Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-Insan 76:15–31
76:15–20Page 579
وَيُطَافُ عَلَيۡهِم بِـَٔانِيَةٖ مِّن فِضَّةٖ وَأَكۡوَابٖ كَانَتۡ قَوَارِيرَا۠ ١٥
And there will be circulated among them vessels of silver and cups having been [created] clear [as glass],
قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٖ قَدَّرُوهَا تَقۡدِيرٗا ١٦
Clear glasses [made] from silver of which they have determined the measure.
وَيُسۡقَوۡنَ فِيهَا كَأۡسٗا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا ١٧
And they will be given to drink a cup [of wine] whose mixture is of ginger
عَيۡنٗا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلۡسَبِيلٗا ١٨
[From] a fountain within it [i.e., Paradise] named Salsabeel.
۞ وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ وِلۡدَٰنٞ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيۡتَهُمۡ حَسِبۡتَهُمۡ لُؤۡلُؤٗا مَّنثُورٗا ١٩
There will circulate among them young boys made eternal. When you see them, you would think them [as beautiful as] scattered pearls.
وَإِذَا رَأَيۡتَ ثَمَّ رَأَيۡتَ نَعِيمٗا وَمُلۡكٗا كَبِيرًا ٢٠
And when you look there [in Paradise], you will see pleasure and great dominion.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَ﴾ ﴿قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ ﴿ويُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا﴾ ﴿عَيْنًا فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلًا﴾ ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ ﴿وإذا رَأيْتَ ثَمَّ رَأيْتَ نَعِيمًا ومُلْكًا كَبِيرًا﴾ ﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ وحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] ﴿إنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: ٢٢] ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٣] ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] ﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٥] ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦] ﴿إنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العاجِلَةَ ويَذَرُونَ وراءَهم يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٧] ﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهم وإذا شِئْنا بَدَّلْنا أمْثالَهم تَبْدِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٨] ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٩] ﴿وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠] ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١]
(p-٣٩٧)لَمّا وصَفَ تَعالى طَعامَهم وسُكْناهم وهَيْئَةَ جُلُوسِهِمْ، ذَكَرَ شَرابَهم، وقَدَّمَ ذِكْرَ الآنِيَةِ الَّتِي يُسْقَوْنَ مِنها، والآنِيَةُ جَمْعُ إناءٍ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الأكْوابِ. وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ: قَوارِيرًا قَوارِيرًا بِتَنْوِينِهِما وصْلًا وإبْدالِهِ ألِفًا وقْفًا. وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: بِمَنعِ صَرْفِهِما. وابْنُ كَثِيرٍ: بِصَرْفِ الأوَّلِ ومَنعِ الصَّرْفِ في الثّانِي. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا التَّنْوِينُ بَدَلٌ مِن ألِفِ الإطْلاقِ لِأنَّهُ فاصِلَةٌ، وفي الثّانِي لِاتِّباعِهِ الأوَّلِ. انْتَهى. وكَذا قالَ في قِراءَةِ مَن قَرَأ (سَلاسَلًا) بِالتَّنْوِينِ: إنَّهُ بَدَلٌ مِن حَرْفِ الإطْلاقِ، أجْرى الفَواصِلَ مَجْرى أبْياتِ الشِّعْرِ، فَكَما أنَّهُ يَدْخُلُ التَّنْوِينُ في القَوافِي المُطْلَقَةِ إشْعارًا بِتَرْكِ التَّرَنُّمِ، كَما قالَ الرّاجِزُ:
؎يا صاحِ ما هاجَ الدُّمُوعَ الذُّرَّفَنْ
فَهَذِهِ النُّونُ بَدَلٌ مِنَ الألِفِ، إذْ لَوْ تَرَنَّمَ لَوَقَفَ بِألِفِ الإطْلاقِ.
﴿مِن فِضَّةٍ﴾ أيْ: مَخْلُوقَةٌ مِن فِضَّةٍ، ومَعْنى (كانَتْ): أنَّهُ أوْجَدَها تَعالى مِن قَوْلِهِ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢] تَفْخِيمًا لِتِلْكَ الخِلْقَةِ العَجِيبَةِ الشَّأْنِ الجامِعَةِ بَيْنَ بَياضِ الفِضَّةِ ونُصُوعِها وشَفِيفِ القَوارِيرِ وصَفائِها، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ [الإنسان: ٥] . وقَرَأ الأعْمَشُ: قَوارِيرُ مِن فِضَّةٍ بِالرَّفْعِ، أيْ: هو قَوارِيرُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿قَدَّرُوها﴾ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والضَّمِيرُ لِلْمَلائِكَةِ، أوْ لِلطُّوّافِ عَلَيْهِمْ، أوِ المُنَعَّمِينَ، والتَّقْدِيرُ: عَلى قَدْرِ الأكُفِّ، قالَهُالرَّبِيعُ. أوْ عَلى قَدْرِ الرِّيِّ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿قَدَّرُوها﴾ صِفَةٌ لِقَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ، ومَعْنى تَقْدِيرِهِمْ لَها أنَّهم قَدَّرُوها في أنْفُسِهِمْ عَلى مَقادِيرَ وأشْكالٍ عَلى حَسَبِ شَهَواتِهِمْ، فَجاءَتْ كَما قَدَّرُوها. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلطّائِفِينَ بِها يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ويُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ عَلى أنَّهم قَدَّرُوا شَرابَها عَلى قَدْرِ الرِّيِّ، وهو ألَذُّ الشَّرابِ لِكَوْنِهِ عَلى مِقْدارِ حاجَتِهِ، لا يَفْضُلُ عَنْها ولا يَعْجِزُ. وعَنْ مُجاهِدٍ: لا يَفِيضُ ولا يَغِيضُ. انْتَهى. وقَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ والسُّلَمِيُّ والشَّعْبِيُّ، وابْنُ أبْزى وقَتادَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، والجَحْدَرِيُّ (p-٣٩٨)وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ وأبُو حَيْوَةَ وعَبّاسٌ، عَنْ أبانٍ، والأصْمَعِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو، وابْنُ عَبْدِ الخالِقِ عَنْ يَعْقُوبَ: ﴿قَدَّرُوها﴾ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: كَأنَّ اللَّفْظَ قَدَرُوا عَلَيْها، وفي المَعْنى قَلْبٌ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ المَعْنى أنْ يُقالَ: قُدِّرَتْ عَلَيْهِمْ، فَهي مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ﴾ [القصص: ٧٦] ومِثْلُ قَوْلِ العَرَبِ: إذا طَلَعَتِ الجَوْزاءُ ألْقى العَوْدُ عَلى الحِرْباءِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ووَجْهُهُ أنْ يَكُونَ مِن قَدَرَ مَنقُولًا مِن قُدِّرَ، تَقُولُ: قَدَّرْتُ الشَّيْءَ وقَدَّرَنِيهِ فُلانٌ إذا جَعَلَكَ قادِرًا عَلَيْهِ، ومَعْناهُ: جُعِلُوا قادِرِينَ لَها كَما شاءُوا، وأطْلَقَ لَهم أنْ يُقَدِّرُوا عَلى حَسَبِ ما اشْتَهَوْا. انْتَهى. وقالَ أبُو حاتِمٍ: قُدِّرَتِ الأوانِي عَلى قَدْرِ رِيِّهِمْ، فَفَسَّرَ بَعْضُهم قَوْلَ أبِي حاتِمٍ هَذا، قالَ: فِيهِ حَذْفٌ عَلى حَذْفٍ، وهو أنَّهُ كانَ قُدِّرَ عَلى قَدْرِ رِيِّهِمْ إيّاها، ثُمَّ حُذِفَ عَلى فَصارَ قَدْرُ رِيِّهِمْ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ثُمَّ حُذِفَ قُدِّرَ فَصارَ رِيُّهم قائِمًا مَقامَهُ، ثُمَّ حُذِفَ الرِّيُّ فَصارَتِ الواوُ مَكانَ الهاءِ والمِيمِ لَمّا حُذِفَ المُضافُ مِمّا قَبْلَها، وصارَتِ الواوُ مَفْعُولَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، واتَّصَلَ ضَمِيرُ المَفْعُولِ الثّانِي في تَقَدُّرِ النَّصْبِ بِالفِعْلِ بَعْدَ الواوِ الَّتِي تَحَوَّلَتْ مِنَ الهاءِ والمِيمِ حَتّى أُقِيمَتْ مَقامَ الفاعِلِ. انْتَهى. والأقْرَبُ في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ الشّاذَّةِ أنْ يَكُونَ الأصْلُ قُدِّرَ رِيُّهم مِنها تَقْدِيرًا، فَحَذَفَ المُضافَ وهو الَّذِي، وأُقِيمَ الضَّمِيرُ مَقامَهُ فَصارَ التَّقْدِيرُ: قُدِّرُوا مِنها، ثُمَّ اتَّسَعَ في الفِعْلِ فَحُذِفَتْ ”مِن“ ووُصِلَ الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ بِنَفْسِهِ فَصارَ قُدِّرُوها، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ إلّا حَذْفُ مُضافٍ واتِّساعٌ في المَجْرُورِ.
والظّاهِرُ أنَّ الكَأْسَ تُمْزَجُ بِالزَّنْجَبِيلِ، والعَرَبُ تَسْتَلِذُّهُ وتَذْكُرُهُ في وصْفِ رُضابِ أفْواهِ النِّساءِ، كَما أنْشَدْنا لَهم في الكَلامِ عَلى المُفْرَداتِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تُسَمّى العَيْنُ زَنْجَبِيلًا لِطَعْمِ الزَّنْجَبِيلِ فِيها. انْتَهى. وقالَ قَتادَةُ: الزَّنْجَبِيلُ اسْمٌ لِعَيْنٍ في الجَنَّةِ، يَشْرَبُ مِنها المُقَرَّبُونَ صِرْفًا، ويُمْزَجُ لِسائِرِ أهْلِ الجَنَّةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: يُسْقى بِجامَيْنِ، الأوَّلُ مِزاجُهُ الكافُورُ، والثّانِي مِزاجُهُ الزَّنْجَبِيلُ. و(عَيْنًا) بَدَلٌ مِن (كَأْسًا) عَلى حَذْفٍ، أيْ: كَأْسُ عَيْنٍ، أوْ مِن (زَنْجَبِيلٍ) عَلى قَوْلِ قَتادَةَ. وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ العَيْنَ تُسَمّى سَلْسَبِيلًا بِمَعْنى تُوصَفُ بِأنَّها سِلْسِلَةٌ في الِاتِّساعِ سَهْلَةٌ في المَذاقِ، ولا يُحْمَلُ سَلْسَبِيلٌ عَلى أنَّهُ اسْمٌ حَقِيقَةً؛ لِأنَّهُ إذْ ذاكَ كانَ مَمْنُوعَ الصَّرْفِ لِلتَّأْنِيثِ والعَلَمِيَّةِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ طَلْحَةَ أنَّهُ قَرَأهُ بِغَيْرِ ألِفٍ، جَعَلَهُ عَلَمًا لَها، فَإنْ كانَ عَلَمًا فَوَجْهُ قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالتَّنْوِينِ المُناسَبَةُ لِلْفَواصِلِ، كَما قالَ ذَلِكَ بَعْضُهم في (سَلاسِلا و( قَوارِيرا) . ويُحَسِّنُ ذَلِكَ أنَّهُ لُغَةٌ لِبَعْضِ العَرَبِ، أعْنِي صَرْفَ ما لا يَصْرِفُهُ أكْثَرُ العَرَبِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ زِيدَتِ الباءُ في التَّرْكِيبِ حَتّى صارَتِ الكَلِمَةُ خُماسِيَّةً. انْتَهى. وكانَ قَدْ ذَكَرَ، فَقالَ: شَرابٌ سَلْسَلٌ وسَلْسالٌ وسَلْسِيلٌ، فَإنْ كانَ عَنى أنَّهُ زِيدَ حَقِيقَةً فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ الباءَ لَيْسَتْ مِن حُرُوفِ الزِّيادَةِ المَعْهُودَةِ في عِلْمِ النَّحْوِ، وإنْ عَنى أنَّها حَرْفٌ جاءَ في سَنْحِ الكَلِمَةِ ولَيْسَ في سَلْسِيلٍ ولا في سِلْسالٍ، فَيَصِحُّ ويَكُونُ مِمّا اتَّفَقَ مَعْناهُ وكانَ مُخْتَلِفًا في المادَّةِ.
وقالَ بَعْضُ المُعْرِبِينَ: سَلْسَبِيلا أمْرٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِأُمَّتِهِ بِسُؤالِ السَّبِيلِ إلَيْها، وقَدْ نَسَبُوا هَذا القَوْلَ إلى عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ - ويَجِبُ طَرْحُهُ مِن كُتُبِ التَّفْسِيرِ. وأعْجَبُ مِن ذَلِكَ تَوْجِيهُ الزَّمَخْشَرِيِّ لَهُ واشْتِغالُهُ بِحِكايَتِهِ، ويَذْكُرُ نِسْبَتَهُ إلى عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ ورَضِيَ عَنْهُ. وقالَ قَتادَةُ: هي عَيْنٌ تَنْبُعُ مِن تَحْتِ العَرْشِ مِن جَنَّةِ عَدْنٍ إلى الجِنانِ. وقالَ عِكْرِمَةُ: عَيْنٌ سَلِسٌ ماؤُها. وقالَ مُجاهِدٌ: عَيْنٌ حَدِيرَةُ الجَرْيَةِ سَلْسِلَةٌ سَهْلَةُ المَساغِ. وقالَ مُقاتِلٌ: عَيْنٌ يَتَسَلْسَلُ عَلَيْهِمْ ماؤُها في مَجالِسِهِمْ كَيْفَ شاءُوا، وتَقَدَّمَ شَرْحُ ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ وتَشْبِيهُ الوِلْدانِ بِاللُّؤْلُؤِ المَنثُورِ في بَياضِهِمْ وصَفاءِ ألْوانِهِمْ وانْتِشارِهِمْ في المَساكِنِ في خِدْمَةِ أهْلِ الجَنَّةِ يَجِيئُونَ ويَذْهَبُونَ. وقِيلَ: شُبِّهُوا بِاللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ إذا أُنْثِرَ مِن صَدَفِهِ، فَإنَّهُ أحْسَنُ في العَيْنِ وأبْهَجُ لِلنَّفْسِ. (p-٣٩٩)وجَوابُ (إذا رَأيْتَ): ﴿نَعِيمًا﴾ ومَفْعُولُ فِعْلِ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، حُذِفَ اقْتِصارًا، والمَعْنى: وإذا رَمَيْتَ بِبَصَرِكِ هُناكَ، و”ثَمَّ“ ظَرْفٌ العامِلُ فِيهِ رَأيْتَ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وإذا رَأيْتَ ما ثَمَّ، فَحَذَفَ ما كَما حَذَفَ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] أيْ: ما بَيْنَكم. وقالَ الزَّجّاجُ، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، فَقالَ: ومَن قالَ مَعْناهُ ما ثَمَّ فَقَدَ أخْطَأ؛ لِأنَّ ثَمَّ صِلَةٌ لِما، ولا يَجُوزُ إسْقاطُ المَوْصُولِ وتَرْكُ الصِّلَةِ. انْتَهى. ولَيْسَ بِخَطَأٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، بَلْ قَدْ أجازَ ذَلِكَ الكُوفِيُّونَ، وثَمَّ شَواهِدُ مِن لِسانِ العَرَبِ، كَقَوْلِهِ:
؎فَمَن يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنكم ∗∗∗ ويَمْدَحُهُ ويَنْصُرُهُ سَواءُ
أيْ: ومَن يَمْدَحُهُ، فَحَذَفَ المَوْصُولَ وأبْقى صِلَتَهُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و”ثَمَّ“ ظَرْفٌ العامِلُ فِيهِ (رَأيْتَ) أوْ مَعْناهُ التَّقْدِيرُ: رَأيْتَ ما ثَمَّ حُذِفَتْ ما. انْتَهى. وهَذا فاسِدٌ؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ جَعْلُهُ مَعْمُولًا لِـ (رَأيْتَ) لا يَكُونُ صِلَةً لِما؛ لِأنَّ العامِلَ فِيهِ إذْ ذاكَ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما اسْتَقَرَّ ثَمَّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ”ثَمَّ“ بِفَتْحِ الثّاءِ. وحُمَيْدٌ الأعْرَجُ: ثُمَّ بِضَمِّ الثّاءِ حَرْفَ عَطْفٍ، وجَوابُ ”إذا“ عَلى هَذا مَحْذُوفٌ، أيْ: وإذا رَمَيْتَ بِبَصَرِكَ رَأيْتَ نَعِيمًا. والمُلْكُ الكَبِيرُ قِيلَ: النَّظَرُ إلى اللَّهِ تَعالى. وقالَ السُّدِّيُّ: اسْتِئْذانُ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمْ. وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: المُلْكُ الكَبِيرُ: اتِّساعُ مَواضِعِهِمْ. وقالَ الكَلْبِيُّ: كَبِيرًا عَرِيضًا يُبْصِرُ أدْناهم مَنزِلَةً في الجَنَّةِ مَسِيرَةَ ألْفِ عامٍ، يَرى أقْصاهُ كَما يَرى أدْناهُ، وقالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وقالَ: ما مِن أهْلِ الجَنَّةِ مِن أحَدٍ إلّا يَسْعى عَلَيْهِ ألْفُ غُلامٍ، كُلُّهم مُخْتَلِفٌ شُغْلُهُ مِن شُغْلِ أصْحابِهِ. وقالَ التِّرْمِذِيُّ، وأظُنُّهُ التِّرْمِذِيَّ الحَكِيمَ لا أبا عِيسى الحافِظَ صاحِبَ الجامِعِ: هو مُلْكُ التَّكْوِينِ والمَشِيئَةِ، إذا أرادَ شَيْئًا كانَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها﴾ [ق: ٣٥] وقِيلَ غَيْرُ هَذِهِ الأقْوالِ.
وقَرَأ عُمَرُ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ ومُجاهِدٌ والجَحْدَرِيُّ وأهْلُ مَكَّةَ وجُمْهُورُ السَّبْعَةِ: ﴿عالِيَهُمْ﴾ [الإنسان: ٢١] بِفَتْحِ الياءِ. وابْنُ عَبّاسٍ: بِخِلافٍ عَنْهُ. والأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ ونافِعٌ وحَمْزَةُ: بِسُكُونِها، وهي رِوايَةُ أبانٍ عَنْ عاصِمٍ. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالياءِ مَضْمُومَةً. وعَنِ الأعْمَشِ وأبانٍ أيْضًا عَنْ عاصِمٍ: بِفَتْحِ الياءِ. وقَرَأ: عَلَيْهِمْ حَرْفَ جَرٍّ ابْنُ سِيرِينَ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وأبُو حَيْوَةَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ والزَّعْفَرانِيُّ وأبانٌ أيْضًا. وقَرَأتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: عَلَتْهم بِتاءِ التَّأْنِيثِ فِعْلًا ماضِيًا، فَثِيابُ فاعِلٌ. ومَن قَرَأ بِالياءِ مَضْمُومَةً فَمُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ثِيابٌ، ومَن قَرَأ عَلَيْهِمْ حَرْفَ جَرٍّ فَثِيابُ مُبْتَدَأٌ؛ ومَن قَرَأ بِنَصْبِ الياءِ وبِالتّاءِ ساكِنَةً فَعَلى الحالِ، وهو حالٌ مِنَ المَجْرُورِ في ﴿ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ فَذُو الحالِ الطَّوْفُ عَلَيْهِمْ والعامِلُ يَطُوفُ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وعالِيَهم بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ [الواقعة: ١٧] أوْ في ﴿حَسِبْتَهُمْ﴾ أيْ: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ عالِيًا لِلْمَطُوفِ عَلَيْهِمْ ثِيابٌ، أوْ حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا عالِيًا لَهم ثِيابٌ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: رَأيْتَ أهْلَ نَعِيمٍ ومُلْكٍ عالِيَهم ثِيابٌ. انْتَهى. إمّا أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿حَسِبْتَهُمْ﴾ فَإنَّهُ لا يُعْنِي إلّا ضَمِيرَ المَفْعُولِ، وهَذا عائِدٌ عَلى (وِلْدانٌ) ولِذَلِكَ قُدِّرَ عالِيَهم بِقَوْلِهِ: عالِيًا لَهم، أيْ: لِلْوِلْدانِ، وهَذا لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ الضَّمائِرَ الآتِيَةَ بَعْدَ ذَلِكَ تَدُلُّ عَلى أنَّها لِلْمَطُوفِ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِ: (وحُلُّوا وسَقاهم) وإنَّ هَذا كانَ لَكم جَزاءً، وفَكُّ الضَّمائِرِ يَجْعَلُ هَذا كَذا، وذاكَ كَذا مَعَ عَدَمِ الِاحْتِياجِ والِاضْطِرارِ إلى ذَلِكَ لا يَجُوزُ. وأمّا جَعْلُهُ حالًا مِن مَحْذُوفٍ وتَقْدِيرُهُ أهْلُ نَعِيمٍ، فَلا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ الحَذْفِ مَعَ صِحَّةِ الكَلامِ وبَراعَتِهِ دُونَ تَقْدِيرِ ذَلِكَ المَحْذُوفِ، و(ثِيابٌ) مَرْفُوعٌ عَلى الفاعِلِيَّةِ بِالحالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ في النَّصْبِ في القِراءَتَيْنِ أنْ يَكُونَ عَلى الظَّرْفِ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى فَوْقَهم. انْتَهى. وعالٍ وعالِيَةٌ اسْمُ فاعِلٍ، فَيَحْتاجُ في إثْباتِ كَوْنِهِما ظَرْفَيْنِ إلى أنْ يَكُونَ مَنقُولًا مِن كَلامِ العَرَبِ عالِيَكَ أوْ عالِيَتُكَ ثَوْبٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ثِيابُ) بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى الإضافَةِ إلى (سُنْدُسٍ) . وقَرَأ ابْنُ عَبْلَةَ وأبُو حَيْوَةَ: عَلَيْهِمْ ثِيابٌ سُنْدُسٌ خُضْرٌ وإسْتَبْرَقٌ، بِرَفْعِ الثَّلاثَةِ، بِرَفْعِ سُنْدُسٍ بِالصِّفَةِ؛ لِأنَّهُ جِنْسٌ، كَما تَقُولُ: ثَوْبٌ حَرِيرٌ، (p-٤٠٠)تُرِيدُ مِن حَرِيرٍ. وبِرَفْعِ (خُضْرٌ) بِالصِّفَةِ أيْضًا لِأنَّ الخُضْرَةَ لَوْنُها؛ ورُفِعَ ﴿إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] بِالعَطْفِ عَلَيْها، وهو صِفَةٌ أُقِيمَتْ مَقامَ المَوْصُوفِ، تَقْدِيرُهُ: وثِيابٌ إسْتَبْرَقٌ، أيْ مِن إسْتَبْرَقٍ. وقَرَأ الحَسَنُ وعِيسى ونافِعٌ وحَفْصٌ: (خُضْرٌ) بِرَفْعِهِما. وقَرَأ العَرَبِيّانِ ونافِعٌ في رِوايَةٍ: ﴿خُضْرٌ﴾ [الإنسان: ٢١] بِالرَّفْعِ صِفَةً لِثِيابٍ، و﴿إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] جُرَّ عَطْفًا عَلى سُنْدُسٍ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو بَكْرٍ: بِجَرِّ خُضْرٍ صِفَةً لِسُنْدُسٍ، ورَفْعِ ﴿إسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] عَطْفًا عَلى ”ثِيابٍ“ . وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ والحَسَنُ وأبُو عَمْرٍو: بِخِلافٍ عَنْهُما. وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ووَصْفُ اسْمِ الجِنْسِ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ واحِدِهِ تاءُ التَّأْنِيثِ، والجَمْعُ جائِزٌ فَصِيحٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾ [الرعد: ١٢] وقالَ: ﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ﴾ [ق: ١٠] فَجَعَلَ الحالَ جَمْعًا، وإذا كانُوا قَدْ جَمَعُوا صِفَةَ اسْمِ الجِنْسِ الَّذِي لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ واحِدِهِ تاءُ التَّأْنِيثِ المَحْكِيِّ بِألْ بِالجَمْعِ، كَقَوْلِهِمْ: أهْلَكَ النّاسَ الدِّينارُ الصُّفْرُ والدِّرْهَمُ البِيضُ، حَيْثُ جَمْعُ وصْفِهِما لَيْسَ بِسَدِيدٍ، بَلْ هو جائِزٌ أوْرَدَهُ النُّحاةُ مَوْرِدَ الجَوازِ بِلا قُبْحٍ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: ﴿وإسْتَبْرَقٌ﴾ [الإنسان: ٢١] وتَقَدَّمَ ذَلِكَ والكَلامُ عَلَيْهِ في الكَهْفِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ”هُنا“ وقُرِئَ (وإسْتَبْرَقًا) نَصْبًا في مَوْضِعِ الجَرِّ عَلى مَنعِ الصَّرْفِ لِأنَّهُ أعْجَمِيٌّ، وهو غَلَطٌ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ يَدْخُلُهُ حَرْفُ التَّعْرِيفِ، تَقُولُ: الإسْتَبْرَقُ، إلّا أنْ يَزْعُمَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ أنَّهُ قَدْ يُجْعَلُ عَلَمًا لِهَذا الضَّرْبِ مِنَ الثِّيابِ. وقُرِئَ: (واسْتَبْرَقَ) بِوَصْلِ الهَمْزَةِ والفَتْحِ عَلى أنَّهُ مُسَمًّى بِاسْتَفْعَلَ مِنَ البَرِيقِ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ أيْضًا؛ لِأنَّهُ مُعَرَّبٌ مَشْهُورٌ تَعْرِيبُهُ، وأنَّ أصْلَهُ إسْتَبْرَهْ. انْتَهى. ودَلَّ قَوْلُهُ: إلّا أنْ يَزْعُمَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، وقَوْلُهُ بَعْدُ: وقُرِئَ واسْتَبْرَقَ بِوَصْلِ الألِفِ والفَتْحِ أنَّ قِراءَةَ ابْنِ مُحَيْصِنٍ هي بِقَطْعِ الهَمْزَةِ مَعَ فَتْحِ القافِ. والمَنقُولُ عَنْهُ في كُتُبِ القِراءاتِ أنَّهُ قَرَأ بِوَصْلِ الألِفِ وفَتْحِ القافِ. وقالَ أبُو حاتِمٍ: لا يَجُوزُ، والصَّوابُ أنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ لا يَنْبَغِي أنْ يَحْمِلَ ضَمِيرًا، ويُؤَيِّدَ ذَلِكَ دُخُولُ لامِ المَعْرِفَةِ عَلَيْهِ، والصَّوابُ قَطْعُ الألِفِ وإجْراؤُهُ عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ. انْتَهى. ونَقُولُ: إنَّ ابْنَ مُحَيْصِنٍ قارِئٌ جَلِيلٌ مَشْهُورٌ بِمَعْرِفَةِ العَرَبِيَّةِ، وقَدْ أخَذَ عَنْ أكابِرِ العُلَماءِ، ويُتَطَلَّبُ لِقِراءَتِهِ وجْهٌ، وذَلِكَ أنَّهُ يَجْعَلُ اسْتَفْعَلَ مِنَ البَرِيقِ. تَقُولُ: بَرِقَ واسَتَبْرَقَ، كَعَجِبَ واسْتَعْجَبَ.
ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿خُضْرٌ﴾ [الإنسان: ٢١] يَدُلُّ عَلى الخُضْرَةِ، وهي لَوْنُ ذَلِكَ السُّنْدُسِ، وكانَتِ الخُضْرَةُ مِمّا يَكُونُ لِشِدَّتِها دُهْمَةٌ وغَبَشٌ، أخْبَرَ أنَّ في ذَلِكَ اللَّوْنِ بَرِيقًا وحُسْنًا يُزِيلُ غَبَشَتَهُ. فاسْتَبْرَقَ فِعْلٌ ماضٍ، والضَّمِيرُ فِيهِ عائِدٌ عَلى السُّنْدُسِ أوْ عَلى الِاخْضِرارِ الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿خُضْرٌ﴾ [الإنسان: ٢١] . وهَذا التَّخْرِيجُ أوْلى مِن تَلْحِينِ مَن يَعْرِفُ العَرَبِيَّةَ وتَوْهِيمِ ضابِطٍ ثِقَةٍ ﴿أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ٢١] وفي مَوْضِعٍ آخَرَ (مِن ذَهَبٍ) أيْ: يُحَلَّوْنَ مِنهُما عَلى التَّعاقُبِ أوْ عَلى الجَمْعِ بَيْنَهُما، كَما يَقَعُ لِلنِّساءِ في الدُّنْيا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما أحْسَنَ بِالمِعْصَمِ أنْ يَكُونَ فِيهِ سُوارانِ، سُوارٌ مِن ذَهَبٍ وسُوارٌ مِن فِضَّةٍ. انْتَهى. فَقَوْلُهُ بِالمِعْصَمِ إمّا أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ أحْسَنَ، وإمّا أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنهُ، وإمّا أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ أحْسَنَ، وقَدْ فَصَلَ بَيْنَهُما بِالجارِّ والمَجْرُورِ. فَإنْ كانَ الأوَّلَ، فَلا يَجُوزُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ زِيادَةُ الباءِ في مَفْعُولِ أفْعَلَ لِلتَّعَجُّبِ، لا تَقُولُ: ما أحْسَنَ (p-٤٠١)بِزَيْدٍ تُرِيدُ ما أحْسَنَ زَيْدًا وإنْ كانَ الثّانِي، فَفي مِثْلِ هَذا الفَصْلِ خِلافٌ، والمَنقُولُ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ، والمُوَلَّدُ مِنّا إذا تَكَلَّمَ يَنْبَغِي أنْ يَتَحَرَّزَ في كَلامِهِ عَمّا فِيهِ الخِلافُ.
76:21–31Page 579
عَٰلِيَهُمۡ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضۡرٞ وَإِسۡتَبۡرَقٞۖ وَحُلُّوٓاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٖ وَسَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ شَرَابٗا طَهُورًا ٢١
Upon them [i.e., the inhabitants] will be green garments of fine silk and brocade. And they will be adorned with bracelets of silver, and their Lord will give them a purifying drink.
إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمۡ جَزَآءٗ وَكَانَ سَعۡيُكُم مَّشۡكُورًا ٢٢
[And it will be said], "Indeed, this is for you a reward, and your effort has been appreciated."
إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ تَنزِيلٗا ٢٣
Indeed, it is We who have sent down to you, [O Muḥammad], the Qur’ān progressively.
فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعۡ مِنۡهُمۡ ءَاثِمًا أَوۡ كَفُورٗا ٢٤
So be patient for the decision of your Lord and do not obey from among them a sinner or ungrateful [disbeliever].
وَٱذۡكُرِ ٱسۡمَ رَبِّكَ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا ٢٥
And mention the name of your Lord [in prayer] morning and evening
وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَٱسۡجُدۡ لَهُۥ وَسَبِّحۡهُ لَيۡلٗا طَوِيلًا ٢٦
And during the night prostrate to Him and exalt [i.e., praise] Him a long [part of the] night.
إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ يُحِبُّونَ ٱلۡعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمۡ يَوۡمٗا ثَقِيلٗا ٢٧
Indeed, these [disbelievers] love the immediate and leave behind them1 a grave Day.
نَّحۡنُ خَلَقۡنَٰهُمۡ وَشَدَدۡنَآ أَسۡرَهُمۡۖ وَإِذَا شِئۡنَا بَدَّلۡنَآ أَمۡثَٰلَهُمۡ تَبۡدِيلًا ٢٨
We have created them and strengthened their forms, and when We will, We can change their likenesses with [complete] alteration.
إِنَّ هَٰذِهِۦ تَذۡكِرَةٞۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلٗا ٢٩
Indeed, this is a reminder, so he who wills may take to his Lord a way.
وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٣٠
And you do not will except that Allāh wills. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.
يُدۡخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ وَٱلظَّٰلِمِينَ أَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمَۢا ٣١
He admits whom He wills into His mercy; but the wrongdoers - He has prepared for them a painful punishment.
﴿وسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ طَهُورٌ صِفَةُ مُبالَغَةٍ في الطَّهارَةِ، وهي مِن فِعْلٍ لازِمٍ، وطَهارَتُها بِكَوْنِها لَمْ يُؤْمَرْ بِاجْتِنابِها، ولَيْسَتْ كَخَمْرِ الدُّنْيا الَّتِي هي في الشَّرْعِ رِجْسٌ، أوْ لِكَوْنِها لَمْ تُدَسْ بِرِجْلٍ دَنِسَةٍ، ولَمْ تُمَسَّ بِيَدٍ وضِرَةٍ، ولَمْ تُوضَعْ في إناءٍ لَمْ يُعْنَ بِتَنْظِيفِهِ، ذَكَرَهُ بِأبْسَطَ مِن هَذا الزَّمَخْشَرِيُّ ثُمَّ قالَ: أوْ لِأنَّهُ لا يَئُولُ إلى النَّجاسَةِ؛ لِأنَّهُ يُرْشَحُ عَرَقًا مِن أبْدانِهِمْ لَهُ رِيحٌ كَرِيحِ المِسْكِ. انْتَهى. وهَذا الآخَرُ قالَهُ أبُو قِلابَةَ، والنَّخَعِيُّ، وإبْراهِيمُ التَّيْمِيُّ، قالُوا: لا تَنْقَلِبُ إلى البَوْلِ، بَلْ تَكُونُ رَشْحًا مِنَ الأبْدانِ أطْيَبَ مِنِ المِسْكِ (إنَّ هَذا): أيِ النَّعِيمَ السَّرْمَدِيَّ ﴿كانَ لَكم جَزاءً﴾: أيْ لِأعْمالِكُمُ الصّالِحَةِ ﴿وكانَ سَعْيُكم مَشْكُورًا﴾: أيْ مَقْبُولًا مُثابًا، قالَ قَتادَةُ: لَقَدْ شَكَرَ اللَّهُ سَعْيًا قَلِيلًا، وهَذا عَلى إضْمارِ يُقالُ لَهم، وهَذا القَوْلُ لَهم هو عَلى سَبِيلِ التَّهْنِئَةِ والسُّرُورِ لَهم بِضِدِّ ما يُقالُ لِلْمُعاقَبِ: إنَّ هَذا بِعَمَلِكَ الرَّدِيءِ، فَيَزْدادُ غَمًّا وحُزْنًا.
ولَمّا ذَكَرَ أوَّلًا حالَ الإنْسانِ وقَسَّمَهُ إلى العاصِي والطّائِعِ ذَكَرَ ما شَرَّفَ بِهِ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ، فَقالَ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ﴾ وأمَرَهُ بِالصَّبْرِ بِحُكْمِهِ، وجاءَ التَّوْكِيدُ بِإنَّ لِمَضْمُونِ الخَبَرِ ومَدْلُولِ المُخْبَرِ عَنْهُ، وأُكِّدَ الفِعْلُ بِالمَصْدَرِ ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ قالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ، قالَ: إنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تُطِعْ﴾ الآيَةَ. والنَّهْيُ عَنْ طاعَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما أبْلَغُ مِنَ النَّهْيِ عَنْ طاعَتِهِما؛ لِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ أحَدِهِما، لِأنَّ في طاعَتِهِما طاعَةَ أحَدِهِما، ولَوْ قالَ: لا تَضْرِبْ زَيْدًا وعَمْرًا لَجازَ أنْ يَكُونَ نَهْيًا عَنْ ضَرْبِهِما جَمِيعًا لا عَنْ ضَرْبِ أحَدِهِما، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أوْ بِمَعْنى الواوِ، والكَفُورُ وإنْ كانَ إثْمًا، فَإنَّ فِيهِ مُبالَغَةً في الكُفْرِ، ولَمّا كانَ وصْفُ الكَفُورِ مُبايِنًا لِلْمَوْصُوفِ لِمُجَرَّدِ الإثْمِ، صَلَحَ التَّغايُرُ فَحَسُنَ العَطْفُ.
وقِيلَ: الآثِمُ عُتْبَةُ، والكَفُورُ الوَلِيدُ؛ لِأنَّ عُتْبَةَ كانَ رَكّابًا لِلْمَآثِمِ مُتَعاطِيًا لِأنْواعِ الفُسُوقِ، وكانَ الوَلِيدُ غالِيًا في الكُفْرِ، شَدِيدَ الشَّكِيمَةِ في العُتُوِّ.
﴿واذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً﴾: يَعْنِي صَلاةَ الصُّبْحِ، (وأصِيلًا): الظَّهْرَ والعَصْرَ، ﴿ومِنَ اللَّيْلِ﴾: المَغْرِبَ والعِشاءَ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: كانَ ذَلِكَ فَرْضًا ونُسِخَ، فَلا فَرْضَ إلّا الخَمْسُ، وقالَ قَوْمٌ: هو مُحْكَمٌ عَلى وجْهِ النَّدْبِ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ﴾: إشارَةٌ إلى الكَفَرَةِ ﴿يُحِبُّونَ العاجِلَةَ﴾: يُؤْثِرُونَها عَلى الدُّنْيا ﴿ويَذَرُونَ وراءَهُمْ﴾: أيْ أمامَهم، وهو ما يَسْتَقْبِلُونَ مِنَ الزَّمانِ ﴿يَوْمًا ثَقِيلًا﴾: اسْتُعِيرَ الثِّقَلُ لِلْيَوْمِ لِشِدَّتِهِ، وهَوْلِهِ مِن ثِقَلِ الجُرْمِ الَّذِي يُتْعِبُ حامِلَهُ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ الأسْرِ في سُورَةِ القِتالِ ﴿وإذا شِئْنا﴾: أيْ تَبْدِيلَ أمْثالِهِمْ بِإهْلاكِهِمْ ﴿بَدَّلْنا أمْثالَهُمْ﴾ مِمَّنْ يُطِيعُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَقُّهُ أنْ يَجِيءَ بِإنْ لا بِإذا، كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ [النساء: ١٣٣] انْتَهى، يَعْنِي أنَّهم قالُوا: إنَّ إذا لِلْمُحَقَّقِ وإنْ لِلْمُمْكِنِ، وهو تَعالى لَمْ يَشَأْ، لَكِنَّهُ قَدْ تُوضَعُ إذا مَوْضِعَ إنْ، وإنْ مَوْضِعَ إذا، كَقَوْلِهِ: ﴿أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]، (إنَّ هَذِهِ): أيِ السُّورَةَ، أوْ آياتِ القُرْآنِ أوْ جُمْلَةَ الشَّرِيعَةِ لَيْسَ عَلى جِهَةِ التَّخْيِيرِ، بَلْ عَلى جِهَةِ التَّحْذِيرِ مِنَ اتِّخاذِ غَيْرِ سَبِيلِ اللَّهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِمَن شاءَ مِمَّنِ اخْتارَ الخَيْرَ لِنَفْسِهِ والعاقِبَةَ، واتِّخاذُ السَّبِيلِ إلى اللَّهِ عِبارَةٌ عَنِ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ والتَّوَسُّلِ بِالطّاعَةِ، ﴿وما تَشاءُونَ﴾: الطّاعَةَ، ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾، يَقْسِرُهم عَلَيْها، ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا﴾ بِأحْوالِهِمْ وما يَكُونُ مِنهم (حَكِيمًا) حَيْثُ خَلَقَهم مَعَ عِلْمِهِ بِهِمْ. انْتَهى. وفِيهِ دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وقَرَأ العَرَبِيّان وابْنُ كَثِيرٍ: وما يَشاءُونَ بِياءِ الغَيْبَةِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِتاءِ الخِطابِ، ومَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّهُ نَفْيٌ لِقُدْرَتِهِمْ عَلى الِاخْتِراعِ وإيجادِ المَعانِي في أنْفُسِهِمْ، ولا يَرُدُّ هَذا وُجُودُ ما لَهم مِنَ الِاكْتِسابِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَحَلُّ ﴿أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ ؟ قُلْتُ: النَّصْبُ عَلى الظَّرْفِ، وأصْلُهُ: إلّا وقْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ، وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: إلّا ما يَشاءُ اللَّهُ، (p-٤٠٢)لِأنَّ ما مَعَ الفِعْلِ كانَ مَعَهُ. انْتَهى. ونَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يَقُومُ مَقامَ الظَّرْفِ إلّا المَصْدَرُ المُصَرَّحُ بِهِ، كَقَوْلِكَ: أجِيئُكَ صِياحَ الدِّيكِ، ولا يُجِيزُونَ: أجِيئُكَ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ، ولا ما يَصِيحُ الدِّيكُ، فَعَلى هَذا لا يَجُوزُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ﴾: وهُمُ المُؤْمِنُونَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (والظّالِمِينَ) نَصْبًا بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ: ﴿أعَدَّ لَهُمْ﴾، وتَقْدِيرُهُ: ويُعَذِّبُ الظّالِمِينَ، وهو مِن بابِ الِاشْتِغالِ جُمْلَةُ عَطْفٍ فِعْلِيَّةٌ عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ، وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ وأبانُ بْنُ عُثْمانَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: والظّالِمُونَ. عَطَفَ جُمْلَةً اسْمِيَّةً عَلى فِعْلِيَّةٍ، وهو جائِزٌ حَسَنٌ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ولِلظّالِمِينَ بِلامِ الجَرِّ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِأعَدَّ لَهم تَوْكِيدًا، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، ويُقَدَّرُ فِعْلٌ يُفَسِّرُهُ الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَهُ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: وأعَدَّ لِلظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم، وهَذا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، وفِيهِ خِلافٌ ضَعِيفٌ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ، فَتَقُولُ: بِزَيْدٍ مَرَرْتُ بِهِ، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ مَرَرْتُ بِهِ، ويَكُونُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، والمَحْفُوظُ المَعْرُوفُ عَنِ العَرَبِ نَصْبُ الِاسْمِ وتَفْسِيرُ مَرَرْتُ المُتَأخِّرِ، وما أشْبَهَهُ مِن جِهَةِ المَعْنى فِعْلًا ماضِيًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences