Abu HayyanAl‑A'raf · 7:87–93

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:87–93

7:87Page 161

وَإِن كَانَ طَآئِفَةٞ مِّنكُمۡ ءَامَنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦ وَطَآئِفَةٞ لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ فَٱصۡبِرُواْ حَتَّىٰ يَحۡكُمَ ٱللَّهُ بَيۡنَنَاۚ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٨٧

And if there should be a group among you who has believed in that with which I have been sent and a group that has not believed, then be patient until Allāh judges between us. And He is the best of judges."

﴿وإنْ كانَ طائِفَةٌ مِنكم آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ هَذا الكَلامُ مِن أحْسَنِ ما تَلَطَّفَ بِهِ في المُحاوَرَةِ إذْ بَرَزَ المُتَحَقِّقُ في صُورَةِ المَشْكُوكِ فِيهِ، وذَلِكَ أنَّهُ قَدْ آمَنَ بِهِ طائِفَةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِ المُسْتَكْبِرِينَ عَنِ الإيمانِ (p-٣٤١)﴿لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ﴾ [الأعراف: ٨٨] وهو أيْضًا مِن بارِعِ التَّقْسِيمِ إذْ لا يَخْلُو قَوْمُهُ مِنَ القِسْمَيْنِ، والَّذِي أُرْسِلَ بِهِ هُنا ما أمَرَهم بِهِ مِن إفْرادِ اللَّهِ تَعالى بِالعِبادَةِ وإيفاءِ الكَيْلِ والمِيزانِ ونَهاهم عَنْهُ مِنَ البَخْسِ والإفْسادِ والقُعُودِ المَذْكُورِ، ومُتَعَلِّقُ (لَمْ يُؤْمِنُوا) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ وتَقْدِيرُهُ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، والخِطابُ بِقَوْلِهِ (مِنكم) لِقَوْمِهِ ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (فاصْبِرُوا) خِطابًا لِفَرِيقَيْ قَوْمِهِ مَن آمَنَ ومَن لَمْ يُؤْمِن، و(بَيْنَنا) أيْ بَيْنَ الجَمِيعِ فَيَكُونُ ذَلِكَ وعْدًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالنَّصْرِ الَّذِي هو نَتِيجَةُ الصَّبْرِ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا ووَعِيدًا لِلْكافِرِينَ بِالعُقُوبَةِ والخَسارِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى وإنْ كُنْتُمْ يا قَوْمِ قَدِ اخْتَلَفْتُمْ عَلَيَّ وشَعَّبْتُمْ بِكُفْرِكم أمْرِي فَآمَنَتْ طائِفَةٌ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ، فاصْبِرُوا أيُّها الكَفَرَةُ حَتّى يَأْتِيَ حُكْمُ اللَّهِ بَيْنِي وبَيْنَكم، فَفي قَوْلِهِ فاصْبِرُوا قُوَّةُ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ هَذا ظاهِرُ الكَلامِ، وإنَّ المُخاطَبَةَ بِجَمِيعِ الآيَةِ لِلْكُفّارِ، قالَ النَّقّاشُ وقالَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ: المَعْنى ﴿فاصْبِرُوا﴾ يا مَعْشَرَ الكُفّارِ قالَ: وهَذا قَوْلُ الجَماعَةِ انْتَهى. وهَذا القَوْلُ بَدَأ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ ﴿فاصْبِرُوا﴾ فَتَرَبَّصُوا وانْتَظَرُوا ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا﴾ أيْ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ بِأنْ يَنْصُرَ المُحِقِّينَ عَلى المُبْطِلِينَ ويُظْهِرَهم عَلَيْهِمْ، وهَذا وعِيدٌ لِلْكافِرِينَ بِانْتِقامِ اللَّهِ تَعالى مِنهم لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: ٥٢] انْتَهى. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وحَكى مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ أنَّ الخِطابَ بِقَوْلِهِ ﴿فاصْبِرُوا﴾ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى مَعْنى الوَعْدِ لَهم، وقالَهُ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ انْتَهى. وثَنى بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ أوْ هو مَوْعِظَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وحَثٌّ عَلى الصَّبْرِ واحْتِمالِ ما كانَ يَلْحَقُهم مِن أذى المُشْرِكِينَ إلى أنْ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهم ويَنْتَقِمَ لَهم مِنهُمُ انْتَهى. والَّذِي قَدَّمْناهُ أوَّلًا مِن أنَّهُ خِطابٌ لِلْفَرِيقَيْنِ هو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ وأتى بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ ثالِثًا، فَقالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْفَرِيقَيْنِ لِيَصْبِرَ المُؤْمِنُونَ عَلى أذى الكُفّارِ ولِيَصْبِرَ الكُفّارُ عَلى ما يَسُوءُهم مِن إيمانِ مَن آمَنَ مِنهم حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ فَيَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ انْتَهى. وهو جارٍ عَلى عادَتِهِ مِن ذِكْرِ تَجْوِيزاتٍ في الكَلامِ تُوهِمُ أنَّها مِن قَوْلِهِ، وهي أقْوالٌ لِلْعُلَماءِ المُتَقَدِّمِينَ ﴿وهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ لِأنَّ حُكْمَهُ عَدْلٌ لا يُخْشى أنْ يَكُونَ فِيهِ حَيْفٌ وجَوْرٌ.

7:88–89Page 162

۞ قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَنُخۡرِجَنَّكَ يَٰشُعَيۡبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرۡيَتِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۚ قَالَ أَوَلَوۡ كُنَّا كَٰرِهِينَ ٨٨

Said the eminent ones who were arrogant among his people, "We will surely evict you, O Shuʿayb, and those who have believed with you from our city, or you must return to our religion." He said, "Even if we were unwilling?

قَدِ ٱفۡتَرَيۡنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنۡ عُدۡنَا فِي مِلَّتِكُم بَعۡدَ إِذۡ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنۡهَاۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَاۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَاۚ رَبَّنَا ٱفۡتَحۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ قَوۡمِنَا بِٱلۡحَقِّ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰتِحِينَ ٨٩

We would have invented against Allāh a lie if we returned to your religion after Allāh had saved us from it. And it is not for us to return to it except that Allāh, our Lord, should will. Our Lord has encompassed all things in knowledge. Upon Allāh we have relied. Our Lord, decide between us and our people in truth, and You are the best of those who give decision."

﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ ﴿وقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٠] ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٩١] ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٩٢] ﴿فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا قَوْم لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٩٣] ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف: ٩٤] ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٥] ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦] ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧] ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٨] ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ ونَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأعراف: ١٠٠] ﴿تِلْكَ القُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْبائِها ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠١] ﴿وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢] ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِها فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٣] ﴿وقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٤] ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٠٥] ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٦] ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٨] ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٠٩] ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ [الأعراف: ١١٠] ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الأعراف: ١١١] ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٢] ﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ [الأعراف: ١١٣] ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الأعراف: ١١٤] ﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١١٥] ﴿قالَ ألْقُوا فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ واسْتَرْهَبُوهم وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦]

(p-٣٤٢)عادَ: رَجَعَ إلى ما كانَ عَلَيْهِ وتَأْتِي بِمَعْنى صارَ. قالَ:

؎تُعِدْ فِيكم جَزْرَ الجَزُورِ رِماحُنا ويَرْجِعْنَ بِالأسْيافِ مُنْكَسِراتِ

ضُحًى: ظَرْفٌ مُتَصَرِّفٌ إنْ كانَ نَكِرَةً، وغَيْرُ مُتَصَرِّفٍ إذا كانَ مِن يَوْمٍ بِعَيْنِهِ، وهو وقْتُ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ إذا طَلَعَتْ وهو مُؤَنَّثٌ وشَذُّوا في تَصْغِيرِهِ فَقالُوا: ضُحَيٌّ بِغَيْرِ تاءِ التَّأْنِيثِ، وتَقُولُ أتَيْتُهُ ضُحًى وضَحاءً، إذا فَتَحْتَ الضّادَ مَدَدْتَ، الثُّعْبانُ: ذَكَرُ الحَيّاتِ العَظِيمُ، أُخِذَ مَن ثَعَبْتَ بِالمَكانِ فَجَّرْتَهُ بِالماءِ، والمَثْعَبُ مَوْضِعُ انْفِجارِ الماءِ؛ لِأنَّ الثُّعْبانَ يَجْرِي كالماءِ عِنْدَ الِانْفِجارِ. الإرْجاءُ: التَّأْخِيرُ، المَدِينَةُ: مَعْرُوفَةٌ مُشْتَقَّةٌ مَن مَدَنَ فَهي فَعِيلَةٌ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّها مَفْعَلَةٌ مِن دانَ فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ لِإجْماعِ العَرَبِ عَلى الهَمْزِ في جَمْعِها قالُوا مَدائِنُ بِالهَمْزِ، ولا يُحْفَظُ فِيهِ مَدايِنُ بِالياءِ، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى أنَّها مَفْعَلَةٌ ويَقْطَعُ بِأنَّها فَعِيلَةٌ جَمْعُهم لَها عَلى فُعُلٍ قالُوا: مُدُنٌ، كَما قالُوا صُحُفٌ في صَحِيفَةٍ.

﴿قالَ المَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾، أيِ: الكُفّارُ ﴿الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ عَنِ الإيمانِ أقْسَمُوا عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ إخْراجِ شُعَيْبٍ وأتْباعِهِ، أوْ عَوْدَتِهِمْ في مِلَّتِهِمْ، والقَسَمُ يَكُونُ عَلى فِعْلِ المُقْسِمِ وفِعْلِ غَيْرِهِ سَوَّوْا بَيْنَ نَفْيِهِ ونَفْيِ أتْباعِهِ وبَيْنَ العَوْدِ في المِلَّةِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى صُعُوبَةِ مُفارَقَةِ الوَطَنِ إذْ قَرَنُوا ذَلِكَ بِالعَوْدِ إلى الكُفْرِ، وفي الإخْراجِ والعَوْدِ طِباقٌ مَعْنَوِيٌّ، وعادَ كَما تَقَدَّمَ لَها اسْتِعْمالانِ أحَدُهُما أنْ تَكُونَ بِمَعْنى صارَ والثّانِي بِمَعْنى رَجَعَ إلى ما كانَ عَلَيْهِ، فَعَلى الأوَّلِ لا إشْكالَ في قَوْلِهِ، أوْ لَتَعُودُنَّ إذْ صارَ فِعْلًا مُسْنَدًا إلى شُعَيْبٍ وأتْباعِهِ ولا يَدُلُّ عَلى أنَّ شُعَيْبًا كانَ في مِلَّتِهِمْ وعَلى المَعْنى الثّانِي يُشْكَلُ؛ لِأنَّ شُعَيْبًا لَمْ يَكُنْ في مِلَّتِهِمْ قَطُّ لَكِنَّ أتْباعَهم كانُوا فِيها، وأُجِيبُ عَنْ هَذا بِوُجُوهٍ، أحَدِها: أنْ يُرادَ بِعَوْدِ شُعَيْبٍ في المِلَّةِ حالُ سُكُوتِهِ عَنْهم قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ لا حالَةَ الضَّلالِ فَإنَّهُ كانَ يُخْفِي دِينَهُ إلى أنْ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، الثّانِي: أنْ يَكُونَ مِن بابِ تَغْلِيبِ حُكْمِ الجَماعَةِ عَلى الواحِدِ لَمّا عَطَفُوا أتْباعَهُ عَلى ضَمِيرِهِ في الإخْراجِ سَحَبُوا عَلَيْهِ حُكْمَهم في العَوْدِ، وإنْ كانَ شُعَيْبٌ بَرِيئًا مِمّا كانَ عَلَيْهِ أتْباعُهُ قَبْلَ الإيمانِ، الثّالِثُ: أنَّ رُؤَساءَهم قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّلْبِيسِ عَلى العامَّةِ والإيهامِ أنَّهُ كانَ مِنهم.

﴿قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾، أيْ: أيَقَعُ مِنكم أحَدُ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ عَلى كُلِّ حالٍ حَتّى في حالِ كَراهِيَّتِنا لِذَلِكَ، والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْقِيفِ عَلى شُنْعَةِ المَعْصِيَةِ بِما أقْسَمُوا (p-٣٤٣)عَلَيْهِ مِنَ الإخْراجِ عَنْ مَواطِنِهِمْ ظُلْمًا، أوِ الإقْرارِ بِالعَوْدِ في مِلَّتِهِمْ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ والواوُ واوُ الحالِ تَقْدِيرُهُ أتُعِيدُونَنا في مِلَّتِكم في حالِ كَراهَتِنا، أوْ مَعَ كَوْنِنا كارِهِينَ. انْتَهى. فَجَعَلَ الِاسْتِفْهامَ خاصًّا بِالعَوْدِ في مِلَّتِهِمْ ولَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الِاسْتِفْهامُ هو عَنْ أحَدِ الأمْرَيْنِ الإخْراجِ أوِ العَوْدِ، وجَعَلَ الواوَ واوَ الحالِ، وتَقْدِيرُهُ أتُعِيدُونَنا في حالِ كَراهَتِنا ولَيْسَتْ واوَ الحالِ الَّتِي يُعَبِّرُ عَنْها النَّحْوِيُّونَ بِواوِ الحالِ، بَلْ هي واوُ العَطْفِ عُطِفَتْ عَلى حالٍ مَحْذُوفَةٍ كَقَوْلِهِ: «رُدُّوا السّائِلَ ولَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ» لَيْسَ المَعْنى رُدُّوهُ في حالِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ، بَلِ المَعْنى رُدُّوهُ مَصْحُوبًا بِالصَّدَقَةِ ولَوْ مَصْحُوبًا بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ، تَقَدَّمَ لَنا إشْباعُ القَوْلِ في نَحْوِ هَذا.

﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ هَذا إخْبارٌ مُقَيَّدٌ مِن حَيْثُ المَعْنى بِالشَّرْطِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ مِن حَيْثُ الصِّناعَةِ، وتَقْدِيرُهُ ﴿إنْ عُدْنا في مِلَّتِكُمْ﴾ فَقَدِ افْتَرَيْنا، ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ هو جَوابُ الشَّرْطِ إلّا عَلى مَذْهَبِ مَن يُجِيزُ تَقْدِيمَ جَوابِ الشَّرْطِ عَلى الشَّرْطِ فَيُمْكِنُ أنْ يُخَرَّجَ هَذا عَلَيْهِ، وجَوَّزُوا في هَذِهِ الجُمْلَةِ وجْهَيْنِ أحَدَهُما أنْ يَكُونَ إخْبارًا مُسْتَأْنَفًا، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ، كَأنَّهم قالُوا ما أكْذَبَنا عَلى اللَّهِ إنْ عُدْنا في الكُفْرِ بَعْدَ الإسْلامِ؛ لِأنَّ المُرْتَدَّ أبْلَغُ في الِافْتِراءِ مِنَ الكافِرِ، يَعْنِي الأصْلِيَّ؛ لِأنَّ الكافِرَ مُفْتَرٍ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ حَيْثُ يَزْعُمُ أنَّ لِلَّهِ نِدًّا ولا نِدَّ لَهُ، والمُرْتَدُّ مِثْلُهُ في ذَلِكَ وزائِدٌ عَلَيْهِ حَيْثُ يَزْعُمُ أنَّهُ قَدْ بُيِّنَ لَهُ ما خَفِيَ عَلَيْهِ مِنَ التَّمْيِيزِ ما بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الظّاهِرُ أنَّهُ خَبَرٌ، أيْ: قَدْ كُنّا نُواقِعُ أمْرًا عَظِيمًا في الرُّجُوعِ إلى الكُفْرِ، والوَجْهُ الثّانِي أنْ يَكُونَ قَسَمًا عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ اللّامِ، أيْ: واللَّهِ لَقَدِ افْتَرَيْنا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأوْرَدَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ احْتِمالًا قالَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى جِهَةِ القَسَمِ الَّذِي هو في صِيغَةِ الدُّعاءِ، مِثْلُ قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎بَقَّيْتُ وفْرِي وانْحَرَفْتُ عَنِ العُلا ∗∗∗ ولَقِيتُ أضْيافِي بِوَجْهِ عَبُوسِ

وكَما تَقُولُ افْتَرَيْتُ عَلى اللَّهِ أنْ كَلَّمْتُ فُلانًا، ولَمْ يُنْشِدِ ابْنُ عَطِيَّةَ البَيْتَ الَّذِي يُقَيِّدُ قَوْلَهُ: بَقَّيْتُ وما بَعْدَهُ بِالشَّرْطِ، وهو قَوْلُهُ:

؎إنْ لَمْ أشُنَّ عَلى ابْنِ هِنْدٍ غارَةً ∗∗∗ لَمْ تَخْلُ يَوْمًا مِن نِهابِ نُفُوسِ

ولَمّا كانَ أمْرُ الدِّينِ هو الأعْظَمُ عِنْدَ المُؤْمِنِ والمُؤْثَرُ عَلى أمْرِ الدُّنْيا لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى الإخْراجِ وإنْ كانَ أحَدُ الأمْرَيْنِ هو الأعْظَمُ عِنْدَ المُؤْمِنِ والمُؤْثَرُ عَلى الكَذِبِ أقْسَمَ عَلى وُقُوعِهِ الكُفّارُ فَقالُوا قَدِ افْتَرَيْنا عَلى اللَّهِ كَذِبًا إنْ عُدْنا في مِلَّتِكم، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ العَوْدِ بِالصَّيْرُورَةِ، وتَأْوِيلُهُ إنْ كانَ في مَعْنى الرُّجُوعِ إلى ما كانَ الإنْسانُ فِيهِ بِالنِّسْبَةِ إلى النَّبِيِّ المَعْصُومِ مِنَ الكَبائِرِ والصَّغائِرِ.

﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا﴾، أيْ: وما يَنْبَغِي ولا يَتَهَيَّأُ لَنا أنْ نَعُودَ في مِلَّتِكم إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا فَنَعُودُ فِيها، وهَذا الِاسْتِثْناءُ عَلى سَبِيلِ عَذْقِ جَمِيعِ الأُمُورِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وإرادَتِهِ، وتَجْوِيزُ العَوْدِ (p-٣٤٤)مِنَ المُؤْمِنِينَ إلى مِلَّتِهِمْ دُونَ شُعَيْبٍ لِعِصْمَتِهِ بِالنُّبُوَّةِ، فَجَرى الِاسْتِثْناءُ عَلى سَبِيلِ تَغْلِيبِ حُكْمِ الجَمْعِ عَلى الواحِدِ وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الواحِدُ داخِلًا في حُكْمِ الجَمْعِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ اسْتِثْناءَ ما يُمْكِنُ أنْ يَتَعَبَّدَ اللَّهُ بِهِ المُؤْمِنِينَ مِمّا تَفْعَلُهُ الكَفَرَةُ مِنَ القُرُباتِ، فَلَمّا قالَ لَهم إنّا لا نَعُودُ في مِلَّتِكم، ثُمَّ خَشِيَ أنْ يُعْبَدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِن أفْعالِ الكَفَرَةِ فَيُعارِضَ مُلْحِدٌ بِذَلِكَ، ويَقُولُ هَذِهِ عَوْدَةٌ إلى مِلَّتِنا اسْتَثْنى مَشِيئَةَ اللَّهِ فِيما يُمْكِنُ أنْ يُتَعَبَّدَ بِهِ. انْتَهى. وهَذا الِاحْتِمالُ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ إنَّما يَعْنِي النَّجاةَ مِنَ الكَفَرَةِ والمَعاصِيَ لا مِن أعْمالِ البِرِّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ مَعْنى الِاسْتِبْعادِ كَما تَقُولُ لا أفْعَلُ ذَلِكَ حَتّى يَشِيبَ الغُرابُ وحَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ، وقَدْ عُلِمَ امْتِناعُ ذَلِكَ فَهي إحالَةٌ عَلى مُسْتَحِيلٍ، وهَذا تَأْوِيلٌ حَكاهُ المُفَسِّرُونَ ولَمْ يَشْعُرُوا بِما فِيهِ. انْتَهى. وهَذا تَأْوِيلٌ إنَّما هو لِلْمُعْتَزِلَةِ ومَذْهَبُهم أنَّ الكُفْرَ والإيمانَ لَيْسَ بِمَشِيئَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: وما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ واللَّهُ تَعالى مُتَعالٍ أنْ يَشاءَ رِدَّةَ المُؤْمِنِينَ وعَوْدَهم في الكُفْرِ، قُلْتُ: مَعْناهُ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ خِذْلانَنا ومَنعَنا الإلْطافَ لِعِلْمِهِ تَعالى أنَّها لا تَنْفَعُ فِينا، ويَكُونُ عَبَثًا والعَبَثُ قَبِيحٌ لا يَفْعَلُهُ الحَكِيمُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾، أيْ: هو عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا كانَ ويَكُونُ وهو تَعالى يَعْلَمُ أحْوالَ عِبادِهِ كَيْفَ تَتَحَوَّلُ قُلُوبُهم، وكَيْفَ تَنْقَلِبُ وكَيْفَ تَقْسُو بَعْدَ الرِّقَّةِ وتَمْرَضُ بَعْدَ الصِّحَّةِ، وتَرْجِعُ إلى الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ حَسْمًا لِطَمَعِهِمْ في العَوْدِ؛ لِأنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى بِعَوْدِهِمْ في الكُفْرِ مُحالٌ خارِجٌ عَنِ الحِكْمَةِ. انْتَهى. وهَذانِ التَّأْوِيلانِ عَلى مَذْهَبِ المُعْتَزِلَةِ، وقِيلَ: هَذا الِاسْتِثْناءُ إنَّما هو تَسْلِيمٌ وتَأدُّبٌ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وتَعَلُّقُ هَذا التَّأْوِيلِ مِن جِهَةِ اسْتِقْبالِ الِاسْتِثْناءِ ولَوْ كانَ الكَلامُ إنْ شاءَ قَوِيَ هَذا التَّأْوِيلُ. انْتَهى ولَيْسَ يُقَوِّي هَذا التَّأْوِيلَ لا فَرْقَ بَيْنَ إلّا أنْ يَشاءَ وبَيْنَ إلّا إنْ شاءَ؛ لِأنَّ إنْ تُخْلِصُ الماضِيَ لِلِاسْتِقْبالِ كَما تُخْلِصُ أنِ المُضارِعَ لِلِاسْتِقْبالِ، وكِلا الفِعْلَيْنِ مُسْتَقْبَلٌ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿فِيها﴾ يَعُودُ عَلى القَرْيَةِ لا عَلى المِلَّةِ.

﴿وسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِها في الأنْعامِ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾، أيْ: في دَفْعِ ما تَوَعَّدْتُمُونا بِهِ وفي حِمايَتِنا مِنَ الضَّلالِ، وفي ذَلِكَ اسْتِسْلامٌ لِلَّهِ وتَمَسُّكٌ بِلُطْفِهِ، وذَلِكَ يُؤَيِّدُ التَّأْوِيلَ الأوَّلَ في إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُثَبِّتُنا عَلى الإيمانِ ويُوَفِّقُنا لِازْدِيادِ الإيقانِ.

﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾، أيِ: احْكم، والفاتِحُ والفَتّاحُ القاضِي بِلُغَةِ حِمْيَرَ، وقِيلَ: بِلُغَةِ مُرادٍ، وقالَ بَعْضُهم:

؎ألا أبْلِغْ بَنِي عُصَمٍ رَسُولًا ∗∗∗ فَإنِّي عَنْ فُتاحَتِكم غَنِيُّ

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما كُنْتُ أعْرِفُ مَعْنى هَذِهِ اللَّفْظَةِ حَتّى سَمِعْتُ بِنْتَ ذِي يَزَنَ تَقُولُ لِزَوْجِها: تَعالَ (p-٣٤٥)أُفاتِحْكَ، أيْ: أُحاكِمْكَ، وقالَ الفَرّاءُ أهْلُ عُمانَ يُسَمُّونَ القاضِيَ الفاتِحَ، وقالَ السُّدِّيُّ، وابْنُ بَحْرٍ: احْكم بَيْنَنا، قالَ أبُو إسْحاقَ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ المَعْنى أظْهِرْ أمْرَنا حَتّى يَنْفَتِحَ ما بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا ويَنْكَشِفَ ذَلِكَ، وذَلِكَ بِأنْ يَنْزِلَ بِعَدُوِّهِمْ مِنَ العَذابِ ما يَظْهَرُ بِهِ أنَّ الحَقَّ مَعَهم، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ كَثِيرَ الصَّلاةِ، ولَمّا طالَ تَمادى قَوْمُهُ في كُفْرِهِمْ ويَئِسَ مِن صَلاحِهِمْ دَعا عَلَيْهِمْ فاسْتَجابَ دُعاءَهُ وأهْلَكَهم بِالرَّجْفَةِ، وقالَ الحَسَنُ: إنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أرادَ هَلاكَ قَوْمِهِ أمَرَهُ بِالدُّعاءِ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ اسْتَجابَ لَهُ فَأهْلَكَهم.

7:90–93Page 162

وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَئِنِ ٱتَّبَعۡتُمۡ شُعَيۡبًا إِنَّكُمۡ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ٩٠

Said the eminent ones who disbelieved among his people, "If you should follow Shuʿayb, indeed, you would then be losers."

فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٩١

So the earthquake seized them, and they became within their home [corpses] fallen prone.

ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَاۚ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَانُواْ هُمُ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٩٢

Those who denied Shuʿayb - it was as though they had never resided there. Those who denied Shuʿayb - it was they who were the losers.

فَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰقَوۡمِ لَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَنَصَحۡتُ لَكُمۡۖ فَكَيۡفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوۡمٖ كَٰفِرِينَ ٩٣

And he [i.e., Shuʿayb] turned away from them and said, "O my people, I had certainly conveyed to you the messages of my Lord and advised you, so how could I grieve for a disbelieving people?"

﴿وقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾، أيْ: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، أيْ: كُبَراؤُهم لِأتْباعِهِمْ تَثْبِيطًا عَنِ الإيمانِ: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ فِيما أمَرَكم بِهِ ونَهاكم عَنْهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما جَوابُ القَسَمِ الَّذِي وطَّأتْهُ اللّامُ في ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ﴾ وجَوابُ الشَّرْطِ قُلْتُ: قَوْلُهُ: ﴿إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ سادٌّ مَسَدَّ الجَوابَيْنِ. انْتَهى. والَّذِي تَقُولُ النَّحْوِيُّونَ: إنَّ جَوابَ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ جَوابِ القَسَمِ عَلَيْهِ ولِذَلِكَ وجَبَ مُضِيُّ فِعْلِ الشَّرْطِ فَإنْ عَنى الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: سادٌّ مَسَدَّ الجَوابَيْنِ: إنَّهُ اجْتُزِئَ بِهِ عَنْ ذِكْرِ جَوابِ الشَّرْطِ فَهو قَرِيبٌ، وإنْ عَنى بِهِ أنَّهُ مِن حَيْثُ الصِّناعَةِ النَّحْوِيَّةِ فَلَيْسَ كَما زَعَمَ؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ يَمْتَنِعُ أنْ تَكُونَ لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، وأنْ يَكُونَ لَها مَوْضِعٌ مِنَ الإعْرابِ (وإذًا) هُنا مَعْناها التَّوْكِيدُ، وهي الحَرْفُ الَّذِي هو جَوابٌ ويَكُونُ مَعَهُ الجَزاءُ، وقَدْ لا يَكُونُ، وزَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّها في هَذا المَوْضِعِ ظَرْفٌ العامِلُ فِيهِ (لَخاسِرُونَ) والنُّونُ عِوَضٌ مِنَ المَحْذُوفِ، والتَّقْدِيرُ: أنَّكم إذا اتَّبَعْتُمُوهُ لَخاسِرُونَ فَلَمّا حَذَفَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ عَوَّضَ مِن ذَلِكَ النُّونَ فَصادَفَتِ الألِفَ فالتَقى ساكِنانِ فَحُذِفَ الألِفُ لِالتِقائِهِما، والتَّعْوِيضُ فِيهِ مِثْلُ التَّعْوِيضِ في يَوْمِئِذٍ وحِينَئِذٍ ونَحْوِهِ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ هَذا الزّاعِمُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتِ التَّعْوِيضُ، والحَذْفُ في (إذًا) الَّتِي لِلِاسْتِقْبالِ في مَوْضِعٍ فَيُحْمَلُ هَذا عَلَيْهِ (لَخاسِرُونَ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَغْبُونُونَ، وقالَ عَطاءٌ: جاهِلُونَ، وقالَ الضَّحّاكُ: عَجَزَةٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَخاسِرُونَ لِاسْتِبْدالِكُمُ الضَّلالَةَ بِالهُدى لِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦] . وقِيلَ: تَخْسَرُونَ بِاتِّباعِهِ فَوائِدَ البَخْسِ والتَّطْفِيفِ؛ لِأنَّهُ يَنْهاكم عَنْهُ ويَحْمِلُكم عَلى الإيفاءِ والتَّسْوِيَةِ. انْتَهى.

﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٨] تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: لَمّا دَعا عَلَيْهِمْ فُتِحَ عَلَيْهِمْ بابٌ مِن جَهَنَّمَ بِحَرٍّ شَدِيدٍ أخَذَ بِأنْفاسِهِمْ فَلَمْ يَنْفَعْهم ظِلٌّ ولا ماءٌ فَإذا دَخَلُوا الأسْرابَ لِيَتَبَرَّدُوا وجَدُوها أشَدَّ حَرًّا مِنَ الظّاهِرِ فَخَرَجُوا هَرَبًا إلى البَرِّيَّةِ فَأظَلَّتْهم سَحابَةٌ فِيها رِيحٌ طَيِّبَةٌ فَتَنادَوْا عَلَيْكُمُ الظُّلَّةُ فاجْتَمَعُوا تَحْتَها كُلُّهم فانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ وألْهَبَها اللَّهُ نارًا ورَجَفَتْ بِهِمُ الأرْضُ فاحْتَرَقُوا كَما يَحْتَرِقُ الجَرادُ المَقْلُوُّ فَصارُوا رَمادًا. (p-٣٤٦)ورُوِيَ أنَّ الرِّيحَ حُبِسَتْ عَنْهم سَبْعَةَ أيّامٍ، ثُمَّ سُلِّطَ عَلَيْهِمُ الحَرُّ، وقالَ يَزِيدُ الجَرِيرِيُّ: سُلِّطَ عَلَيْهِمُ الرِّيحُ سَبْعَةَ أيّامٍ، ثُمَّ رُفِعَ لَهم جَبَلٌ مِن بَعِيدٍ فَأتاهُ رَجُلٌ فَإذا تَحْتَهُ أنْهارٌ وعُيُونٌ فاجْتَمَعُوا تَحْتَهُ كُلُّهم فَوَقَعَ ذَلِكَ الجَبَلُ عَلَيْهِمْ، وقالَ قَتادَةُ: أُرْسِلَ شُعَيْبٌ إلى أصْحابِ الأيْكَةِ فَأُهْلِكُوا بِالظُّلَّةِ، وإلى أصْحابِ مَدْيَنَ فَصاحَ بِهِمْ جِبْرِيلُ صَيْحَةً فَهَلَكُوا جَمِيعًا، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنَّ فِرْقَةً مِن قَوْمِ شُعَيْبٍ هَلَكَتْ بِالرَّجْفَةِ وفِرْقَةً هَلَكَتْ بِالظُّلَّةِ، وقالَ الطَّبَرِيُّ بَلَغَنِي أنَّ رَجُلًا مِنهُ يُقالُ لَهُ عَمْرُو بْنُ جَلْها لَمّا رَأى الظُّلَّةَ. قالَ الشّاعِرُ:

؎يا قَوْمِ إنَّ شُعَيْبًا مُرْسَلٌ فَذَرُوا عَنْكم سُمَيْرًا وعِمْرانَ بْنَ شَدّادِ

؎إنِّي أرى غَيْمَةً يا قَوْمِ قَدْ طَلَعَتْ ∗∗∗ تَدْعُو بِصَوْتٍ عَلى صَمّانَةِ الوادِ

؎وإنَّهُ لَنْ تَرَوْا فِيها صُحاءَ غَدٍ ∗∗∗ إلّا الرَّقِيمَ تَمَشّى بَيْنَ أنْجادِ

سُمَيْرٌ وعِمْرانُ كاهِناهم، والرَّقِيمُ كَلْبُهم، وعَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيِّ: أبْجَدْ وهَوَّزْ وحُطِّي وكَلَمُنْ وسَعْفَصْ وقَرْشَتْ أسْماءٌ كَمُلُوكِ مَدْيَنَ، وكانَ كَلَمُنْ مَلِكَهم يَوْمَ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ زَمانَ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَلَمّا هَلَكَ قالَتِ ابْنَتُهُ تَبْكِيهِ:

؎كَلَمُنْ قَدْ هَدَّ رُكْنِي ∗∗∗ هُلْكُهُ وسْطَ المَحَلَّهْ

؎سَيِّدُ القَوْمِ أتاهُ ∗∗∗ الحَتْفُ نارًا وسْطَ ظُلَّهْ

؎جُعِلَتْ نارًا عَلَيْهِمْ ∗∗∗ دارُهم كالمُضْمَحِلَّهْ

﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾، أيْ: كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا ناعِمِي البالِ رَخِيِّي العَيْشِ في دارِهِمْ، وفِيها قُوَّةُ الإخْبارِ عَنْ هَلاكِهِمْ وحُلُولُ المَكْرُوهِ بِهِمْ، والتَّنْبِيهُ عَلى الِاعْتِبارِ بِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناها حَصِيدًا كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾ [يونس: ٢٤] وكَقَوْلِ الشّاعِرِ:

؎كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الحَجُونِ إلى الصَّفا ∗∗∗ أنِيسٌ ولَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سامِرُ

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وغَنَيْتُ بِالمَكانِ إنَّما يُقالُ في الإقامَةِ الَّتِي هي مُقْتَرِنَةٌ بِتَنَعُّمٍ وعَيْشٍ رَخِيٍّ هَذا الَّذِي اسْتَقْرَيْتُ مِنَ الأشْعارِ الَّتِي ذَكَرَتِ العَرَبُ فِيها هَذِهِ اللَّفْظَةَ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ عِدَّةَ أبْياتٍ، ثُمَّ قالَ، وأمّا قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎غَنِينا زَمانًا بِالتَّصَعْلُكِ والغِنى ∗∗∗ فَكُلًّا سَقانا بِكَأْسَيْهِما الدَّهْرُ

فَمَعْناهُ اسْتَغْنَيْنا ورَضِينا مَعَ أنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لَيْسَتْ مُقْتَرِنَةً بِمَكانٍ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَأنْ لَمْ يُعَمَّرُوا، وقالَ قَتادَةُ: كَأنْ لَمْ يَنْعَمُوا، وقالَ الأخْفَشُ: كَأنْ لَمْ يَعِيشُوا، وقالَ أيْضًا قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ ومُقاتِلٌ: كَأنْ لَمْ يَكُونُوا، وقالَ الزَّجّاجُ: كَأنْ لَمْ يَنْزِلُوا، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا، و(الَّذِينَ) مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ التَّشْبِيهِيَّةُ خَبَرُهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي هَذا الِابْتِداءِ مَعْنى الِاخْتِصاصِ كَأنَّهُ قِيلَ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ المَخْصُوصُونَ بِأنْ أُهْلِكُوا واسْتُؤْصِلُوا كَأنْ لَمْ يُقِيمُوا في دارِهِمْ؛ لِأنَّ الَّذِينَ اتَّبَعُوا شُعَيْبًا قَدْ أنْجاهُمُ اللَّهُ تَعالى. انْتَهى. وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ، و﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (كَذَّبُوا) وجَوَّزَ أيْضًا أنْ يَكُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا صِفَةً لِقَوْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا مَن قَوْمِهِ، وأنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنهُ وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ يَكُونُ (كَأنْ) حالًا. انْتَهى. وهَذِهِ أوْجُهٌ مُتَكَلَّفَةٌ، والظّاهِرُ أنَّها جُمَلٌ مُسْتَقِلَّةٌ لا تَعَلُّقَ لَها بِما قَبْلَها مِن جِهَةِ الإعْرابِ.

﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كانُوا هُمُ الخاسِرِينَ﴾ هَذا أيْضًا مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفِيهِ مَعْنى الِاخْتِصاصِ، أيْ: هُمُ المَخْصُوصُونَ بِالخُسْرانِ العَظِيمِ دُونَ اتِّباعِهِ، فَإنَّهم هُمُ الرّابِحُونَ وفي هَذا الِاسْتِئْنافِ لِهَذا الِابْتِداءِ، وهَذا التَّكْرِيرُ مُبالَغَةٌ في رَدِّ (p-٣٤٧)مَقالَةِ المَلَأِ لِأشْياعِهِمْ وتَسْفِيهٌ لِرَأْيِهِمْ واسْتِهْزاءٌ بِنُصْحِهِمْ لِقَوْمِهِمْ واسْتِعْظامٌ لِما جَرى عَلَيْهِمْ. انْتَهى. وهاتانِ الجُمْلَتانِ مُنْبِئَتانِ عَنْ ما فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ في مَقالَتِهِمْ قالُوا ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ ياشُعَيْبُ﴾ [الأعراف: ٨٨] فَجاءَ الإخْبارُ بِإخْراجِهِمْ بِالهَلاكِ، وأيُّ إخْراجٍ أعْظَمُ مِن إخْراجِهِمْ وقالُوا: ﴿لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إنَّكم إذًا لَخاسِرُونَ﴾ فَحَكَمَ تَعالى عَلَيْهِمْ هم بِالخُسْرانِ، وأجازَ أبُو البَقاءِ في إعْرابِ ”الَّذِينَ“ هُنا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ في (يَغْنَوْا)، أوْ مَنصُوبًا بِإضْمارِ أعْنِي، والِابْتِداءُ الَّذِي ذَكَرْناهُ أقْوى وأجْزَلُ.

﴿فَتَوَلّى عَنْهم وقالَ ياقَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ في قِصَّةِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

﴿فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾، أيْ: فَكَيْفَ أحْزَنُ عَلى مَن لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُحْزَنَ عَلَيْهِ ونَبَّهَ عَلى العِلَّةِ الَّتِي لا تَبْعَثُ عَلى الحُزْنِ وهي الكُفْرُ، إذْ هو أعْظَمُ ما يُعادِي بِهِ المُؤْمِنُ إذْ هُما نَقِيضانِ كَما جاءَ: لا تَتَراءى ناراهُما، وكَأنَّهُ وجَدَ في نَفْسِهِ رِقَّةً عَلَيْهِمْ حَيْثُ كانَ أمَلُهُ فِيهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا فَلَمْ يَقْدِرْ فَسَرّى ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِاسْتِحْضارِ سَبَبِ التَّسَلِّي عَنْهم والقَسْوَةِ فَذَكَرَ أشْنَعَ ما ارْتَكَبُوهُ مَعَهُ مِنَ الوَصْفِ، الَّذِي هو الكُفْرُ بِاللَّهِ الباعِثُ عَلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، وعَلى المُناوَأةِ الشَّدِيدَةِ حَتّى لا يُساكِنُوهُ وتَوَعَّدُوهُ بِالإخْراجِ وبِأشَدَّ مِنهُ، وهو عَوْدُهم إلى مِلَّتِهِمْ، قالَ مَكِّيٌّ: وسارَ شُعَيْبٌ بِمَن تَبِعَهُ إلى مَكَّةَ فَسَكَنُوها، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ، وابْنُ مُصَرِّفٍ والأعْمَشُ (إيسِي) بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وهي لُغَةٌ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في الفاتِحَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском