Abu HayyanAl‑Anfal · 8:15–18

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:15–18

8:15–16Page 178

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحۡفٗا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ١٥

O you who have believed, when you meet those who disbelieve advancing [in battle], do not turn to them your backs [in flight].

وَمَن يُوَلِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفٗا لِّقِتَالٍ أَوۡ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٖ فَقَدۡ بَآءَ بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٦

And whoever turns his back to them on such a day, unless swerving [as a strategy] for war or joining [another] company, has certainly returned with anger [upon him] from Allāh, and his refuge is Hell - and wretched is the destination.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ١٧] ﴿ذَلِكم وأنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرِينَ﴾ [الأنفال: ١٨] ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ وإنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَعُودُوا نَعُدْ ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكم فِئَتُكم شَيْئًا ولَوْ كَثُرَتْ وأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ١٩] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢٠] ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١] ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢] ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكم واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤] ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [الأنفال: ٢٥] ﴿واذْكُرُوا إذْ أنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآواكم وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ وتَخُونُوا أماناتِكم وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧] ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ وأنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا ويُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩] ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣١] ﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢] ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] ﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٥] ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ والَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦] ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ويَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٧] ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ وإنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣٨] قالَ اللَّيْثُ: الجَماعَةُ يَمْشُونَ إلى عَدُوِّهِمْ هو الزَّحْفُ. قالَ الأعْشى:

؎لِمَنِ الظَّعائِنُ سَيْرُهُنَّ تَزَحُّفُ مِنكَ السَّفِينُ إذا تَقاعَسَ تَجْرُفُ

وقالَ الفَرّاءُ: الزَّحْفُ الدُّنُوُّ قَلِيلًا، يُقالُ: زَحَفَ إلَيْهِ يَزْحَفُ زَحْفًا إذا مَشى، وأزْحَفْتُ القَوْمَ دَنَوْتَ لِقِتالِهِمْ، وكَذَلِكَ تَزَحَّفَ وتَزاحَفَ وأزْحِفْ لَنا عَدُوَّنا إزْحافًا صارُوا يَزْحَفُونَ لِقِتالِنا، فازْدَحَفَ القَوْمُ ازْدِحافًا مَشى بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وقالَ ثَعْلَبٌ، ومِنهُ الزِّحافُ في الشِّعْرِ، وهو أنْ يَسْقُطَ مِنَ الحَرْفَيْنِ حَرْفٌ ويَزْحَفَ أحَدُهُما إلى الآخَرِ، وسُمِّيَ الجَيْشُ العَرَمْرَمُ بِالزَّحْفِ لِكَثْرَتِهِ، كَأنَّهُ يَزْحَفُ إلَيَّ يَدِبُّ دَبِيبًا، مِن زَحَفَ الصَّبِيُّ إذا دَبَّ عَلى ألْيَتِهِ قَلِيلًا قَلِيلًا، وأصْلُهُ مَصْدَرُ زَحَفَ، وقَدْ جَمَعَ أزْحَفُ عَلى زُحُوفٍ. وقالَ الهُذَلِيُّ يَصِفُ مَنهَلًا:(p-٤٧٤)

؎كَأنَّ مَزاحِفَ الحَيّاتِ فِيهِ ∗∗∗ قُبَيْلَ الصُّبْحِ آثارُ السِّياطِ

المُتَحَيِّزُ المُنْضَمُّ إلى جانِبٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: التَّحَيُّزُ والتَّحَوُّزُ التَّنَحِّي، وقالَ اللَّيْثُ: ما لَكَ مُتَحَوِّزًا إذا لَمْ تَسْتَقِرَّ عَلى الأرْضِ، وأصْلُهُ مِنَ الحَوْزِ، وهو الجَمْعُ، يُقالُ: حُزْتُهُ في الطَّرْسِ فانْحازَ، وتَحَيَّزَ انْضَمَّ واجْتَمَعَ، وتَحَوَّزَتِ الحَيَّةُ انْطَوَتْ واجْتَمَعَتْ، وسَمّى التَّنَحِّيَ تَحَيُّزًا؛ لِأنَّ المُتَنَحِّيَ عَنْ جانِبٍ يَنْضَمُّ عَنْهُ ويَجْتَمِعُ إلى غَيْرِهِ، وتَحَيَّزَ تَفَيْعَلَ، أصْلُهُ تَحَيْوَزَ، اجْتَمَعَتْ ياءٌ وواوٌ وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ فِيها الياءُ، وتَحَوَّزَ تَفَعَّلَ ضُعِّفَتْ عَيْنُهُ. الرَّمْيُ مَعْرُوفٌ، ويَكُونُ بِالسَّهْمِ والحَجَرِ والتُّرابِ. المُكاءُ: الصَّفِيرُ. وقالَ عَنْتَرَةُ:

؎وخَلِيلِ غانِيَةٍ تَرَكْتُ مُجَنْدَلًا ∗∗∗ تَمْكُوا فَرِيصَتُهُ كَشَدْقِ الأعْلَمِ

أيْ: تُصَوِّتُ، ومِنهُ مَكَّتِ اسْتُ الدّابَّةِ إذا نَفَخَتْ بِالرِّيحِ. وقالَ السُّدِّيُّ: المُكاءُ الصَّفِيرُ عَلى لَحْنِ طائِرٍ أبْيَضَ بِالحِجازِ يُقالُ لَهُ: المَكّاءُ، قالَ الشّاعِرُ:

؎إذا غَرَّدَ المَكّاءُ في غَيْرِ رَوْضَةٍ ∗∗∗ فَوَيْلٌ لِأهْلِ السِّقاءِ والحَمِراتِ

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: مَكا يَمْكُو مُكاءً إذا صَفَّرَ، والكَثِيرُ في الأصْواتِ أنْ تَكُونَ عَلى فِعالٍ كالصُّراخِ والخُوارِ والدُّعاءِ والنُّباحِ. التَّصْدِيَةُ: التَّصْفِيقُ، صَدّى يُصَدِّي تَصْدِيَةً صَفَّقَ، وهو فِعْلٌ مِنَ الصَّدى، وهو الصَّوْتُ الرَّكْمُ. قالَ اللَّيْثُ: جَمَعَكَ شَيْئًا فَوْقَ شَيْءٍ حَتّى تَجْعَلَهُ رُكامًا مَرْكُومًا كَرُكامِ الرَّمْلِ والسَّحابِ. مَضى تَقَدَّمَ، والمَصْدَرُ المُضِيُّ.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ أنَّهُ سَيُلْقِي الرُّعْبَ في قُلُوبِ الكُفّارِ، وأمَرَ مَن آمَنَ بِضَرْبٍ فَوْقَ أعْناقِهِمْ وبَنانَهم حَرَّضَهم عَلى الصَّبْرِ عِنْدَ مُكافَحَةِ العَدُوِّ ونَهاهم عَنِ الِانْهِزامِ، وانْتَصَبَ زَحْفًا عَلى الحالِ، فَقِيلَ مِنَ المَفْعُولِ، أيْ: لَقِيتُمُوهم وهم جَمْعٌ كَثِيرٌ وأنْتُمْ قَلِيلٌ فَلا تَفِرُّوا، فَضْلًا عَنْ أنْ تُدانُوهم في العَدَدِ أوْ تُساوُوهم؛ وقِيلَ: مِنَ الفاعِلِ، أيْ: وأنْتُمْ زَحْفٌ مِنَ الزُّحُوفِ، وكانَ ذَلِكَ إشْعارًا بِما سَيَكُونُ مِنهم يَوْمَ حُنَيْنٍ حِينَ انْهَزَمُوا وهُمُ اثْنا عَشَرَ ألْفًا بَعْدَ أنْ نَهاهم عَنِ الفِرارِ يَوْمَئِذٍ؛ وقِيلَ: حالٌ مِنَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ، أيْ: مُتَزاحِفِينَ، ولَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَطِيَّةَ إلّا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنهُما، قالَ: زَحْفًا يُرادُ بِهِ مُتَقابِلِي الصُّفُوفِ والأشْخاصِ، أيْ: يَزْحَفُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. وقِيلَ: انْتَصَبَ زَحْفًا عَلى المَصْدَرِ بِحالٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ: زاحِفِينَ زَحْفًا، وهَذا الَّذِي قِيلَ مُحْكَمٌ، فَحَرُمَ بِكُلِّ حالٍ. وقِيلَ: كانَ هَذا في ابْتِداءِ الإسْلامِ حَيْثُ كانَ الأمْرُ بِالمُصابَرَةِ أنْ يُواقِفَ مُسْلِمٌ عَشَرَةَ كُفّارٍ، ثُمَّ خُفِّفَ فَجُعِلَ واحِدٌ في مُقابَلَةِ اثْنَيْنِ، ويَأْتِي حُكْمُ المُؤْمِنَةِ الفارَّةِ مِن ضَعْفِها في آيَةِ التَّخْفِيفِ، وعَدَلَ عَنِ الظُّهُورِ إلى لَفْظِ الأدْبارِ تَقْبِيحًا لِفِعْلِ الفارِّ وتَبْشِيعًا؛ لِانْهِزامِهِ، وتَضَمَّنَ هَذا النَّهْيُ الأمْرَ بِالثَّباتِ والمُصابَرَةِ.

﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ﴾ لَمّا نَهى تَعالى عَنْ تَوَلِّي الأدْبارِ تَوَعَّدَ مَن ولّى دُبُرَهُ وقْتَ لِقاءِ العَدُوِّ وناسَبَ قَوْلَهُ: ومَن يُوَلِّهِمْ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ، كَأنَّ المَعْنى: فَقَدْ ولّى مَصْحُوبًا بِغَضَبِ اللَّهِ، وعَدَلَ أيْضًا عَنْ ذِكْرِ الظَّهْرِ إلى الدُّبُرِ مُبالَغَةً في التَّقْبِيحِ والذَّمِّ؛ إذْ تِلْكَ الحالَةُ مِنَ الصِّفاتِ القَبِيحَةِ المَذْمُومَةِ جِدًّا، ألا تَرى إلى قَوْلِ الشّاعِرِ:

؎فَلَسْنا عَلى الأعْقابِ تَجْرِي كُلُومُنا ∗∗∗ ولَكِنْ عَلى أقْدامِنا تَقْطُرُ الدِّما

قالَ في التَّحْرِيرِ: وهَذا النَّوْعُ مِن عِلْمِ البَيانِ يُسَمّى بِالتَّعْرِيضِ، عَرَّضَ بِسُوءِ حالِهِمْ وقُبْحِ فِعالِهِمْ (p-٤٧٥)وخَساسَةِ مَنزِلَتِهِمْ، وبَعْضُهم يُسَمِّيهِ الإيماءَ، وبَعْضُهم يُسَمِّيهِ الكِنايَةَ، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَإنَّ الكِنايَةَ أنْ تُصَرِّحَ بِاللَّفْظِ الجَمِيلِ عَلى المَعْنى القَبِيحِ، انْتَهى، والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ المَحْذُوفَةَ بَعْدَ إذْ وعُوِّضَ مِنها التَّنْوِينُ هي قَوْلُهُ: إذْ لَقِيتُمُ الكُفّارَ، تَعْقِيلُ المُرادِ يَوْمَ بَدْرٍ وما ولِيَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ وقَعَ الوَعِيدُ بِالغَضَبِ عَلى مَن فَرَّ، ونُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ حُكْمُ الآيَةِ بِآيَةِ الضَّعْفِ، وبَقِيَ الفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ لَيْسَ كَبِيرَةً، وقَدْ فَرَّ النّاسُ يَوْمَ أُحُدٍ فَعَفا اللَّهُ عَنْهم وقالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿ويَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ [التوبة: ٢٥] ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] ولَمْ يَقَعْ عَلى ذَلِكَ تَعْنِيفٌ، انْتَهى، وهَذا القَوْلُ بِأنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ: يَوْمَئِذٍ إلى يَوْمِ بَدْرٍ لا يَظْهَرُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ في سِياقِ الشَّرْطِ، وهو مُسْتَقْبَلٌ، فَإنْ كانَتِ الآيَةُ نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ قَبْلَ انْقِضاءِ القِتالِ، فَيَوْمُ بَدْرٍ فَرْدٌ مِن أفْرادِ لِقاءِ الكُفّارِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ، ولا يَكُونُ خاصًّا بِهِ، وإنْ كانَتْ نَزَلَتْ بَعْدَهُ فَلا يَدْخُلُ يَوْمُ بَدْرٍ فِيهِ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ اسْتِئْنافُ حُكْمٍ في الِاسْتِقْبالِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ إشارَةٌ إلى يَوْمِ اللِّقاءِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿إذا لَقِيتُمُ﴾، وحُكْمُ الآيَةِ باقٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ بِسَبَبِ الضَّعْفِ الَّذِي بَيَّنَهُ اللَّهُ في آيَةٍ أُخْرى، ولَيْسَ في الآيَةِ نَسْخٌ، وأمّا يَوْمُ أُحُدٍ فَإنَّما فَرَّ النّاسُ مِن مَراكِزِهِمْ مِن ضَعْفِهِمْ، ومَعَ ذَلِكَ عُنِّفُوا لِكَوْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ وفِرارُهم عَنْهُ، وأمّا يَوْمُ حُنَيْنَ فَكَذَلِكَ مَن فَرَّ إنَّما انْكَشَفَ أمامَ الكَرَّةِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ عَفْوَ اللَّهِ عَنْ مَن فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ كانَ عَفْوًا عَنْ كَثْرَةٍ، انْتَهى، وقَرَأ الحَسَنُ: ﴿دُبُرَهُ﴾، بِسُكُونِ الباءِ، وانْتَصَبَ ﴿مُتَحَرِّفًا﴾ و ﴿مُتَحَيِّزًا﴾ عَنِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِ في قَوْلِهِمُ العائِدِ عَلى مَن. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإلّا لَغْوٌ أوْ عَنِ الِاسْتِثْناءِ مِنَ المُوَلِّينَ، أيْ: ومَن يُوَلِّهِمْ إلّا رَجُلًا مِنهم مُتَحَرِّفًا أوْ مُتَحَيِّزًا، انْتَهى، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأمّا الِاسْتِثْناءُ فَهو مِنَ المُوَلِّينَ الَّذِينَ يَتَضَمَّنُهم مَن، انْتَهى، ولا يُرِيدُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: وإلّا لَغْوٌ أنَّها زائِدَةٌ إنَّما يُرِيدُ أنَّ العامِلَ الَّذِي هو يُوَلِّهِمْ وصَلَ إلى العَمَلِ فِيما بَعْدَها، كَما قالُوا في لا مِن قَوْلِهِمْ: جِئْتُ بِلا زادٍ: إنَّها لَغْوٌ، وفي الحَقِيقَةِ هو اسْتِثْناءٌ مِن حالَةٍ مَحْذُوفَةٍ، والتَّقْدِيرُ: ومَن يُوَلِّهِمْ مُلْتَبِسًا بِأيَّةِ حالَةٍ إلّا في حالِ كَذا، وإنْ لَمْ يُقَدَّرْ حالُ غايَةٍ مَحْذُوفَةٍ لَمْ يَصِحَّ دُخُولُ إلّا؛ لِأنَّ الشَّرْطَ عِنْدَهم واجِبٌ، وحُكْمُ الواجِبِ لا تَدْخُلُ إلّا فِيهِ لا في المَفْعُولِ ولا في غَيْرِهِ مِنَ الفَضَلاتِ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا، والِاسْتِثْناءُ المُفَرَّغُ لا يَكُونُ في الواجِبِ، لَوْ قُلْتَ: ضَرَبْتُ إلّا زَيْدًا، وقُمْتُ إلّا ضاحِكًا لَمْ يَصِحَّ، والِاسْتِثْناءُ المُفَرَّغُ لا يَكُونُ إلّا مَعَ النَّفْيِ أوِ النَّهْيِ أوِ المُؤَوَّلِ بِهِما، فَإنْ جاءَ ما ظاهِرُهُ خِلافُ ذَلِكَ قُدِّرَ عُمُومٌ قَبْلَ إلّا حَتّى يَصِحَّ الِاسْتِثْناءُ مِن ذَلِكَ العُمُومِ، فَلا يَكُونُ اسْتِثْناءً غَيْرَ مُفَرَّغٍ، وقالَ قَوْمٌ: الِاسْتِثْناءُ هو مِن أنْواعِ التَّوَلِّي، ورُدَّ بِأنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ إلّا تَحَرُّفًا أوْ تَحَيُّزًا، والتَّحَرُّفُ لِلْقِتالِ هو الكَرُّ بَعْدَ الفَرِّ يُخَيِّلُ عَدُوَّهُ أنَّهُ مُنْهَزِمٌ ثُمَّ يَنْعَطِفُ عَلَيْهِ، وهو عَيْنُ بابِ خِدَعِ الحَرْبِ ومَكائِدِها، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ: يُرادُ بِهِ الَّذِي يَرى أنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ أنَكى لِلْعَدُوِّ وأعْوَدُ عَلَيْهِ بِالشَّرِّ، والفِئَةُ هُنا، قالَ الجُمْهُورُ: هي الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ الحاضِرَةُ لِلْحَرْبِ، فاقْتَضى هَذا الإطْراقُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الفِئَةُ مِنَ الكُفّارِ، أيْ: لِكَوْنِهِ يَرى أنَّهُ يُنْكِي فِيها العَدُوَّ ويُبْلِي أكْثَرَ مِن إبْلائِهِ فِيما قابَلَهُ مِنَ الكُفّارِ، إمّا لِعَدَمِ مُقاوَمَتِهِ أوْ لِكَوْنِ غَيْرِهِ يُعْنى فِيمَن قاتَلَهُ مِنهم فَتَحَيَّزَ إلى فِئَةٍ أُخْرى مِنَ الكُفّارِ لِيُبْلِيَ فِيها، واقْتَضى أيْضًا أنْ تَكُونَ هَذِهِ الفِئَةُ مِنَ المُسْلِمِينَ، أيْ: تَحَيَّزَ إلَيْها لِيَنْصُرَها ويُقَوِّيَها إذا رَأى فِيها ضَعْفًا وأغْنى غَيْرَهُ في قِتالِ مَن قاتَلَهُ مِنَ الكُفّارِ، وبِهَذا فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: ﴿إلى فِئَةٍ﴾ جَماعَةٍ أُخْرى مِنَ المُسْلِمِينَ سِوى الفِئَةِ الَّتِي هو فِيها؛ وقِيلَ: الفِئَةُ هُنا المَدِينَةُ والإمامُ وجَماعَةُ المُسْلِمِينَ أيْنَما كانُوا، ورُوِيَ هَذا عَنْ عُمَرَ: انْهَزَمَ رَجُلٌ مِنَ القادِسِيَّةِ فَأتى المَدِينَةَ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، هَلَكْتُ، فَرَرْتُ مِنَ الزَّحْفِ، فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنا فِئَتُكَ. وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «خَرَجَتْ سَرِيَّةٌ وأنا فِيهِمْ فَفَرُّوا، فَلَمّا رَجَعُوا إلى المَدِينَةِ (p-٤٧٦)اسْتَحْيَوْا فَدَخَلُوا البُيُوتَ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ الفَرّارُونَ. فَقالَ: بَلْ أنْتُمُ العَكّارُونَ وأنا فِئَتُكم» . قالَ ثَعْلَبٌ: العَكّارُونَ العَطّافُونَ، وقالَ غَيْرُهُ: يُقالُ لِلرَّجُلِ الَّذِي يُوَلِّي عَنِ الحَرْبِ لَمْ يَكُنْ راجِعًا: عَكَّرَ واعْتَكَرَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ مِن أكْبَرِ الكَبائِرِ، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «اتَّقُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ»، وعَدَّ فِيها الفِرارَ مِنَ الزَّحْفِ، وفي التَّحْرِيرِ: التَّوَلِّي الَّذِي وقَعَ عَلَيْهِ الوَعِيدُ هو الفِرارُ مَعَ المُصابَرَةِ عَلى الثَّباتِ، فَأمّا إذا جاءَهُ مَن لا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ الثَّباتَ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِالفِرارِ، انْتَهى. وما أحْسَنَ ما اسْتَعْذَرَ الحارِثُ بْنُ هِشامٍ؛ إذْ فَرَّ فَقِيلَ فِيهِ:

؎تَرَكَ الأحِبَّةَ أنْ يُقاتِلَ دُونَهم ∗∗∗ ونَجا بِرَأْسِ طِمِرَّةٍ ولِجامِ

وقالَ الحارِثُ مِن أبْياتٍ:

؎وعَلِمْتُ أنِّيَ إنْ أُقاتِلْ واحِدًا ∗∗∗ أُقْتَلْ ولَمْ يَضْرُرْ عَدُوِّيَ مَشْهَدِي

واسْتَدَلَّ القاضِي بِهَذِهِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ عَلى وعِيدِ الفُسّاقِ مِن أهْلِ الصَّلاةِ؛ لِأنَّها دَلَّتْ عَلى أنَّ مَنِ انْهَزَمَ إلّا في هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ اسْتَوْجَبَ غَضَبَ اللَّهِ ومَأْواهُ جَهَنَّمُ. قالَ: ولَيْسَ لِلْمُرْجِئَةِ أنْ يَحْمِلُوا ذَلِكَ عَلى الكُفّارِ، كَما فَعَلُوا في آياتِ الوَعِيدِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُفْتَتَحٌ بِأهْلِ الصَّلاةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾، انْتَهى، ولا حُجَّةَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ عامٌّ مَخْصُوصٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ يَجُوزُ التَّحَيُّزُ سَواءٌ عَظُمَ العَسْكَرُ أمْ لا؛ وقِيلَ: لا يَجُوزُ إذا عَظُمَ، والظّاهِرُ أنَّ الفِرارَ مِنَ الزَّحْفِ بِغَيْرِ شُرُوطِهِ كَبِيرَةٌ لِلتَّوَعُّدِ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ القاسِمِ: لا تَقْبَلُوا شَهادَةَ مَن فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ وإنْ فَرَّ أمامَهم، ومَن فَرَّ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ فَفي التِّرْمِذِيِّ: «مَن قالَ أسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ غُفِرَ لَهُ وإنْ كانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ» .

8:17–18Page 179

فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبۡلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡهُ بَلَآءً حَسَنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١٧

And you did not kill them, but it was Allāh who killed them.1 And you threw not, [O Muḥammad], when you threw, but it was Allāh who threw2 that He might test the believers with a good test.3 Indeed, Allāh is Hearing and Knowing.

ذَٰلِكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيۡدِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٨

That [is so], and [also] that Allāh will weaken the plot of the disbelievers.

﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لَمّا رَجَعَ الصَّحابَةُ مِن بَدْرٍ ذَكَرُوا مَفاخِرَهم، فَيَقُولُ القائِلُ: قَتَلْتُ وأسَرْتُ، فَنَزَلَتْ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والفاءُ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: إنِ افْتَخَرْتُمْ بِقَتْلِهِمْ فَأنْتُمْ لَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ المَلائِكَةَ وألْقى الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ وشاءَ النَّصْرَ والظَّفَرَ وقَوّى قُلُوبَكم وأذْهَبَ عَنْها الفَزَعَ والجَزَعَ، انْتَهى، ولَيْسَتِ الفاءُ جَوابَ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ كَما زَعَمَ، وإنَّما هي لِلرَّبْطِ بَيْنَ الجُمَلِ؛ لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ [الأنفال: ١٢] كانَ امْتِثالُ ما أُمِرُوا بِهِ سَبَبًا لِلْقَتْلِ، فَقِيلَ: فَلَمْ تَقْتُلُوهم، أيْ: لَسْتُمْ مُسْتَبِدِّينَ بِالقَتْلِ؛ لِأنَّ الأقْدارَ عَلَيْهِ والخالِقَ لَهُ إنَّما هو اللَّهُ لَيْسَ لِلْقاتِلِ فِيها شَيْءٌ، لَكِنَّهُ أجْرى عَلى يَدِهِ (p-٤٧٧)فَنُفِيَ عَنْهم إيجادُ القَتْلِ وأُثْبِتَ لِلَّهِ، وفي ذَلِكَ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّ أفْعالَ العِبادِ خَلْقٌ لَهم، ومَجِيءُ لَكِنَّ هُنا أحْسَنُ مَجِيءٍ لِكَوْنِها بَيْنَ نَفْيٍ وإثْباتٍ، فالمُثْبَتُ لِلَّهِ هو المَنفِيُّ عَنْهم، وهو حَقِيقَةُ القَتْلِ، ومَن زَعَمَ أنَّ أفْعالَ العِبادِ مَخْلُوقَةٌ لَهم أوَّلَ الكَلامَ عَلى مَعْنى فَلَمْ يَتَسَبَّبُوا لِقَتْلِكم إيّاهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهم؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي أنْزَلَ المَلائِكَةَ إلى آخِرِ كَلامِهِ، وعَطَفَ الجُمْلَةَ المَنفِيَّةَ بِما عَلى الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ بِلَمْ؛ لِأنَّ لَمْ نَفْيٌ لِلْماضِي وإنْ كانَ بِصُورَةِ المُضارِعِ؛ لِأنَّ لِنَفْيِ الماضِي طَرِيقَيْنِ: إحْداهُما: أنْ تَدَخُلَ ما عَلى لَفْظِهِ، والأُخْرى: أنْ تَنْفِيَهُ بِلَمْ فَتَأْتِيَ بِالمُضارِعِ، والأصْلُ هو الأوَّلُ؛ لِأنَّ النَّفْيَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلى حَسَبِ الإيجابِ، وفي الجُمْلَةِ مُبالَغَةٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما، أنَّ النَّفْيَ جاءَ عَلى حَسَبِ الإيجابِ لَفْظًا؛ الثّانِي: أنْ نَفى ما صَرَّحَ بِإثْباتِهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ ولَمْ يُصَرِّحْ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ بِقَوْلِهِ: إذْ قَتَلْتُمُوهم، وإنَّما بُولِغَ في هَذا؛ لِأنَّ الرَّمْيَ كانَ أمْرًا خارِقًا لِلْعادَةِ مُعْجِزًا آيَةً مِن آياتِ اللَّهِ عَلى أيِّ وجْهٍ فُسِّرَ الرَّمْيُ؛ لِأنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقالَ «ابْنُ عَبّاسٍ: قَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ قَبْضَةً مِن تُرابٍ، فَقالَ: شاهَتِ الوُجُوهُ»، أيْ: قُبِّحَتْ، فَلَمْ يَبْقَ مُشْرِكٌ إلّا دَخَلَ في عَيْنَيْهِ وفِيهِ ومَنخَرَيْهِ مِنها شَيْءٌ، وقالَ حَكِيمُ بْنُ حِزامٍ «فَسَمِعْنا صَوْتًا مِنَ السَّماءِ، كَأنَّهُ صَوْتُ حَصاةٍ وقَعَتْ في طَسْتٍ، فَرَمى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ الرَّمْيَةَ فانْهَزَمُوا»، وقالَ أنَسٌ: «رَمى ثَلاثَ حَصَياتٍ يَوْمَ بَدْرٍ: واحِدَةً في مَيْمَنَةِ القَوْمِ، وواحِدَةً في مَيْسَرَتِهِمْ، وثالِثَةً بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، وقالَ: شاهَتِ الوُجُوهُ، فانْهَزَمُوا»؛ وقِيلَ: الرَّمْيُ هُنا رَمْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحَرْبَةٍ عَلى أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ يَوْمَ أُحُدٍ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ عَقِبَ بَدْرٍ، وعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ أجْنَبِيَّةً مِمّا قَبْلَها وبَعْدَها، وذَلِكَ بِعِيدٌ؛ وقِيلَ: المُرادُ السَّهْمُ الَّذِي رَمى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في حِصْنِ خَيْبَرَ، فَسارَ في الهَواءِ حَتّى أصابَ ابْنَ أبِي الحَقِيقِ، وهَذا فاسِدٌ، والصَّحِيحُ في صُورَةِ قَتْلِ ابْنِ أبِي الحَقِيقِ غَيْرُ هَذا، وقَوْلُهُ: ﴿وما رَمَيْتَ﴾ نَفْيٌ و﴿إذْ رَمَيْتَ﴾ إثْباتٌ فاحْتِيجَ إلى تَأْوِيلٍ، وهو أنْ يُغايِرَ بَيْنَ الرَّمْيَيْنِ، فالمَنفِيُّ الإصابَةُ والظَّفَرُ، والمُثْبَتُ الإرْسالُ؛ وقِيلَ: المَنفِيُّ إزْهاقُ الرُّوحِ، والمُثْبَتُ أثَرُ الرَّمْيِ وهو الجَرْحُ، وهَذانِ القَوْلانِ مُتَقارِبانِ؛ وقِيلَ: ما اسْتَبْدَدْتَ بِالرَّمْيِ إذْ أرْسَلْتَ التُّرابَ؛ لِأنَّ الِاسْتِبْدادَ بِهِ هو فِعْلُ اللَّهِ حَقِيقَةً، وإرْسالُ التُّرابِ مَنسُوبٌ إلَيْهِ كَسْبًا كانَ المَعْنى، وما رَمَيْتَ الرَّمْيَ الكافِيَ؛ إذْ رَمَيْتَ، ونَحْوُهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:

؎وقَدْ كُنْتُ في الحَرْبِ ذا تُدْرَأُ فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا ولَمْ أمْنَعِ

أيْ: لَمْ أُعْطَ شَيْئًا مَرْضِيًّا. وقِيلَ: مُتَعَلِّقُ المَنفِيِّ الرُّعْبُ، ومُتَعَلِّقُ المُثْبَتِ الحَصَياتُ، أيْ: وما رَمَيْتَ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ إذْ رَمَيْتَ الحَصَياتِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أنَّ الرَّمْيَةَ الَّتِي رَمَيْتَها لَمْ تَرْمِها أنْتَ عَلى الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّكَ لَوْ رَمَيْتَها لَما بَلَغَ أثَرُها إلّا ما يَبْلُغُهُ رَمْيُ البَشَرِ، ولَكِنَّها كانَتْ رَمْيَةَ اللَّهِ حَيْثُ أثَّرَتْ ذَلِكَ الأثَرَ العَظِيمَ، فَأثْبَتَ الرَّمْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِأنَّ صُورَةَ الرَّمْيِ وُجِدَتْ مِنهُ، ونَفاها عَنْهُ لِأنَّ أثَرَها الَّذِي لا يُطِيقُهُ البَشَرُ فِعْلُ اللَّهِ، فَكانَ اللَّهُ تَعالى هو فاعِلُ الرَّمْيِ حَقِيقَةً، وكَأنَّها لَمْ تُوجَدْ مِنَ الرَّسُولِ أصْلًا، انْتَهى، وهو راجِعٌ لِمَعْنى القَوْلَيْنِ أوَّلًا، وتَقَدَّمَ خِلافُ الفَرّاءِ في لَكِنَّ وما بَعْدَها عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢] ﴿ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ قالَ السُّدِّيُّ: يَنْصُرُهم ويُنْعِمُ عَلَيْهِمْ، يُقالُ: أبْلاهُ إذا أنْعَمَ عَلَيْهِ، وبَلاهُ إذا امْتَحَنَهُ، والبَلاءُ يُسْتَعْمَلُ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ، ووَصْفُهُ بِحَسَنٍ يَدُلُّ عَلى النَّصْرِ والعِزَّةِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولِيُعْطِيَهم عَطاءً جَمِيلًا، كَما قالَ:

؎فَأبْلاهُما خَيْرَ البَلاءِ الَّذِي يَبْلُو

انْتَهى، والبَلاءُ الحَسَنُ قِيلَ: بِالنَّصْرِ والغَنِيمَةِ؛ وقِيلَ: بِالشَّهادَةِ لِمَنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ، وهم أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنهم عُبَيْدَةُ بْنُ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، ومِهْجَعٌ مَوْلى عُمَرَ، ومُعاذٌ وعَمْرٌو ابْنا عَفْراءَ أنَّهُ (p-٤٧٨)قالَ: لَوْلا أنَّ المُفَسِّرِينَ اتَّفَقُوا عَلى حَمْلِ البَلاءِ هُنا عَلى النِّعْمَةِ لَكانَ يَحْتَمِلُ المِحْنَةَ لِلتَّكْلِيفِ بِما بَعْدَهُ مِنَ الجِهادِ حَتّى يُقالَ: إنَّ الَّذِي فَعَلَهُ تَعالى يَوْمَ بَدْرٍ كانَ السَّبَبَ في حُصُولِ تَكْلِيفٍ شاقٍّ عَلَيْهِمْ فِيما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الغَزَواتِ، انْتَهى. وسِياقُ الكَلامِ يَنْفِي أنْ يُرادَ بِالبَلاءِ المِحْنَةُ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ولِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾ فَعَلَ ذَلِكَ، أيْ: قَتْلَ الكُفّارِ ورَمْيِهِمْ، ونِسْبَةُ ذَلِكَ إلى اللَّهِ، وكانَ ذَلِكَ سَبَبَ هَزِيمَتِهِمْ والنَّصْرِ عَلَيْهِمْ وجَعْلِهِمْ نُهْبَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وهَذا لَيْسَ مِحْنَةً بَلْ مِنحَةٌ ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لَمّا كانُوا قَدْ أقْبَلُوا عَلى المَفاخِرِ بِقَتْلِ مَن قَتَلُوا وأسْرِ مَن أسَرُوا، أوْ كانَ رُبَّما قَدْ لا يَخْلُصُ العَمَلُ مِن بَعْضِ المُقاتِلِينَ إمّا لِقِتالِ حَمِيَّةٍ، وإمّا لِدَفْعٍ عَنْ نَفْسٍ، أوْ إمّا خُتِمَتُ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ، فَقِيلَ: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ لِكَلامِكم وما تَفْخَرُونَ بِهِ عَلِيمٌ بِما انْطَوَتْ عَلَيْهِ الضَّمائِرُ، ومَن يُقاتِلُ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا.

﴿ذَلِكم وأنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرِينَ﴾ قالَ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى البَلاءِ الحَسَنِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ ﴿وأنَّ اللَّهَ مُوهِنُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ولِيُبْلِيَ﴾ يَعْنِي أنَّ الغَرَضَ إبْلاءُ المُؤْمِنِينَ وتَوْهِينُ كَيْدِ الكافِرِينَ، انْتَهى، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِن قَتْلِ اللَّهِ ورَمْيِهِ إيّاهم، ومَوْضِعُ ذَلِكَ مِنَ الإعْرابِ رَفْعٌ، قالَ سِيبَوَيْهِ: التَّقْدِيرُ: الأمْرُ ذَلِكم، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِتَقْدِيرِ: فَعَلَ ذَلِكَ، (وأنَّ) مَعْطُوفٌ عَلى ذَلِكم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ: وحَتْمٌ وسابِقٌ وثابِتٌ، ونَحْوُ هَذا، انْتَهى، وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: ذَلِكُمُ الأمْرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكُمُ الخَبَرُ والأمْرُ الِابْتِداءُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، تَقْدِيرُهُ: فَعَلْنا ذَلِكم، والإشارَةُ إلى القَتْلِ وإلى إبْلاءِ المُؤْمِنِينَ بَلاءً حَسَنًا، وفي فَتْحِ أنَّ وجْهانِ النَّصْبُ والرَّفْعُ عَطْفًا عَلى ذَلِكم عَلى حَسَبِ التَّقْدِيرَيْنِ، أوْ عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، تَقْدِيرُهُ: واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مُوهِنُ، انْتَهى، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو: مُوَهِّنُ، مِن وهَّنَ، والتَّعْدِيَةُ بِالتَّضْعِيفِ فِيما عَيْنُهُ حَرْفُ حَلْقٍ غَيْرُ الهَمْزَةِ قَلِيلٌ، نَحْوُ: ضَعَّفْتُ ووَهَّنْتُ، وبابُهُ أنْ يُعَدّى بِالهَمْزَةِ، نَحْوُ: أذْهَلْتُهُ وأوْهَنْتُهُ وألْحَمْتُهُ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ والأعْمَشُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ مِن أوْهَنَ، وأضافَهُ حَفْصٌ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском