Abu HayyanAl‑Qiyamah · 75:16–40

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-Qiyamah 75:16–40

75:16–28Page 577

لَا تُحَرِّكۡ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعۡجَلَ بِهِۦٓ ١٦

Move not your tongue with it, [O Muḥammad], to hasten with it [i.e., recitation of the Qur’ān].

إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ ١٧

Indeed, upon Us is its collection [in your heart] and [to make possible] its recitation.

فَإِذَا قَرَأۡنَٰهُ فَٱتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ ١٨

So when We have recited it [through Gabriel], then follow its recitation.

ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا بَيَانَهُۥ ١٩

Then upon Us is its clarification [to you].

كـَلَّا بَلۡ تُحِبُّونَ ٱلۡعَاجِلَةَ ٢٠

No! But you [i.e., mankind] love the immediate

وَتَذَرُونَ ٱلۡأٓخِرَةَ ٢١

And leave [i.e., neglect] the Hereafter.

وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاضِرَةٌ ٢٢

[Some] faces, that Day, will be radiant,

إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ ٢٣

Looking at their Lord.1

وَوُجُوهٞ يَوۡمَئِذِۭ بَاسِرَةٞ ٢٤

And [some] faces, that Day, will be contorted,

تَظُنُّ أَن يُفۡعَلَ بِهَا فَاقِرَةٞ ٢٥

Expecting that there will be done to them [something] backbreaking.

كـَلَّآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ ٢٦

No! When it [i.e., the soul] has reached the collar bones1

وَقِيلَ مَنۡۜ رَاقٖ ٢٧

And it is said, "Who will cure [him]?"

وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلۡفِرَاقُ ٢٨

And he [i.e., the dying one] is certain that it is the [time of] separation

﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾: الظّاهِرُ والمَنصُوصُ الصَّحِيحُ في سَبَبِ النُّزُولِ أنَّهُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ عَلى ما سَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وقالَ القَفّالُ: هو خِطابٌ لِلْإنْسانِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ﴾ [القيامة: ١٣] وذَلِكَ حالَ تَنَبُّئِهِ بِقَبائِحِ أفْعالِهِ، يُعْرَضُ عَلَيْهِ كِتابُهُ فَيُقالُ لَهُ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] . فَإذا أخَذَ في القِراءَةِ تَلَجْلَجَ مِن شِدَّةِ الخَوْفِ وسُرْعَةِ القِراءَةِ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ فَإنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنا بِحُكْمِ الوَعْدِ أوْ بِحُكْمِ الحِكْمَةِ أنْ نَجْمَعَ أعْمالَكَ عَلَيْكَ وأنْ نَقْرَأها عَلَيْكَ.

﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ عَلَيْكَ ﴿فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ بِأنَّكَ فَعَلْتَ تِلْكَ الأفْعالَ.

﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ أيْ: بَيانُ أمْرِهِ وشَرْحُ عُقُوبَتِهِ. وحاصِلُ قَوْلِ هَذا القَوْلِ أنَّهُ تَعالى يُقَرِّرُ الكافِرَ عَلى جَمِيعِ أفْعالِهِ عَلى التَّفْصِيلِ، وفِيهِ أشَدُّ الوَعِيدِ في الدُّنْيا والتَّهْوِيلِ في الآخِرَةِ.

وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ يُعالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وكانَ رُبَّما يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ مَخافَةَ أنْ يَذْهَبَ عَنْهُ ما يُوحى إلَيْهِ لِحِينِهِ»، فَنَزَلَتْ. وقالَ الضَّحّاكُ: السَّبَبُ أنَّهُ «كانَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ يَخافُ أنْ يَنْسى القُرْآنَ، فَكانَ يَدْرُسُهُ حَتّى غَلَبَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وشَقَّ»، فَنَزَلَتْ. وقالَ الشَّعْبِيُّ: كانَ لِحِرْصِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى أداءِ الرِّسالَةِ والِاجْتِهادِ في عِبادَةِ اللَّهِ، رُبَّما أرادَ النُّطْقَ بِبَعْضِ ما أُوحِيَ إلَيْهِ قَبْلَ كَمالِ إيرادِ الوَحْيِ، فَأُمِرَ أنْ لا يُعَجِّلَ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْهِ وحْيُهُ، وجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ في هَذا المَعْنى. والضَّمِيرُ في ”بِهِ“ لِلْقُرْآنِ دَلَّ عَلَيْهِ مَساقُ الآيَةِ.

﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ أيْ: في صَدْرِكَ ﴿وقُرْآنَهُ﴾ أيْ: قِراءَتُكَ إيّاهُ، والقُرْآنُ مَصْدَرٌ كالقِراءَةِ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ضَحَّوْا بِأشْمَطَ عُنْوانُ السُّجُودِ بِهِ يَقْطَعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وقُرْآنًا

وقِيلَ: ﴿وقُرْآنَهُ﴾ وتَأْلِيفُهُ في صَدْرِكَ، فَهو مَصْدَرٌ مِن قَرَأْتَ أيْ: جَمَعْتَ، ومِنهُ قَوْلُهم لِلْمَرْأةِ الَّتِي لَمْ تَلِدْ: ما قَرَأتْ سُلاقِطَ، وقالَ الشّاعِرُ:

؎ذِراعَيْ بَكْرَةٍ أدْماءَ بِكْرٍ ∗∗∗ هِجانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينًا

﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ أيِ: المَلَكُ المُبَلِّغُ عَنّا ﴿فاتَّبِعْ﴾ أيْ: بِذِهْنِكَ وفِكْرِكَ، أيْ: فاسْتَمِعْ قِراءَتَهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ أيْضًا هو وقَتادَةُ والضَّحّاكُ: فاتَّبِعْ في الأوامِرِ والنَّواهِي. وفي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ، وقَرَأ أبُو العالِيَةِ: فَإذا قَرَتَهُ فاتَّبِعْ قَرَتَهُ، بِفَتْحِ القافِ والرّاءِ والتّاءِ، مِن غَيْرِ هَمْزٍ ولا ألِفٍ في الثَّلاثَةِ، ولَمْ يَتَكَلَّمْ عَلى تَوْجِيهِ هَذِهِ القِراءَةِ الشّاذَّةِ، ووَجْهُ اللَّفْظِ الأوَّلِ أنَّهُ مَصْدَرٌ، أيْ: إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقِراءَتَهُ، فَنَقَلَ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ إلى الرّاءِ السّاكِنَةِ وحَذَفَها، فَبَقِيَ قَرَتَهُ كَما تَرى. وأمّا الثّانِي فَإنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ أصْلُهُ فَإذا قَرَأْتَهُ، أيْ: أرَدْتَ قِراءَتَهُ. (p-٣٨٨)فَسَكَّنَ الهَمْزَةَ فَصارَ قَرَأْتَهُ، ثُمَّ حَذَفَ الألِفَ عَلى جِهَةِ الشُّذُوذِ، كَما حُذِفَتْ في قَوْلِ العَرَبِ: ولَوْ تَرَ ما الصِّبْيانُ، يُرِيدُونَ: ولَوْ تَرى ما الصِّبْيانُ، وما زائِدَةٌ. وأمّا اللَّفْظُ الثّالِثُ فَتَوْجِيهُهُ تَوْجِيهُ اللَّفْظِ الأوَّلِ، أيْ: فَإذا قَرَأْتَهُ، أيْ: أرَدْتَ قِراءَتَهُ، فاتْبَعْ قِراءَتَهُ بِالدَّرْسِ أوْ بِالعَمَلِ.

﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾ قالَ قَتادَةُ وجَماعَةٌ: أنْ نُبَيِّنَهُ لَكَ ونُحَفِّظَكَهُ. وقِيلَ: أنْ تُبَيِّنَهُ أنْتَ. وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: أنْ نُبَيِّنَ حَلالَهُ وحَرامَهُ ومُجْمَلَهُ ومُفَسَّرَهُ.

وفِي التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ أيْ: حِفْظَهُ في حَياتِكَ، وقِراءُتُهُ: تَأْلِيفُهُ عَلى لِسانِكَ. وقالَ الضَّحّاكُ: نُثْبِتُهُ في قَلْبِكَ بَعْدَ جَمْعِهِ لَكَ. وقِيلَ: جَمْعُهُ بِإعادَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى إلى أنْ يَثْبُتَ في صَدْرِكَ.

﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنْزَلْناهُ إلَيْكَ، فاسْتَمِعْ قِراءَتَهُ، وعَنْهُ أيْضًا: فَإذا يُتْلى عَلَيْكَ فاتَّبِعْ ما فِيهِ. وقالَ قَتادَةُ: فاتْبَعْ حَلالَهُ واجْتَنِبْ حَرامَهُ. وقَدْ نَمَّقَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِحُسْنِ إيرادِهِ تَفْسِيرَ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا لُقِّنَ الوَحْيَ، نازَعَ جِبْرِيلَ القِراءَةَ ولَمْ يَصْبِرْ إلى أنْ يُتِمَّها مُسارَعَةً إلى الحِفْظِ وخَوْفًا مِن أنْ يَتَفَلَّتَ مِنهُ، فَأُمِرَ بِأنْ يَسْتَنْصِتَ لَهُ مُلْقِيًا إلَيْهِ بِقَلْبِهِ وسَمْعِهِ حَتّى يُقْضى إلَيْهِ وحْيُهُ، ثُمَّ يُعْقِبُهُ بِالدِّراسَةِ إلى أنْ يَرْسَخَ فِيهِ» . والمَعْنى: لا تُحَرِّكْ لِسانَكَ بِقِراءَةِ الوَحْيِ ما دامَ جِبْرِيلُ يَقْرَأُ.

﴿لِتَعْجَلَ بِهِ﴾: لِتَأْخُذَهُ عَلى عَجَلَةٍ ولِئَلّا يَتَفَلَّتَ مِنكَ، ثُمَّ عَلَّلَ النَّهْيَ عَنِ العَجَلَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ في صَدْرِكَ وإثْباتَ قِراءَتِهِ في لِسانِكَ.

﴿فَإذا قَرَأْناهُ﴾: جَعَلَ قِراءَةَ جِبْرِيلَ قِراءَتَهُ، والقُرْآنُ القِراءَةُ، فاتْبَعْ قِراءَتَهُ: فَكُنْ مُقَفِّيًا لَهُ فِيهِ ولا تُراسِلْهُ، وطامِن نَفْسَكَ أنَّهُ لا يَبْقى غَيْرَ مَحْفُوظٍ، فَنَحْنُ في ضَمانِ تَحْفِيظِهِ.

﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾: إذا أشْكَلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِن مَعانِيهِ، كَأنَّهُ كانَ يَعْجَلُ في الحِفْظِ والسُّؤالِ عَنِ المَعْنى جَمِيعًا، كَما تَرى بَعْضَ الحُرّاصِ عَلى العِلْمِ ونَحْوِهِ، ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ. انْتَهى.

وذَكَرَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ في تَفْسِيرِهِ: أنَّ جَماعَةً مِن قُدَماءِ الرَّوافِضِ زَعَمُوا أنَّ القُرْآنَ قَدْ غُيِّرَ وبُدِّلَ وزِيدَ فِيهِ ونُقِصَ مِنهُ، وأنَّهُمُ احْتَجُّوا بِأنَّهُ لا مُناسَبَةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وما قَبْلَها، ولَوْ كانَ التَّرْكِيبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ما كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ. ثُمَّ ذَكَرَ الرّازِيُّ مُناسَباتٍ عَلى زَعْمِهِ يُوقَفُ عَلَيْها في كِتابِهِ، ويَظْهَرُ أنَّ المُناسِبَةَ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وما قَبْلَها، أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مُنْكِرَ القِيامَةِ والبَعْثِ مُعْرِضًا عَنْ آياتِ اللَّهِ تَعالى ومُعْجِزاتِهِ، وأنَّهُ قاصِرٌ شَهَواتِهِ عَلى الفُجُورِ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِما يَصْدُرُ مِنهُ، ذَكَرَ حالَ مَن يُثابِرُ عَلى تَعَلُّمِ آياتِ اللَّهِ وحِفْظِها وتَلَقُّفِها والنَّظَرِ فِيها، وعَرْضِها عَلى مَن يُنْكِرُها رَجاءَ قَبُولِهِ إيّاها، فَظَهَرَ بِذَلِكَ تَبايُنُ مَن يَرْغَبُ في تَحْصِيلِ آياتِ اللَّهِ ومَن يَرْغَبُ عَنْها. وبِضِدِّها تَتَمَيَّزُ الأشْياءُ. ولَمّا كانَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِمُثابَرَتِهِ عَلى ذَلِكَ، كانَ يُبادِرُ لِلتَّحَفُّظِ بِتَحْرِيكِ لِسانِهِ أخْبَرَهُ تَعالى أنَّهُ يَجْمَعُهُ لَهُ ويُوَضِّحُهُ. كَلّا بَلْ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ ويَذْرُوَنَ الآخِرَةَ. لَمّا فَرَغَ مِن خِطابِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - رَجَعَ إلى حالِ الإنْسانِ السّابِقِ ذِكْرُهُ المُنْكِرِ البَعْثَ، وأنَّ هَمَّهُ إنَّما هو في تَحْصِيلِ حُطامِ الدُّنْيا الفانِي لا في تَحْصِيلِ ثَوابِ الآخِرَةِ، إذْ هو مُنْكِرٌ لِذَلِكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بَلْ تُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾ ﴿وتَذَرُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ، لِكُفّارِ قُرَيْشٍ المُنْكِرِينَ البَعْثَ، و(كَلّا): رَدٌّ عَلَيْهِمْ وعَلى أقْوالِهِمْ، أيْ: لَيْسَ كَما زَعَمْتُمْ، وإنَّما أنْتُمْ قَوْمٌ غَلَبَتْ عَلَيْكم مَحَبَّةُ شَهَواتِ الدُّنْيا حَتّى تَتْرُكُونَ مَعَهُ الآخِرَةَ والنَّظَرَ في أمْرِها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (كَلّا) رَدْعٌ، وذَكَرَ في كِتابِهِ ما يُوقَفُ عَلَيْهِ فِيهِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وقَتادَةُ، والجَحْدَرِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: بِياءِ الغَيْبَةِ فِيهِما. ولَمّا وبَّخَهم بِحُبِّ العاجِلَةِ وتَرْكِ الِاهْتِمامِ بِالآخِرَةِ، تَخَلَّصَ إلى شَيْءٍ مِن أحْوالِ الآخِرَةِ، فَقالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ وعَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنِ الجُمْلَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ناضِرَةٌ﴾ بِألِفٍ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (نَضِرَةٌ) بِغَيْرِ ألِفٍ. وقَرَأ ابْنُ عَطِيَّةَ: (وُجُوهٌ) رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وابْتَدَأ بِالنَّكِرَةِ؛ لِأنَّها تَخَصَّصَتْ بِقَوْلِهِ: (يَوْمئِذٍ) و﴿ناضِرَةٌ﴾ خَبَرُ (وُجُوهٌ) . وقَوْلُهُ: ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ جُمْلَةٌ هي في مَوْضِعِ خَبَرٍ بَعْدَ (p-٣٨٩)خَبَرٍ. انْتَهى. ولَيْسَ (يَوْمئِذٍ) تَخْصِيصًا لِلنَّكِرَةِ، فَيَسُوغُ الِابْتِداءُ بِها؛ لِأنَّ ظَرْفَ الزَّمانِ لا يَكُونُ صِفَةً لِلْجُثَّةِ، إنَّما يَكُونُ (يَوْمئِذٍ) مَعْمُولٌ لِـ ﴿ناضِرَةٌ﴾ . وسَوَّغَ جَوازَ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ كَوْنُ المَوْضِعِ مَوْضِعَ تَفْصِيلٍ، و﴿ناضِرَةٌ﴾ الخَبَرُ، و﴿ناظِرَةٌ﴾ صِفَةٌ. وقِيلَ: ﴿ناضِرَةٌ﴾ نَعْتٌ لِـ (وُجُوهٌ) و﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ الخَبَرُ، وهو قَوْلٌ سائِغٌ. ومَسْألَةُ النَّظَرِ ورُؤْيَةُ اللَّهِ تَعالى مَذْكُورَةٌ في أُصُولِ الدِّينِ ودَلائِلِ الفَرِيقَيْنِ، أهْلِ السُّنَّةِ وأهْلِ الِاعْتِزالِ، فَلا نُطِيلُ بِذِكْرِ ذَلِكَ هُنا. ولَمّا كانَ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، ومَذْهَبُهُ أنَّ تَقْدِيمَ المَفْعُولِ يَدُلُّ عَلى الِاخْتِصاصِ، قالَ هُنا: ومَعْلُومٌ أنَّهم يَنْظُرُونَ إلى أشْياءَ لا يُحِيطُ بِها الحَصْرُ في مَحْشَرٍ يَجْمَعُ اللَّهُ فِيهِ الخَلائِقَ، فاخْتِصاصُهُ بِنَظَرِهِمْ إلَيْهِ لَوْ كانَ مَنًظُورًا إلَيْهِ مُحالٌ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلى مَعْنى لا يَصِحُّ مَعَهُ الِاخْتِصاصُ، والَّذِي يَصِحُّ مَعَهُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ النّاسِ: أنا إلى فُلانٍ ناظِرٌ ما يَصْنَعُ بِي، يُرِيدُ مَعْنى التَّوَقُّعِ والرَّجاءِ، ومِنهُ قَوْلُ القائِلِ:

؎وإذا نَظَرْتُ إلَيْكَ مِن مَلِكٍ ∗∗∗ والبَحْرُ دُونَكَ زِدْتَنِي نَعْماءَ

وسَمِعْتُ سَرَوِيَّةً مُسْتَجْدِيَةً بِـ مَكَّةَ وقْتَ الظُّهْرِ حِينَ يُغْلِقُ النّاسُ أبْوابَهم ويَأْوُونَ إلى مَقائِلِهِمْ تَقُولُ: عُيُيْنَتِي ناظِرَةٌ إلى اللَّهِ وإلَيْكم، والمَعْنى: أنَّهم لا يَتَوَقَّعُونَ النِّعْمَةَ والكَرامَةَ إلّا مِن رَبِّهِمْ، كَما كانُوا في الدُّنْيا لا يَخْشَوْنَ ولا يَرْجُونَ إلّا إيّاهُ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَهَبُوا، يَعْنِي المُعْتَزِلَةَ، إلى أنَّ المَعْنى إلى رَحْمَةِ رَبِّها ناظِرَةٌ، أوْ إلى ثَوابِهِ أوْ مُلْكِهِ، فَقَدَّرُوا مُضافًا مَحْذُوفًا، وهَذا وجْهٌ سائِغٌ في العَرَبِيَّةِ. كَما تَقُولُ: فُلانٌ ناظِرٌ إلَيْكَ في كَذا أيْ: إلى صُنْعِكَ في كَذا. انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ ”إلى“ في قَوْلِهِ: ﴿إلى رَبِّها﴾ حَرْفُ جَرٍّ يَتَعَلَّقُ بِـ ﴿ناظِرَةٌ﴾ . وقالَ بَعْضُ المُعْتَزِلَةِ: ”إلى“ هُنا واحِدُ الآلاءِ، وهي النِّعَمُ، وهي مَفْعُولٌ بِهِ مَعْمُولٌ لِـ ﴿ناظِرَةٌ﴾ بِمَعْنى مُنْتَظَرَةٍ.

﴿ووُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (وُجُوهٌ) مُبْتَدَأٌ خَبَرَهُ ﴿باسِرَةٌ﴾ وتَظُنُّ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ وأنْ تَكُونَ ﴿باسِرَةٌ﴾ صِفَةً وتَظُنُّ الخَبَرُ. والفاقِرَةُ قالَ ابْنُ المُسَيَّبِ قاصِمَةُ الظَّهْرِ، و﴿تَظُنُّ﴾ بِمَعْنى تُوقِنُ أوْ يَغْلِبُ عَلى اعْتِقادِها وتَتَوَقَّعُ ﴿أنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾: فِعْلٌ هو في شِدَّةِ داهِيَةٍ تَقْصِمُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ”فاقِرَةٌ“ مِن فَقَرْتُ البَعِيرَ إذا وسَمْتُ أنْفَهُ بِالنّارِ. (كَلّا): رَدْعٌ عَنْ إيثارِ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، وتَذْكِيرٌ لَهم بِما يَؤُولُونَ إلَيْهِ مِنَ المَوْتِ الَّذِي تَنْقَطِعُ العاجِلَةُ عِنْدَهُ، ويَنْتَقِلُ مِنها إلى الآجِلَةِ، والضَّمِيرُ في (بَلَغَتْ) عائِدٌ إلى النَّفْسِ الدّالِّ عَلَيْها سِياقُ الكَلامِ، كَقَوْلِ حاتِمٍ:

؎لَعُمْرُكَ ! ما يُغْنِي الثَّراءُ عَنِ الفَتى ∗∗∗ إذا حَشْرَجَتْ يَوْمًا وضاقَ بِها الصَّدْرُ

وتَقُولُ العَرَبُ: أرْسَلَتْ، يُرِيدُونَ جاءَ المَطَرُ، ولا نَكادُ نَسْمَعُهم يَقُولُونَ السَّماءَ. وذَكَّرَهم تَعالى بِصُعُوبَةِ المَوْتِ، وهو أوَّلُ مَراحِلِ الآخِرَةِ حِينَ تَبْلُغُ الرُّوحُ التَّراقِي ودَنا زَهُوقُها. وقِيلَ: مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ القائِلُ حاضِرًا والمَرِيضُ طَلَبُوا لَهُ مَن يَرْقِي ويَطِبُّ ويَشْفِي، وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَتَمَنّاهُ لَهُ أهْلُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ وأبُو قِلابَةَ وقَتادَةُ، وهو اسْتِفْهامُ حَقِيقَةٍ. وقِيلَ: هو اسْتِفْهامُ إبْعادٍ وإنْكارٍ، أيْ: قَدْ بَلَغَ مَبْلَغًا لا أحَدَ يَرْقِيهِ، كَما عِنْدَ النّاسِ: مَن ذا الَّذِي يَقْدِرُ أنً يَرْقِيَ هَذا المُشْرِفَ عَلى المَوْتِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ وابْنُ زَيْدٍ. واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ القائِلُ المَلائِكَةَ، أيْ: مَن يَرْقى بِرُوحِهِ إلى السَّماءِ ؟ أمَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ أمْ مَلائِكَةُ العَذابِ ؟ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وسُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ. وقِيلَ: إنَّما يَقُولُونَ ذَلِكَ لِكَراهَتِهِمُ الصُّعُودَ بِرُوحِ الكافِرِ لِخُبْثِها ونَتَنِها، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ [القيامة: ٣١] الآيَةِ. ووَقَفَ حَفْصٌ عَلى (مَن) وابْتَدَأ ﴿راقٍ﴾ وأدْغَمَ الجُمْهُورُ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: لا أدْرِي ما وجْهُ قِراءَتِهِ. وكَذَلِكَ قَرَأ: ﴿بَلْ رانَ﴾ [المطففين: ١٤] . انْتَهى. وكانَ حَفْصٌ قَصَدَ أنْ لا يُتَوَهَّمَ أنَّها كَلِمَةٌ واحِدَةٌ، فَسَكَتَ سَكْتًا لَطِيفًا لِيُشْعِرَ أنَّهُما كَلِمَتانِ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ النُّونَ تُدْغَمُ في الرّاءِ، وذَلِكَ نَحْوُ مَن راشِدٌ. والإدْغامُ بِغُنَّةٍ وبِغَيْرِ غُنَّةٍ، ولَمْ يَذْكُرِ البَيانَ. ولَعَلَّ (p-٣٩٠)ذَلِكَ مِن نَقْلِ غَيْرِهِ مِنَ الكُوفِيِّينَ، وعاصِمٌ شَيْخُ حَفْصٍ يُذْكَرُ أنَّهُ كانَ عالِمًا بِالنَّحْوِ. وأمّا ﴿بَلْ رانَ﴾ [المطففين: ١٤] فَقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ أنَّ اللّامَ البَيانُ فِيها، والإدْغامُ مَعَ الرّاءِ حَسَنانِ، فَلَمّا أفْرَطَ في شَأْنِ البَيانِ في ﴿بَلْ رانَ﴾ [المطففين: ١٤] صارَ كالوَقْفِ القَلِيلِ. (وظَنَّ) أيِ: المَرِيضُ (أنَّهُ) أيِ: ما نَزَلَ بِهِ ﴿الفِراقُ﴾: فِراقُ الدُّنْيا الَّتِي هي مَحْبُوبَتُهُ، والظَّنُّ هُنا عَلى بابِهِ. وقِيلَ: فِراقُ الرُّوحِ الجَسَدَ.

75:29–40Page 578

وَٱلۡتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ ٢٩

And the leg is wound about the leg,1

إِلَىٰ رَبِّكَ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡمَسَاقُ ٣٠

To your Lord, that Day, will be the procession.1

فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ ٣١

And he [i.e., the disbeliever] had not believed, nor had he prayed.

وَلَٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ٣٢

But [instead], he denied and turned away.

ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ يَتَمَطَّىٰٓ ٣٣

And then he went to his people, swaggering [in pride].

أَوۡلَىٰ لَكَ فَأَوۡلَىٰ ٣٤

Woe to you, and woe!

ثُمَّ أَوۡلَىٰ لَكَ فَأَوۡلَىٰٓ ٣٥

Then woe to you, and woe!

أَيَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَن يُتۡرَكَ سُدًى ٣٦

Does man think that he will be left neglected?1

أَلَمۡ يَكُ نُطۡفَةٗ مِّن مَّنِيّٖ يُمۡنَىٰ ٣٧

Had he not been a sperm from semen emitted?

ثُمَّ كَانَ عَلَقَةٗ فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ ٣٨

Then he was a clinging clot, and [Allāh] created [his form] and proportioned [him]

فَجَعَلَ مِنۡهُ ٱلزَّوۡجَيۡنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰٓ ٣٩

And made of him two mates, the male and the female.

أَلَيۡسَ ذَٰلِكَ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحۡـِۧيَ ٱلۡمَوۡتَىٰ ٤٠

Is not that [Creator] Able to give life to the dead?

﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ وإسْماعِيلُ بْنُ أبِي خالِدٍ: اسْتِعارَةٌ لِشِدَّةِ كَرْبِ الدُّنْيا في آخِرِ يَوْمٍ مِنها، وشَدَّةِ كَرْبِ الآخِرَةِ في أوَّلِ يَوْمٍ مِنها؛ لِأنَّهُ بَيْنَ الحالَيْنِ قَدِ اخْتَلَطا بِهِ، كَما يَقُولُ: شَمَّرَتِ الحَرْبُ عَنْ ساقٍ، اسْتِعارَةً لِشِدَّتِها. وقالَ ابْنُ المُسَيَّبِ والحَسَنُ: هي حَقِيقَةٌ، والمُرادُ ساقا المَيِّتِ عِنْدَما لُفّا في الكَفَنِ. وقالَ الشَّعْبِيُّ وقَتادَةُ وأبُو مالِكٍ: التِفافُهُما لِشِدَّةِ المَرَضِ؛ لِأنَّهُ يَقْبِضُ ويَبْسُطُ ويُرَكِّبُ هَذِهِ عَلى هَذِهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: أسْوُقُ حاضِرِيهِ مِنَ الإنْسِ والمَلائِكَةِ. هَؤُلاءِ يُجَهِّزُونَهُ إلى القَبْرِ، وهَؤُلاءِ يُجَهِّزُونَ رُوحَهُ إلى السَّماءِ. وقِيلَ: التِفافُهُما: مَوْتُهُما أوَّلًا، إذْ هُما أوَّلُ ما تَخْرُجُ الرُّوحَ مِنهُما فَتَبْرُدانِ قَبْلَ سائِرِ الأعْضاءِ. وجَوابُ (إذا) مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: وجَدَ ما عَمِلَهُ في الدُّنْيا مِن خَيْرٍ وشَرٍّ.

﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾ المَرْجِعُ والمَصِيرُ، و﴿المَساقُ﴾ مَفْعَلٌ مِنَ السَّوْقِ، فَهو اسْمُ مَصْدَرٍ، إمّا إلى جَنَّةٍ، وإمّا إلى نارٍ.

﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ . الجُمْهُورُ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ وكادَتْ أنْ تُصَرِّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿يَتَمَطّى﴾ . فَإنَّها كانَتْ مِشْيَتَهُ ومِشْيَةَ قَوْمِهِ بَنِي مَخْزُومٍ، وكانَ يُكْثِرُ مِنها. وتَقَدَّمَ أيْضًا أنَّهُ قِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣] أنَّها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي الإنْسانَ في قَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣] . ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ٦] أيْ: لا يُؤْمِنُ بِالبَعْثِ ﴿فَلا صَدَّقَ﴾ بِالرَّسُولِ والقُرْآنِ، ﴿ولا صَلّى﴾ . ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: فَلا صَدَّقَ مالَهُ، يَعْنِي فَلا زَكّاهُ. انْتَهى. وكَوْنُ ﴿فَلا صَدَّقَ﴾ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: (يَسْألُ) فِيهِ بُعْدٌ، ولا هُنا نَفَتِ الماضِي، أيْ: لَمْ يَصَّدَّقْ ولَمْ يُصَلِّ. وفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ لا تَدْخُلُ عَلى الماضِي فَتَنْصِبُهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ:

؎وأيُّ خَمِيسٍ لا أتانا نَهابُهُ وأسْيافُنا يَقْطُرْنَ مِن كَبْشَةٍ دَما

وقالَ الرّاجِزُ:

؎إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألَمّا

وصَدَّقَ: مَعْناهُ بِرِسالَةِ اللَّهِ. وقالَ قَوْمٌ: هو مِنَ الصَّدَقَةِ، وهَذا الَّذِي يَظْهَرُ نَفى عَنْهُ الزَّكاةَ والصَّلاةَ وأثْبَتَ لَهُ التَّكْذِيبَ، كَقَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] ﴿ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٤] ﴿وكُنّا نَخُوضُ مَعَ الخائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] . وحَمْلُ ﴿فَلا صَدَّقَ﴾ عَلى نَفْيِ التَّصْدِيقِ بِالرِّسالَةِ، فَيَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ﴿ولَكِنْ كَذَّبَ﴾ تَكْرارًا. ولَزِمَ أنْ يَكُونَ (لَكِنْ) اسْتِدْراكًا بَعْدَ ﴿ولا صَلّى﴾ لا بَعْدَ ﴿فَلا صَدَّقَ﴾؛ لِأنَّهُ كانَ يَتَساوى الحُكْمُ في ﴿فَلا صَدَّقَ﴾ وفي (كَذَّبَ)، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ، إذْ لا يَقَعُ لَكِنْ بَعْدَ مُتَوافِقِينَ. (وتَوَلّى): أعْرَضَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ.

﴿ثُمَّ ذَهَبَ إلى أهْلِهِ﴾ أيْ: قَوْمِهِ، ﴿يَتَمَطّى﴾: يَبَخْتَرُ في مِشْيَتِهِ. رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَبَّبَ أبا جَهْلٍ يَوْمًا في البَطْحاءِ وقالَ لَهُ: (إنَّ اللَّهَ يَقُولُ لَكَ أوْلى فَأوْلى لَكَ)» فَنَزَلَ القُرْآنُ عَلى نَحْوِها، وقالَتِ الخَنْساءُ:

؎هَمَمْتُ بِنَفْسِي كُلَّ الهُمُو ∗∗∗ مِ فَأوْلى لِنَفْسِي أوْلى لَها

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى (أوْلى) شَرْحًا وإعْرابًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٠] ﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ [محمد: ٢١] في سُورَةِ القِتالِ، وتَكْرارُهُ هُنا مُبالَغَةٌ في التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ. ولَمّا ذَكَرَ حالَهُ في المَوْتِ وما كانَ مِن حالِهِ في الدُّنْيا، قَرَّرَ لَهُ أحْوالَهُ في بِدايَتِهِ لِيَتَأمَّلَها، فَلا يُنْكِرُ مَعَها جَوازَ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ألَمْ يَكُ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ. (p-٣٩١)والحَسَنُ: بِتاءِ الخِطابِ عَلى سَبِيلِ الِالتِفاتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: تُمْنى، أيِ: النُّطْفَةُ يُمْنِيها الرَّجُلُ. وابْنُ مُحَيْصِنٍ والجَحْدَرِيُّ وسَلّامٌ ويَعْقُوبُ وحَفْصٌ وأبُو عُمَرَ: بِخِلافٍ عَنْهُ بِالياءِ، أيْ: يُمْنِي هو، أيِ: المَنِيُّ، فَخَلَقَ اللَّهُ مِنهُ بَشَرًا مُرَكَّبًا مِن أشْياءَ مُخْتَلِفَةٍ. (فَسَوّى) أيْ: سَوّاهُ شَخْصًا مُسْتَقِلًّا.

﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ﴾ أيِ: النَّوْعَيْنِ أوِ المُزْدَوَجَيْنِ مِنَ البَشَرِ، وفي قِراءَةِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ: الزَّوْجانِ بِالألِفِ، وكَأنَّهُ عَلى لُغَةِ بَنِي الحارِثِ بْنِ كَعْبٍ ومَن وافَقَهم مِنَ العَرَبِ مِن كَوْنِ المُثَنّى بِالألِفِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ. وقَرَأ أيْضًا: يَقْدِرُ مُضارِعًا. والجُمْهُورُ: (بِقادِرٍ) اسْمُ فاعِلٍ مَجْرُورٍ بِالباءِ الزّائِدَةِ.

﴿ألَيْسَ ذَلِكَ﴾ أيِ: الخالِقُ المُسَوِّي، (بِقادِرٍ)، وفِيهِ تَوْقِيفٌ وتَوْبِيخٌ لِمُنْكِرِ البَعْثِ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ والفَيْضُ بْنُ غَزَوانَ: بِسُكُونِ الياءِ مِن قَوْلِهِ: (أنْ يُحْيِيَ) وهي حَرَكَةُ إعْرابٍ لا تَنْحَذِفُ إلّا في الوَقْفِ، وقَدْ جاءَ في الشِّعْرِ حَذْفُها. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِفَتْحِها. وجاءَ عَنْ بَعْضِهِمْ (يُحِيِّي) بِنَقْلِ حَرَكَةِ الياءِ إلى الحاءِ وإدْغامِ الياءِ في الياءِ. قالَ ابْنُ خالَوَيْهِ: لا يُجِيزُ أهْلُ البَصْرَةِ سِيبَوَيْهِ وأصْحابُهُ إدْغامَ (يُحِيِّي)، قالُوا لِسُكُونِ الياءِ الثّانِيَةِ، ولا يَعْتَدُّونَ بِالفَتْحَةِ في الياءِ؛ لِأنَّها حَرَكَةُ إعْرابٍ غَيْرُ لازِمَةٍ. وأمّا الفَرّاءُ فاحْتَجَّ بِهَذا البَيْتِ:

؎تَمْشِي بِشِدَّةٍ بَيْنَها فَتُعيِّي

يُرِيدُ: فَتُعْيِي، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском