشِّعْرِ، وأيْضًا فَهَذا التَّقْدِيرُ يُخْرِجُ الكَلامَ عَنِ الفَصاحَةِ.

7:155Page 169

وَٱخۡتَارَ مُوسَىٰ قَوۡمَهُۥ سَبۡعِينَ رَجُلٗا لِّمِيقَٰتِنَاۖ فَلَمَّآ أَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ قَالَ رَبِّ لَوۡ شِئۡتَ أَهۡلَكۡتَهُم مِّن قَبۡلُ وَإِيَّٰيَۖ أَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآۖ إِنۡ هِيَ إِلَّا فِتۡنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهۡدِي مَن تَشَآءُۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَاۖ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡغَٰفِرِينَ ١٥٥

And Moses chose from his people seventy men for Our appointment.1 And when the earthquake seized them,2 he said, "My Lord, if You had willed, You could have destroyed them before and me [as well]. Would You destroy us for what the foolish among us have done? This is not but Your trial by which You send astray whom You will and guide whom You will. You are our Protector, so forgive us and have mercy upon us; and You are the best of forgivers.

﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا﴾ (اخْتارَ) افْتَعَلَ مِنَ الخَيْرِ، وهو التَّخَيُّرُ والِانْتِقاءُ: واخْتارَ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ أحَدِهِما بِنَفْسِهِ والآخَرِ بِوَساطَةِ حَرْفِ الجَرِّ، وهي مَقْصُورَةٌ عَلى السَّماعِ، وهي: اخْتارَ واسْتَغْفَرَ وأمَرَ وكَنّى ودَعا وزَوَّجَ وصَدَقَ، ثُمَّ يُحْذَفُ حَرْفُ الجَرِّ ويَتَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ فَيَقُولُ: اخْتَرْتُ زَيْدًا مِنَ الرِّجالِ، واخْتَرْتُ زَيْدًا الرِّجالَ. قالَ الشّاعِرُ:

؎اخْتَرْتُكَ النّاسَ إذْ رَثَّتْ خَلائِقُهم واعْتَلَّ مَن كانَ يُرْجى عِنْدَهُ السُّولُ

(p-٣٩٩)أيِ اخْتَرْتُكَ مِنَ النّاسِ و: سَبْعِينَ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، و: قَوْمَهُ هو المَفْعُولُ الثّانِي، وتَقْدِيرُهُ: مِن قَوْمِهِ ومَن أعْرَبَ: قَوْمَهُ مَفْعُولًا أوَّلَ، وسَبْعِينَ بِدَلًا مِنهُ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ وحَذَفَ الضَّمِيرَ، أيْ: سَبْعِينَ رَجُلًا مِنهُمُ احْتاجَ إلى تَقْدِيرِ مَفْعُولٍ ثانٍ، وهو المُخْتارُ مِنهُ، فَإعْرابُهُ فِيهِ بُعْدٌ وتَكَلُّفُ حَذْفٍ في رابِطِ البَدَلِ وفي المُخْتارِ مِنهُ، واخْتَلَفُوا في هَذا المِيقاتِ: أهُوَ مِيقاتُ المُناجاةِ ونُزُولِ التَّوْراةِ أوْ غَيْرُهُ ؟ فَقالَ نَوْفٌ الَبِكالِيُّ ورَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو الأوَّلُ بَيَّنَ فِيهِ بَعْضَ ما جَرى مِن أحْوالِهِ وأنَّهُ اخْتارَ مِن كُلِّ سِبْطٍ سِتَّةَ رِجالٍ فَكانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ، فَقالَ لِيَتَخَلَّفِ اثْنانِ: فَإنَّما أُمِرْتُ بِسَبْعِينَ فَتَشاحُّوا، فَقالَ: مَن قَعَدَ فَلَهُ أجْرُ مَن حَضَرَ، فَقَعَدَ كالِبُ بْنُ يُوقِنا، ويُوشَعُ بْنُ نُونٍ، واسْتَصْحَبَ السَبْعِينَ بَعْدَ أنْ أمَرَهم أنْ يَصُومُوا ويَتَطَهَّرُوا ويُطَهِّرُوا ثِيابَهم، ثُمَّ خَرَجَ بِهِمْ إلى طُورِ سَيْناءَ لِمِيقاتِ رَبِّهِ، وكانَ أمَرَهُ رَبُّهُ أنْ يَأْتِيَهُ في سَبْعِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَلَمّا دَنا مُوسى مِنَ الجَبَلِ وقَعَ عَلَيْهِ عَمُودُ الغَمامِ حَتّى تَغَشّى الجَبَلَ كُلَّهُ ودَنا مُوسى ودَخَلَ فِيهِ، وقالَ لِلْقَوْمِ: ادْنُوا فَدَنَوْا، حَتّى إذا دَخَلُوا في الغَمامِ وقَعُوا سُجَّدًا، فَسَمِعُوهُ وهو يُكَلِّمُ مُوسى يَأْمُرُهُ ويَنْهاهُ افْعَلْ ولا تَفْعَلْ، ثُمَّ انْكَشَفَ الغَمامُ فَأقْبَلُوا إلَيْهِ فَطَلَبُوا الرُّؤْيَةَ فَوَعَظَهم وزَجَرَهم وأنْكَرَ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا: ﴿يامُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] .

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَقالَ: ﴿رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] يُرِيدُ أنْ يَسْمَعُوا الرَّدَّ والإنْكارَ مِن جِهَتِهِ، فَأُجِيبَ: بِلَنْ تَرانِي، ورَجَفَ الجَبَلُ بِهِمْ وصُعِقُوا، انْتَهى؛ وقِيلَ: هو مِيقاتٌ آخَرُ غَيْرُ مِيقاتِ المُناجاةِ ونُزُولِ التَّوْراةِ، فَقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: قالَ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى: إنَّ طائِفَةً تَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ لا يُكَلِّمُكَ فَخُذْ مِنّا مَن يَذْهَبُ مَعَكَ لِيَسْمَعُوا كَلامَهُ فَيُؤْمِنُوا، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنْ يَخْتارَ مِن قَوْمِهِ سَبْعِينَ مِن خِيارِهِمْ، ثُمَّ ارْتَقِ بِهِمُ الجَبَلَ أنْتَ وهارُونُ واسْتَخْلِفْ يُوشَعَ، فَفَعَلَ فَلَمّا سَمِعُوا كَلامَهُ سَألُوا مُوسى أنْ يُرِيَهُمُ اللَّهُ جَهْرَةً فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ، وقالَ السُّدِّيُّ: هو مِيقاتٌ وقَّتَهُ اللَّهُ تَعالى لِمُوسى يَلْقاهُ في ناسٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لِيَعْتَذِرُوا إلَيْهِ مِن عِبادَةِ العِجْلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَوى عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ طَلْحَةَ: هو مِيقاتٌ وقَّتَهُ اللَّهُ لِمُوسى وأمَرَهُ أنْ يَخْتارَ مِن قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا لِيَدْعُوا رَبَّهم فَدَعَوْا، فَقالُوا: يا اللَّهُ أعْطِنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا قَبْلَنا ولا أحَدًا بَعْدَنا، فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ، وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيما رَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ أنَّ مُوسى وهارُونَ وابْناهُ شِبْرٌ وشُبَيْرٌ انْطَلَقُوا حَتّى انْتَهَوْا إلى جَبَلٍ فِيهِ سَرِيرٌ، فَقامَ عَلَيْهِ هارُونُ فَقُبِضَ رُوحُهُ، فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ، فَقالُوا: أنْتَ قَتَلْتَهُ وحَسَدْتَنا عَلى خُلُقِهِ ولِينِهِ، فَقالَ: كَيْفَ أقْتُلُهُ ومَعِيَ ابْناهُ، قالَ: فاخْتارُوا مَن شِئْتُمْ، فاخْتِيرَ سَبْعُونَ فانْتَهَوْا إلَيْهِ فَقالُوا: مَن قَتَلَكَ يا هارُونُ ؟ قالَ: ما قَتَلَنِي أحَدٌ ولَكِنَّ اللَّهَ تَوَفّانِي، قالُوا: يا مُوسى ما نَعْصِي بَعْدُ، فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَجَعَلُوا يَتَرَدَّوْنَ يَمِينًا وشِمالًا، انْتَهى، ولَفْظُ: لِمِيقاتِنا في هَذا القَوْلِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ عَنْ تَوْقِيتٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقالَ ابْنُ السّائِبِ: كانَ مُوسى لا يَأْتِي رَبَّهُ إلّا بِإذْنٍ مِنهُ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا المِيقاتَ غَيْرُ مِيقاتِ مُوسى الَّذِي قِيلَ فِيهِ: ﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] لِظاهِرِ تَغايُرِ القِصَّتَيْنِ وما جَرى فِيهِما؛ إذْ في تِلْكَ أنَّ مُوسى كَلَّمَهُ اللَّهُ وسَألَهُ الرُّؤْيَةَ وأحالَهُ في الرُّؤْيَةِ عَلى تَجَلِّيهِ لِلْجَبَلِ وثُبُوتِهِ فَلَمْ يَثْبُتْ وصارَ دَكًّا وصَعِقَ مُوسى، وفي هَذِهِ اخْتِيرَ السَبْعُونَ لِمِيقاتِ اللَّهِ وأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ولَمْ تَأْخُذْ مُوسى، ولِلْفَصْلِ الكَثِيرِ الَّذِي بَيْنَ أجْزاءِ الكَلامِ لَوْ كانَتْ قِصَّةً واحِدَةً.

* *

﴿فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ﴾ سَبَبُ الرَّجْفَةِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وهو مُرَتَّبٌ عَلى تَفْسِيرِ المِيقاتِ فَهَلِ الرَّجْفَةُ عُقُوبَةٌ عَلى سُكُوتِهِمْ وإغْضائِهِمْ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، أوْ عُقُوبَةٌ عَلى سُؤالِهِمُ الرُّؤْيَةَ، أوْ عُقُوبَةٌ لِتَشَطُّطِهِمْ في الدُّعاءِ المَذْكُورِ، أوْ سَبَبُهُ سَماعُ كَلامِ هارُونَ وهو مَيِّتٌ، أقْوالٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: عُقُوبَةٌ عَلى عِبادَةٍ هَؤُلاءِ السَبْعِينَ (p-٤٠٠)بِاخْتِيارِهِمُ العِجْلَ، وخَفِيَ ذَلِكَ عَنْ مُوسى في وقْتِ الِاخْتِيارِ حَتّى أعْلَمَهُ اللَّهُ، وأخْذُ الرَّجْفَةِ يُحْتَمَلُ أنْ نَشَأ عَنْهُ المَوْتُ، ويُحْتَمَلُ أنْ نَشَأ عَنْهُ الغَشْيُ، وهُما قَوْلانِ، وقالَ السُّدِّيُّ: قالَ مُوسى: كَيْفَ أرْجِعُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ وقَدْ أُهْلِكَتْ خِيارُهم ؟ فَماذا أقُولُ ؟ وكَيْفَ يَأْمَنُونَنِي عَلى أحَدٍ ؟ فَأحْياهُمُ اللَّهُ؛ وقِيلَ: أخَذَتْهُمُ الرِّعْدَةُ حَتّى كادَتْ تُبَيِّنُ مَفاصِلَهم وتَنْتَقِضُ ظُهُورَهم، وخافَ مُوسى المَوْتَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ بَكى ودَعا فَكُشِفَ عَنْهم، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا تَمَنٍّ مِنهُ لِلْإهْلاكِ قَبْلَ أنْ يَرى ما رَأى مِن تَبِعَةِ طَلَبِ الرُّؤْيَةِ، كَما يَقُولُ النّادِمُ عَلى الأمْرِ إذا رَأى سُوءَ المَغَبَّةِ: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَأهْلَكَنِي قَبْلَ هَذا، انْتَهى. فَمَعْنى قَوْلِهِ: مِن قَبْلُ سُؤالِ الرُّؤْيَةِ، وهَذا بِناءٌ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى أنَّ هَذا المِيقاتَ هو مِيقاتُ المُناجاةِ وطَلَبُ الرُّؤْيَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ الأظْهَرَ خِلافُهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا رَأى مُوسى ذَلِكَ أسِفَ عَلَيْهِمْ وعَلِمَ أنَّ أمْرَ بَنِي إسْرائِيلَ يَتَشَعَّبُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِالقَوْمِ، فَجَعَلَ يَسْتَعْطِفُ رَبَّهُ أنْ يا رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم قَبْلَ هَذِهِ الحالِ وإيّايَ لَكانَ أخَفَّ عَلَيَّ، وهَذا وقْتُ هَلاكِهِمْ فِيهِ مَفْسَدَةٌ عَلَيَّ مُؤْذٍ لِي، انْتَهى، ومَفْعُولُ: شِئْتَ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لَوْ شِئْتَ إهْلاكَنا، وجَوابُ لَوْ أهْلَكْتَهم وأتى دُونَ لامٍ، وهو فَصِيحٌ لَكِنَّهُ بِاللّامِ أكْثَرُ، كَما قالَ: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ﴾ [الكهف: ٧٧]، ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ﴾ [يونس: ٩٩]، ولا يُحْفَظُ جاءَ بِغَيْرِ لامٍ في القُرْآنِ إلّا هَذا، وقَوْلِهِ: ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهُمْ﴾ [الأعراف: ١٠٠] و﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] والمَحْذُوفُ في: مِن قَبْلُ، أيْ: مِن قَبْلِ الِاخْتِيارِ وأخْذِ الرَّجْفَةِ، وذَلِكَ زَمانَ إغْضائِهِمْ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، أوْ عِبادَتِهِمْ هم إيّاهُ، وقَوْلُهُ: (وإيّايَ)، أيْ: وقْتَ قَتْلِيَ القِبْطِيَّ: فَأنْتَ قَدْ سَتَرْتَ وغَفَرْتَ حِينَئِذٍ فَكَيْفَ الآنَ إذْ رُجُوعِي دُونَهم فَسادٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ ؟ ! قالَ أكْثَرُهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وعَطَفَ (وإيّايَ) عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في أهْلَكْتَهم وعَطْفُ الضَّمِيرَ مِمّا يُوجِبُ فَصْلَهُ، وبَدَأ بِضَمِيرِهِمْ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَماتُوا أوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَمُتْ هو ولا أُغْمِيَ عَلَيْهِ ولَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: ﴿أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ﴾ حَتّى أشْرَكَ نَفْسَهُ فِيهِمْ، وإنْ كانَ لَمْ يُشْرِكْهم في مُقْتَضى الإهْلاكِ تَسْلِيمًا مِنهُ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ، وأنَّهُ لَوْ شاءَ إهْلاكَ العاصِي والطّائِعِ لَمْ يَمْنَعْهُ مِن ذَلِكَ مانِعٌ.

﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ قِيلَ: هَذا اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإدْلاءِ بِالحُجَّةِ في صِيغَةِ اسْتِعْطافٍ وتَذَلُّلٍ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في أتُهْلِكُنا لَهُ ولِلسَبْعِينَ، وبِما فَعَلَ السُّفَهاءُ فِيهِ الخِلافُ مُرَتَّبًا عَلى سَبَبِ أخْذِ الرَّجْفَةِ مِن طَلَبِ الرُّؤْيَةِ، أوْ عِبادَةِ العِجْلِ، أوْ قَوْلِهِمْ قَتَلْتَ هارُونَ، أوْ تَشَطُّطِهِمْ في الدُّعاءِ، أوْ عِبادَتِهِمْ بِأنْفُسِهِمُ العِجْلَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في أتُهْلِكُنا لَهُ ولِبَنِي إسْرائِيلَ، وبِما فَعَلَ السُّفَهاءُ، أيْ بِالتَّفَرُّقِ والكُفْرِ والعِصْيانِ يَكُونُ هَلاكُهم، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي نَفْسَهُ وإيّاهم؛ لِأنَّهُ إنَّما طَلَبَ الرُّؤْيَةَ زَجْرًا لِلسُّفَهاءِ وهم طَلَبُوها سَفَهًا وجَهْلًا، والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُ اسْتِفْهامُ اسْتِعْلامٍ أتْبَعَ إهْلاكَ المُخْتارِينَ وهم خَيْرُ بَنِي إسْرائِيلَ بِما فَعَلَ غَيْرُهم؛ إذْ مِنَ الجائِزِ في العَقْلِ ذَلِكَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] وقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ قِيلَ لَهُ: «أنَهْلِكُ وفِينا الصّالِحُونَ ؟ ! قالَ: نَعَمْ إذا كَثُرَ الخَبَثُ» . وكَما ورَدَ «أنَّ قَوْمًا يُخْسَفُ بِهِمْ، قِيلَ: وفِيهِمُ الصّالِحُونَ ؟ ! فَقِيلَ: يُبْعَثُونَ عَلى نِيّاتِهِمْ»، أوْ كَلامًا هَذا مَعْناهُ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهم أُحْيُوا وجُعِلُوا أنْبِياءَ كُلُّهم.

﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ﴾ أيْ إنْ فِتْنَتُهم إلّا فِتْنَتُكَ، والضَّمِيرُ في هي يُفَسِّرُهُ سِياقُ الكَلامِ، أيْ أنْتَ هو الَّذِي فَتَنْتَهم، قالَتْ فِرْقَةٌ: لَمّا أعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّ السَبْعِينَ عَبَدُوا العِجْلَ تَعَجَّبَ، وقالَ: إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ، وقِيلَ: لَمّا أُعْلِمَ مُوسى بِعِبادَةِ بَنِي إسْرائِيلَ العِجْلَ (p-٤٠١)وبِصِفَتِهِ، قالَ: يا رَبِّ ومَن أخارَهُ، قالَ: أنا، قالَ مُوسى: فَأنْتَ أضْلَلْتَهم إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ بِهِ إلى قَوْلِهِمْ: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] إذْ كانَتْ فِتْنَةً مِنَ اللَّهِ أوْجَبَتِ الرَّجْفَةَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ مِحْنَتُكَ وبَلاؤُكَ حِينَ كَلَّمَتْنِي وسَمَّعْتَ كَلامَكَ، فاسْتَدَلُّوا بِالكَلامِ عَلى الرُّؤْيَةِ اسْتِدْلالًا فاسِدًا حَتّى افْتُتِنُوا وضَلُّوا، تُضِلُّ بِها الجاهِلِينَ غَيْرَ الثّابِتِينَ في مَعْرِفَتِكَ، وتَهْدِي العالِمِينَ الثّابِتِينَ بِالقَوْلِ الثّابِتِ، وجَعَلَ ذَلِكَ إضْلالًا مِنَ اللَّهِ تَعالى وهُدًى مِنهُ، لِأنَّ مِحْنَتَهُ إنَّما كانَتْ سَبَبًا لِأنْ ضَلُّوا واهْتَدَوْا، فَكَأنَّهُ أضَلَّهم بِها وهُداهم عَلى الِاتِّساعِ في الكَلامِ، انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ في نَفْيِهِمُ الإضْلالَ عَنِ اللَّهِ تَعالى.

أنْتَ ولِيُّنا القائِمُ بِأمْرِنا: ﴿فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾ . سَألَ الغُفْرانَ لَهُ ولَهم والرَّحْمَةَ، لَمّا كانَ قَدِ انْدَرَجَ قَوْمُهُ في قَوْلِهِ: أنْتَ ولِيُّنا وفي سُؤالِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لَهُ ولَهم - وكانَ قَوْمُهُ أصْحابَ ذُنُوبٍ - أكَّدَ اسْتِعْطافَ رَبِّهِ تَعالى في غُفْرانِ تِلْكَ الذُّنُوبِ، فَأكَّدَ ذَلِكَ ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ، ولَمّا كانَ هو وأخُوهُ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المَعْصُومِينَ مِنَ الذُّنُوبِ، فَحِينَ سَألَ المَغْفِرَةَ لَهُ ولِأخِيهِ وسَألَ الرَّحْمَةَ لَمْ يُؤَكِّدِ الرَّحْمَةَ بَلْ قالَ: وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، فَنَبَّهَ عَلى أنَّهُ تَعالى أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] وكانَ تَعالى خَيْرَ الغافِرِينَ لِأنَّ غَيْرَهُ يَتَجاوَزُ عَنِ الذَّنْبِ طَلَبًا لِلثَّناءِ أوِ الثَّوابِ، أوْ دَفْعًا لِلصِّفَةِ الخَسِيسَةِ عَنِ القَلْبِ، وهي صِفَةُ الحِقْدِ، والبارِي سُبْحانَهُ وتَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَكُونَ غُفْرانُهُ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском