Abu HayyanAl‑Anfal · 8:52–56

Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic

Al-Anfal 8:52–56

8:52–54Page 183

كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٥٢

[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and of those before them. They disbelieved in the signs of Allāh, so Allāh seized them for their sins. Indeed, Allāh is Powerful and severe in penalty.

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٥٣

That is because Allāh would not change a favor which He had bestowed upon a people until they change what is within themselves. And indeed, Allāh is Hearing and Knowing.

كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَۚ وَكُلّٞ كَانُواْ ظَٰلِمِينَ ٥٤

[Theirs is] like the custom of the people of Pharaoh and of those before them. They denied the signs of their Lord, so We destroyed them for their sins, and We drowned the people of Pharaoh. And all [of them] were wrongdoers.

﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال: ٥٠] لَوِ الَّتِي لَيْسَتْ شَرْطًا في المُسْتَقْبَلِ تَقْلِبُ المُضارِعَ لِلْمُضِيِّ، فالمَعْنى: لَوْ رَأيْتَ وشاهَدْتَ، وحَذْفُ جَوابِ لَوْ جائِزٌ بَلِيغٌ حَذْفُهُ في مِثْلِ هَذا؛ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى التَّعْظِيمِ، أيْ: لَرَأيْتَ أمْرًا عَجِيبًا وشَأْنًا هائِلًا، كَقَوْلِهِ: ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ، والظّاهِرُ أنَّ المَلائِكَةَ فاعِلُ يَتَوَفّى، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ والأعْرَجُ: (تَتَوَفّى)، بِالتّاءِ، وذُكِرَ في قِراءَةِ غَيْرِهِما؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ المَلائِكَةِ مَجازٌ، وحَسَّنَهُ الفَضْلُ؛ وقِيلَ: الفاعِلُ في هَذِهِ القِراءَةِ الفاعِلُ ضَمِيرُ اللَّهِ، والمَلائِكَةُ مُبْتَدَأٌ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، كَهي في يَضْرِبُونَ، قالابْنُ عَطِيَّةَ: ويُضَعِّفُهُ سُقُوطُ واوِ الحالِ فَإنَّها في الأغْلَبِ تَلْزَمُ مِثْلَ هَذا، انْتَهى، ولا يُضَعِّفُهُ إذْ جاءَ بِغَيْرِ واوٍ في كِتابِ اللَّهِ، وفي كَثِيرٍ مِن كَلامِ العَرَبِ، والمَلائِكَةُ مَلَكُ المَوْتِ، وذُكِرَ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا، أوْ هو وأعْوانُهُ مِنَ المَلائِكَةِ، فَيَكُونُ التَّوَفِّي قَبْضَ أرْواحِهِمْ، أوِ المَلائِكَةُ المُمَدُّ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، والتَّوَفِّي قَتْلُهم ذَلِكَ اليَوْمَ، أوْ مَلائِكَةُ العَذابِ فالتَّوَفِّي سَوْقُهم إلى النّارِ، أقْوالٌ ثَلاثَةٌ، والظّاهِرُ حَقِيقَةُ الوُجُوهِ والأدْبارِ كِنايَةٌ عَنِ الأسْتاهِ. قالَ مُجاهِدٌ: وخُصّا بِالضَّرْبِ؛ لِأنَّ الخِزْيَ والنَّكالَ فِيهِما أشَدُّ؛ وقِيلَ: ما أقْبَلَ مِنهم وما أدْبَرَ فَيَكُونُ كِنايَةً عَنْ جَمِيعِ البَدَنِ، وإذا كانَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، فالظّاهِرُ أنَّ الضّارِبِينَ هُمُ المَلائِكَةُ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى المُؤْمِنِينَ، أيْ: يَضْرِبُ المُؤْمِنُونَ: فَمَن كانَ أمامَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ ضَرَبُوا وُجُوهَهم، ومَن كانَ وراءَهم ضَرَبُوا أدْبارَهم، فَإنْ كانَ ذَلِكَ عِنْدَ المَوْتِ ضَرْبَتْهُمُ المَلائِكَةُ بِسِياطٍ مِن نارٍ، وقَوْلُهُ: ذُوقُوا هَذا عَلى إضْمارِ القَوْلِ مِنَ المَلائِكَةِ، أيْ: ويَقُولُونَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ، ويَكُونُ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ، وكانَتْ لَهم أسْواطٌ مِن نارٍ يَضْرِبُونَهم بِها فَتَشْتَعِلُ جِراحاتُهم نارًا، أوْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ في الآخِرَةِ، وهو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مِنَ اللَّهِ عَلى سَبِيلِ التَّقْرِيعِ لِلْكافِرِينَ، إمّا في الدُّنْيا حالَةَ المَوْتِ، أيْ: مُقَدِّمَةَ عَذابِ النّارِ، وإمّا في الآخِرَةِ، ويَحْتَمِلُ ذَلِكَ وما بَعْدَهُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ، أوْ مِن كَلامِ اللَّهِ، ذَلِكَ، أيْ: ذَلِكَ العَذابُ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكم، وأنَّ اللَّهَ عَطْفٌ عَلى ما، أيْ: ذَلِكَ العَذابُ بِسَبَبِ كُفْرِكم وبِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُكم؛ إذْ أنْتُمْ مُسْتَحِقُّونَ العَذابَ، فَتَعْذِيبُكم عَدْلٌ مِنهُ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في أواخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقابِ﴾ (p-٥٠٧)تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في أوائِلِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُهُ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ، أيْ: ذَلِكَ العَذابُ أوِ الِانْتِقامُ بِسَبَبِ كَذا، وظاهِرُ النِّعْمَةِ أنَّهُ يُرادُ بِهِ ما يَكُونُونَ فِيهِ مِن سَعَةِ الحالِ والرَّفاهِيَةِ والعِزَّةِ والأمْنِ والخِصْبِ وكَثْرَةِ الأوْلادِ، والتَّغْيِيرُ قَدْ يَكُونُ بِإزالَةِ الذّاتِ، وقَدْ يَكُونُ بِإزالَةِ الصِّفاتِ، فَقَدْ تَكُونُ النِّعْمَةُ أُذْهِبَتْ رَأْسًا، وقَدْ تَكُونُ قُلِّلَتْ وأُضْعِفَتْ، وقالَ القاضِي: أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالعَقْلِ والقُدْرَةِ وإزالَةِ المَوانِعِ وتَسْهِيلِ السَّبِيلِ، والمَقْصُودُ أنْ يَشْتَغِلُوا بِالعِبادَةِ والشُّكْرِ ويَعْدِلُوا عَنِ الكُفْرِ، فَإذا صَرَفُوا هَذِهِ الأُمُورَ إلى الكُفْرِ والفِسْقِ فَقَدْ غَيَّرُوا أنْعُمَ اللَّهِ عَلى أنْفُسِهِمْ، فَلا جَرَمَ اسْتَحَقُّوا تَبْدِيلَ النِّعَمِ بِالنِّقَمِ والمِنَحِ بِالمِحَنِ، وهَذا مِن أوْكَدِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى لا يَبْتَدِئُ أحَدًا بِالعَذابِ والمَضَرَّةِ، وأنَّ الَّذِي يَفْعَلُهُ لا يَكُونُ إلّا جَزاءً عَلى مَعاصٍ سَلَفَتْ، ولَوْ كانَ تَعالى خَلَقَهم وخَلَقَ حَياتَهم وعُقُولَهُمُ ابْتِداءً لِلنّارِ، كَما يَقُولُهُ القَوْمُ لَما صَحَّ ذَلِكَ، انْتَهى، قِيلَ: وظاهِرُ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى ما قالَهُ القاضِي، إلّا أنَّهُ يُمْكِنُ الحَمْلُ عَلى الظّاهِرِ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ صِفَةُ اللَّهِ مُعَلَّلَةً بِفِعْلِ الإنْسانِ ومُتَأثِّرَةً لَهُ، وذَلِكَ مُحالٌ في بَدِيهَةِ العَقْلِ، وقَدْ قامَ الدَّلِيلُ عَلى أنَّ حُكْمَهُ وقَضاءَهُ سابِقٌ أوَّلًا، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ فِعْلٌ إلّا بِقَضائِهِ وإرادَتِهِ. وقِيلَ: أشارَ بِالنِّعْمَةِ إلى مُحَمَّدٍ بَعَثَهُ رَحْمَةً فَكَذَّبُوهُ، فَبَدَّلَ اللَّهُ ما كانُوا فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ بِالنِّقْمَةِ في الدُّنْيا وبِالعِقابِ في الآخِرَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ، والظّاهِرُ مِن قَوْلِهِ: عَلى قَوْمٍ، العُمُومُ في كُلِّ مَن أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن مُسْلِمٍ وكافِرٍ وبَرٍّ وفاجِرٍ، وأنَّهُ تَعالى مَتى أنْعَمَ عَلى أحَدٍ فَلَمْ يَشْكُرْ بَدَّلَهُ عَنْها بِالنِّقْمَةِ؛ وقِيلَ: القَوْمُ هُنا قُرَيْشٌ أنْعَمَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ لِيَشْكُرُوا ويُفْرِدُوهُ بِالعِبادَةِ فَجَحَدُوا وأشْرَكُوا في أُلُوهِيَّتِهِ، وبَعَثَ إلَيْهِمُ الرَّسُولَ ﷺ فَكَذَّبُوهُ، فَلَمّا غَيَّرُوا ما اقْتَضَتْهُ نِعْمَةٌ وحَدَّثَتْهم أنْفُسُهم بِأنَّ تِلْكَ النِّعَمَ مِن قِبَلِ أوْثانِهِمْ وأصْنامِهِمْ غَيَّرَ تَعالى عَلَيْهِمْ بِنِقْمَةٍ في الدُّنْيا، وأعَدَّ لَهُمُ العَذابَ في العُقْبى، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومِثالُ هَذا نِعْمَةُ اللَّهِ عَلى قُرَيْشٍ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَكَفَرُوا وغَيَّرُوا ما كانَ يَجِبُ أنْ يَكُونُوا عَلَيْهِ، فَغَيَّرَ اللَّهُ تِلْكَ النِّعْمَةَ بِأنْ نَقَلَها إلى غَيْرِهِمْ مِنَ الأنْصارِ وأحَلَّ بِهِمْ عُقُوبَتَهُ، انْتَهى. وتَغْيِيرُ آلِ فِرْعَوْنَ ومُشْرِكِي مَكَّةَ، ومَن يَجْرِي مَجْراهم بِأنْ كانُوا كُفّارًا ولَمْ تَكُنْ لَهم حالَةٌ مَرْضِيَّةٌ، فَغَيَّرُوا تِلْكَ الحالَةَ المَسْخُوطَةَ إلى أسْخَطَ مِنها مِن تَكْذِيبِ الرُّسُلِ والمُعانَدَةِ والتَّخْرِيبِ وقَتْلِ الأنْبِياءِ والسَّعْيِ في إبْطالِ آياتِ اللَّهِ، فَغَيَّرَ اللَّهُ تَعالى ما كانَ أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ وعاجَلَهم ولَمْ يُمْهِلْهم، وفي قَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ -: ذَلِكَ العَذابُ أوِ الِانْتِقامُ بِسَبَبِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَنْبَغِ لَهُ ولَمْ يَصِحَّ في حِكْمَتِهِ أنْ يُغَيِّرَ نِعَمَهُ عِنْدَ قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِهِمْ مِنَ الحالِ - دَسِيسَةُ الِاعْتِزالِ، وأنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لِأقْوالِ مُكَذِّبِي الرَّسُولِ عَلِيمٌ بِأفْعالِهِمْ، فَهو مُجازِيهِمْ عَلى ذَلِكَ.

8:55–56Page 184

إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٥٥

Indeed, the worst of living creatures in the sight of Allāh are those who have disbelieved, and they will not [ever] believe-

ٱلَّذِينَ عَٰهَدتَّ مِنۡهُمۡ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهۡدَهُمۡ فِي كُلِّ مَرَّةٖ وَهُمۡ لَا يَتَّقُونَ ٥٦

The ones with whom you made a treaty but then they break their pledge every time, and they do not fear Allāh.

﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأهْلَكْناهم بِذُنُوبِهِمْ وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ﴾ [الأنفال: ٥٤] قالَ قَوْمٌ: هَذا التَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا التَّكْرِيرُ لِمَعْنًى لَيْسَ لِلْأوَّلِ، أوِ الأوَّلُ دَأْبٌ في أنْ هَلَكُوا لَمّا كَفَرُوا، وهَذا الثّانِي دَأْبٌ في أنْ لَمْ يُغَيِّرْ نِعْمَتَهم حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمُ، انْتَهى، وقالَ قَوْمٌ: كَرَّرَ لِوُجُوهٍ مِنها: أنَّ الثّانِيَ جَرى مَجْرى التَّفْصِيلِ لِلْأوَّلِ؛ لِأنَّ في ذَلِكَ ذِكْرُ إجْرامِهِمْ، وفي هَذا ذِكْرُ إغْراقِهِمْ، وأُرِيدَ بِالأوَّلِ ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ حالَ المَوْتِ، وبِالثّانِي ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ، وفي الأوَّلِ بِآياتِ اللَّهِ إشارَةً إلى إنْكارِ دَلائِلِ الإلَهِيَّةِ، وفي الثّانِي بِآياتِ رَبِّهِمْ إشارَةٌ إلى إنْكارِ نِعَمِ مَن رَبّاهم ودَلائِلِ تَرْبِيَتِهِ وإحْسانِهِ عَلى (p-٥٠٨)كَثْرَتِها وتَوالِيها، وفي الأوَّلِ اللّازِمُ مِنهُ الأخْذُ، وفي الثّانِي اللّازِمُ مِنهُ الهَلاكُ والإغْراقُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: في قَوْلِهِ تَعالى: بِآياتِ رَبِّهِمْ زِيادَةُ دَلالَةٍ عَلى كُفْرانِ النِّعَمِ وجُحُودِ الحَقِّ، وفي ذِكْرِ الإغْراقِ بَيانٌ لِلْأخْذِ بِالذُّنُوبِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في الآيَةِ الأُولى في كَفَرُوا عائِدًا عَلى قُرَيْشٍ، وفي الأخِيرَةِ في كَذَّبُوا عائِدٌ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمُ، انْتَهى؛ وقِيلَ: فَأهْلَكْناهم هُمُ الَّذِينَ أُهْلِكُوا يَوْمَ بَدْرٍ، فَيَلْزَمُ مِن هَذا القَوْلِ أنْ يَكُونَ كَذَّبُوا عائِدًا عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ، وقالَ التَّبْرِيزِيُّ: فَأهْلَكْناهم: قَوْمَ نُوحٍ بِالطُّوفانِ، وعادًا بِالرِّيحِ، وثَمُودًا بِالصَّيْحَةِ، وقَوْمَ لُوطِ بِالخَسْفِ، وفِرْعَوْنَ وآلَهُ بِالغَرَقِ، وقَوْمَ شُعَيْبٍ بِالظُّلَّةِ، وقَوْمَ داوُدَ بِالمَسْخِ، وأهْلَكَ قُرَيْشًا وغَيْرَها بَعْضَهم بِالفَزَعِ، وبَعْضَهم بِالسَّيْفِ، وبَعْضَهم بِالعَدَسَةِ كَأبِي لَهَبٍ، وبَعْضَهم بِالغُدَّةِ كَعامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ، وبَعْضَهم بِالصّاعِقَةِ كَأوِيدِ بْنِ قَيْسٍ، انْتَهى، فَيَظْهَرُ مِن هَذا الكَلامِ أنَّ الضَّمِيرَ في كَذَّبُوا وأهْلَكْناهم عائِدٌ عَلى المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ في كَدَأْبِ؛ إذْ عَمَّ الضَّمِيرُ القَبِيلَتَيْنِ، وإنَّما خَصَّ آلَ فِرْعَوْنَ بِالذِّكْرِ، وذَكَرَ الَّذِي أُهْلِكُوا بِهِ، وهو إغْراقُهم؛ لِأنَّهُ انْضَمَّ إلى كُفْرِهِمْ دَعْوى الإلَهِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى، فَكانَ ذَلِكَ أشْنَعَ الكُفْرِ وأفْظَعَهُ، ومُراعاةُ لَفْظِ (كُلٌّ) إذا حُذِفَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ ومَعْناهُ جائِزَةٌ، واخْتِيرَ هُنا مُراعاةُ المَعْنى لِأجْلِ الفَواصِلِ؛ إذْ لَوْ كانَ التَّرْكِيبُ: وكُلٌّ كانَ ظالِمًا، لَمْ يَقَعْ فاصِلَةً، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكُلُّهم مِن غَرْقى القِبْطِ وقَتْلى قُرَيْشٍ كانُوا ظالِمِينَ أنْفُسَهم بِالكُفْرِ والمَعاصِي، انْتَهى، ولا يَظْهَرُ تَخْصِيصُ الزَّمَخْشَرِيِّ كُلًّا بِغَرْقى القِبْطِ وقَتْلى قُرَيْشٍ؛ إذِ الضَّمِيرُ في كَذَّبُوا وفي فَأهْلَكْناهم لا يَخْتَصُّ بِهِما، فالَّذِي يَظْهَرُ عُمُومُ المُشَبَّهِ بِهِ وهم آلُ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، أوْ عُمُومُ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِمْ.

﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهم لا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنهم ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ وهم لا يَتَّقُونَ﴾ نَزَلَتْ في بَنِي قُرَيْظَةَ، مِنهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ وأصْحابُهُ عاهَدَهُمُ الرَّسُولُ أنْ لا يُمالِئُوا عَلَيْهِ فَنَكَثُوا بِأنْ أعانُوا مُشْرِكِي مَكَّةَ بِالسِّلاحِ وقالُوا: نَسِينا وأخْطَأْنا، ثُمَّ عاهَدَهم فَنَكَثُوا، مالَئُوا مَعَهم يَوْمَ الخَنْدَقِ، وانْطَلَقَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ إلى مَكَّةَ فَحالَفَهم. قالَ البَغَوِيُّ: مَن رَوى أنَّهُ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ أخْطَأ ووَهِمَ، بَلْ يُحْتَمَلُ أنَّهُ كَعْبُ بْنُ أسَدٍ فَإنَّهُ كانَ سَيِّدَ قُرَيْظَةَ؛ وقِيلَ: هم بَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ؛ وقِيلَ: نَفَرٌ مِن قُرَيْشٍ مِن عَبْدِ الدّارِ، حَكاهُ التَّبْرِيزِيُّ في تَفْسِيرِهِ، (فَهم لا يُؤْمِنُونَ) إخْبارٌ مِنهُ تَعالى أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ فَلا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ مِنهم إيمانٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ شَرُّ النّاسِ الكُفّارُ، وشَرُّ الكُفّارِ المُصِرُّونَ مِنهم، وشَرُّ المُصِرِّينَ النّاكِثُونَ لِلْعُهُودِ، فَأخْبَرَ تَعالى أنَّهم جامِعُونَ لِأنْواعِ الشَّرِّ، الَّذِينَ عاهَدْتَ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، قالَهُ الحَوْفِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ خَبَرُ المُبْتَدَأِ مَحْذُوفًا، وضَمِيرُ المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ، أيْ: عاهَدْتَهم مِنهم، أيْ: مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿شَرَّ الدَّوابِّ﴾ بِثَلاثَةِ أوْصافٍ: الكُفْرُ، والمُوافاةُ عَلَيْهِ، والمُعاهَدَةُ مَعَ النَّقْضِ، والَّذِينَ عَلى هَذا بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ عاهَدْتَ فِرْقَةً أوْ طائِفَةً، ثُمَّ أخَذَ يَصِفُ حالَ المُعاهَدِينَ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهم في كُلِّ مَرَّةٍ، انْتَهى، فَعَلى هَذا الِاحْتِمالِ يَكُونُ الَّذِينَ مُبْتَدَأً ويَكُونُ الخَبَرُ قَوْلَهُ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧]، ودَخَلَتِ الفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى اسْمِ الشَّرْطِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ مَن يُعاهَدُ مِنهم، أيْ: مِنَ الكُفّارِ، فَإنْ تَظْفَرْ بِهِمْ فاصْنَعْ كَذا، أوْ مِن لِلتَّبْعِيضِ؛ لِأنَّ المُعاهَدِينَ بَعْضُ الكُفّارِ، وهي في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: كائِنِينَ مِنهم؛ وقِيلَ: بِمَعْنى مَعَ؛ وقِيلَ: الكَلامُ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، أيْ: أخَذْتَ مِنهُمُ العَهْدَ، فَتَكُونُ مِن عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: لِابْتِداءِ الغايَةِ؛ وقِيلَ: مِن زائِدَةٌ، أيْ: عاهَدْتَهم، وهَذِهِ الأقْوالُ الثَّلاثَةُ ضَعِيفَةٌ، وأتى ثُمَّ يَنْقُضُونَ بِالمُضارِعِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَن شَأْنُهم نَقْضُ العَهْدِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، تَقْدِيرُهُ: وهم (p-٥٠٩)لا يَتَّقُونَ لا يَخافُونَ عاقِبَةَ العَدُوِّ، ولا يُبالُونَ بِما في نَقْضِ العَهْدِ مِنَ العارِ واسْتِحْقاقِ النّارِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском