Abu HayyanAl‑Anfal · 8:30–36

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:30–36

8:30–34Page 180

وَإِذۡ يَمۡكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثۡبِتُوكَ أَوۡ يَقۡتُلُوكَ أَوۡ يُخۡرِجُوكَۚ وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ ٣٠

And [remember, O Muḥammad], when those who disbelieved plotted against you to restrain you or kill you or evict you [from Makkah]. But they plan, and Allāh plans. And Allāh is the best of planners.

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا قَالُواْ قَدۡ سَمِعۡنَا لَوۡ نَشَآءُ لَقُلۡنَا مِثۡلَ هَٰذَآ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣١

And when Our verses are recited to them, they say, "We have heard. If we willed, we could say [something] like this. This is not but legends of the former peoples."

وَإِذۡ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ ٱلۡحَقَّ مِنۡ عِندِكَ فَأَمۡطِرۡ عَلَيۡنَا حِجَارَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئۡتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٣٢

And [remember] when they said, "O Allāh, if this should be the truth from You, then rain down upon us stones from the sky or bring us a painful punishment."

وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمۡ وَأَنتَ فِيهِمۡۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمۡ وَهُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ ٣٣

But Allāh would not punish them while you, [O Muḥammad], are among them, and Allāh would not punish them while they seek forgiveness.

وَمَا لَهُمۡ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمۡ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَمَا كَانُوٓاْ أَوۡلِيَآءَهُۥٓۚ إِنۡ أَوۡلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٤

But why should Allāh not punish them while they obstruct [people] from al-Masjid al-Ḥarām and they were not [fit to be] its guardians? Its [true] guardians are not but the righteous, but most of them do not know.

﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ لَمّا ذَكَّرَ المُؤْمِنِينَ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ ذَكَّرَهُ ﷺ نِعَمَهُ عَلَيْهِ في خاصَّةِ نَفْسِهِ، وكانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ تَشاوَرُوا في دارِ النَّدْوَةِ بِما تَفْعَلُ بِهِ، فَمِن قائِلٍ: يُحْبَسُ ويُقَيَّدُ ويُتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبُ المَنُونِ، ومِن قائِلٍ: يُخْرَجُ مِن مَكَّةَ تَسْتَرِيحُوا مِنهُ، وتَصَوَّرَ إبْلِيسُ في صُورَةِ شَيْخٍ نَجْدِيٍّ، وقِيلَ: هَذَيْنِ الرَّأْيَيْنِ، ومِن قائِلٍ: يَجْتَمِعُ مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ ويَضْرِبُونَهُ ضَرْبَةً واحِدَةً بِأسْيافِهِمْ، فَيَتَفَرَّقُ دَمُهُ في القَبائِلِ، فَلا تَقْدِرُ بَنُو هاشِمٍ لِمُحارَبَةِ قُرَيْشٍ كُلِّها، فَيَرْضَوْنَ بِأخْذِ الدِّيَةِ، فَصَوَّبَ إبْلِيسُ هَذا الرَّأْيَ، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلى نَبِيِّهِ ﷺ بِذَلِكَ، وأمَرَهُ أنْ لا يَبِيتَ في مَضْجَعِهِ وأذِنَ لَهُ بِالخُرُوجِ إلى المَدِينَةِ، وأمَرَ عَلِيًّا أنْ يَبِيتَ في مَضْجَعِهِ ويَتَّشِحَ بِبُرْدَتِهِ، وباتُوا راصِدِينَ فَبادَرُوا إلى المَضْجَعِ فَأبْصَرُوا عَلِيًّا فَبُهِتُوا، وخَلَّفَ عَلِيًّا لِيَرُدَّ ودائِعَ كانَتْ عِنْدَهُ وخَرَجَ إلى المَدِينَةِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: لِيُثْبِتُوكَ، أيْ: يُقَيِّدُوكَ، وقالَ عَطاءٌ والسُّدِّيُّ: لِيُثْخِنُوكَ بِالجَرْحِ والضَّرْبِ، مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبُوهُ حَتّى أثْبَتُوهُ لا حَراكَ بِهِ ولا بَراحَ، ورَمى الطّائِرَ فَأثْبَتَهُ، أيْ: أثْخَنَهُ. قالَ الشّاعِرُ:

؎فَقُلْتُ ويْحَكَ ماذا في صَحِيفَتِكم قالَ الخَلِيفَةُ أمْسى مُثْبَتًا وجِعا

أيْ مُثْخَنًا. وقَرَأ النَّخَعِيُّ لِيُبَيِّتُوكَ مِنَ البَياتِ، وهَذا المَكْرُ هُنا هو بِإجْماعِ المُفَسِّرِينَ ما اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ في دارِ النَّدْوَةِ، كَما أشَرْنا إلَيْهِ، وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ كَسائِرِ السُّورَةِ، وهو الصَّوابُ، وعَنْ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ نَزَلَتْ عَقِيبَ كِفايَةِ اللَّهِ رَسُولَهُ المُسْتَهْزِئِينَ، ويُتَأوَّلُ قَوْلُ عِكْرِمَةَ ومُجاهِدٍ عَلى أنَّهُما أشارا إلى قِصَّةِ الآيَةِ إلى وقْتِ نُزُولِها، وتَكَرَّرَ ويَمْكُرُونَ إخْبارًا بِاسْتِمْرارِ مَكْرِهِمْ وكَثْرَتِهِ، وتَقَدَّمَ شَرْحُ مِثْلِ باقِي الآيَةِ في آلِ عِمْرانَ.

﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ قائِلُ ذَلِكَ هو النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ واتَّبَعَهُ قائِلُونَ كَثِيرُونَ، وكانَ مِن مَرَدَةِ قُرَيْشٍ، سافَرَ (p-٤٨٨)إلى فارِسَ والحِيرَةِ، وسَمِعَ مِن قَصَصِ الرُّهْبانِ والأناجِيلِ، وأخْبارِ رُسْتُمَ واسْفَنْدِيارَ، ويَرى اليَهُودَ والنَّصارى يَرْكَعُونَ ويَسْجُدُونَ، قَتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَبْرًا بِالصَّفْراءِ بِالأثِيلِ مِنها مُنْصَرَفَهُ مِن بَدْرٍ، وفي هَذا التَّرْكِيبِ جَوازُ وُقُوعِ المُضارِعِ بَعْدَ إذا وجَوابُهُ الماضِي جَوازًا فَصِيحًا، بِخِلافِ أدَواتِ الشَّرْطِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيها إلّا في الشِّعْرِ، نَحْوَ:

؎مَن يَكِدْنِي بِشَيْءٍ كُنْتُ مِنهُ

ومَعْنى قَدْ سَمِعْنا: قَدْ سَمِعْنا ولا نُطِيعُ، أوْ قَدْ سَمِعْنا مِنكَ هَذا، وقَوْلُهم: لَوْ نَشاءُ، أيْ: لَوْ نَشاءُ القَوْلَ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا الَّذِي تَتْلُوهُ، وذُكِرَ عَلى مَعْنى المَتْلُوِّ، وهَذا القَوْلُ مِنهم عَلى سَبِيلِ البَهْتِ والمُصادَمَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ في اسْتِطاعَتِهِمْ، فَقَدْ طُولِبُوا بِسُورَةٍ مِنهُ فَعَجَزُوا، وكانَ أصْعَبَ شَيْءٍ إلَيْهِمُ الغَلَبَةُ وخُصُوصًا في بابِ البَيانِ، فَقَدْ كانُوا يَتَمالَطُونَ ويَتَعارَضُونَ ويُحْكَمُ بَيْنَهم في ذَلِكَ، وكانُوا أحْرَصَ النّاسِ عَلى قَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَيْفَ يُحِيلُونَ المُعارَضَةَ عَلى المَشِيئَةِ ويَتَعَلَّلُونَ بِأنَّهم لَوْ أرادُوا لَقالُوا مِثْلَ هَذا القَوْلِ ؟ !

﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في الأنْعامِ.

﴿وإذْ قالُوا اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ قائِلُ ذَلِكَ النَّضْرُ؛ وقِيلَ: أبُو جَهْلٍ، رَواهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، وقالَ الجُمْهُورُ: قائِلُ ذَلِكَ كُفّارُ قُرَيْشٍ، والإشارَةُ في قَوْلِهِ: (إنْ كانَ هَذا) إلى القُرْآنِ، أوْ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ التَّوْحِيدِ وغَيْرِهِ، أوْ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن بَيْنِ سائِرِ قُرَيْشٍ، أقْوالٌ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى اللَّهُمَّ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: هو الحَقَّ، بِالنَّصْبِ، جَعَلُوا هو فَصْلًا، وقَرَأ الأعْمَشُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ بِالرَّفْعِ وهي جائِزَةٌ في العَرَبِيَّةِ، فالجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ يَرْفَعُونَ بَعْدَ هو الَّتِي هي فَصْلٌ في لُغَةِ غَيْرِهِمْ، كَما قالَ:

؎وكُنْتَ عَلَيْها بِالمَلا أنْتَ أقْدَرُ

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الفَصْلِ وفائِدَتِهِ في أوَّلِ البَقَرَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ رَفْعُ (الحَقَّ) عَلى أنَّهُ خَبَرٌ والجُمْلَةُ خَبَرُ كانَ. قالَ الزَّجّاجُ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِهَذا الجائِزِ، وقِراءَةُ النّاسِ إنَّما هي بِنَصْبِ (الحَقَّ)، انْتَهى، وقَدْ ذُكِرَ مَن قَرَأ بِالرَّفْعِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ فِيها مُبالَغَةٌ في إنْكارِ الحَقِّ عَظِيمَةٌ، أيْ: إنْ كانَ حَقًّا فَعاقِبْنا عَلى إنْكارِهِ بِإمْطارِ الحِجارَةِ عَلَيْنا أمْ بِعَذابٍ آخَرَ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومُرادُهُ نَفْيُ كَوْنِهِ حَقًّا، فَإذا انْتَفى كَوْنُهُ حَقًّا لَمْ يَسْتَوْجِبْ مُنْكِرُهُ عَذابًا، فَكانَ تَعْلِيقُ العَذابِ بِكَوْنِهِ حَقًّا مَعَ اعْتِقادِ أنَّهُ لَيْسَ بِحَقٍّ كَتَعْلِيقِهِ بِالمُحالِ في قَوْلِهِ: إنْ كانَ الباطِلُ حَقًّا، مَعَ اعْتِقادِهِ أنَّهُ لَيْسَ بِحَقِّ، وقَوْلُهُ: هو الحَقَّ، تَهَكُّمٌ بِمَن يَقُولُ عَلى سَبِيلِ التَّخْصِيصِ والتَّعْيِينِ هَذا هو الحَقُّ، ويُقالُ: أمْطَرَتْ كَأنْجَمَتْ وأسْبَلَتْ، ومَطَرَتْ كَهَتَفَتْ، وكَثُرَ الأمْطارُ في مَعْنى العَذابِ، (فَإنْ قُلْتَ): فَما فائِدَةُ قَوْلِهِ: مِنَ السَّماءِ، والأمْطارُ لا تَكُونُ إلّا مِنها، (قُلْتُ): كَأنَّهُ أرادَ أنْ يُقالَ: فَأمْطِرْ عَلَيْنا السِّجِّيلَ، وهي الحِجارَةُ المُسَوَّمَةُ لِلْعَذابِ، مَوْضِعُ حِجارَةٍ مِنَ السَّماءِ مَوْضِعُ السِّجِّيلِ، كَما يُقالُ: صَبَّ عَلَيْهِ مَسْرُودَةً مِن حَدِيدٍ يُرِيدُ دِرْعًا، انْتَهى، ومَعْنى جَوابِهِ أنَّ قَوْلَهُ: مِنَ السَّماءِ جاءَ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ، كَما أنَّ قَوْلَهُ: مِن حَدِيدٍ مَعْناهُ التَّأْكِيدُ؛ لِأنَّ المَسْرُودَةَ لا تَكُونُ إلّا مِن حَدِيدٍ، (p-٤٨٩)كَما أنَّ الأمْطارَ لا تَكُونُ إلّا مِنَ السَّماءِ

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهم مِنَ السَّماءِ مُبالَغَةٌ وإغْراقٌ، انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ حِكْمَةَ قَوْلِهِمْ مِنَ السَّماءِ هي مُقابَلَتُهم مَجِيءَ الأمْطارِ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي ذُكِرَ أنَّهُ يَأْتِيهِ الوَحْيُ مِن جِهَتِها، أيْ: إنَّكَ تَذْكُرُ أنَّهُ يَأْتِيكَ الوَحْيُ مِنَ السَّماءِ فَأْتِنا بِعَذابٍ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي يَأْتِيكَ مِنها الوَحْيُ؛ إذْ كانَ يَحْسُنُ أنْ يُعَبَّرَ عَنْ إرْسالِ الحِجارَةِ عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِ جِهَةِ السَّماءِ بِقَوْلِهِمْ: فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً، وقالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِبْعادِ والِاعْتِقادِ أنَّ ما أُتِيَ بِهِ لَيْسَ بِحَقٍّ؛ وقِيلَ: عَلى سَبِيلِ الحَسَدِ والعِنادِ مَعَ عِلْمِهِمْ أنَّهُ حَقٌّ، واسْتَبْعَدَ هَذا الثّانِيَ ابْنُ فُورَكٍ، قالَ: ولا يَقُولُ هَذا عَلى وجْهِ العِنادِ عاقِلٌ، انْتَهى، وكَأنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ: ﴿وجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: ١٤] وقِصَّةُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ وأحْبارِ اليَهُودِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، وقَوْلُ الرَّسُولِ ﷺ لَهم: «واللَّهِ إنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ»، أوْ كَلامٌ يُقارِبُهُ، واقْتِراحُهم هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ هو عَلى ما جَرى عَلَيْهِ اقْتِراحُ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وسَألَ يَهُودِيٌّ ابْنَ عَبّاسٍ مِمَّنْ أنْتَ، قالَ مِن قُرَيْشٍ، فَقالَ أنْتَ مِنَ الَّذِينَ قالُوا: ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ الآيَةَ، فَهَلّا قالُوا: فاهْدِنا إلَيْهِ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأنْتَ يا إسْرائِيلِيٌّ مِنَ الَّذِينَ لَمْ تَجِفَّ أرْجُلُهم مِن بَلَلِ البَحْرِ الَّذِي أُغْرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ ونَجا مُوسى وقَوْمُهُ حَتّى قالُوا: ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] فَقالَ لَهم مُوسى: ﴿إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] فَأطْرَقَ اليَهُودِيُّ مُفْحَمًا، وعَنْ مُعاوِيَةَ أنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ مِن سَبَأٍ: ما أجْهَلَ قَوْمَكَ حِينَ مَلَّكُوا عَلَيْهِمُ امْرَأةً، فَقالَ أجْهَلُ مِن قَوْمِي قَوْمُكَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ دَعاهم إلى الحَقِّ: (إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ) الآيَةَ، ولَمْ يَقُولُوا: فاهْدِنا لَهُ.

﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾ نَزَلَتْ هَذِهِ إلى ”يَعْلَمُونَ“ بِمَكَّةَ؛ وقِيلَ: بَعْدَ وقْعَةِ بَدْرٍ حِكايَةً عَمّا حَصَلَ فِيها. وقالَ ابْنُ أبْزى: الجُمْلَةُ الأُولى بِمَكَّةَ إثْرَ قَوْلِهِ: (بِعَذابٍ ألِيمٍ)، والثّانِيَةُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِن مَكَّةَ في طَرِيقِهِ إلى المَدِينَةِ، وقَدْ بَقِيَ بِمَكَّةَ مُؤْمِنُونَ يَسْتَغْفِرُونَ، والثّالِثَةُ بَعْدَ بَدْرٍ عِنْدَ ظُهُورِ العَذابِ عَلَيْهِمْ، ولَمّا عَلَّقُوا إمْطارَ الحِجارَةِ أوِ الإتْيانَ بِعَذابٍ ألِيمٍ عَلى تَقْدِيرِ كَيْنُونَةِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ حَقًّا أخْبَرَ تَعالى أنَّهم مُسْتَحِقُّو العَذابِ، لَكِنَّهُ لا يُعَذِّبُهم وأنْتَ فِيهِمْ إكْرامًا لَهُ وجَرْيًا عَلى عادَتِهِ تَعالى مَعَ مُكَذِّبِي أنْبِيائِهِ أنْ لا يُعَذِّبَهم وأنْبِياؤُهم مُقِيمُونَ فِيهِمْ عَذابًا يَسْتَأْصِلُهم فِيهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ تُعَذَّبْ أُمَّةٌ قَطُّ ونَبِيُّها فِيها، وعَلَيْهِ جَماعَةُ المُتَأوِّلِينَ، فالمَعْنى فَما كانَتْ لِتُعَذَّبَ أُمَّتُكَ وأنْتَ فِيهِمْ، بَلْ كَرامَتُكَ عِنْدَ رَبِّكَ أعْظَمُ، وقالَ تَعالى ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، ومِن رَحْمَتِهِ تَعالى أنْ لا يُعَذِّبَهم والرَّسُولُ ﷺ فِيهِمْ، ولَمّا كانَ الإمْطارُ لِلْحِجارَةِ عَلَيْهِمْ مُنْدَرِجًا تَحْتَ العَذابِ كانَ النَّفْيُ مُتَسَلِّطًا عَلى العَذابِ الَّذِي إمْطارُ الحِجارَةِ نَوْعٌ مِنهُ، فَقالَ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ ولَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: وما كانَ اللَّهُ لِيُمْطِرَ أوْ لِيَأْتِيَ بِعَذابٍ، وتَقْيِيدُ نَفْيِ العَذابِ بِكَيْنُونَةِ الرَّسُولِ فِيهِمْ إعْلامٌ بِأنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ وفارَقَهم عَذَّبَهم، ولَكِنَّهُ لَمْ يُعَذِّبْهم إكْرامًا لَهُ مَعَ كَوْنِهِمْ بِصَدَدِ مَن يُعَذَّبُ لِتَكْذِيبِهِمْ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَنْ أبِي زَيْدٍ: سَمِعْتُ مِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: وما كانَ اللَّهُ لَيُعَذِّبُهم، بِفَتْحِ اللّامِ، وهي لُغَةٌ غَيْرُ مَعْرُوفَةٍ، ولا مُسْتَعْمَلَةٍ في القُرْآنِ، انْتَهى، وبِفَتْحِ اللّامِ في لِيُعَذِّبَهم قَرَأ أبُو السَّمالِ، وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِالفَتْحِ في لامِ الأمْرِ في قَوْلِهِ: فَلَيَنْظُرُ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ، ورَوى ابْنُ مُجاهِدٍ عَنْ أبِي زَيْدٍ أنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَفْتَحُ كُلَّ لامٍ إلّا في نَحْوِ: الحَمْدُ لِلَّهِ، انْتَهى، يَعْنِي لامَ الجَرِّ إذا دَخَلَتْ عَلى الظّاهِرِ، أوْ عَلى ياءِ المُتَكَلِّمِ، والظَّرْفِيَّةُ في فِيهِمْ مَجازٌ، والمَعْنى: وأنْتَ مُقِيمٌ بَيْنَهم غَيْرُ راحِلٍ عَنْهم.

﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ انْظُرْ إلى حُسْنِ مَساقِ هاتَيْنِ (p-٤٩٠)الجُمْلَتَيْنِ لَمّا كانَتْ كَيْنُونَتُهُ فِيهِمْ سَبَبًا؛ لِانْتِفاءِ تَعْذِيبِهِمْ أكَّدَ خَبَرَ كانَ بِاللّامِ عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ، أوْ جَعَلَ خَبَرَ كانَ الإرادَةَ المَنفِيَّةَ عَلى رَأْيِ البَصْرِيِّينَ، وانْتِفاءُ الإرادَةِ لِلْعَذابِ أبْلَغُ مِنِ انْتِفاءِ العَذابِ، ولَمّا كانَ اسْتِغْفارُهم دُونَ تِلْكَ الكَيْنُونَةِ الشَّرِيفَةِ لَمْ يُؤَكِّدْ بِاللّامِ، بَلْ جاءَ خَبَرُ كانَ قَوْلُهُ: مُعَذِّبَهم، فَشَتّانَ ما بَيْنَ اسْتِغْفارِهِمْ وكَيْنُونَتِهِ ﷺ فِيهِمْ، والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الضَّمائِرَ كُلَّها في الجُمَلِ عائِدَةٌ عَلى الكُفّارِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ أبْزى وأبُو مالِكٍ والضَّحّاكُ ما مُقْتَضاهُ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: مُعَذِّبَهم، عائِدٌ عَلى كُفّارِ مَكَّةَ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: وهم، عائِدٌ عَلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ بَقُوا بَعْدَ الرَّسُولِ ﷺ بِمَكَّةَ، أيْ: وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ الكُفّارَ والمُؤْمِنُونَ بَيْنَهم يَسْتَغْفِرُونَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَدْفَعُ في صَدْرِ هَذا القَوْلِ أنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ رُدَّ الضَّمِيرُ إلَيْهِمْ لَمْ يَجْرِ لَهم ذِكْرٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ما مُقْتَضاهُ: إنَّ الضَّمِيرَيْنِ عائِدانِ عَلى الكُفّارِ، وكانُوا يَقُولُونَ في دُعائِهِمْ: غُفْرانَكَ، ويَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، ونَحْوَ هَذا مِمّا هو دُعاءٌ واسْتِغْفارٌ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ أمَنَةً مِن عَذابِ الدُّنْيا، عَلى هَذا تَرَكَّبَ قَوْلُ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ جَعَلَ مِن عَذابِ الدُّنْيا أمَنَتَيْنِ كَوْنَ الرَّسُولِ ﷺ مَعَ النّاسِ والِاسْتِغْفارَ، فارْتَفَعَتِ الواحِدَةُ وبَقِيَ الِاسْتِغْفارُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ الزَّجّاجُ وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: وهم يَسْتَغْفِرُونَ، عائِدٌ عَلى الكُفّارِ، والمُرادُ بِهِ مَن سَبَقَ لَهُ في عِلْمِ اللَّهِ أنْ يُسْلِمَ ويَسْتَغْفِرَ، فالمَعْنى: وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ الكُفّارَ، ومِنهم مَن يَسْتَغْفِرُ ويُؤْمِنُ في ثانِي حالٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: وهم يَسْتَغْفِرُونَ، أيْ: وذَرِّيَّتُهم يَسْتَغْفِرُونَ ويُؤْمِنُونَ فَأُسْنِدَ إلَيْهِمْ إذْ ذُرِّيَّتُهم مِنهم، والِاسْتِغْفارُ طَلَبُ الغُفْرانِ، وقالَ الضَّحّاكُ ومُجاهِدٌ: مَعْنى يَسْتَغْفِرُونَ يُصَلُّونَ، وقالَ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ أيْضًا: يُسْلِمُونَ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: وهم يَسْتَغْفِرُونَ أنَّهم مُلْتَبِسُونَ بِالِاسْتِغْفارِ، أيْ: هم يَسْتَغْفِرُونَ فَلا يُعَذَّبُونَ، كَما أنَّ الرَّسُولَ فِيهِمْ فَلا يُعَذَّبُونَ، فَكِلا الحالَيْنِ مَوْجُودٌ كَوْنُ الرَّسُولِ فِيهِمْ واسْتِغْفارُهم، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهم يَسْتَغْفِرُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، ومَعْناهُ نَفْيُ الِاسْتِغْفارِ عَنْهم، أيْ: ولَوْ كانُوا مِمَّنْ يُؤْمِنُ ويَسْتَغْفِرُ مِنَ الكُفْرِ لَما عَذَّبَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ [هود: ١١٧] ولَكِنَّهم لا يَسْتَغْفِرُونَ ولا يُؤْمِنُونَ، ولا يُتَوَقَّعُ ذَلِكَ مِنهُمُ، انْتَهى، وما قالَهُ تَقَدَّمَهُ إلَيْهِ غَيْرُهُ، فَقالَ: المَعْنى وهم بِحالِ تَوْبَةٍ واسْتِغْفارٍ مِن كُفْرِهِمْ أنْ لَوْ وقَعَ ذَلِكَ مِنهم، واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ.

﴿وما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وما كانُوا أوْلِياءَهُ إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ ما اسْتِفْهامِيَّةٌ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَهم في انْتِفاءِ العَذابِ، وهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّقْرِيرُ، أيْ: كَيْفَ لا يُعَذَّبُونَ وهم مُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الحالَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْعَذابِ وهي صَدُّهُمُ المُؤْمِنِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ولَيْسُوا بِوُلاةِ البَيْتِ، ولا مُتَأهِّلِينَ لِوِلايَتِهِ، ومِن صَدِّهِمْ ما فَعَلُوا بِالرَّسُولِ ﷺ عامَ الحُدَيْبِيَةِ، وإخْراجُهُ مَعَ المُؤْمِنِينَ داخِلٌ في الصَّدِّ، كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ وُلاةُ البَيْتِ نَصُدُّ مَن نَشاءُ ونُدْخِلُ مَن نَشاءُ، وأنْ مَصْدَرِيَّةٌ، وقالَ الأخْفَشُ: هي زائِدَةٌ، قالَ النَّحّاسُ: لَوْ كانَ كَما قالَ لَرَفَعَ تَعْذِيبَهُمُ، انْتَهى، فَكانَ يَكُونُ الفِعْلُ في مَوْضِعِ الحالِ، كَقَوْلِهِ: وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ، ومَوْضِعُ أنْ نَصْبٌ، أوْ جَرٌّ عَلى الخِلافِ؛ إذْ حُذِفَ مِنهُ في وهي تَتَعَلَّقُ بِما تَعَلَّقَ بِهِ لَهم، أيْ: أيُّ شَيْءٍ كائِنٍ أوْ مُسْتَقِرٍّ لَهم في أنْ لا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ، والمَعْنى: لا حَظَّ لَهم في انْتِفاءِ العَذابِ، وإذا انْتَفى ذَلِكَ فَهم مُعَذَّبُونَ ولا بُدَّ، وتَقْدِيرُ الطَّبَرِيِّ وما يَمْنَعُهم مِن أنْ يُعَذَّبُوا هو تَفْسِيرُ مَعْنى لا تَفْسِيرُ إعْرابٍ، وكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يُتَأوَّلَ كَلامُ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّ التَّقْدِيرَ: وما قُدْرَتُهم، ونَحْوُهُ مِنَ الأفْعالِ مُوجِبٌ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (أوْلِياءَهُ) عَلى المَسْجِدِ لِقُرْبِهِ وصِحَّةِ المَعْنى؛ وقِيلَ: ما لِلنَّفْيِ فَيَكُونُ إخْبارًا، أيْ: ولَيْسَ (p-٤٩١)لَهم أنْ لا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ، أيْ: لَيْسَ يَنْتَفِي العَذابُ عَنْهم مَعَ تَلَبُّسِهِمْ بِهَذِهِ الحالِ؛ وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (أوْلِياءَهُ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: وما كانُوا أوْلِياءَهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ، أيْ: وما اسْتَحَقُّوا أنْ يَكُونُوا وُلاةَ أمْرِهِ ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾، أيِ: المُتَّقُونَ لِلشِّرْكِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إلّا المُتَّقُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ لَيْسَ كُلُّ مُسْلِمٍ أيْضًا مِمَّنْ يَصْلُحُ أنْ يَلِيَ أمْرَهُ، إنَّما يَسْتَأْهِلُ وِلايَتَهُ مَن كانَ بَرًّا تَقِيًّا فَكَيْفَ عَبَدَةُ الأصْنامِ ؟ انْتَهى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ مَعْطُوفًا عَلى وهم يَصُدُّونَ، فَيَكُونُ حالًا، والمَعْنى: كَيْفَ لا يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ وهم مُتَّصِفُونَ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ صَدِّهِمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وانْتِفاءِ كَوْنِهِمْ أوْلِياءَهُ، أيْ: أوْلِياءَ المَسْجِدِ، أيْ: لَيْسُوا وُلاتَهُ فَلا يَنْبَغِي أنْ يَصُدُّوا عَنْهُ، أوْ أوْلِياءَ اللَّهِ، فَهم كُفّارٌ، فَيَكُونُ قَدِ ارْتَقى مِن حالٍ إلى أعْظَمَ مِنها، وهو كَوْنُهم لَيْسُوا مُؤْمِنِينَ، فَمَن كانَ صادًّا عَنِ المَسْجِدِ كافِرًا بِاللَّهِ فَهو حَقِيقٌ بِالتَّعْذِيبِ، والضَّمِيرُ في (إنْ أوْلِياؤُهُ) مُتَرَتِّبٌ عَلى ما يَعُودُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾، واخْتَلَفُوا في هَذا التَّعْذِيبِ فَقالَ قَوْمٌ: هو الأوَّلُ إلّا أنَّهُ كانَ امْتَنَعَ بِشَيْئَيْنِ: كَوْنِ النَّبِيِّ فِيهِمْ واسْتِغْفارِ مَن بَيْنَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَلَمّا وقَعَ التَّمْيِيزُ بِالهِجْرَةِ وقَعَ بِالباقِينَ يَوْمَ بَدْرٍ؛ وقِيلَ: بَلْ وقَعَ بِفَتْحِ مَكَّةَ، وقالَ قَوْمٌ: هَذا التَّعْذِيبُ غَيْرُ ذَلِكَ، فالأوَّلُ: اسْتِئْصالُ كُلِّهِمْ، فَلَمْ يَقَعْ لِما عَلِمَ مِن إسْلامِ بَعْضِهِمْ وإسْلامِ بَعْضِ ذَرارِيهِمْ، والثّانِي: قَتْلُ بَعْضِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الأوَّلُ عَذابُ الدُّنْيا، والثّانِي: عَذابُ الآخِرَةِ، فالمَعْنى وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَ المُشْرِكِينَ لِاسْتِغْفارِهِمْ في الدُّنْيا وما لَهم أنْ لا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ في الآخِرَةِ، ومُتَعَلِّقُ لا يَعْلَمُونَ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لا يَعْلَمُونَ أنَّهم لَيْسُوا أوْلِياءَهُ بَلْ يَظُنُّونَ أنَّهم أوْلِياؤُهُ، والظّاهِرُ اسْتِدْراكُ الأكْثَرِ في انْتِفاءِ العِلْمِ؛ إذْ كانَ بَيْنَهم، وفي خِلالِهِمْ مَن جَنَحَ إلى الإيمانِ، فَكانَ يَعْلَمُ أنَّ أُولَئِكَ الصّادِّينَ لَيْسُوا أوْلِياءَ البَيْتِ، أوْ أوْلِياءَ اللَّهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنَّ أكْثَرَهم، أيْ: أكْثَرَ المُقِيمِينَ بِمَكَّةَ لا يَعْلَمُونَ لِتُخْرِجَ مِنهُمُ العَبّاسَ وأُمَّ الفَضْلِ وغَيْرَهُما مِمَّنْ وقَعَ لَهُ عِلْمٌ، أوْ إذْ كانَ فِيهِمْ مَن يَعْلَمُهُ، وهو يُعانِدُ طَلَبًا لِلرِّياسَةِ، أوْ أُرِيدَ بِالأكْثَرِ الجَمِيعُ عَلى سَبِيلِ المَجازِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنَّهم لا يَعْلَمُونَ، كَما قِيلَ: قَلَّما رَجُلٌ يَقُولُ ذَلِكَ، في مَعْنى النَّفْيِ المَحْضِ، وإبْقاءُ الأكْثَرِ عَلى ظاهِرِهِ أوْلى، وكَوْنُهُ أُرِيدَ بِهِ الجَمِيعُ هو تَخْرِيجُ الزَّمَخْشَرِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ.

8:35–36Page 181

وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمۡ عِندَ ٱلۡبَيۡتِ إِلَّا مُكَآءٗ وَتَصۡدِيَةٗۚ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٣٥

And their prayer at the House [i.e., the Kaʿbah] was not except whistling and handclapping. So taste the punishment for what you disbelieved [i.e., practiced of deviations].

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيۡهِمۡ حَسۡرَةٗ ثُمَّ يُغۡلَبُونَۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحۡشَرُونَ ٣٦

Indeed, those who disbelieve spend their wealth to avert [people] from the way of Allāh. So they will spend it; then it will be for them a [source of] regret; then they will be overcome. And those who have disbelieved - unto Hell they will be gathered.

﴿وما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلّا مُكاءً وتَصْدِيَةً فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ لَمّا نَفى عَنْهم أنْ يَكُونُوا وُلاةَ البَيْتِ ذَكَرَ مِن فِعْلِهِمُ القَبِيحِ ما يُؤَكِّدُ ذَلِكَ، وأنَّ مَن كانَتْ صَلاتُهُ ما ذَكَرَ لا يَسْتَأْهِلُ أنْ يَكُونُوا أوْلِياءَهُ، فالمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ الَّذِي يَقُومُ مَقامَ صَلاتِهِمْ هو المُكاءُ والتَّصْدِيَةُ، وضَعُوا مَكانَ الصَّلاةِ والتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ التَّصْفِيرَ والتَّصْفِيقَ، كانُوا يَطُوفُونَ عُراةً، رِجالُهم ونِساؤُهم، مُشَبِّكِينَ بَيْنَ أصابِعِهِمْ يُصَفِّرُونَ ويُصَفِّقُونَ، يَفْعَلُونَ ذَلِكَ إذا قَرَأ الرَّسُولُ ﷺ يَخْلِطُونَ عَلَيْهِ في صَلاتِهِ، ونَظِيرُ هَذا المَعْنى قَوْلُهم: كانَتْ عُقُوبَتُكَ عُزْلَتَكَ، أيِ: القائِمُ مَقامَ العُقُوبَةِ هو العَزْلُ. وقالَ الشّاعِرُ:

؎وما كُنْتُ أخْشى أنْ يَكُونَ عَطاؤُهُ أداهِمَ سُودًا أوْ مُدَحْرَجَةً سُمْرا

أقامَ مَقامَ العَطاءِ القُيُودَ والسِّياطَ، كَما أقامُوا مَقامَ الصَّلاةِ المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ ذَلِكَ عِبادَةً في ظَنِّهِمْ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا نَفى تَعالى ولايَتَهم لِلْبَيْتِ أمْكَنَ أنْ يَعْتَرِضَ مُعْتَرِضٌ بِأنْ يَقُولَ: كَيْفَ لا نَكُونُ أوْلِياءَهُ ونَحْنُ نَسْكُنُهُ ونُصَلِّي عِنْدَهُ فَقَطَعَ اللَّهُ هَذا الِاعْتِراضَ، وما كانَ صَلاتُهم إلّا المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ: أنا أفْعَلُ الخَيْرَ، فَيُقالُ لَهُ: ما فِعْلُكَ الخَيْرَ إلّا أنْ تَشْرَبَ الخَمْرَ وتَقْتُلَ، أيْ: هَذِهِ عادَتُكَ وغايَتُكَ، قالَ: والَّذِي مَرَّ بِي مِن أمْرِ العَرَبِ في غَيْرِ ما دِيوانٍ أنَّ المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ كانا مِن فِعْلِ العَرَبِ قَدِيمًا قَبْلَ الإسْلامِ عَلى جِهَةِ التَّقَرُّبِ والتَّشَرُّعِ، ورُوِيَ عَنْ بَعْضِ أقْوِياءِ العَرَبِ أنَّهُ (p-٤٩٢)كانَ يَمْكُو عَلى الصَّفا فَيُسْمَعُ مِن جَبَلِ حِراءٍ وبَيْنَهُما أرْبَعَةُ أمْيالٍ، وعَلى هَذا يَسْتَقِيمُ تَعْيِيرُهم وتَنْقِيصُهم بِأنَّ شَرْعَهم وصَلاتَهم وعِبادَتَهم لَمْ تَكُنْ رَهْبَةً ولا رَغْبَةً، إنَّما كانَتْ مُكاءً وتَصْدِيَةً مِن نَوْعِ اللَّعِبِ، ولَكِنَّهم كانُوا يَتَزَيَّدُونَ فِيها وقْتَ قِراءَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِيَشْغَلُوهُ وأمَتَّهُ عَنِ القِراءَةِ والصَّلاةِ، قالَ ابْنُ عُمَرَ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: والمُكاءُ: الصَّفِيرُ، والتَّصْدِيَةُ: التَّصْفِيقُ، وعَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا: المُكاءُ إدْخالُهم أصابِعَهم في أفْواهِهِمْ، والتَّصْدِيَةُ الصَّفِيرُ، والصَّفِيرُ بِالفَمِ، وقَدْ يَكُونُ بِالأصابِعِ والكَفِّ في الفَمِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وقَدْ يُشارِكُ الأنْفُ، يُرِيدُونَ أنْ يَشْغَلُوا بِذَلِكَ الرَّسُولَ عَنِ الصَّلاةِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ: التَّصْدِيَةُ صَدُّهم عَنِ البَيْتِ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: إنَّ صَلاتَهم ودُعاءَهم غَيْرُ رادِّينَ عَلَيْهِمْ ثَوابًا إلّا كَما يُجِيبُ الصَّدى الصّائِحَ، فَتَلَخَّصَ في مَعْنى الآيَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ما ظاهِرُهُ أنَّ الكُفّارَ كانَتْ لَهم صَلاةٌ وتَعَبُّدٌ، وذَلِكَ هو المُكاءُ والتَّصْدِيَةُ، والثّانِي: أنَّهُ كانَتْ لَهم صَلاةٌ ولا جَدْوى لَها ولا ثَوابَ، فَجُعِلَتْ كَأنَّها أصْواتُ الصَّدا حَيْثُ لَها حَقِيقَةٌ، والثّالِثُ: أنَّهُ لا صَلاةَ لَهم لَكِنَّهم أقامُوا مَقامَها المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ، وقالَ بَعْضُ شُيُوخِنا: أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ الصَّلاةَ هُنا هي الطَّوافُ، وقَدْ سَمّاهُ الرَّسُولُ ﷺ صَلاةً، وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ وعاصِمٌ والأعْمَشُ بِخِلافٍ عَنْهُما (صَلاتَهم) بِالنَّصْبِ (إلّا مُكاءٌ وتَصْدِيَةٌ) بِالرَّفْعِ، وخَطَّأ قَوْمٌ مِنهم أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ لِجَعْلِ المَعْرِفَةِ خَبَرًا والنَّكِرَةِ اسْمًا، قالُوا: ولا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا في ضَرُورَةٍ، كَقَوْلِهِ:

؎يَكُونُ مِزاجَها عَسَلٌ وماءُ

وخَرَّجَها أبُو الفَتْحِ عَلى أنَّ المُكاءَ والتَّصْدِيَةَ اسْمُ جِنْسٍ، واسْمُ الجِنْسِ تَعْرِيفُهُ وتَنْكِيرُهُ واحِدٌ، انْتَهى، وهو نَظِيرُ قَوْلِ مَن جَعَلَ نَسْلَخُ صِفَةً لِلَّيْلِ في قَوْلِهِ: ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ [يس: ٣٧] ويَسُبُّنِي صِفَةً لِلَّئِيمِ في قَوْلِهِ:

؎ولَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو فِيما رُوِيَ عَنْهُ: إلّا مُكًا، بِالقَصْرِ مُنَوَّنًا، فَمَن مَدَّ فَكالثُّغاءِ والرُّغاءِ، ومَن قَصَرَ فَكالبُكا في لُغَةِ مَن قَصَرَ، والعَذابُ في قَوْلِهِ: فَذُوقُوا العَذابَ، قِيلَ هو في الآخِرَةِ؛ وقِيلَ: هو قَتْلُهم وأخْذُ غَنائِمِهِمْ بِبَدْرٍ وأسْرُهم، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَيَلْزَمُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ الأخِيرَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ بَدْرٍ ولا بُدَّ، والأشْبَهُ أنَّ الكُلَّ بَعْدَ بَدْرٍ حِكايَةٌ عَنْ ماضٍ، وكَوْنُ عَذابِهِمْ بِالقَتْلِ يَوْمَ بَدْرٍ هو قَوْلُ الحَسَنِ والضَّحّاكِ وابْنِ جُرَيْجٍ.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ والكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ في المُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا: أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ وعُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ ونُبَيْهٌ ومُنَبَّهٌ ابْنا حَجّاجٍ وأبُو البَحْتَرِيِّ بْنُ هِشامٍ والنَّضْرُ بْنُ الحارِثِ وحَكِيمُ بْنُ حِزامٍ وأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وزَمْعَةُ بْنُ الأسْوَدِ والحارِثُ بْنُ عامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ والعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وكُلُّهم مِن قُرَيْشٍ، وكانَ يُطْعِمُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم كُلَّ يَوْمٍ عَشْرَ جَزائِرَ، وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ أبْزى: نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ اسْتَأْجَرَ يَوْمَ أُحُدٍ ألْفَيْنِ مِنَ الأحابِيشِ يُقاتِلُ بِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ سِوى مَنِ اسْتَجاشَ مِنَ العَرَبِ، وفِيهِمْ يَقُولُ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ:

؎فَجِئْنا إلى مَوْجٍ مِنَ البَحْرِ وسْطُهُ ∗∗∗ أحابِيشُ مِنهم حاسِرٌ ومُقَنَّعُ

؎ثَلاثَةُ آلافٍ ونَحْنُ بَقِيَّةُ ∗∗∗ ثَلاثِ مِئِينَ إنْ كَثُرْنا وأرْبَعُ

وقالَ الحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ: أنْفَقَ عَلى الأحابِيشِ وغَيْرِهِمْ أرْبَعِينَ أُوقِيَّةً مِن ذَهَبٍ، وقالَ الضَّحّاكُ وغَيْرُهُ: نَزَلَتْ في نَفَقَةِ المُشْرِكِينَ الخارِجِينَ إلى بَدْرٍ كانُوا يَنْحَرُونَ يَوْمًا عَشْرًا مِنَ الإبِلِ ويَوْمًا تِسْعًا، وهَذا نَحْوٌ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ عَنْ رِجالِهِ: لَمّا رَجَعَ فُلُّ قُرَيْشٍ إلى مَكَّةَ مِن بَدْرٍ، ورَجَعَ أبُو سُفْيانَ بِعِيرِهِ كَلَّمَ أبْناءُ مَن أُصِيبَ بِبَدْرٍ وغَيْرُهم أبا سُفْيانَ، وتُجّارُ العِيرِ في الإعانَةِ بِالمالِ الَّذِي سُلِّمَ لَعَلَّنا نُدْرِكُ (p-٤٩٣)ثَأْرًا لِمَن أُصِيبَ، فَفَعَلُوا فَنَزَلَتْ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ شِهابٍ ومُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى بْنِ حَيّانَ، وعاصِمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَتادَةَ، والحَصِينِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ مَن شَرَحَ أحْوالَهم في الطّاعاتِ البَدَنِيَّةِ - وهي صَلاتُهم - شَرَحَ حالَهم في الطّاعاتِ المالِيَّةِ - وهي إنْفاقُهم أمْوالَهم لِلصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ - والظّاهِرُ الإخْبارُ عَنِ الكُفّارِ بِأنَّ إنْفاقَهم لَيْسَ في سَبِيلِ اللَّهِ، بَلْ سَبَبُهُ الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَيَنْدَرِجُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذُكِرُوا في هَذا العُمُومِ، وقَدْ يَكُونُ اللَّفْظُ عامًّا والسَّبَبُ خاصًّا، والمَعْنى: أنَّ الكُفّارَ يَقْصِدُونَ بِنَفَقَتِهِمُ الصَّدَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وغَلَبَةَ المُؤْمِنِينَ، فَلا يَقَعُ إلّا عَكْسُ ما قَصَدُوا، وهو تَنَدُّمُهم وتَحَسُّرُهم عَلى ذَهابِ أمْوالِهِمْ، ثُمَّ غَلَبَتُهم والتَّمَكُّنُ مِنهم أسْرًا وقَتْلًا وغَنْمًا، والعَطْفُ بِثُمَّ يُقَوِّي أنَّ الحَسْرَةَ في الدُّنْيا؛ وقِيلَ: الحَسْرَةُ في الآخِرَةِ، وفي الآخِرَةِ فَسَيُنْفِقُونَها إلى آخِرِهِ مِنَ الإخْبارِ بِالغُيُوبِ؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ بِما يَكُونُ قَبْلَ كَوْنِهِ، ثُمَّ كانَ كَما أخْبَرَ، والإخْبارُ بِسِينِ الِاسْتِقْبالِ يَدُلُّ عَلى إنْفاقٍ مُتَأخِّرٍ عَنْ وقْعَةِ أُحُدٍ وبَدْرٍ، وأنَّ ذَلِكَ إخْبارٌ عَنْ عُلُوِّ الإسْلامِ وغَلَبَةِ أهْلِهِ، وكَذا وقَعَ فَتَحُوا البِلادَ ودَوَّخُوا العِبادَ ومَلَأ الإسْلامُ مُعْظَمَ أقْطارِ الأرْضِ واتَّسَعَتْ هَذِهِ المِلَّةُ اتِّساعًا لَمْ يَكُنْ لِشَيْءٍ مِنَ المِلَلِ السّابِقَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском