Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:19–24
8:19Page 179
إِن تَسۡتَفۡتِحُواْ فَقَدۡ جَآءَكُمُ ٱلۡفَتۡحُۖ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدۡ وَلَن تُغۡنِيَ عَنكُمۡ فِئَتُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَوۡ كَثُرَتۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٩
If you [disbelievers] seek the decision [i.e., victory] - the decision [i.e., defeat] has come to you. And if you desist [from hostilities], it is best for you; but if you return [to war], We will return, and never will you be availed by your [large] company at all, even if it should increase; and [that is] because Allāh is with the believers.
﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ وإنْ تَنْتَهُوا فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَعُودُوا نَعُدْ ولَنْ تُغْنِيَ عَنْكم فِئَتُكم شَيْئًا ولَوْ كَثُرَتْ وأنَّ اللَّهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وسَبَقَ الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ [الأنفال: ١٧] وبِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكُمْ﴾ [الأنفال: ١٨] فَحَمَلَهُ قَوْمٌ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾؛ إذْ لا يَلِيقُ هَذا الخِطابُ إلّا بِالمُؤْمِنِينَ عَلى إرادَةِ النَّصْرِ بِالِاسْتِفْتاحِ، وأنَّ حَمْلَهُ عَلى البَيانِ والحُكْمِ ناسَبَ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلْكُفّارِ والمُؤْمِنِينَ، فَإذا كانَ خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ فالمَعْنى: إنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جاءَكُمُ النَّصْرُ وإنْ تَنْتَهُوا عَنْ مِثْلِ ما فَعَلْتُمُوهُ في الغَنائِمِ والأسْرى قَبْلَ الإذْنِ فَهو خَيْرٌ لَكم، وإنْ تَعُودُوا إلى مِثْلِ ذَلِكَ نَعُدْ إلى تَوْبِيخِكم، كَما قالَ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨] الآيَةَ، ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ الفِئَةَ وهي الجَماعَةُ لا تُغْنِي وإنْ كَثُرَتْ إلّا بِنَصْرِ اللَّهِ ومَعُونَتِهِ، ثُمَّ آنَسَهم بِإخْبارِهِ أنَّهُ تَعالى مَعَ المُؤْمِنِينَ، وقالَ الأكْثَرُونَ: هي خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ، وذَلِكَ أنَّهُ حِينَ أرادُوا أنْ يَنْفِرُوا تَعَلَّقُوا بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، وقالُوا: اللَّهُمَّ انْصُرْ أقْرانا لِلضَّيْفِ، وأوْصَلَنا لِلرَّحِمِ، وأفَكَّنا لِلْعانِي، إنْ كانَ مُحَمَّدٌ عَلى حَقٍّ فانْصُرْهُ، وإنْ كُنّا عَلى حَقٍّ فانْصُرْنا، ورُوِيَ أنَّهم قالُوا: اللَّهُمَّ انْصُرْ أعْلى الجُنْدَيْنِ وأهْدى الفِئَتَيْنِ وأكْرَمَ الحِزْبَيْنِ، ورُوِيَ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ صَبِيحَةَ يَوْمِ بَدْرٍ: اللَّهُمَّ أيُّنا كانَ أهْجَرَ وأقْطَعَ لِلرَّحِمِ فاحْنِهِ اليَوْمَ، أيْ: فَأهْلِكْهُ، ورُوِيَ عَنْهُ دَعا شِبْهَ هَذا، وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما: كانَ هَذا القَوْلُ مِن قُرَيْشٍ وقْتَ خُرُوجِهِمْ لِنُصْرَةِ العِيرِ، وقالَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآيَةَ، وهو مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ (p-٤٧٩)﴿فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ ولَكِنَّهُ كانَ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْكم؛ وقِيلَ: مَعْناهُ: فَقَدْ جاءَكم ما بانَ لَكم بِهِ الأمْرُ، واسْتَقَرَّ بِهِ الحُكْمُ، وانْكَشَفَ لَكُمُ الحَقُّ بِهِ، ويَكُونُ الِاسْتِفْتاحُ عَلى هَذا بِمَعْنى الحُكْمِ والقَضاءِ، وإنِ انْتَهَوْا عَنِ الكُفْرِ، وإنْ تَعُودُوا إلى هَذا القَوْلِ وقِتالِ مُحَمَّدٍ بَعْدُ نَعُدْ إلى نَصْرِ المُؤْمِنِينَ وخِذْلانِكم، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنْ تَسْتَفْتِحُوا خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وإنْ تَنْتَهُوا خِطابٌ لِلْكافِرِينَ، أيْ: وإنْ تَنْتَهُوا عَنْ عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهو خَيْرٌ لَكم وإنْ تَعُودُوا لِمُحارَبَتِهِ نَعُدْ لِنُصْرَتِهِ عَلَيْكم، وقالَ الكِرْمانِيُّ: وإنْ تَنْتَهُوا عَنْ أمْرِ الأنْفالِ وفِداءِ الأسْرى بِبَدْرٍ وإنْ تَعُودُوا إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ نَعُدْ إلى الإنْكارِ، وقُرِئَ: ولَنْ يُغْنِيَ، بِالياءِ؛ لِأنَّ التَّأْنِيثَ مَجازٌ، وحَسَّنَهُ الفَضْلُ، وقَرَأ الصّاحِبانِ وحَفْصٌ: ﴿وأنَّ اللَّهَ﴾، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِها، وابْنُ مَسْعُودٍ: واللَّهُ مَعَ المُؤْمِنِينَ.
8:20Page 179
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ وَأَنتُمۡ تَسۡمَعُونَ ٢٠
O you who have believed, obey Allāh and His Messenger and do not turn from him while you hear [his order].
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ لَمّا تَقَدَّمَ قَوْلُهُ: وإنْ تَنْتَهُوا، وكانَ الضَّمِيرُ ظاهِرُهُ العَوْدُ عَلى المُؤْمِنِينَ ناداهم وحَرَّكَهم إلى طاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ نِداءٌ وخِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ الخُلَّصِ، حَثَّهم بِالأمْرِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، ولَمّا كانَتِ الآيَةُ قَبْلَها مَسُوقَةً في أمْرِ الجِهادِ. قِيلَ مَعْنى أطِيعُوهُ: فِيما يَدْعُوكم إلَيْهِ مِنَ الجِهادِ؛ وقِيلَ: في امْتِثالِ الأمْرِ والنَّهْيِ، وأفْرَدَهم بِالأمْرِ رَفْعًا لِأقْدارِهِمْ وإنْ كانَ غَيْرُهم مَأْمُورًا بِطاعَةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وأمّا مَن قالَ: إنَّ قَوْلَهُ: وإنْ تَنْتَهُوا خِطابٌ لِلْكُفّارِ، فَيَرى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ اخْتِلافِهِمْ في النَّفْلِ ومُجادَلَتِهِمْ في الحَقِّ وتَفاخُرِهِمْ بِقَتْلِ الكُفّارِ والنِّكايَةِ فِيهِمْ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ نِداءٌ وخِطابٌ لِلْمُنافِقِينَ، أيْ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ، وهَذا لا يُناسِبُ؛ لِأنَّ وصْفَهم بِالإيمانِ، وهو التَّصْدِيقُ، ولَيْسَ المُنافِقُونَ مِنَ التَّصْدِيقِ في شَيْءٍ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ نِداءٌ وخِطابٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّهُ أيْضًا يَكُونُ أجْنَبِيًّا مِنَ الآياتِ، وأصْلُ ولا تَوَلَّوْا ولا تَتَوَلَّوْا، وتَقَدَّمَ الخِلافُ في حَرْفِ التّاءِ في نَحْوِ هَذا أهِيَ حَرْفُ المُضارَعَةِ أمْ تاءُ تَفَعَّلَ، والضَّمِيرُ في عَنْهُ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ لِأنَّ المَعْنى وأطِيعُوا رَسُولَ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] ولِأنَّ طاعَةَ الرَّسُولِ وطاعَةَ اللَّهِ شَيْءٌ واحِدٌ، مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ، فَكانَ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إلى أحَدِهِما كَرُجُوعِهِ إلَيْهِما، كَقَوْلِكَ: الإحْسانُ والإجْمالُ لا يَنْفَعُ في فُلانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَرْجِعَ إلى الأمْرِ بِالطّاعَةِ، ولا تَوَلَّوْا عَنْ هَذا الأمْرِ وامْتِثالِهِ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَهُ، أوْ ولا تَتَوَلَّوْا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ولا تُخالِفُوهُ وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ، أيْ: تُصَدِّقُونَ لِأنَّكم مُؤْمِنُونَ لَسْتُمْ كالصُّمِّ المُكَذِّبِينَ مِنَ الكَفَرَةِ، انْتَهى، وإنَّما عادَ عَلى الرَّسُولِ؛ لِأنَّ التَّوَلِّيَ إنَّما يَصِحُّ في حَقِّ الرَّسُولِ بِأنْ يُعْرِضُوا عَنْهُ، وهَذا عَلى أنْ يَكُونَ التَّوَلِّي حَقِيقَةً، وإذا عادَ عَلى الأمْرِ كانَ مَجازًا؛ وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى الطّاعَةِ؛ وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى اللَّهِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ ما مَعْناهُ: إنَّهُ لَمّا لَمْ يُطْلَقْ لَفْظُ التَّثْنِيَةِ عَلى اللَّهِ وحْدَهُ لَمْ يُجْمَعْ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ غَيْرِهِ في ضَمِيرِها، بِخِلافِ الجَمْعِ فَإنَّهُ أُطْلِقَ عَلى لَفْظِهِ تَعْظِيمًا، فَجَمَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ في ضَمِيرِهِ، ولِهَذا نَظائِرُ في القُرْآنِ مِنها: ﴿إذا دَعاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، ومِنها ﴿أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] فَفي الحَدِيثِ ذَمُّ مَن جَمَعَ في التَّثْنِيَةِ بَيْنَهُما في الضَّمِيرِ، وتَعْلِيمُهُ أنْ يَقُولَ: ومَن عَصى اللَّهَ ورَسُولَهُ، وأنْتُمْ تَسْمَعُونَ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ: لا يُناسِبُ سَماعُكُمُ التَّوَلِّيَ ولا يُجامِعُهُ، وفي مُتَعَلِّقِهِ أقْوالٌ: أحَدُها: وعْظُ اللَّهِ لَكم، الثّانِي: الأمْرُ والنَّهْيُ، الثّالِثُ: التَّعْبِيرُ بِالسَّماعِ عَنِ العَقْلِ والفَهْمِ، الرّابِعُ: التَّعْبِيرُ عَنِ التَّصْدِيقِ، وهو الإيمانُ.
8:21–22Page 179
وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ ٢١
And do not be like those who say, "We have heard," while they do not hear.
۞ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلۡبُكۡمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ ٢٢
Indeed, the worst of living creatures in the sight of Allāh are the deaf and dumb who do not use reason [i.e., the disbelievers].
﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ نَهى عَنْ أنْ يَكُونُوا كالَّذِينَ ادَّعَوُا السَّماعَ، والمُشَبَّهُ بِهِمُ اليَهُودُ أوِ المُنافِقُونَ أوِ المُشْرِكُونَ، أوِ الَّذِينَ قالُوا: قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا، أوْ بَنُو عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيٍّ ولَمْ يُسْلِمْ مِنهم إلّا رَجُلانِ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وسُوَيْدُ بْنُ حَرْمَلَةَ، أوِ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ ومَن تابَعَهُ، سِتَّةُ أقْوالٍ، ولَمّا لَمْ يُجْدِ سَماعُهم، ولا أثَّرَ فِيهِمْ (p-٤٨٠)نَفى عَنْهُمُ السَّماعَ لِانْتِفاءِ ثَمَرَتِهِ؛ إذْ ثَمَرَةُ سَماعِ الوَحْيِ تَصْدِيقُهُ والإيمانُ بِهِ، والمَعْنى: أنَّكم تُصَدِّقُونَ بِالقُرْآنِ والنُّبُوَّةِ، فَإذا صَدَرَ مِنكم تَوَلٍّ عَنِ الطّاعَةِ كانَ تَصْدِيقُكم كَلا تَصْدِيقٍ، فَأشْبَهَ سَماعُكم سَماعَ مَن لا يُصَدِّقُ، وجاءَتِ الجُمْلَةُ النّافِيَةُ عَلى غَيْرِ لَفْظِ المُثْبَتَةِ إذْ لَمْ تَأْتِ وهم ما سَمِعُوا؛ لِأنَّ لَفْظَ المُضِيِّ لا يَدُلُّ عَلى اسْتِمْرارِ الحالِ ولا دَيْمُومَتِهِ بِخِلافِ نَفْيِ المُضارِعِ، فَكَما يَدُلُّ إثْباتُهُ عَلى الدَّيْمُومَةِ في قَوْلِهِمْ: هو يُعْطِي ويَمْنَعُ، كَذَلِكَ يَجِيءُ نَفْيُهُ، وجاءَ حَرْفُ النَّفْيِ لا؛ لِأنَّها أوْسَعُ في نَفْسِ المُضارِعِ مِن ما، وأدَلُّ عَلى انْتِفاءِ السَّماعِ في المُسْتَقْبَلِ، أيْ: هم مِمَّنْ لا يَقْبَلُ أنْ يَسْمَعَ.
﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ لَمّا أخْبَرَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ المُشَبَّهَ بِهِمْ لا يَسْمَعُونَ أخْبَرَ أنَّ شَرَّ الحَيَوانِ الَّذِي يَدِبُّ الصُّمُّ، أوْ أنَّ شَرَّ البَهائِمِ، فَجَمَعَ بَيْنَ هَؤُلاءِ وبَيْنَ جَمْعِ الدَّوابِّ، وأخْبَرَ أنَّهم شَرُّ الحَيَوانِ مُطْلَقًا، ومَعْنى الصُّمِّ عَنْ ما يُلْقى إلَيْهِمْ مِنَ القُرْآنِ، البُكْمِ عَنِ الإقْرارِ بِالإيمانِ وما فِيهِ نَجاتُهم، ثُمَّ جاءَ بِانْتِفاءِ الوَصْفِ المُنْتِجِ لَهُمُ الصَّمَمَ والبَكَمَ النّاشِئَيْنِ عَنْهُ، وهو العَقْلُ، وكانَ الِابْتِداءُ بِالصَّمَمِ؛ لِأنَّهُ ناشِئٌ عَنْهُ البَكَمُ؛ إذْ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ كُلُّ أصَمَّ خَلَقَهُ أبْكَمَ؛ لِأنَّ الكَلامَ إنَّما يَتَلَقَّنُهُ ويَتَعَلَّمُهُ مَن كانَ سالِمَ حاسَّةِ السَّمْعِ، وهَذا مُطابِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] إلّا أنَّهُ زادَ في هَذا وصْفَ العَمى، وكُلُّ هَذِهِ الأوْصافِ كِنايَةٌ عَنِ انْتِفاءِ قَبُولِهِمْ لِلْإيمانِ وإعْراضِهِمْ عَمّا جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وظاهِرُ هَذِهِ الأخْبارِ العُمُومُ؛ وقِيلَ: نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ عَمّا جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ لا نَسْمَعُهُ ولا نُجِيبُهُ، فَقُتِلُوا جَمِيعًا بِبَدْرٍ وكانُوا أصْحابَ اللِّواءِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هُمُ المُنافِقُونَ، وقالَ الحَسَنُ: هم أهْلُ الكِتابِ.
8:23Page 179
وَلَوۡ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمۡ خَيۡرٗا لَّأَسۡمَعَهُمۡۖ وَلَوۡ أَسۡمَعَهُمۡ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٣
Had Allāh known any good in them, He would have made them hear. And if He had made them hear, they would [still] have turned away, while they were refusing.
﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أخْبَرَ تَعالى بِأنَّ عَدَمَ سَماعِهِمْ وهُداهم إنَّما هو بِما عَلِمَهُ اللَّهُ مِنهم وسَبَقَ مِن قَضائِهِ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ ذَلِكَ في عِبارَةٍ بَلِيغَةٍ في ذَمِّهِمْ، ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم، والمُرادُ لَأسْمَعَهم إسْماعَ تَفَهُّمٍ وهُدًى، ثُمَّ ابْتَدَأ عَزَّ وجَلَّ الخَبَرَ عَنْهم بِما هو عَلَيْهِ مِن خَتْمِهِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ، فَقالَ: ولَوْ أسْمَعَهم، أيْ: ولَوْ فَهَّمَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ بِالقَضاءِ السّابِقِ فِيهِمْ، ولَأعْرَضُوا عَمّا تَبَيَّنَ لَهم مِنَ الهُدى، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ في هَؤُلاءِ الصُّمِّ البُكْمِ خَيْرًا، أيِ: انْتِفاعًا بِاللُّطْفِ لَأسْمَعَهُمُ اللُّطْفَ بِهِمْ حَتّى سَمِعُوا سَماعَ المُصَدِّقِينَ، ثُمَّ قالَ: ولَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا، يَعْنِي: ولَوْ لَطَفَ بِهِمْ لَما نَفَعَهُمُ اللُّطْفُ، فَلِذَلِكَ مَنَعَهم ألْطافَهُ، أيْ: ولَوْ لَطَفَ بِهِمْ فَصَدَّقُوا لارْتَدُّوا بَعْدَ ذَلِكَ وكَذَّبُوا ولَمْ يَسْتَقِيمُوا، وقالَ الزَّجّاجُ: لَأسْمَعَهم جَوابَ كُلِّ ما سَألُوا، وحَكى ابْنُ الجَوْزِيِّ: لَأسْمَعَهم كَلامَ المَوْتى الَّذِينَ طَلَبُوا إحْياءَهم؛ لِأنَّهم طَلَبُوا إحْياءَ قُصَيِّ بْنِ كِلابٍ وغَيْرِهِ لِيَشْهَدُوا بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ: التَّعْبِيرُ عَنْ عَدَمِهِ في نَفْسِهِ بِعَدَمِ عِلْمِ اللَّهِ بِوُجُودِهِ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ لَوْ حَصَلَ فِيهِمْ خَيْرٌ لَأسْمَعَهُمُ اللَّهُ الحُجَجَ والمَواعِظَ سَماعَ تَعْلِيمٍ مُفْهِمٍ، ولَوْ أسْمَعَهم إذْ عَلِمَ أنَّهُ لا خَيْرَ فِيهِمْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِها وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ، وقالَ أيْضًا: مَعْلُوماتُ اللَّهِ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ. أحَدُها: جُمْلَةُ المَوْجُوداتِ، الثّانِي: جُمْلَةُ المَعْدُوماتِ، الثّالِثُ: إنْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المَوْجُوداتِ لَوْ كانَ مَعْدُومًا فَكَيْفَ حالُهُ، الرّابِعُ: إنْ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المَعْدُوماتِ لَوْ كانَ مَوْجُودًا فَكَيْفَ حالُهُ، فالقِسْمانِ الأوَّلانِ عِلْمٌ بِالواقِعِ، والقِسْمانِ الثّانِيانِ عِلْمٌ بِالمَقْدُورِ الَّذِي هو غَيْرُ واقِعٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ﴾ مِنَ القِسْمِ الثّانِي، وهو العِلْمُ بِالمَقْدُوراتِ، ولَيْسَ مِن أقْسامِ العِلْمِ بِالواقِعاتِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنِ المُنافِقِينَ: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ [الحشر: ١١] ﴿وإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ [الحشر: ١١] فَقالَ تَعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهم ولَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهم ولَئِنْ نَصَرُوهم لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [الحشر: ١٢] فَعِلْمُ اللَّهِ تَعالى في المَعْدُومِ أنَّهُ لَوْ كانَ مَوْجُودًا كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ، وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] أخْبَرَ عَنِ المَعْدُومِ أنَّهُ لَوْ كانَ مَوْجُودًا (p-٤٨١)كَيْفَ يَكُونُ حالُهُ، انْتَهى. وأقُولُ: ظاهِرُ هاتَيْنِ المُلازَمَتَيْنِ يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ أنَّهُ كانَ يَقَعُ إسْماعٌ مِنهُ لَهم عَلى تَقْدِيرِ عِلْمِهِ خَيْرًا فِيهِمْ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ كانَ يَقَعُ تَوَلِّيهِمْ عَلى تَقْدِيرِ إسْماعِهِمْ إيّاهم، فَأنْتَجَ أنَّهُ كانَ يَقَعُ تَوَلِّيهِمْ عَلى تَقْدِيرِ عِلْمِهِ تَعالى خَيْرًا فِيهِمْ، وذَلِكَ بِحَرْفِ الواسِطَةِ؛ لِأنَّ المُرَتَّبَ عَلى شَيْءٍ يَكُونُ مُرَتَّبًا عَلى ما رُتِّبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ، وهَذا لا يَكُونُ؛ لِأنَّهُ لا يَقَعُ التَّوَلِّي عَلى تَقْدِيرِ عِلْمِهِ فِيهِمْ خَيْرًا، ويَصِيرُ الكَلامُ في الجُمْلَتَيْنِ في تَقْدِيرِ كَلامٍ واحِدٍ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا فَأسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَوْ عَلِمَ فِيهِمْ خَيْرًا ما تَوَلَّوْا.
8:24Page 179
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٢٤
O you who have believed, respond to Allāh and to the Messenger when he calls you to that which gives you life. And know that Allāh intervenes between a man and his heart and that to Him you will be gathered.
﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ تَقَدَّمَ الكَلامُ في اسْتَجابَ في (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في دَعاكم، كَما أفْرَدَهُ في: ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ؛ لِأنَّ ذِكْرَ أحَدِهِما مَعَ الآخَرِ إنَّما هو عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، والِاسْتِجابَةُ هُنا الِامْتِثالُ، والدُّعاءُ بِمَعْنى التَّحْرِيضِ والبَعْثِ عَلى ما فِيهِ حَياتُهم، وظاهِرُ اسْتَجِيبُوا الوُجُوبُ، ولِذَلِكَ قالَ ﷺ: لِأُبَيٍّ حِينَ دَعاهُ وهو في الصَّلاةِ مُتَلَبِّثٌ: «ما مَنَعَكَ عَنِ الِاسْتِجابَةِ ؟ ألَمْ تُخْبَرْ فِيما أُوحِيَ إلَيَّ: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ»، والظّاهِرُ تَعَلُّقُ ”لِما“ بِقَوْلِهِ: دَعاكم، ودَعا يَتَعَدّى بِاللّامِ. قالَ:
؎دَعَوْتُ لِما نابَنِي مِسْوَرًا
وقالَ آخَرُ:
؎وإنْ أُدْعَ لِلْجُلّى أكُنْ مِن حُماتِها
وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى إلى ويَتَعَلَّقُ بِاسْتَجِيبُوا، فَلِذَلِكَ قَدَّرَهُ بِإلى حَتّى يَتَغايَرَ مَدْلُولُ اللّامِ فَيَتَعَلَّقُ الحَرْفانِ بِفِعْلٍ واحِدٍ، قالَ مُجاهِدٌ والجُمْهُورُ: المَعْنى اسْتَجِيبُوا لِلطّاعَةِ وما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِن أوامِرَ ونَواهٍ، فَفِيهِ الحَياةُ الأبَدِيَّةُ والنِّعْمَةُ السَّرْمَدِيَّةُ؛ وقِيلَ: ما يُحْيِيكم هو مُجاهَدَةُ الكُفّارِ؛ لِأنَّهم لَوْ تَرَكُوها لَغَلَبُوهم وقَتَلُوهم، ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ؛ وقِيلَ: الشَّهادَةُ لِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ؛ وقِيلَ: لِما يُحْيِيكم مِن عُلُومِ الدِّياناتِ والشَّرائِعِ؛ لِأنَّ العِلْمَ حَياةٌ كَما أنَّ الجَهْلَ مَوْتٌ. قالَ الشّاعِرُ:
؎لا تُعْجِبَنَّ الجَهُولَ حِلْيَتُهُ ∗∗∗ فَذاكَ مَيْتٌ وثَوْبُهُ كَفَنُ
وهَذا نَحْوٌ مِن قَوْلِ الجُمْهُورِ ومُجاهِدٍ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: ما يُحْيِيكم هو الحَقُّ؛ وقِيلَ: هو إحْياءُ أُمُورِهِمْ وطِيبُ أحْوالِهِمْ في الدُّنْيا ورِفْعَتُهم، يُقالُ: حَيِيَتْ حالُهُ إذا ارْتَفَعَتْ؛ وقِيلَ: ما يَحْصُلُ لَكم مِنَ الغَنائِمِ في الجِهادِ ويَعِيشُونَ مِنها؛ وقِيلَ: الجُثَّةُ، والَّذِي يَظْهَرُ هو القَوْلُ الأوَّلُ؛ لِأنَّهُ في سِياقِ قَوْلِهِ: ولَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم، فالَّذِي يَحْيا بِهِ مِنَ الجَهْلِ هو سَماعُ ما يَنْفَعُ مِمّا أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ فَيَمْتَثِلُ المَأْمُورَ بِهِ ويَجْتَنِبُ المَنهِيَّ عَنْهُ، فَيَئُولُ إلى الحَياتَيْنِ الطَّيِّبَتَيْنِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ.
﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ المَعْنى: أنَّهُ تَعالى هو المُتَصَرِّفُ في جَمِيعِ الأشْياءِ والقادِرُ عَلى الحَيْلُولَةِ بَيْنَ الإنْسانِ وبَيْنَ ما يَشْتَهِيهِ قَلْبُهُ، فَهو الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُسْتَجابَ لَهُ إذا دَعاهُ؛ إذْ بِيَدِهِ تَعالى مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وزِمامُهُ، وفي ذَلِكَ حَضٌّ عَلى المُراقَبَةِ والخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعالى والبِدارِ إلى الِاسْتِجابَةِ لَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ والضَّحّاكُ: يَحُولُ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكُفْرِ، وبَيْنَ الكافِرِ والإيمانِ، وقالَ مُجاهِدٌ: يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وعَقْلِهِ فَلا يَدْرِي ما يَعْمَلُ عُقُوبَةً عَلى عِنادِهِ، فَفي التَّنْزِيلِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]، أيْ: عَقْلٌ، وقالَ السُّدِّيُّ: يَحُولُ بَيْنَ كُلِّ واحِدٍ وقَلْبِهِ فَلا يَقْدِرُ عَلى إيمانٍ ولا كُفْرٍ إلّا بِإذْنِهِ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يَتَمَنّاهُ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: بَيْنَهُ وبَيْنَ هَواهُ، وهَذانِ راجِعانِ إلى القَوْلِ الأوَّلِ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى: هو أنْ يَتَوَفّاهُ، ولِأنَّ الأجَلَ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أمَلِ قَلْبِهِ، وهَذا حَثٌّ عَلى انْتِهازِ الفُرْصَةِ قَبْلَ الوَفاةِ الَّتِي هو واجِدُها، وهي التَّمَكُّنُ مِن إخْلاصِ القَلْبِ ومُخالَجَةِ أدْوائِهِ وعِلَلِهِ ورَدِّهِ سَلِيمًا كَما يُرِيدُهُ اللَّهُ، فاغْتَنِمُوا هَذِهِ الفُرْصَةَ وأخْلِصُوا قُلُوبَكم لِطاعَةِ اللَّهِ (p-٤٨٢)ورَسُولِهِ، انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ، وعَلِيُّ بْنُ عِيسى هو الرُّمّانِيُّ، وهو مُعْتَزِلِيٌّ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ أيْضًا. وقِيلَ: مَعْناهُ: أنَّ اللَّهَ قَدْ يَمْلِكُ عَلى العَبْدِ قَلْبَهُ فَيَفْسَخُ عَزائِمَهُ ويُغَيِّرُ نِيّاتِهِ ومَقاصِدَهُ ويُبَدِّلُهُ بِالخَوْفِ أمْنًا وبِالأمْنِ خَوْفًا وبِالذِّكْرِ نِسْيانًا وبِالنِّسْيانِ ذِكْرًا، وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِمّا هو جائِزٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَأمّا ما يُثابُ عَلَيْهِ العَبْدُ ويُعاقَبُ مِن أفْعالِ القُلُوبِ فَلا، والمُجْبِرَةُ عَلى أنَّهُ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ والإيمانِ إذا كَفَرَ، وبَيْنَهُ وبَيْنَ الكُفْرِ إذا آمَنَ، تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا، انْتَهى، وجَعَلَ هَذا المِسْكِينُ صَدْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ ظالِمِينَ؛ إذْ قائِلُ ذَلِكَ هو ابْنُ عَبّاسٍ تُرْجُمانُ القُرْآنِ، ومَن ذُكِرَ مَعَهُ مِن ساداتِ التّابِعِينَ؛ وقِيلَ: يُبَدِّلُ الجُبْنَ جَراءَةً، وهو تَحْرِيضٌ عَلى القِتالِ بَعْدَ الأمْرِ بِهِ بِقَوْلِهِ: اسْتَجِيبُوا، ويَكْشِفُ حَقِيقَتَهُ قَوْلُهُ: «قَلْبُ ابْنِ آدَمَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِن أصابِعِ الرَّحْمَنِ يُقَلِّبُهُ كَيْفَ يَشاءُ» وتَأْوِيلُهُ بَيْنَ أثَرَيْنِ مِن آثارِ رُبُوبِيَّتِهِ. وقِيلَ: يَحُولُ بَيْنَ المُؤْمِنِ وبَيْنَ المَعاصِي الَّتِي يَهُمُّ بِها قَلْبُهُ بِالعِصْمَةِ؛ وقِيلَ: مَعْناهُ أنَّهُ يَطَّلِعُ عَلى كُلِّ ما يَخْطُرُ المَرْءَ بِبالِهِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ضَمائِرِهِ، فَكَأنَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَلْبِهِ، واخْتارَ الطَّبَرِيُّ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ اللَّهَ أخْبَرَ أنَّهُ أمْلَكُ لِقُلُوبِ العِبادِ مِنهم، وأنَّهُ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَها إذا شاءَ حَتّى لا يُدْرِكَ الإنْسانُ شَيْئًا إلّا بِمَشِيئَتِهِ تَعالى، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ: بَيْنَ المِرْءِ، بِكَسْرِ المِيمِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ الإعْرابِ؛ إذْ في المَرْءِ لُغَتانِ: فَتْحُ المِيمِ مُطْلَقًا وإتْباعُها حَرَكَةَ الإعْرابِ، وقَرَأ الحَسَنُ والزُّهْرِيُّ: بَيْنَ المَرِّ بِتَشْدِيدِ الرّاءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، ووَجَّهَهُ أنَّهُ نَقَلَ حَرَكَةَ الهَمْزَةِ إلى الرّاءِ وحَذَفَ الهَمْزَةَ، ثُمَّ شَدَّدَها، كَما تُشَدَّدُ في الوَقْفِ، وأجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، وكَثِيرًا ما تَفْعَلُ العَرَبُ ذَلِكَ، تُجْرِي الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، وهَذا تَوْجِيهُ شُذُوذٍ: وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ، الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في أنَّهُ عائِدٌ إلى اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ، ولَمّا أمَرَهم بِأنْ يَعْلَمُوا قُدْرَةَ اللَّهِ وحَيْلُولَتَهُ بَيْنَ المَرْءِ ومَقاصِدِ قَلْبِهِ أعْلَمَهم بِأنَّهُ تَعالى إلَيْهِ يَحْشُرُهم فَيُثِيبُهم عَلى أعْمالِهِمْ، فَكانَ في ذَلِكَ تِذْكارٌ لِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهم مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ بِالثَّوابِ والعِقابِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences