Abu HayyanAl‑A'raf · 7:17–22

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:17–22

7:17–18Page 152

ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَيۡمَٰنِهِمۡ وَعَن شَمَآئِلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِينَ ١٧

Then I will come to them from before them and from behind them and on their right and on their left, and You will not find most of them grateful [to You]."

قَالَ ٱخۡرُجۡ مِنۡهَا مَذۡءُومٗا مَّدۡحُورٗاۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمۡ أَجۡمَعِينَ ١٨

[Allāh] said, "Depart from it [i.e., Paradise], reproached and expelled. Whoever follows you among them - I will surely fill Hell with you, all together."

﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجِدُ أكْثَرَهم شاكِرِينَ﴾ . الظّاهِرُ أنَّ إتْيانَهُ مِن هَذِهِ الجِهاتِ الأرْبَعِ كِنايَةٌ عَنْ وسْوَسَتِهِ وإغْوائِهِ لَهُ والجِدِّ في إضْلالِهِ مِن كُلِّ وجْهٍ يُمْكِنُ، ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الجِهاتُ يَأْتِي مِنها العَدُوُّ غالِبًا ذَكَرَها لا أنَّهُ يَأْتِي مِنَ الجِهاتِ الأرْبَعِ حَقِيقَةً، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن بَيْنِ أيْدِيهِمُ الآخِرَةُ، أُشَكِّكُهم فِيها، وأنَّهُ لا بَعْثَ ﴿ومِن خَلْفِهِمْ﴾ الدُّنْيا، أُرَغِّبُهم فِيها وزَيَّنَها لَهم، وعَنْهُ أيْضًا وعَنِ النَّخَعِيِّ والحَكَمِ بْنِ عُتْبَةَ عَكْسُ هَذا، وعَنْهُ و﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ﴾ الحَقُّ وعَنْ ﴿شَمائِلِهِمْ﴾ الباطِلُ وعَنْهُ أيْضًا: و﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ﴾ الحَسَناتُ وعَنْ ﴿شَمائِلِهِمْ﴾ السَّيِّئاتُ، وقالَ مُجاهِدٌ: الأوَّلانِ حَيْثُ يُنْصَرُونَ والآخَرانِ حَيْثُ لا يُنْصَرُونَ، وقالَ أبُو صالِحٍ: الأوَّلانِ الحَقُّ والباطِلُ والآخَرانِ الآخِرَةُ والدُّنْيا، وقِيلَ: الأوَّلانِ بِفُسْحَةِ الأمَلِ وبِنِسْيانِ الأجَلِ والآخَرانِ فِيما تَيَسَّرَ وفِيما تَعَسَّرَ، وقِيلَ: الأوَّلانِ فِيما بَقِيَ مِن أعْمارِهِمْ فَلا يُطِيعُونَ وفِيما مَضى مِنها فَلا يَنْدَمُونَ عَلى مَعْصِيَةٍ، والآخَرانِ فِيما مَلَكَتْهُ أيْمانُهم فَلا يُنْفِقُونَهُ في مَعْرُوفٍ ومِن قَبْلِ فَقْرِهِمْ فَلا يَمْتَنِعُونَ عَنْ مَحْظُورٍ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ حاكِيًا عَنْ مَن سَمّاهُ هو حُكَماءُ الإسْلامِ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمُ القُوَّةُ الخَيالِيَّةُ، وهي تَجْمَعُ مِثْلَ المَحْسُوساتِ وصُوَرِها، وهي مَوْضُوعَةٌ في البَطْنِ المُقَدَّمِ مِنَ الدِّماغِ، ومِن خَلْفِهِمُ القُوَّةُ الوَهْمِيَّةُ وهي تَحْكُمُ في غَيْرِ المَحْسُوساتِ بِالأحْكامِ المُناسِبَةِ لِلْمَحْسُوساتِ، وهي مَوْضُوعَةٌ في البَطْنِ المُؤَخَّرِ مِنَ الدِّماغِ، وعَنْ أيْمانِهِمْ قُوَّةُ الشَّهْوَةِ وهي مَوْضُوعَةٌ في البَطْنِ الأيْمَنِ مِنَ القَلْبِ، وعَنْ شَمائِلِهِمْ قُوَّةُ الغَضَبِ وهي مَوْضُوعَةٌ في البَطْنِ الأيْسَرِ مِنَ القَلْبِ، فَهَذِهِ القُوى الأرْبَعَةُ هي الَّتِي يَتَوَلَّدُ عَنْها أحْوالٌ تُوجِبُ زَوالَ السَّعادَةِ الرُّوحانِيَّةِ، والشَّياطِينُ الخارِجَةُ ما لَمْ تَشْعُرْ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ القُوى الأرْبَعِ لَمْ تَقْدِرْ عَلى إلْقاءِ الوَسْوَسَةِ فَهَذا هو السَّبَبُ في تَعْيِينِ هَذِهِ الجِهاتِ الأرْبَعِ وهو وجْهُ تَحْقِيقٍ. انْتَهى. وهو بَعِيدٌ مِن مَناحِي كَلامِ العَرَبِ والمُتَشَرِّعِينَ قالَ: وعَلى هَذا لَمْ يُحْتَجْ إلى ذِكْرِ العُلُوِّ والسُّفْلِ؛ لِأنَّ هاتَيْنِ الجِهَتَيْنِ لَيْسَتا بِمَقَرِّ شَيْءٍ مِنَ القُوى المُفْسِدَةِ لِمَصالِحِ السَّعادَةِ الرُّوحانِيَّةِ. انْتَهى. وقالابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يَقُلْ مِن فَوْقِهِمْ؛ لِأنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِن فَوْقِهِمْ ولَمْ يَقُلْ مِن تَحْتِهِمْ؛ لِأنَّ الإتْيانَ مِن تَحْتِهِمْ فِيهِ تَوَحُّشٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ قِيلَ ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ﴾ ومِن خَلْفِهِمْ بِحَرْفِ الِابْتِداءِ و﴿وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ بِحِرَفِ المُجاوَزَةِ، قَلْتُ: المَفْعُولُ فِيهِ عُدِّيَ إلَيْهِ الفِعْلُ تَعْدِيَتَهُ إلى المَفْعُولِ بِهِ، كَما اخْتَلَفَتْ حُرُوفُ التَّعْدِيَةِ في ذَلِكَ اخْتَلَفَتْ في هَذا، وكانَتْ لُغَةً تُؤْخَذُ ولا تُقاسُ وإنَّما يُفَتَّشُ عَنْ صِحَّةِ مَوْقِعِها فَقَطْ فَلَمّا سَمِعْناهم يَقُولُونَ: جَلَسَ عَنْ يَمِينِهِ وعَلى يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ وعَلى شِمالِهِ، قُلْنا: مَعْنى عَلى يَمِينِهِ أنَّهُ يُمْكِنُ مِن جِهَةِ اليَمِينِ، تُمَكِّنُ المُسْتَعْلِي مِنَ المُسْتَعْلى عَلَيْهِ، ومَعْنى عَنْ يَمِينِهِ أنَّهُ جَلَسَ مُتَجافِيًا عَنْ صاحِبِ اليَمِينِ مُنْحَرِفًا عَنْهُ غَيْرَ مُلاصِقٍ لَهُ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى اسْتُعْمِلَ في المُتَجافِي وغَيْرِهِ، كَما ذَكَرْنا في فِعالٍ ونَحْوِهُ مِنَ المَفْعُولِ بِهِ قَوْلَهم: رَمَيْتُ عَنِ القَوْسِ وعَلى القَوْسِ ومِنَ القَوْسِ؛ لِأنَّ السَّهْمَ يَبْعُدُ عَنْها ويَسْتَعْلِيها إذا وُضِعَ عَلى كَبِدِها لِلرَّمْيِ، ويَبْتَدِئُ الرَّمْيُ مِنها فَكَذَلِكَ قالُوا: جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ وخَلْفَهُ بِمَعْنى في؛ لِأنَّهُما ظَرْفانِ لِلْفِعْلِ، ومِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ يَقَعُ في بَعْضِ الجِهَتَيْنِ، كَما تَقُولُ جِئْتُهُ مِنَ اللَّيْلِ تُرِيدُ بَعْضَ اللَّيْلِ. انْتَهى. وهو كَلامٌ لا بَأْسَ بِهِ، وأقُولُ: إنَّما خَصَّ بَيْنَ الأيْدِي والخَلْفِ بِحَرْفِ الِابْتِداءِ الَّذِي هو أمْكَنُ في الإتْيانِ؛ لِأنَّهُما أغْلَبُ ما يَجِيءُ العَدُوُّ مِنها فَيَنالُ فُرْصَتَهُ، وقَدَّمَ بَيْنَ الأيْدِي عَلى الخَلْفِ؛ لِأنَّها الجِهَةُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى إقَدامِ العَدُوِّ وبَسالَتِهِ في مُواجَهَةِ قِرْنِهِ غَيْرَ خائِفٍ مِنهُ، والخَلْفُ مِن جِهَةٍ غَدْرٌ ومُخاتَلَةٌ، وجَهالَةُ القِرْنِ بِمَن يَغْتالُهُ ويَتَطَلَّبُ غِرَّتَهُ وغَفْلَتَهُ (p-٢٧٧)وخَصَّ الأيْمانَ والشَّمائِلَ الحَرْفَ الَّذِي يَدُلُّ عَلى المُجاوَزَةِ؛ لِأنَّهُما لَيْسَتا بِأغْلَبِ ما يَأْتِي مِنهُما العَدُوُّ، وإنَّما يَتَجاوَزُ إتْيانُهُ إلى الجِهَةِ الَّتِي هي أغْلَبُ في ذَلِكَ، وقُدِّمَتِ الأيْمانُ عَلى الشَّمائِلِ؛ لِأنَّها الجِهَةُ الَّتِي هي القَوِيَّةُ في مُلاقاةِ العَدُوِّ، وبِالأيْمانِ البَطْشُ والدَّفْعُ، فالقِرْنُ الَّذِي يَأْتِي مِن جِهَتِها أبْسَلُ وأشْجَعُ إذْ جاءَ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي هي أقْوى في الدَّفْعِ، والشَّمائِلُ جِهَةٌ لَيْسَتْ في القُوَّةِ والدَّفْعِ كالأيْمانِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: شاكِرِينَ مُوَحِّدِينَ، وعَنْهُ وعَنْ غَيْرِهِ مُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ ابْنَ آدَمَ لا يَشْكُرُ نِعْمَةَ اللَّهِ إلّا بِأنْ يُؤْمِنَ، وقالَ مُقاتِلٌ شاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ، وقالَ الحَسَنُ: ثابِتِينَ عَلى طاعَتِكَ ولا يَشْكُرُكَ إلّا القَلِيلُ مِنهم وهَذِهِ الجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ داخِلَةً في خَبَرِ القَسَمِ مَعْطُوفَةً عَلى جَوابِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ لَيْسَ مُقْسَمًا عَلَيْهِ، أخْبَرَ أنَّ سِعايَتَهُ وإتْيانَهُ إيّاهم مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ يَفْعَلُ ذَلِكَ وهَلْ هَذا الإخْبارُ مِنهُ كانَ عَلى سَبِيلِ التَّظَنِّي، لِقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبإ: ٢٠]، أوْ عَلى سَبِيلِ العِلْمِ قَوْلانِ، وسَبِيلُ العِلْمِ إمّا رُؤْيَتُهُ ذَلِكَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، أوِ اسْتِفادَتُهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبإ: ١٣]، أوْ مِنَ المَلائِكَةِ بِإخْبارِ اللَّهِ لَهم، أوْ بِقَوْلِهِمْ ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠]، أوْ بِإغْواءِ آدَمَ، وذُرِّيَّتُهُ أضْعَفُ مِنهُ، أوْ يَكُونُ قُوى ابْنِ آدَمَ تِسْعَةَ عَشَرَ قُوَّةً، وهي خَمْسُ حَواسٍّ ظاهِرَةٍ وخَمْسٌ باطِنَةٌ، والشَّهْوَةُ والغَضَبُ، وسَبْعٌ سابِقَةٌ وهي الجاذِبَةُ والمُمْسِكَةُ والهاضِمَةُ والدّافِعَةُ والقاذِفَةُ والنّامِيَةُ والمُوَلِّدَةُ، وكُلُّها تَدْعُو إلى عالَمِ الجِسْمِ إلى اللَّذّاتِ البَدَنِيَّةِ، والعَقْلُ قُوَّةٌ واحِدَةٌ تَدْعُو إلى عِبادَةِ اللَّهِ وتِلْكَ في أوَّلِ الخَلْقِ، والعَقْلُ إذْ ذاكَ ضَعِيفٌ، أقْوالٌ سِتَّةٌ.

﴿قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى الجَنَّةِ والخِلافُ فِيهِ كالخِلافِ في ﴿فاهْبِطْ مِنها﴾ [الأعراف: ١٣] وهَذِهِ ثَلاثُ أوامِرَ، أمْرٌ بِالهُبُوطِ مُطْلَقًا، وأمْرٌ بِالخُرُوجِ مُخْبِرًا أنَّهُ ذُو صَغارٍ، وأمْرٌ بِالخُرُوجِ مُقَيَّدًا بِالذَّمِّ والطَّرْدِ، وقالَ قَتادَةُ: (مَذْءُومًا) لَعِينًا، وقالَ الكَلْبِيُّ: مَلُومًا، وقالَ مُجاهِدٌ: مَنفِيًّا، وقِيلَ: مَمْقُوتًا و(مَدْحُورًا) مُبْعَدًا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، أوْ مِنَ الخَيْرِ، أوْ مِنَ الجَنَّةِ، أوْ مِنَ التَّوْفِيقِ، أوْ مِن خَواصِّ المُؤْمِنِينَ، أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ والأعْمَشُ: مَذُومًا بِضَمِّ الذّالِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ فَتَحْتَمِلُ هَذِهِ القِراءَةُ وجْهَيْنِ أحَدَهُما، وهو الأظْهَرُ، أنْ تَكُونَ مِن ذَأمَ المَهْمُوزُ سَهَّلَ الهَمْزَةَ وحَذَفَها وألْقى حَرَكَتَها عَلى الذّالِ. والثّانِي أنْ يَكُونَ مِن ذامَ غَيْرِ المَهْمُوزِ يَذِيمُ كَباعَ يَبِيعُ فَأبْدَلَ الواوَ بِياءٍ، كَما قالُوا في مَكِيلٍ: مَكُولٌ، وانْتَصَبَ (مَدْحُورًا) عَلى أنَّهُ حالٌ ثانِيَةٌ عَلى مَن جَوَّزَ ذَلِكَ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في مَذْءُومًا، أوْ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: (مَذْءُومًا) .

﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهم لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ (لَمَن) بِفَتْحِ اللّامِ، والظّاهِرُ أنَّها اللّامُ المُوَطِّئَةُ لِلْقَسَمِ، و”مَن“ شَرْطِيَّةٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ المَحْذُوفِ قَبْلَ اللّامِ المُوَطِّئَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ الِابْتِداءِ، ومَن مَوْصُولَةً، (ولَأمْلَأنَّ) جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ بَعْدَ مَن تَبِعَكَ، وذَلِكَ القَسَمُ المَحْذُوفُ وجَوابُهُ في مَوْضِعِ خَبَرِ مَنِ المَوْصُولَةِ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وعِصْمَةُ عَنْ أبِي بَكْرٍ (p-٢٧٨)عَنْ عاصِمٍ (لِمَن تَبِعَكَ مِنهم) بِكَسْرِ اللّامِ، واخْتَلَفُوا في تَخْرِيجِها، فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى لِأجْلِ مَن تَبِعَكَ مِنهم (لَأمْلَأنَّ) . انْتَهى. فَظاهِرُ هَذا التَّقْدِيرِ: أنَّ اللّامَ تَتَعَلَّقُ بِلَأمْلَأنَّ، ويَمْتَنِعُ ذَلِكَ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ أنَّ ما بَعْدَ لامِ القَسَمِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِمَعْنى لِمَن تَبِعَكَ مِنهُمُ الوَعِيدُ وهو قَوْلُهُ: ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكم أجْمَعِينَ﴾ عَلى أنَّ (لَأمْلَأنَّ) في مَحَلِّ الِابْتِداءِ ولِمَن تَبِعَكَ خَبَرُهُ. انْتَهى. فَإنْ أرادَ ظاهِرَ كَلامِهِ فَهو خَطَأٌ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (لَأمْلَأنَّ) جُمْلَةٌ هي جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ فَمِن حَيْثُ كَوْنِها جُمْلَةً فَقَطْ لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُبْتَدَأةً، ومِن حَيْثُ كَوْنِها جَوابًا لِلْقَسَمِ يَمْتَنِعُ أيْضًا؛ لِأنَّها إذْ ذاكَ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، ومِن حَيْثُ كَوْنِها مُبْتَدَأةً لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ لَها مَوْضِعٌ، ولا مَوْضِعَ لَها بِحالٍ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ لا في مَوْضِعِ رَفْعٍ داخِلًا عَلَيْها عامِلٌ غَيْرُ داخِلٍ، وذَلِكَ لا يُتَصَوَّرُ، وقالَ أبُو الفَضْلِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ الحَسَنِ الرّازِيُّ: اللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ مِنَ الذَّأْمِ والدَّحْرِ ومَعْناهُ اخْرُجْ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لِأجْلِ أتْباعِكَ. ذُكِرَ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّوامِحِ في شَواذِّ القِراءاتِ ومَعْنى (مِنكم) مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ فَغَلَبَ الخِطابُ عَلى الغَيْبَةِ كَما تَقُولُ أنْتَ وإخْوَتُكَ أُكْرِمُكم.

7:19–21Page 152

وَيَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ فَكُلَا مِنۡ حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩

And "O Adam, dwell, you and your wife, in Paradise and eat from wherever you will but do not approach this tree, lest you be among the wrongdoers."

فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ لِيُبۡدِيَ لَهُمَا مَا وُۥرِيَ عَنۡهُمَا مِن سَوۡءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيۡنِ أَوۡ تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَٰلِدِينَ ٢٠

But Satan whispered to them to make apparent to them that which was concealed from them of their private parts. He said, "Your Lord did not forbid you this tree except that you become angels or become of the immortal."

وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ ٢١

And he swore [by Allāh] to them, "Indeed, I am to you from among the sincere advisors."

﴿ويا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ . أيْ: وقُلْنا يا آدَمُ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في البَقَرَةِ. إلّا أنَّ هُنا فَكُلا مِن حَيْثُ شِئْتُما وفي البَقَرَةِ: ﴿وكُلا مِنها رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُما﴾ [البقرة: ٣٥]، قالُوا: وجاءَتْ عَلى أحَدِ مَحامِلِها وهو أنْ يَكُونَ الثّانِي بَعْدَ الأوَّلِ، وحُذِفَ رَغَدًا هُنا عَلى سَبِيلِ الِاخْتِصارِ، وأُثْبِتَ هُناكَ؛ لِأنَّ تِلْكَ مَدَنِيَّةٌ وهَذِهِ مَكِّيَّةٌ فَوُفِّيَ المَعْنى هُناكَ بِاللَّفْظِ.

﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾، أيْ: فَعَلَ الوَسْوَسَةَ لِأجْلِهِما، وأمّا قَوْلُهُ: (فَوَسْوَسَ) إلَيْهِ فَمَعْناهُ ألْقى الوَسْوَسَةَ إلَيْهِ، قالَ الحَسَنُ: وصَلَتْ وسْوَسَتُهُ لَهُما في الجَنَّةِ وهو في الأرْضِ بِالقُوَّةِ الَّتِي خَلَقَها اللَّهُ لَهُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ يَرُدُّهُ لَفْظُ القُرْآنِ، وقِيلَ: كانَ في السَّماءِ وكانا يَخْرُجانِ إلَيْهِ، وقِيلَ: مِن بابِ الجَنَّةِ وهُما بِها، وقِيلَ: كانَ يَدْخُلُ إلَيْهِما في فَمِ الحَيَّةِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: ألْهَمَهُما، وقالَ ابْنُ القُشَيْرِيِّ: أوْرَدَ عَلَيْهِما الخَواطِرَ المُزَيَّنَةَ، وهَذانِ القَوْلانِ يُخالِفانِ ظاهِرَ القُرْآنِ؛ لِأنَّ ظاهِرَهُ يَدُلُّ عَلى قَوْلٍ ومُحاوَرَةٍ وقَسَمٍ، والظّاهِرُ أنَّ اللّامَ لامُ كَيْ، قَصَدَ إبْداءَ سَوْءاتِهِما وتَنْحَطُّ مَرْتَبَتُهُما بِذَلِكَ، ويَسُوءُهُما بِكَشْفِ ما يَنْبَغِي سَتْرُهُ ولا يَجْتَنِبانِ نَهْيَ اللَّهِ، فَيَكُونُ هو وهُما سَواءً في المُخالَفَةِ، هو أُمِرَ بِالسُّجُودِ فَأبى، وهُما نُهِيا فَلَمْ يَنْتَهِيا، وقالَ قَوْمٌ: إنَّها لامُ الصَّيْرُورَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلِمٌ بِهَذِهِ العُقُوبَةِ المَخْصُوصَةِ فَيَقْصُدُها، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كَشْفَ العَوْرَةِ مِن عَظائِمِ الأُمُورِ، وأنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُسْتَهْجَنًا في الطِّباعِ مُسْتَقْبَحًا في العُقُولِ. انْتَهى. وهو عَلى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزالِيِّ في أنَّ العَقْلَ يُقَبِّحُ ويُحَسِّنُ، والظّاهِرُ أنَّهُ يُرادُ مَدْلُولُ سَوْءاتِهِما نَفْسِهِما وهُما الفَرْجُ والدُّبُرُ (p-٢٧٩)قِيلَ: وكانا لا يَرَيانِهِما قَبْلَ أكْلِ الشَّجَرَةِ فَلَمّا أكَلا بَدَتا لَهُما، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ كُلُّ واحِدٍ يَرى سَوْءَةَ صاحِبِهِ، وقالَ قَتادَةُ كَنّى بِسَوْءاتِهِما عَنْ جَمِيعِ بَدَنِهِما وذَكَرَ السَّوْءَةَ؛ لِأنَّها أقْبَحُ ما يَظْهَرُ مِن بَنِي آدَمَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (وُورِيَ)، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: أُورِيَ بِإبْدالِ الواوِ هَمْزَةً وهو بَدَلٌ جائِزٌ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: ”ما وُرِيَ“ بِواوٍ مَضْمُومَةٍ مِن غَيْرِ واوٍ بَعْدَها عَلى وزْنِ كُسِيَ، وقَرَأ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ مِن سَوَّتِهِما بِالإفْرادِ وتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ بِإبْدالِها واوًا وإدْغامِ الواوِ فِيها، وقَرَأ الحَسَنُ أيْضًا، وأبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ وشَيْبَةُ بْنُ نَصّاحٍ: ”مِن سَوّاتِهِما“ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ الواوِ، وقُرِئَ: مِن سَواتِهِما بِواوٍ واحِدَةٍ وحَذْفِ الهَمْزَةِ، ووَجْهُهُ أنَّهُ حَذَفَها وألْقى حَرَكَتَها عَلى الواوِ، فَمَن قَرَأ بِالجَمْعِ فَهو مِن وضْعِ الجَمْعِ مَوْضِعَ التَّثْنِيَةِ كَراهَةَ اجْتِماعِ مِثْلَيْنِ، ومَن قَرَأ بِالإفْرادِ فَمِن وضْعِهِ مَوْضِعَ التَّثْنِيَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الجَمْعُ عَلى أصْلِ وضْعِهِ بِاعْتِبارِ أنَّ كُلَّ عَوْرَةٍ هي الدُّبُرُ والفَرْجُ وذَلِكَ أرْبَعَةٌ: فَهي جَمْعٌ. وإلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِنَ المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، أيْ: ما نَهاكُما رَبُّكُما لِشَيْءٍ إلّا كَراهَةَ أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ ويُقَدِّرُهُ الكُوفِيُّونَ إلّا أنْ تَكُونا، وإضْمارُ الِاسْمِ وهو كَراهَةٌ أحْسَنُ مِن إضْمارِ الحَرْفِ، وهو لا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ بِالمَنظَرِ الأعْلى، وأنَّ البَشَرِيَّةَ تَلْمَحُ مَرْتَبَتَها. انْتَهى. وقالَ ابْنُ فَوْرَكٍ: لا حُجَّةَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ أفْضَلُ مِنَ البَشَرِ؛ لِأنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مَلَكَيْنِ في أنْ لا يَكُونَ لَهُما شَهْوَةً في طَعامٍ. انْتَهى. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، والضَّحّاكُ ويَحْيى بْنُ كَثِيرٍ والزُّهْرِيُّ، وابْنُ حَكِيمٍ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مَلِكَيْنِ بِكَسْرِ اللّامِ، ويَدُلُّ لِهَذِهِ القِراءَةِ ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه: ١٢٠] ومِنَ الخالِدِينَ مِنَ الَّذِينَ لا يَمُوتُونَ ويَبْقُونَ في الجَنَّةِ ساكِنِينَ.

﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ لَمْ يَكْتَفِ إبْلِيسُ بِالوَسْوَسَةِ وهو الإلْقاءُ في خُفْيَةٍ سِرًّا ولا بِالقَوْلِ حَتّى أقْسَمَ عَلى أنَّهُ ناصِحٌ لَهُما. والمُقاسَمَةُ مُفاعَلَةٌ تَقْتَضِي المُشارَكَةَ في الفِعْلِ فَتُقْسِمُ لِصاحِبِكَ ويُقْسِمُ لَكَ، تَقُولَ قاسَمْتُ فُلانًا حالَفْتُهُ وتَقاسَما تَحالَفا، وأمّا هُنا فَمَعْنى وقاسَمَهُما أقْسَمَ لَهُما؛ لِأنَّ اليَمِينَ لَمْ يُشارِكاهُ فِيها. وهو كَقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎وقاسَمَهُما بِاللَّهِ جَهْدًا لَأنْتُمُ ألَذُّ مِنَ السَّلْوى إذا ما نَشُورُها

و”فاعَلَ“ قَدْ يَأْتِي بِمَعْنى ”أفْعَلَ“ نَحْوُ باعَدْتُ الشَّيْءَ وأبْعَدْتُهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقاسَمَهُما، أيْ: حَلَفَ لَهُما، وهي مُفاعَلَةٌ إذْ قَبُولُ المَحْلُوفِ لَهُ وإقْبالِهِ عَلى مَعْنى اليَمِينِ كالقَسَمِ وتَقْرِيرِهِ وإنْ كانَ بادِيَ الرَّأْيِ يَعْنِي أنَّها مِن واحِدٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَأنَّهُ قالَ لَهُما أُقْسِمُ لَكُما أنِّي لَمِنَ النّاصِحِينَ وقالا لَهُ أتُقْسِمُ بِاللَّهِ إنَّكَ لَمِنَ النّاصِحِينَ، فَجَعَلَ ذَلِكَ مُقاسَمَةً بَيْنَهم، أوْ أقْسَمَ لَهُما بِالنَّصِيحَةِ وأقْسَما لَهُ بِقَبُولِها، أوْ أخْرَجَ قَسَمَ إبْلِيسَ عَلى وزْنِ المُفاعَلَةِ؛ لِأنَّهُ اجْتَهَدَ فِيها اجْتِهادَ المُقاسِمِ. انْتَهى. وقُرِئَ وقاسَمَهُما بِاللَّهِ و(لَكُما) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ناصِحٌ لَكُما، أوْ أعْنِي، أوْ بِالنّاصِحِينَ، عَلى أنَّ ألْ مَوْصُولَةٌ وتُسُومِحَ في الظَّرْفِ والمَجْرُورِ ما لا يُتَسامَحُ في غَيْرِهِما، أوْ عَلى أنَّ ألْ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ لا مَوْصُولَةً، أوْجُهٌ مَقُولَةٌ.

﴿فَدَلّاهُما بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢]، أيِ: اسْتَنْزَلَهُما إلى الأكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ بِغُرُورِهِ، أيْ: بِخِداعِهِ إيّاهُما وإظْهارِ النُّصْحِ وإبِطانِ الغِشِّ وإطْماعِهِما أنْ يَكُونا مَلَكَيْنِ، أوْ خالِدَيْنِ وبِإقْسامِهِ أنَّهُ ناصِحٌ لَهُما جَعَلَ مَن يَغْتَرُّ بِالكَلامِ حَتّى يُصَدِّقَ فَيَقَعُ في مُصِيبَةٍ بِالَّذِي يُدْلِي مِن عُلُوٍّ إلى أسْفَلَ بِحَبْلٍ ضَعِيفٍ فَيَنْقَطِعُ بِهِ فَيَهْلِكُ، وقالَ الأزْهَرِيُّ: لِهَذِهِ الكَلِمَةِ أصْلانِ أحَدُهُما: أنَّ الرَّجُلَ يُدْلِي دَلْوَهُ في البِئْرِ لِيَأْخُذَ الماءَ فَلا يَجِدُ فِيها ماءً، وُضِعَتِ التَّدْلِيَةُ مَوْضِعَ الطَّمَعِ فِيما لا فائِدَةَ فِيهِ فَيُقالُ: دَلّاهُ، أيْ: أطْمَعَهُ الثّانِي جَرَّأهُما عَلى أكْلِ الشَّجَرَةِ، والأصْلُ فِيهِ دَلَلْهُما مِنَ الدّالِّ والدَّلالَةِ وهُما الجَراءَةُ. انْتَهى. فَأُبْدِلَ مِنَ المُضاعَفِ الأخِيرِ حَرْفُ عِلَّةٍ، كَما قالُوا: تَظَنَّيْتُ وأصْلُهُ تَظَنَّنْتُ (p-٢٨٠)ومِن كَلامِ بَعْضِ العُلَماءِ: خَدَعَ الشَّيْطانُ آدَمَ فانْخَدَعَ، ونَحْنُ مَن خَدَعَنا بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ انْخَدَعْنا لَهُ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ قَتادَةَ وعَنِ ابْنِ عُمَرَ.

﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ [الأعراف: ٢٢]، أيْ: وجَدا طَعْمَها آكِلِينَ مِنها كَما قالَ تَعالى فَأكَلا مِنها وتَطايَرَتْ عَنْهُما مَلابِسُ الجَنَّةِ فَظَهَرَتْ لَهُما عَوْراتُهُما وتَقَدَّمَ أنَّهُما كانا قَبْلَ ذَلِكَ لا يَرَيانِها مِن أنْفُسِهِما، ولا أحَدَهُما مِنَ الآخَرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُبَيْرٍ: كانَ عَلَيْهِما ظُفُرٌ كاسٍ فَلَمّا أكَلا تَبَلَّسَ عَنْهُما فَبَدَتْ سَوْءاتُهُما وبَقِيَ مِنهُ عَلى الأصابِعِ قَدْرُ ما يَتَذَكَّرانِ بِهِ المُخالَفَةَ فَيُجَدِّدانِ النَّدَمَ. وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ عَلَيْهِما نُورٌ يَسْتُرُ عَوْرَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما فانْقَشَعَ بِالأكْلِ ذَلِكَ النُّورُ. وقِيلَ: كانَ عَلَيْهِما نُورٌ فَنَقَصَ وتَجَسَّدَ مِنهُ شَيْءٌ في أظْفارِ اليَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ تَذْكِرَةً لَهُما لِيَسْتَغْفِرُوا في كُلِّ وقْتٍ، وأبْناؤُهُما بِعْدَهُما كَما جَرى لِأُوَيْسٍ القَرَنِيِّ حِينَ أذْهَبَ اللَّهُ عَنْهُ البَرَصَ إلّا لُمْعَةً أبْقاها لِيَتَذَكَّرَ نِعَمَهُ فَيَشْكُرَ. وقالَ قَوْمٌ: لَمْ يَقْصِدْ بِالسَّوْءَةِ العَوْرَةَ، والمَعْنى: انْكَشَفَ لَهُما مَعايِشُهُما وما يَسُوؤُهُما، وهَذا القَوْلُ يَنْبُو عَنْهُ دَلالَةُ اللَّفْظِ ويُخالِفُ قَوْلَ الجُمْهُورِ، وقِيلَ: أكَلَتْ حَوّاءُ أوَّلًا فَلَمْ يُصِبْها شَيْءٌ، ثُمَّ آدَمُ فَكانَ البُدُوُّ.

7:22Page 152

فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٖۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمۡ أَنۡهَكُمَا عَن تِلۡكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمَا عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٢٢

So he made them fall, through deception. And when they tasted of the tree, their private parts became apparent to them, and they began to fasten together over themselves from the leaves of Paradise. And their Lord called to them, "Did I not forbid you from that tree and tell you that Satan is to you a clear enemy?"

﴿وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾، أيْ: جَعَلا يُلْصِقانِ ورَقَةً عَلى ورَقَةٍ ويُلْصِقانِهِما بَعْدَما كانَتْ كِساهُما حُلَلُ الجَنَّةِ، ظَلّا يَسْتَتِرانِ بِالوَرَقِ كَما قِيلَ:

؎لِلَّهِ دَرُّهم مِن فِتْيَةٍ بَكَرُوا مِثْلَ المُلُوكِ وراحُوا كالمَساكِينِ

والأوْلى أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ في (عَلَيْهِما) عَلى عَوْرَتَيْهِما كَأنَّهُ قِيلَ (يَخْصِفانِ) عَلى سَوْءَتِهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ، وعادَ بِضَمِيرِ الِاثْنَيْنِ؛ لِأنَّ الجَمْعَ يُرادُ بِهِ اثْنانِ ولا يَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى آدَمَ وحَوّاءَ؛ لِأنَّهُ تَقَرَّرَ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ أنَّهُ لا يَتَعَدّى فِعْلُ الظّاهِرِ والمُضْمَرِ المُتَّصِلِ إلى المُضْمَرِ المُتَّصِلِ المَنصُوبِ لَفْظًا، أوْ مَحَلًّا في غَيْرِ بابِ ظَنَّ وفَقَدَ وعَلِمَ ووَجَدَ، لا يَجُوزُ زَيْدٌ ضَرَبَهُ ولا ضَرَبَهُ زَيْدٌ ولا زَيْدٌ مَرَّ بِهِ زَيْدٌ، فَلَوْ جَعَلْنا الضَّمِيرَ في (عَلَيْهِما) عائِدًا عَلى آدَمَ وحَوّاءَ لَلَزِمَ مِن ذَلِكَ تَعَدِّي يَخْصِفُ إلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ مَحَلًّا، وقَدْ رُفِعَ الضَّمِيرُ المُتَّصِلُ وهو الألِفُ في يَخْصِفانِ، فَإنْ أُخِذَ ذَلِكَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ مُرادٍ جازَ ذَلِكَ، وتَقْدِيرُهُ: يَخْصِفانِ عَلى بَدَنَيْهِما، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الوَرَقُ الَّذِي خَصَفا مِنهُ ورَقُ الزَّيْتُونِ، وقِيلَ: ورَقُ شَجَرِ التِّينِ، وقِيلَ: ورَقُ المَوْزِ، ولَمْ يَثْبُتْ تَعْيِينُها لا في القُرْآنِ ولا في حَدِيثٍ صَحِيحٍ، وقَرَأ أبُو السَّمّالِ (وطَفَقا) بِفَتْحِ الفاءِ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ (يُخْصِفانِ) مِن أخْصَفَ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أفْعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الهَمْزَةُ لِلتَّعْدِيَةِ مِن خَصَفَ، أيْ: يَخْصِفانِ أنْفُسَهُما، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ وثّابٍ (يَخِصِّفانِ) بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الخاءِ والصّادِ وشَدِّها، وقَرَأ الحَسَنُ فِيما رَوى عَنْهُ مَحْبُوبٌ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ فَتَحَ الخاءَ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ وعَنْ يَعْقُوبَ، وقُرِئَ (يُخَصِّفانِ) بِالتَّشْدِيدِ مِن خَصَّفَ عَلى وزْنِ فَعَّلَ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ (يُخُصِّفانِ) بِضَمِّ الياءِ والخاءِ وتَشْدِيدِ الصّادِ وكَسْرِها، وتَقْرِيرُ هَذِهِ القِراءاتِ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ.

﴿وناداهُما رَبُّهُما ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ لَمّا كانَ وقْتُ الهَناءِ شُرِّفَ بِالتَّصْرِيحِ بِاسْمِهِ في النِّداءِ، فَقِيلَ: ”﴿ويا آدَمُ اسْكُنْ﴾ [الأعراف: ١٩]“، وحِينَ كانَ وقْتُ العِتابِ أخْبَرَ أنَّهُ ناداهُ ولَمْ يُصَرِّحْ بِاسْمِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ تَعالى كَلَّمَهُما بِلا واسِطَةٍ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ كَلَّمَ آدَمَ ما في تارِيخِ ابْنِ أبِي خَيْثَمَةَ أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سُئِلَ عَنْ آدَمَ فَقالَ: نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ، وقالَ الجُمْهُورُ: (p-٢٨١)إنَّ النِّداءَ كانَ بِواسِطَةِ الوَحْيِ ويُؤَيِّدُهُ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو الَّذِي خُصَّ مِن بَيْنِ العالَمِ بِالكَلامِ، وفي حَدِيثِ الشَّفاعَةِ إنَّهم يَقُولُونَ لَهُ أنْتَ الَّذِي خَصَّكَ اللَّهُ بِكَلامِهِ، وقَدْ يُقالُ: إنَّهُ خَصَّهُ بِكَلامِهِ وهو في الأرْضِ، وأمّا آدَمُ فَكانَ ذَلِكَ لَهُ في الجَنَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا في قَوْلِهِ ﴿مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] إنَّ مِنهم مُحَمَّدًا كَلَّمَهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الإسْراءِ ولَمْ يُكَلِّمْهُ في الأرْضِ، فَيَكُونُ مُوسى مُخْتَصًّا بِكَلامِهِ في الأرْضِ، وقِيلَ: النِّداءُ لِآدَمَ عَلى الحَقِيقَةِ ولَمْ يُرْوَ قَطُّ أنَّ اللَّهَ كَلَّمَ حَوّاءَ، والنِّداءُ هو دُعاءُ الشَّخْصِ بِاسْمِهِ العَلَمِ، أوْ بِنَوْعِهِ، أوْ بِوَصْفِهِ ولَمْ يُصَرِّحْ هُنا بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ، والجُمْلَةُ مَعْمُولَةٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: قائِلًا: ألَمْ أنْهَكُما وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ العِتابُ عَلى ما صَدَرَ مِنهُما، والتَّنْبِيهُ عَلى مَوْضِعِ الغَفْلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكُما الشَّجَرَةِ﴾، ﴿ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [الأعراف: ١٩] إشارَةٌ لَطِيفَةٌ حَيْثُ كانَ مُباحًا لَهُ الأكْلُ قارًّا ساكِنًا، أُشِيرَ إلى الشَّجَرَةِ بِاللَّفْظِ الدّالِّ عَلى القُرْبِ والتَّمَكُّنِ مِنَ الأشْجارِ فَقِيلَ: ﴿ولا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [الأعراف: ١٩] وحَيْثُ كانَ تَعاطِي مُخالَفَةِ النَّهْيِ وقُرْبُ إخْراجِهِ مِنَ الجَنَّةِ واضْطِرابُ حالِهِ فِيها وفَرَّ عَلى وجْهِهِ فِيها قِيلَ: ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما فَأُشِيرَ إلى الشَّجَرَةِ بِاللَّفْظِ الدّالِّ عَلى البُعْدِ والإنْذارِ بِالخُرُوجِ مِنها ﴿وأقُلْ لَكُما﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْنا يا آدَمُ إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ [طه: ١١٧]، وهَذا هو العَهْدُ الَّذِي نَسِيَهُ آدَمُ عَلى مَذْهَبِ مَن يُحْمَلُ النِّسْيانُ عَلى بابِهِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَيَّنَ العَداوَةَ حَيْثُ أبى السُّجُودَ وقالَ: ﴿لَأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦] رُوِيَ أنَّهُ تَعالى قالَ لِآدَمَ: ألَمْ يَكُنْ لَكَ فِيما مَنَحْتُكَ مِن شَجَرِ الجَنَّةِ مَندُوحَةٌ عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَقالَ بَلى وعِزَّتِكَ، ولَكِنْ ما ظَنَنْتُ أنَّ أحَدًا مِن خَلْقِكَ يَحْلِفُ كاذِبًا قالَ فَوَعِزَّتِي لَأُهْبِطَنَّكَ إلى الأرْضِ، ثُمَّ لا تَنالُ إلّا كَدًّا. فَأُهْبِطَ، وعُلِّمَ صَنْعَةَ الحَدِيدِ وأُمِرَ بِالحَرْثِ فَحَرَثَ وسَقى وحَصَدَ ودَرَسَ وذَرّا وعَجَنَ وخَبَزَ، وقَرَأ أُبَيٌّ: ألَمْ تُنْهَيا عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ، وقِيلَ لَكُما.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском