Abu HayyanAl‑A'raf · 7:165–170

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:165–170

7:165Page 172

فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦٓ أَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذۡنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابِۭ بَـِٔيسِۭ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ١٦٥

And when they [i.e., those advised] forgot that by which they had been reminded, We saved those who had forbidden evil and seized those who wronged, with a wretched punishment, because they were defiantly disobeying.

﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ الضَّمِيرُ في نَسُوا لِلْمَنهِيِّينَ، أيْ: تَرَكُوا ما ذَكَّرَهم بِهِ الصّالِحُونَ، وجَعَلَ التَّرْكَ نِسْيانًا مُبالَغَةً؛ إذْ أقْوى أحْوالِ التَّرْكِ أنْ يُنْسى المَتْرُوكُ، وما مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الذِّكْرُ نَفْسُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ ما كانَ في الذِّكْرِ، انْتَهى، ولا يَظْهَرُ لِي هَذانِ الِاحْتِمالانِ، والسُّوءُ عامٌّ في المَعاصِي، وبِحَسَبَ القَصَصِ يَخْتَصُّ هُنا بِصَيْدِ الحُوتِ، والَّذِينَ ظَلَمُوا هُمُ العاصُونَ نَبَّهَ عَلى العِلَّةِ في أخْذِهِمْ، وهي الظُّلْمُ. قالَ مُجاهِدٌ: بَئِيسٍ شَدِيدٌ مُوجِعٌ، وقالَ الأخْفَشُ: مُهْلِكٌ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وغَيْرُهُما: بِيسٍ، عَلى وزْنِ جَيِّدٍ، وابْنُ عامِرٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ هَمَزَ كَبِئْرٍ، ووُجِّهَتا عَلى أنَّهُ فِعْلٌ سُمِّيَ بِهِ، كَما جاءَ: أنْهاكم عَنْ قِيلَ وقالَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ وُضِعَ وصْفًا عَلى وزْنِ فِعْلٍ، كَحِلْفٍ، فَلا يَكُونُ أصْلُهُ فِعْلًا، وخَرَّجَهُ الكِسائِيُّ عَلى وجْهٍ آخَرَ، وهو أنَّ الأصْلَ بَيْئِسٌ فَخُفِّفَ الهَمْزَةُ فالتَقَتَ ياءانِ فَحُذِفَتْ إحْداهُما وكُسِرَ أوَّلُهُ، كَما يُقالُ: رَغِيفٌ وشَهِيدٌ، وخَرَّجَهُ غَيْرُهُ عَلى أنْ يَكُونَ عَلى وزْنِ فِعْلٍ فَكُسِرَ أوَّلُهُ إتْباعًا، ثُمَّ حُذِفَتِ الكَسْرَةُ، كَما قالُوا: فَخِذٌ، ثُمَّ خَفَّفُوا الهَمْزَةَ، وقَرَأ الحَسَنُ: بَئِيسٌ بِهَمْزٍ وبِغَيْرِ هَمْزٍ عَنْ نافِعٍ وأبِي بَكْرٍ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُ بِغَيْرِ هَمْزٍ عَنْ نافِعٍ، كَما تَقُولُ بِيسَ الرَّجُلُ، وضَعَّفَها أبُو حاتِمٍ، وقالَ: لا وجْهَ لَها، قالَ: لِأنَّهُ لا يُقالُ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ بِيسَ حَتّى يُقالَ: بِيسَ الرَّجُلُ، أوْ بِيسَ رَجُلًا، قالَ النَّحّاسُ: هَذا مَرْدُودٌ مِن كَلامِ أبِي حاتِمٍ، حَكى النَّحْوِيُّونَ إنْ فَعَلْتَ كَذا وكَذا فَبِها ونِعْمَتْ، يُرِيدُونَ: ونِعْمَتِ الخَصْلَةُ، والتَّقْدِيرُ: بِيسَ العَذابُ، وقُرِئَ بَئِسَ عَلى وزْنِ شَهِدَ، حَكاها يَعْقُوبُ القارِئُ وعَزاها أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ إلى عِيسى وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ.

وقَرَأ جُرَيَّةُ بْنُ عائِدٍ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ في رِوايَةٍ: بَأسَ، عَلى وزْنِ ضَرَبَ، فِعْلًا ماضِيًا، وعَنِ الأعْمَشِ ومالِكِ بْنِ دِينارٍ: بَأْسَ أصْلُهُ بَأسَ، فَسَكَّنَ الهَمْزَةَ، جَعَلَهُ فِعْلًا لا يَتَصَرَّفُ، (p-٤١٣)وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بَيَسَ، بِفَتْحِ الباءِ والياءِ والسِّينِ، وحَكى الزَّهْراوِيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ وأهْلِ مَكَّةَ: بِئِسَ، بِكَسْرِ الباءِ والهَمْزِ هَمْزًا خَفِيفًا ولَمْ يُبَيِّنْ هَلِ الهَمْزَةُ مَكْسُورَةٌ أوْ ساكِنَةٌ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ باسَ، بِفَتْحِ الباءِ وسُكُونِ الألِفِ. وقَرَأ خارِجَةُ عَنْ نافِعٍ وطَلْحَةَ: (بَيْسٍ)، عَلى وزْنِ كَيْلٍ لَفْظًا، وكانَ أصْلُهُ: فَيْعَلَ، مَهْمُوزًا إلّا أنَّهُ خَفَّفَ الهَمْزَةَ بِإبْدالِها ياءً وأدْغَمَ ثُمَّ حَذَفَ كَمَيِّتٍ، وقَرَأ نَصْرٌ في رِوايَةِ مالِكِ بْنِ دِينارٍ عَنْهُ: (بَأسٍ)، عَلى وزْنِ جَبَلٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ مُصَرِّفٍ: بَئَّسَ، عَلى وزْنِ كَبَّدَ وحَذَّرَ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الرُّقَياتُ:

؎لَيْتَنِي ألْقى رُقَيَّةَ في خَلْوَةٍ مِن غَيْرِ ما بَئَّسْ

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ والأعْمَشُ: (بَيْأسٍ) عَلى وزْنٍ ضَيْغَمٍ، وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ بْنُ عابِسٍ الكِنْدِيُّ:

؎كِلاهُما كانَ رَئِيسًا بَيْأسا ∗∗∗ يَضْرِبُ في يَوْمِ الهِياجِ القَوْنَسا

وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ والأعْمَشُ بِخِلافٍ عَنْهُ: بَيْئِسٍ عَلى وزْنِ صَيْقِلٍ، اسْمُ امْرَأةٍ، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وبِكَسْرِ القافِ وهُما شاذّانِ لِأنَّهُ بِناءٌ مُخْتَصٌّ بِالمُعْتَلِّ كَسَيِّدٍ ومَيِّتٍ، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمٍ في رِوايَةٍ: بَيْسٍ، عَلى وزْنِ مَيْتٍ وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ مِنَ البُؤْسِ، ولا أصْلَ لَهُ في الهَمْزِ، وخُرِّجَ أيْضًا عَلى أنَّهُ خَفَّفَ الهَمْزَةَ بِإبْدالِها ياءً، ثُمَّ أُدْغِمَتْ، وعَنْهُ أيْضًا بِئْسَ بِقَلْبِ الياءِ هَمْزَةً وإدْغامِها في الهَمْزَةِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ عَنِ الأعْمَشِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: بَأَّسَ، بِفَتْحِ الثَّلاثَةِ والهَمْزَةِ مُشَدَّدَةً، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ونافِعٌ وفي رِوايَةِ أبِي قُرَّةَ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ومُجاهِدٌ والأعْرَجُ والأعْمَشُ في رِوايَةٍ وأهْلُ الحِجازِ: بَئِيسٍ عَلى وزْنِ رَئِيسٍ، وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ وصْفٌ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ مِن بائِسٍ عَلى وزْنِ فاعِلٍ، وهي قِراءَةُ أبِي رَجاءٍ عَنْ عَلِيٍّ، أوْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ كالنَّكِيرِ والقَدِيرِ، وقالَ أبُو الإصْبَعِ العُدْوانِيُّ:

؎حَنَقا عَلَيَّ ولا أرى ∗∗∗ لِي مِنهُما شَرًّا بَئِيسا

وقَرَأ أهْلُ مَكَّةَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم كَسَرُوا الباءَ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ في فَعِيلٍ حَلْقِيِّ العَيْنِ يَكْسِرُونَ أوَّلَهُ، وسَواءٌ كانَ اسْمًا أمْ صِفَةً، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ فِيما زَعَمَ عِصْمَةُ بَئِيسٍ، عَلى وزْنِ طَرِيمٍ وحَزِيمٍ، فَهَذِهِ اثْنَتانِ وعِشْرُونَ قِراءَةً وضَبْطُها بِالتَّلْخِيصِ أنَّها قُرِئَتْ ثُلاثِيَّةَ اللَّفْظِ ورُباعِيَّتَهُ، فالثُّلاثِيُّ اسْمًا بِئْسٍ وبَيْسٍ وبِيسٍ وبَأْسٍ وبَأسٍ وبَيَسٍ، وفِعْلًا بِيسَ وبِئْسَ وبَئِسَ وبَأسَ وبَأْسَ وبُئِسَ، والرُّباعِيَّةُ اسْمًا بَيْأسٍ وبِيئِسٍ وبَيْئِسٍ وبَيْسٍ وبَيِيسٍ وبَئِيسٍ وبائِسٍ وفِعْلًا باءَسَ.

7:166–168Page 172

فَلَمَّا عَتَوۡاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنۡهُ قُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ ١٦٦

So when they were insolent about that which they had been forbidden, We said to them, "Be apes, despised."

وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبۡعَثَنَّ عَلَيۡهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَن يَسُومُهُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٦٧

And [mention] when your Lord declared that He would surely [continue to] send upon them until the Day of Resurrection those who would afflict them with the worst torment. Indeed, your Lord is swift in penalty; but indeed, He is Forgiving and Merciful.

وَقَطَّعۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُمَمٗاۖ مِّنۡهُمُ ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنۡهُمۡ دُونَ ذَٰلِكَۖ وَبَلَوۡنَٰهُم بِٱلۡحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ١٦٨

And We divided them throughout the earth into nations. Of them some were righteous, and of them some were otherwise. And We tested them with good [times] and bad that perhaps they would return [to obedience].

﴿فَلَمّا عَتَوْا عَمّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خَـاسِئِينَ﴾ . أيِ اسْتَعْصَوْا والعُتُوُّ الِاسْتِعْصاءُ والتَّأبِّي في الشَّيْءِ، وباقِي الآيَةِ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ في البَقَرَةِ، والظّاهِرُ أنَّ العَذابَ والمَسْخَ والهَلاكَ إنَّما وقَعَ بِالمُعْتَدِينَ في السَّبْتِ، والأُمَّةُ القائِلَةُ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ [الأعراف: ١٦٤] هم مِن فَرِيقِ النّاهِينَ النّاجِينَ، وإنَّما سَألُوا إخْوانَهم عَنْ عِلَّةِ وعْظِهِمْ وهو لا يُجْدِي فِيهِمْ شَيْئًا البَتَّةَ إذِ اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم، فَيَصِيرُ الوَعْظُ إذْ ذاكَ كالبَعْثِ كَوَعْظِ المِكاسَيْنِ فَإنَّهم يَسْخَرُونَ بِمَن يَعِظُهم، وكَثِيرٌ ما يُؤَدِّي إلى تَنْكِيلِ الواعِظِ، وعَلى قَوْلِ مَن زَعَمَ أنَّ الأُمَّةَ القائِلَةَ: لِمَ تَعِظُونَ هُمُ العُصاةُ، قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ أيْ تَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم، تَكُونُ هَذِهِ الأُمَّةُ مِنَ الهالِكِينَ المَمْسُوخِينَ، والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا عَتَوْا﴾ أنَّهم أوَّلًا أُخِذُوا بِالعَذابِ حِينَ نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ، ثُمَّ لَمّا عَتَوْا مُسِخُوا، وقِيلَ: فَلَمّا عَتَوْا تَكْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: فَلَمّا نَسُوا، والعَذابُ البَئِيسُ هو المَسْخُ.

وإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمٍ القِيَـامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ. لَمّا ذَكَرَ تَعالى قُبْحَ فِعالِهِمْ واسْتِعْصاءَهم أخْبَرَ تَعالى أنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالذُّلِّ والصَّغارِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ: تَأذَّنَ أعْلَمَ مِنَ الأذانِ، وهو الإعْلامُ، قالَهُ الحَسَنُ وابْنُ قُتَيْبَةَ واخْتارَهُ الزَّجّاجُ وأبُو عَلِيٍّ، وقالَ عَطاءٌ: تَأذَّنَ حَتَمَ، (p-٤١٤)وقالَ قُطْرُبٌ: وعَدَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أخْبَرَ، وهو راجِعٌ لِمَعْنى أعْلَمَ، وقالَ مُجاهِدٌ: أمَرَ، وعَنْهُ قالَ: وقِيلَ: أقْسَمَ، ورُوِيَ عَنِ الزَّجّاجِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَأذَّنَ عَزَمَ، رَبُّكَ وهو تَفَعَّلَ مِنَ الإيذانِ، وهو الإعْلامُ؛ لِأنَّ العازِمَ عَلى الأمْرِ يُحَدِّثُ بِهِ نَفْسَهُ ويُؤْذِنُها بِفِعْلِهِ، وأُجْرِيَ مَجْرى فِعْلِ القَسَمِ كَعَلِمَ اللَّهُ وشَهِدَ اللَّهُ، ولِذَلِكَ أُجِيبَ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ، وهو قَوْلُهُ: لَيَبْعَثَنَّ، والمَعْنى: وإذْ حَتَّمَ رَبُّكَ وكَتَبَ عَلى نَفْسِهِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِنْيَةُ: تَأذَّنَ هي الَّتِي تَقْتَضِي التَّكَسُّبَ، مِن أذِنَ أيْ عَلِمَ ومَكَنَ، فَإذا كانَ مُسْنَدًا إلى غَيْرِ اللَّهِ لَحِقَهُ مَعْنى التَّكَسُّبِ الَّذِي يَلْحَقُ المُحْدَثِينَ، وإلى اللَّهِ كانَ بِمَعْنى عَلِمِ صِفَةً لا مُكْتَسَبَةً بَلْ قائِمَةً بِالذّاتِ، فالمَعْنى: وإذْ عَلِمَ اللَّهُ، لَيَبْعَثَنَّ ويَقْتَضِي قُوَّةَ الكَلامِ أنَّ ذَلِكَ العِلْمَ مِنهُ مُقْتَرِنٌ بِإنْفاذٍ وإمْضاءٍ، كَما تَقُولُ في أمْرٍ قَدْ عَزَمْتَ عَلَيْهِ غايَةَ العَزْمِ: عَلِمَ اللَّهُ لَأبْعَثَنَّ كَذا، نَحا إلَيْهِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ، وقالَ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ: تَأذَّنَ، مَعْناهُ أعْلَمَ، وهو قَلَقٌ مِن جِهَةِ التَّصْرِيفِ، إذْ نِسْبَةُ: تَأذَّنَ إلى الفاعِلِ غَيْرُ نِسْبَةِ أعْلَمَ، وبَيْنَ ذَلِكَ فَرْقٌ مِنَ التَّعَدِّي وغَيْرِهِ، انْتَهى، وفِيهِ بَعْضُ اخْتِصارٍ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: أعْلَمَ أنْبِياءَ بَنِي إسْرائِيلَ، لَيَبْعَثَنَّ لَيُرْسِلَنَّ ولَيُسَلِّطَنَّ؛ لِقَوْلِهِ: بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا والضَّمِيرُ في: (عَلَيْهِمْ) عائِدٌ عَلى اليَهُودِ، قالَهُ الجُمْهُورُ أوْ: (عَلَيْهِمْ) وعَلى النَّصارى قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: نَسْلُ المَمْسُوخِينَ والَّذِينَ بَقُوا مِنهم، وقِيلَ: يَهُودُ خَيْبَرَ وقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وعَلى هَذا تَرَتَّبَ الخِلافُ في مَن: يَسُومُهم، فَقِيلَ: بُخْتُنَصَّرَ ومَن أذَلَّهم بَعْدَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: المَجُوسُ، كانَتِ اليَهُودُ تُؤَدِّي الجِزْيَةَ إلَيْهِمْ إلى أنْ بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ فَضَرَبَها عَلَيْهِمْ، فَلا تَزالُ مَضْرُوبَةً عَلَيْهِمْ إلى آخِرِ الدَّهْرِ، وقِيلَ: العَرَبُ، كانُوا يَجْبُونَ الخَراجَ مِنَ اليَهُودِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وقالَ السُّدِّيُّ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ العَرَبَ يَأْخُذُونَ مِنهُمُ الجِزْيَةَ ويَقْتُلُونَهم، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَبْعُوثُ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ ﷺ وأُمَّتُهُ، ولَمْ يَجْبِ الخَراجَ نَبِيٌّ قَطُّ إلّا مُوسى، جَباهُ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً ثُمَّ أمْسَكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وسُوءَ العَذابِ الجِزْيَةُ، أوِ الجِزْيَةُ والمَسْكَنَةُ، وكِلاهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوِ القِتالُ حَتّى يُسْلِمُوا أوْ يُؤَدُّوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ، وقِيلَ: الإخْراجُ والإبْعادُ عَنِ الوَطَنِ، وذَلِكَ عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّ الضَّمِيرَ في: (عَلَيْهِمْ) عائِدٌ عَلى أهْلِ خَيْبَرَ وقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنْ لا دَوْلَةَ لِلْيَهُودِ ولا عِزَّ، وأنَّ الذُّلَّ والصَّغارَ فِيهِمْ لا يُفارِقُهم، ولَمّا كانَ خَبَرًا في زَمانِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ وشاهَدْنا الأمْرَ كَذَلِكَ كانَ خَبَرًا عَنْ مَغِيبٍ صِدْقًا، فَكانَ مُعْجِزًا، وأمّا ما جاءَ في أتْباعِ الدَّجّالِ أنَّهم هُمُ اليَهُودُ، فَتَسْمِيَةً بِما كانُوا عَلَيْهِ إذْ هم في ذَلِكَ الوَقْتِ دانُوا بِإلَهِيَّةِ الدَّجّالِ فَلا تَعارُضَ بَيْنَ هَذا الخَبَرِ إنْ صَحَّ والآيَةِ، وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ: ولَقَدْ حُدِّثْتُ أنَّ طائِفَةً مِنَ الرُّومِ أمْلَقَتْ في صُقْعِها فَباعَتِ اليَهُودَ المُجاوِرَةَ لَهم وتَمَلَّكُوهم.

7:169Page 172

فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٦٩

And there followed them successors who inherited the Scripture [while] taking the commodities1 of this lower life and saying, "It will be forgiven for us." And if an offer like it2 comes to them, they will [again] take it. Was not the covenant of the Scripture [i.e., the Torah] taken from them that they would not say about Allāh except the truth, and they studied what was in it? And the home of the Hereafter is better for those who fear Allāh, so will you not use reason?

﴿إنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧] . إخْبارٌ يَتَضَمَّنُ سُرْعَةَ إيقاعِ العَذابِ بِهِمْ.

﴿وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٦٧] . تَرْجِيَةٌ لِمَن آمَنَ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ ووَعْدٌ لِمَن تابَ وأصْلَحَ

﴿وقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا مِنهُمُ الصّالِحُونَ ومِنهم دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] . أيْ فِرَقًا مُتَبايِنِينَ في أقْطارِ الأرْضِ، فَقَلَّ أرْضٌ لا يَكُونُ مِنهم فِيها شِرْذِمَةٌ، وهَذا حالُهم في كُلِّ مَكانٍ تَحْتَ الصَّغارِ والذِّلَّةِ، سَواءٌ كانَ أهْلُ تِلْكَ الأرْضِ مُسْلِمِينَ أمْ كُفّارًا، وأُمَمًا حالٌ، وقالَ الحَوْفِيُّ: مَفْعُولٌ ثانٍ، وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ هَذا في: قَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، والصّالِحُونَ مَن آمَنَ مِنهم بِعِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، أوْ مَن آمَنَ بِالمَدِينَةِ، ومِنهم مُنْحَطُّونَ عَنِ الصّالِحِينَ، وهُمُ الكَفَرَةُ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى الصَّلاحِ، أيْ: ومِنهم دُونَ أهْلِ الصَّلاحِ؛ لِأنَّهُ لا يَعْتَدِلُ التَّقْسِيمُ إلّا عَلى هَذا التَّقْدِيرِ مِن حَذْفِ مُضافٍ، أوْ يَكُونُ ذَلِكَ المَعْنى بِهِ أُولَئِكَ، فَكَأنَّهُ قالَ ومِنهم (p-٤١٥)قَوْمٌ دُونَ أُولَئِكَ، وقَدْ ذَكَرَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ اسْمَ الإشارَةِ المُفْرَدَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلْمُثَنّى والمَجْمُوعِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَعْنى أُولَئِكَ عَلى هَذِهِ اللُّغَةِ ويَعْتَدِلُ التَّقْسِيمُ، والصّالِحُونَ ودُونَ ذَلِكَ ألْفاظٌ مُحْتَمِلَةٌ، فَإنْ أُرِيدَ بِالصَّلاحِ الإيمانُ فَدُونَ ذَلِكَ يُرادُ بِهِ الكُفّارُ، وإنْ أُرِيدَ بِالصَّلاحِ العِبادَةُ والخَيْرُ وتَوابِعُ الإيمانِ كانَ دُونَ ذَلِكَ في مُؤْمِنِينَ لَمْ يَبْلُغُوا رُتْبَةَ الصَّلاحِ الَّذِي لِأُولَئِكَ، والظّاهِرُ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ لِقَوْلِهِ: لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ، إذْ ظاهِرُ قَوْلِهِ: وبَلَوْناهم أنَّهُمُ القَوْمُ الَّذِينَ هم دُونَ أُولَئِكَ، وهو مَن ثَبَتَ عَلى اليَهُودِيَّةِ وخَرَجَ مِنَ الإيمانِ، ودُونَ ذَلِكَ ظَرْفٌ أصْلُهُ لِلْمَكانِ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ لِلِانْحِطاطِ في المَرْتَبَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَإنْ أُرِيدَ بِالصَّلاحِ الإيمانُ فَدُونَ ذَلِكَ بِمَعْنى غَيْرٍ يُرادُ بِها الكَفَرَةُ، انْتَهى، فَإنْ أرادَ أنَّ دُونَ تُرادِفُ غَيْرًا فَهَذا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، وإنْ أرادَ أنَّهُ يَلْزَمُ مِمَّنْ كانَ دُونَ شَيْءٍ أنْ يَكُونَ غَيْرًا فَصَحِيحٌ، ودُونَ ظَرْفٌ في مَوْضِعِ رَفْعِ نَعْتٍ لِمَنعُوتٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ في التَّفْصِيلِ بِمِن حَذْفُ المَوْصُوفِ وإقامَةُ صِفَتِهِ مَقامَهُ نَحْوَ هَذا، ومِنهُ قَوْلُهم: مِنّا ظَعَنَ ومِنّا أقامَ.

﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨] . أيْ بِالصِّحَّةِ والرَّخاءِ والسَّعَةِ، والسَّيِّئاتُ مُقابِلاتُها.

﴿لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] إلى الطّاعَةِ ويَتُوبُونَ عَنِ المَعْصِيَةِ.

﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ . أيْ حَدَثَ مِن بَعْدِ المَذْكُورِينَ خَلْفٌ، قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ لِلْقَرْنِ الَّذِي يَجِيءُ بَعْدَ القَرْنِ خَلْفٌ، وقالَ الفَرّاءُ: الخَلْفُ القَرْنُ، والخَلْفُ مَنِ اسْتَخْلَفَهُ، وقالَ ثَعْلَبٌ: النّاسُ كُلُّهم يَقُولُونَ: خَلْفُ صِدْقٍ لِلصّالِحِ وخَلْفُ سُوءٍ لِلطّالِحِ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ذَهَبَ الَّذِينَ يُعاشُ في أكْنافِهِمْ وبَقِيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأجْرَبِ

والمَثَلُ: سَكَتَ ألْفًا ونَطَقَ خَلْفًا، أيْ: سَكَتَ طَوِيلًا ثُمَّ تَكَلَّمَ بِكَلامٍ فاسِدٍ، وعَنِ الفَرّاءِ: الخَلْفُ يُذْهَبُ بِهِ إلى الذَّمِّ والخَلَفُ خَلَفٌ صالِحٌ. وقالَ الشّاعِرُ:

؎خَلَّفْتَ خَلْفًا ولَمْ تَدَعْ خَلَفًا ∗∗∗ كُنْتَ بِهِمْ كانَ لا بِكَ التَّلَفا

وقَدْ يَكُونُ في الرَّدى خَلَفٌ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ:

؎ألا ذَلِـكَ الخَلَــفُ الأعْــوَرُ، وفي الصّالِحِ خَلْفٌ، وعَلى هَذا بَيْتُ حَسّانَ:

؎لَنا القَدَمُ الأُولى عَلَيْهِمْ وخَلْفُنا ∗∗∗ لِأوَّلِنا في طاعَةِ اللَّهِ تابِعُ

وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقالُ هَذا خَلْفُ صِدْقٍ وهَذا خَلْفُ سُوءٍ، ويَجُوزُ هَؤُلاءِ خَلْفُ صِدْقٍ وهَؤُلاءِ خَلْفُ سُوءٍ، واحِدُهُ وجَمْعُهُ سَواءٌ، وقالَ الشّاعِرُ:

؎إنّا وجَدْنا خَلْفًا بِئْسَ الخَلَفْ ∗∗∗ عَبْدًا إذا ما ناءَ بِالحَمْلِ وقَفْ

(p-٤١٦)انْتَهى، وقَدْ جَمَعَ في الرَّدى بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ في هَذا البَيْتِ، وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: التَّحْرِيكُ والإسْكانُ مَعًا في القُرْآنِ الرَّدى، وأمّا الصّالِحُ فَبِالتَّحْرِيكِ لا غَيْرُ، وأكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ عَلى هَذا إلّا الفَرّاءَ وأبا عُبَيْدَةَ فَإنَّهُما أجازا الإسْكانَ في الصّالِحِ، والخَلَفُ إمّا مَصْدَرُ خَلَفَ، ولِذَلِكَ لا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ ولا يُؤَنَّثُ، وإنْ ثُنِّيَ وجُمِعَ وأُنِّثَ ما قَبْلَهُ، وأمّا جَمْعُ خالِفٍ كَراكِبٍ ورَكْبٍ وشارِبٍ وشَرْبٍ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ لِجَرَيانِهِ عَلى المُفْرَدِ واسْمِ الجَمْعِ لا يَجْرِي عَلى المُفْرَدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ زَيْدٍ: هُنا هُمُ اليَهُودُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهُمُ الَّذِينَ كانُوا في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ورِثُوا الكِتابَ: التَّوْراةَ، بَقِيَتْ في أيْدِيهِمْ بَعْدَ سَلَفِهِمْ يَقْرَأُونَها ويَقِفُونَ عَلى ما فِيها مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي والتَّحْرِيمِ والتَّحْلِيلِ ولا يَعْمَلُونَ بِها، وقالَ الطَّبَرِيُّ: هم أبْناءُ اليَهُودِ، وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُمُ النَّصارى، وعَنْهُ أنَّهم هَؤُلاءِ الأُمَّةُ، وقَرَأ الحَسَنُ: وُرِّثُوا، بِضَمِّ الواوِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ، وعَلى الأقْوالِ يَتَخَرَّجُ الكِتابُ أهُوَ التَّوْراةُ أوِ الإنْجِيلُ والقُرْآنُ، وعَرَضَ هَذا الأدْنى هو ما يَأْخُذُونَهُ مِنَ الرِّشا والمَكاسِبِ الخَبِيثَةِ، والعَرَضُ ما يَعْرِضُ ولا يَثْبُتُ، وفي قَوْلِهِ: عَرَضَ هَذا الأدْنى تَخْسِيسٌ لِما يَأْخُذُونَهُ وتَحْقِيرٌ لَهُ، وأنَّهم مَعَ عِلْمِهِمْ بِما في كِتابِهِمْ مِنَ الوَعِيدِ عَلى المَعاصِي يُقَدِّمُونَ لِأجْلِ العامَّةِ عَلى تَبْدِيلِ الكِتابِ وتَحْرِيفِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٧٩] والأدْنى مِنَ الدُّنُوِّ، وهو القُرْبُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ قَرِيبٌ مُنْقَضٌ زائِلٌ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإمّا مِن دُنُوِّ الحالِ وسُقُوطِها وقِلَّتِها، ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا، قَطْعٌ عَلى اللَّهِ بِغُفْرانِ مَعاصِيهِمْ، أيْ: لا يُؤاخِذُنا اللَّهُ بِذَلِكَ، والمُناسِبُ إذْ ورِثُوا الكِتابَ أنْ يَعْمَلُوا بِما فِيهِ، وأنَّهُ إنْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ بِالمَعْصِيَةِ أنْ لا يَجْزِمُوا بِالمَغْفِرَةِ وهم مُصِرُّونَ عَلى ارْتِكابِها، ولَنا في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وقِيلَ ضَمِيرُ مَصْدَرِ يَأْخُذُونَ، أيْ: سَيُغْفَرُ هو أيِ الأخْذُ لَنا.

وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ. الظّاهِرُ أنَّ هَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْهم بِانْهِماكِهِمْ في المَعاصِي وإنْ أمْكَنَهُمُ الرِّشا والمَكاسِبُ الخَبِيثَةُ لَمْ يَتَوَقَّفُوا عَنْ أخْذِها ثانِيَةً، ودائِمًا فَهم مُصِرُّونَ عَلى المَعاصِي غَيْرَ مُكْتَرِثِينَ بِالوَعِيدِ كَما جاءَ، والفاجِرُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها وتَمَنّى عَلى اللَّهِ، والعَرَضُ بِفَتْحِ الرّاءِ مَتاعُ الدُّنْيا، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، يُقالُ: إنَّ الدُّنْيا عَرَضٌ حاضِرٌ يَأْخُذُ مِنها البَرُّ والفاجِرُ، والعَرْضُ بِسُكُونِ الرّاءِ الدَّراهِمُ والدَّنانِيرُ الَّتِي هي رُءُوسُ الأمْوالِ وقِيَمُ المُتْلَفاتِ، قالَ السُّدِّيُّ: كانُوا يُعَيِّرُونَ القاضِيَ فَإذا ولّى المُعَيِّرُ ارْتَشى، وقِيلَ: كانُوا لَوْ أتاهم مِنَ الخَصْمِ الأجْرُ رِشْوَةً أخَذُوها ونَقَضُوا بِالرِّشْوَةِ الثّانِيَةِ ما قَضَوْا بِالرِّشْوَةِ الأُولى. وقالَ الشّاعِرُ:

؎إذا ما صُبَّ في القِنْدِيلِ زَيْتٌ ∗∗∗ تَحَوَّلَتِ القَضِيَّةُ لِلْمُقَنْدِلْ

وقالَ آخَرُ:

؎لَمْ يَفْتَحِ النّاسُ أبْوابًا ولا عَرَفُوا ∗∗∗ أجْدى وأنْجَحَ في الحاجاتِ مِن طَبَقِ

إذا تَعَمَّمَ بِالمَندِيلِ في طَبَقٍ لَمْ يَخْشَ نُبْوَةَ بَوّابٍ ولا غَلَقِ ولِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن هَذِهِ الآيَةِ نَصِيبٌ وافِرٌ. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَتَسْلُكُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكم»، ومَنِ اخْتَبَرَ حالَ عُلَمائِها وقُضاتِها ومُفْتِيها شاهَدَ بِالعِيانِ ما أخْبَرَ بِهِ الصّادِقُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الواوُ لِلْحالِ - يَعْنِي في وإنْ يَأْتِهِمْ - أيْ يَرْجُونَ المَغْفِرَةَ وهم مُصِرُّونَ عائِدُونَ إلى مِثْلِ قَوْلِهِمْ غَيْرَ ناسِينَ، وغُفْرانُ الذُّنُوبِ لا يَصِحُّ إلّا بِالتَّوْبَةِ، والمُصِرُّ لا غُفْرانَ لَهُ، انْتَهى، وحَمْلُهُ عَلى جَعْلِ الواوِ لِلْحالِ لا لِلْعَطْفِ مَذْهَبُ الِاعْتِزالِ، والظّاهِرُ ما قَدَّمْناهُ، ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ بِأنَّ جُمْلَةَ الشَّرْطِ لا تَقَعُ حالًا لِأنَّ ذَلِكَ جائِزٌ.

ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتَـابِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ ودَرَسُوا ما فِيهِ. هَذا تَوْبِيخٌ وتَقْرِيرٌ لِما تَضَمَّنَهُ الكِتابُ مِن أخْذِ المِيثاقِ أنَّهم لا يَكْذِبُونَ عَلى اللَّهِ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: كانَ يَأْتِيهِمُ المُحِقُّ بِرِشْوَةٍ (p-٤١٧)فَيُخْرِجُونَ لَهُ كِتابَ اللَّهِ ويَحْكُمُونَ لَهُ بِهِ، فَإذا جاءَ المُبْطِلُ أخَذُوا مِنهُ الرِّشْوَةَ وأخْرَجُوا كِتابَهُمُ الَّذِي كَتَبُوهُ بِأيْدِيهِمْ وحَكَمُوا لَهُ، وأُضِيفَ المِيثاقُ إلى الكِتابِ لِأنَّهُ ذُكِرَ فِيهِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ، وقالَ بَعْضُهم: هو قَوْلُهم ﴿سَيُغْفَرُ لَنا﴾ ولا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ بَلْ هو أعَمُّ مِن هَذا القَوْلِ وغَيْرِهِ، فَيَنْدَرِجُ فِيهِ الجَزْمُ بِالغُفْرانِ وغَيْرُهُ، وأنْ لا يَقُولُوا في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى البَدَلِ مِن مِيثاقُ الكِتابِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو عَطْفُ بَيانٍ لِمِيثاقِ الكِتابِ، ومَعْناهُ المِيثاقُ المَذْكُورُ في الكِتابِ، وفِيهِ أنَّ إثْباتَ المَغْفِرَةِ بِغَيْرِ تَوْبَةٍ خُرُوجٌ عَنْ مِيثاقِ الكِتابِ وافْتِراءٌ عَلى اللَّهِ تَعالى وتَقَوُّلُ ما لَيْسَ بِحَقِّ عَلَيْهِ، وإنْ فُسِّرَ مِيثاقُ الكِتابِ بِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ كانَ أنْ لا يَقُولُوا مَفْعُولًا لَهُ، ومَعْناهُ لِئَلّا يَقُولُوا، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً ولا يَقُولُوا نَهْيًا، كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ يَقُلْ لَكم لا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ، وقالَ أيْضًا قَبْلَ ذَلِكَ مِيثاقُ الكِتابِ يَعْنِي قَوْلَهُ في التَّوْراةِ: مَنِ ارْتَكَبَ ذَنْبًا عَظِيمًا فَإنَّهُ لا يُغْفَرُ لَهُ إلّا بِالتَّوْبَةِ، ودَرَسُوا ما فِيهِ أيْ ما في الكِتابِ مِنِ اشْتِراطِ التَّوْبَةِ في غُفْرانِ الذُّنُوبِ، والَّذِي عَلَيْهِ هَوى المُجْبِرِ هو مَذْهَبُ اليَهُودِ بِعَيْنِهِ كَما تَرى. وقالَ مالِكُ بْنُ دِينارٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَأْتِي عَلى النّاسِ زَمانٌ إنْ قَصَّرُوا عَمّا أُمِرُوا بِهِ قالُوا: سَيُغْفَرُ لَنا لَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، كُلُّ أمْرِهِمْ عَلى الطَّمَعِ، خِيارُهم فِيهِ المُداهَنَةُ، فَهَؤُلاءِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ أشْباهُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى، وتَلا الآيَةَ، انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إلّا الحَقَّ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ الباطِلَ عَلى تَناوُلِهِمْ عَرَضَ الدُّنْيا: ودَرَسُوا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ألَمْ يُؤْخَذْ وفي ذَلِكَ أعْظَمُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ، وهو أنَّهم كَرَّرُوا عَلى ما في الكِتابِ، وعَرَفُوا ما فِيهِ المَعْرِفَةَ التّامَّةَ مِنَ الوَعِيدِ عَلى قَوْلِ الباطِلِ والِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ، وهَذا العَطْفُ عَلى التَّقْرِيرِ لِأنَّ مَعْناهُ قَدْ أخَذَ عَلَيْهِمْ مِيثاقَ الكِتابِ ودَرَسُوا ما فِيهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ﴾ [الشعراء: ١٨] مَعْناهُ قَدْ رَبَّيْناكَ ولَبِثْتَ، وقالَ الطَّبَرِيُّ وغَيْرُهُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ورِثُوا الكِتابَ﴾ وفِيهِ بُعْدٌ، وقِيلَ: هو عَلى إضْمارِ قَدْ، أيْ وقَدْ دَرَسُوا ما فِيهِ، وكَوْنُهُ مَعْطُوفًا عَلى التَّقْرِيرِ هو الظّاهِرُ، لِأنَّ فِيهِ مَعْنى إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، في أخْذِ مِيثاقِ الكِتابِ بِكَوْنِهِمْ حَفِظُوا لَفْظَهُ وكَرَّرُوهُ وما نَسُوهُ وفَهِمُوا مَعْناهُ، وهم مَعَ ذَلِكَ لا يَقُولُونَ إلّا الباطِلَ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: أنْ لا تَقُولُوا بِتاءِ الخِطابِ، وقَرَأ عَلِيٌّ والسُّلَمِيُّ: وادّارَسُوا، وأصْلُهُ وتَدارَسُوا، كَقَوْلِهِ: فادّارَأْتُمْ، أيْ: تَدارَأْتُمْ وقَدْ مَرَّ تَقْرِيرُهُ في العَرَبِيَّةِ، وهَذِهِ القِراءَةُ تُوَضِّحُ أنَّ مَعْنى: ودَرَسُوا ما فِيهِ هو التَّكْرارُ لِقِراءَتِهِ والوُقُوفُ عَلَيْهِ وأنَّ تَأْوِيلَ مَن تَأوَّلَ ودَرَسُوا ما فِيهِ أنَّ مَعْناهُ: ومَحَوْهُ بِتَرْكِ العَمَلِ والفَهْمِ لَهُ، مِن قَوْلِهِمْ: دَرَسَتِ الرِّيحُ الآثارَ إذا مَحَتْها فِيهِ بُعْدٌ، ولَوْ كانَ كَما قِيلَ، لَقِيلَ: رَبْعٌ مَدْرُوسٌ، وخَطٌّ مَدْرُوسٌ، وإنَّما قالُوا: رَبْعٌ دارِسٌ، وخَطٌّ دارِسٌ بِمَعْنى داثِرٍ.

﴿والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ . أيْ ولَثَوابُ دارِ الآخِرَةِ خَيْرٌ مِن تِلْكَ الرِّشْوَةِ الخَبِيثَةِ الخَسِيسَةِ المُعَقِّبَةِ خِزْيَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ومَعْنى: يَتَّقُونَ مَحارِمَ اللَّهِ تَعالى، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ مَكَّةَ: يَعْقِلُونَ بِالياءِ جَرْيًا عَلى الغَيْبَةِ في الضَّمائِرِ السّابِقَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالخِطابِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ إلَيْهِمْ، أوْ عَلى طَرِيقِ خِطابِ هَذِهِ الأُمَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: أفَلا تَعْقِلُونَ حالَ هَؤُلاءِ وما هم عَلَيْهِ مِن سُوءِ العَمَلِ ويَتَعَجَّبُونَ مِن تَجارُئِهِمْ عَلى ذَلِكَ.

7:170Page 172

وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ ١٧٠

But those who hold fast to the Book [i.e., the Qur’ān] and establish prayer - indeed, We will not allow to be lost the reward of the reformers.

﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ الكِتابَ هو السّابِقُ ذِكْرُهُ في: ورِثُوا الكِتَـابَ فَيَجِيءُ الخِلافُ فِيهِ كالخِلافِ في ذَلِكَ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى المُرادِ في قَوْلِهِ: ﴿خَلْفٌ ورِثُوا﴾ [الأعراف: ١٦٩]، وقِيلَ: الكِتابُ هُنا لِلْجِنْسِ أيِ الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ، والتَّمَسُّكُ بِالكِتابِ يَسْتَلْزِمُ إقامَةَ الصَّلاةِ لَكِنَّها أُفْرِدَتْ بِالذِّكْرِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِها؛ لِأنَّها عِمادُ الدِّينِ، بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ الشِّرْكِ تَرْكُ الصَّلاةِ، وقَرَأ عُمَرُ وأبُو العالِيَةِ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: يُمْسِكُونَ مِن أمْسَكَ، والجُمْهُورُ: يُمَسِّكُونَ مُشَدَّدًا (p-٤١٨)مِن مَسَّكَ وهُما لُغَتانِ جَمَعَ بَيْنَهُما كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ فَقالَ:

؎فَما تَمَسَّكُ بِالعَهْدِ الَّذِي زَعَمَتْ إلّا كَما يُمْسِكُ الماءَ الغَرابِيلُ

وأمْسَكَ مُتَعَدٍّ قالَ: ﴿ويُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ﴾ [الحج: ٦٥] فالمَفْعُولُ هُنا مَحْذُوفٌ أيْ يُمْسِكُونَ أعْمالَهم، أيْ: يَضْبُطُونَها، والباءُ عَلى هَذا تَحْتَمِلُ الحالِيَّةَ والآلَةَ، ومَسَّكَ مُشَدَّدٌ بِمَعْنى تَمَسَّكَ، والباءُ مَعَها لِلْآلَةِ، وفَعَّلَ تَأْتِي بِمَعْنى تَفَعَّلَ، نَصَّ عَلَيْهِ التَّصْرِيفِيُّونَ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والأعْمَشُ: اسْتَمْسَكُوا، وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: تَمَسَّكُوا بِالكِتابِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: والَّذِينَ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن لَمْ يَتَمَسَّكْ بِالكِتابِ ذَكَرَ حالَ مَنِ اسْتَمْسَكَ بِهِ، فَيَكُونُ والَّذِينَ عَلى هَذا مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ بَعْدَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] إذا جَعَلْنا الرّابِطَ هو في مَن أحْسَنَ عَمَلًا وهو العُمُومُ كَذَلِكَ هَذا يَكُونُ الرّابِطُ هو العُمُومُ في المُصْلِحِينَ، وقالَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: الرّابِطُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ، أجْرُ المُصْلِحِينَ اعْتِراضٌ، والتَّقْدِيرُ: مَأْجُورُونَ أوْ نَأْجُرُهم. انْتَهى، ولا ضَرُورَةَ إلى ادِّعاءِ الحَذْفِ، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الرّابِطُ هو: المُصْلِحِينَ، وضَعَهُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ، أيْ لا نُضِيعُ أجْرَهُمُ، انْتَهى، وهَذا عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ حَيْثُ أجازَ الرّابِطَ بِالظّاهِرِ إذا كانَ هو المُبْتَدَأُ، فَأجازَ زَيْدٌ قامَ أبُو عَمْرٍو، إذا كانَ أبُو عَمْرٍو كُنْيَةَ زَيْدٍ، كَأنَّهُ قالَ: زَيْدٌ أيْ هو، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ: والَّذِينَ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَطْفًا عَلى: الَّذِينَ يَتَّقُونَ ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ غَيْرَهُ، والِاسْتِئْنافُ هو الظّاهِرُ كَما قُلْنا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском