Abu Hayyan · Tafsir · in Arabic
Al-Anfal 8:64–69
8:64Page 185
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسۡبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٦٤
O Prophet, sufficient for you is Allāh and for whoever follows you of the believers.
﴿ياأيُّها النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ نَزَلَتْ بِالبَيْداءِ في غَزْوَةِ بَدْرٍ قَبْلَ (p-٥١٥)القِتالِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ وأنَسٌ: في إسْلامِ عُمَرَ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: أسْلَمَ ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ رَجُلًا وسِتُّ نِسْوَةٍ، ثُمَّ أسْلَمَ عُمَرُ فَنَزَلَتْ، والظّاهِرُ رَفْعُ (ومَن) عَطْفًا عَلى ما قَبْلَهُ، وعَلى هَذا فَسَّرَهُ الحَسَنُ وجَماعَةٌ، أيْ: حَسْبُكَ اللَّهُ والمُؤْمِنُونَ، وقالَ الشَّعْبِيُّ وابْنُ زَيْدٍ مَعْنى الآيَةِ: حَسْبُكَ اللَّهُ وحَسْبُ مَنِ اتَّبَعَكَ، قالَ ابْنَ عَطِيَّةَ: فَمَن في هَذا التَّأْوِيلِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ الكافِ؛ لِأنَّ مَوْضِعَها نَصْبٌ عَلى المَعْنى بِيَكْفِيكَ الَّذِي سَدَّتْ حَسْبُكَ مَسَدَّها، انْتَهى، وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ (حَسْبُكَ) لَيْسَ مِمّا تَكُونُ الكافُ فِيهِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، بَلْ هَذِهِ إضافَةٌ صَحِيحَةٌ لَيْسَتْ مِن نَصْبٍ، وحَسْبُكَ مُبْتَدَأٌ مُضافٌ إلى الضَّمِيرِ، ولَيْسَ مَصْدَرًا ولا اسْمَ فاعِلٍ، إلّا إنْ قِيلَ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى التَّوَهُّمِ، كَأنَّهُ تَوَهَّمَ أنَّهُ قِيلَ: يَكْفِيكَ اللَّهُ، أوْ كَفاكَ اللَّهُ، ولَكِنَّ العَطْفَ عَلى التَّوَهُّمِ لا يَنْقاسُ فَلا يُحْمَلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ ما وُجِدَتْ مَندُوحَةٌ عَنْهُ، والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ كَلامُ الشَّعْبِيِّ وابْنِ زَيْدٍ هو أنْ يَكُونَ (ومَن) مَجْرُورَةً عَلى حَذْفِ وحَسْبِ لِدَلالَةِ (حَسْبُكَ) عَلَيْهِ، فَيَكُونُ، كَقَوْلِهِ:
؎أكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً ونارٍ تُوقَدُ بِاللَّيْلِ نارا
(p-٥١٦)أيْ: وكُلَّ نارٍ، فَلا يَكُونُ مِنَ العَطْفِ عَلى الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا الوَجْهُ مِن حَذْفِ المُضافِ مَكْرُوهٌ بِأنَّهُ ضَرُورَةُ الشِّعْرِ، انْتَهى، ولَيْسَ بِمَكْرُوهٍ ولا ضَرُورَةً، وقَدْ أجازَهُ سِيبَوَيْهِ في الكَلامِ، وخُرِّجَ عَلَيْهِ البَيْتَ وغَيْرُهُ مِنَ الكَلامِ الفَصِيحِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَنِ اتَّبَعَكَ الواوُ بِمَعْنى مَعَ وما بَعْدَهُ مَنصُوبٌ، تَقُولُ: وحَسْبُكَ وزَيْدًا دِرْهَمٌ، ولا يُجَرُّ لِأنَّ عَطْفَ الظّاهِرِ المَجْرُورِ عَلى المُكَنّى مُمْتَنِعٌ. قالَ:
فَحَسْبُكَ والضَّحّاكُ سَيْفٌ مُهَنَّدُ والمَعْنى: كَفاكَ وكَفى أتْباعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ اللَّهُ ناصِرًا، انْتَهى، وهَذا الَّذِي قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مُخالِفٌ لِكَلامِ سِيبَوَيْهِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: قالُوا حَسْبُكَ وزَيْدًا دِرْهَمٌ، لِما كانَ فِيهِ مِن مَعْنى كَفاكَ، وقَبَّحَ أنْ يَحْمِلُوهُ عَلى المُضْمَرِ نَوَوُا الفِعْلَ، كَأنَّهُ قالَ: حَسْبُكَ ويَحْسَبُ أخاكَ دِرْهَمٌ، ولِذَلِكَ كَفِيكَ، انْتَهى، كَفِيكَ هو مِن كَفاهُ يَكْفِيهِ، وكَذَلِكَ قَطُّكَ، تَقُولُ: كَفِيكَ وزَيْدًا دِرْهَمٌ وقَطُّكَ وزَيْدًا دِرْهَمٌ، ولَيْسَ هَذا مِن بابِ المَفْعُولِ مَعَهُ، وإنَّما جاءَ سِيبَوَيْهِ بِهِ حُجَّةً لِلْحَمْلِ عَلى الفِعْلِ لِلدَّلالَةِ، فَحَسْبُكَ يَدُلُّ عَلى كَفاكَ، ويَحْسَبُنِي مُضارِعُ أحْسَبَنِي فُلانٌ إذا أعْطانِي حَتّى أقُولَ: حَسْبِي، فالنّاصِبُ في هَذا فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى، وهو في كَفِيكَ وزَيْدًا دِرْهَمٌ أوْضَحُ؛ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ لِلْفِعْلِ المُضْمَرِ، أيْ: ويَكْفِي زَيْدًا، وفي: قَطُّكَ وزَيْدًا دِرْهَمٌ، التَّقْدِيرُ فِيهِ أبْعَدُ؛ لِأنَّ قَطَّكَ لَيْسَ في الفِعْلِ المُضْمَرِ شَيْءٌ مِن لَفْظِهِ، إنَّما هو مُفَسِّرٌ مِن حَيْثُ المَعْنى فَقَطْ، وفي ذَلِكَ الفِعْلِ المُضْمَرِ فاعِلٌ يَعُودُ عَلى الدِّرْهَمِ، والنِّيَّةُ بِالدِّرْهَمِ التَّقْدِيمُ فَيَصِيرُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ الأعْمالِ؛ لِأنَّ طَلَبَ المُبْتَدَأِ لِلْخَبَرِ وعَمَلَهُ فِيهِ لَيْسَ مِن قَبِيلِ طَلَبِ الفِعْلِ أوْ ما جَرى مَجْراهُ ولا عَمَلِهِ، فَلا يُتَوَهَّمُ ذَلِكَ، وقالَ الزَّجّاجُ: حَسْبُ اسْمُ فِعْلٍ، والكافُ نَصْبٌ، والواوُ بِمَعْنى مَعَ، انْتَهى، فَعَلى هَذا يَكُونُ اللَّهُ فاعِلًا لِـ (حَسْبُكَ) وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ: يَجُوزُ في (ومَن) أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الكافِ؛ لِأنَّها مَفْعُولٌ بِاسْمِ الفِعْلِ لا مَجْرُورٌ؛ لِأنَّ اسْمَ الفِعْلِ لا يُضافُ، إلّا أنَّ مَذْهَبَ الزَّجّاجِ خَطَأٌ لِدُخُولِ العَوامِلِ عَلى (حَسْبُكَ)، تَقُولُ: بِحَسْبِكَ دِرْهَمٌ، وقالَ تَعالى: ﴿فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٢]، ولَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ اسْمَ فِعْلٍ في مَكانٍ فَيُعْتَقَدُ فِيهِ أنَّهُ يَكُونُ اسْمَ فِعْلٍ واسْمًا غَيْرَ اسْمِ فِعْلٍ كَرُوَيْدَ، وأجازَ أبُو البَقاءِ رَفْعَ (ومَن) عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: وحَسْبُكَ مَنِ اتَّبَعَكَ، وعَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، تَقْدِيرُهُ: ومَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَذَلِكَ، أيْ: حَسْبُهُمُ اللَّهُ، وقَرَأ الشَّعْبِيُّ: (ومَن أتْبَعَكَ) بِإسْكانِ النُّونِ، وأتْبَعَ عَلى وزْنِ أكْرَمَ.
8:65–66Page 185
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَى ٱلۡقِتَالِۚ إِن يَكُن مِّنكُمۡ عِشۡرُونَ صَٰبِرُونَ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ ٦٥
O Prophet, urge the believers to battle. If there are among you twenty [who are] steadfast, they will overcome two hundred. And if there are among you one hundred [who are steadfast], they will overcome a thousand of those who have disbelieved because they are a people who do not understand.
ٱلۡـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمۡ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمۡ ضَعۡفٗاۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ صَابِرَةٞ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمۡ أَلۡفٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفَيۡنِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٦٦
Now, Allāh has lightened [the hardship] for you, and He knows that among you is weakness. So if there are from you one hundred [who are] steadfast, they will overcome two hundred. And if there are among you a thousand, they will overcome two thousand by permission of Allāh. And Allāh is with the steadfast.
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ يَغْلِبُوا ألْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ يَغْلِبُوا ألْفَيْنِ بِإذْنِ اللَّهِ واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ هاتانِ الجُمْلَتانِ شَرْطِيَّتانِ، في ضِمْنِهِما الأمْرُ بِصَبْرِ عِشْرِينَ لِمِائَتَيْنِ وبِصَبْرِ مِائَةٍ لِألْفٍ، ولِذَلِكَ دَخَلَها النَّسْخُ؛ إذْ لَوْ كانَ خَبَرًا مَحْضًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ النَّسْخُ، لَكِنَّ الشَّرْطَ إذا كانَ فِيهِ مَعْنى التَّكْلِيفِ جازَ فِيهِ النَّسْخُ، وهَذا مِن ذَلِكَ، ولِذَلِكَ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ والتَّقْيِيدُ بِالصَّبْرِ في أوَّلِ كُلِّ شَرْطٍ لَفْظًا هو مَحْذُوفٌ مِنَ الثّانِيَةِ لِدَلالَةِ ذِكْرِهِ في الأُولى، وتَقْيِيدُ الشَّرْطِ الثّانِي بِقَوْلِهِ: (مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) لَفْظًا هو مَحْذُوفٌ مِنَ الشَّرْطِ الأوَّلِ في قَوْلِهِ: ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ فانْظُرْ إلى فَصاحَةِ هَذا الكَلامِ حَيْثُ أُثْبِتَ قَيْدٌ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى وحُذِفَ نَظِيرُهُ مِنَ الثّانِيَةِ، وأُثْبِتُ قَيْدٌ في الثّانِيَةِ وحُذِفَ مِنَ الأُولى، ولَمّا كانَ الصَّبْرُ شَدِيدَ المَطْلُوبِيَّةِ أُثْبِتَ في أُولى جُمْلَتَيِ التَّخْفِيفِ، وحُذِفَ مِنَ الثّانِيَةِ لِدَلالَةِ السّابِقَةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ خُتِمَتِ الآيَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦] مُبالَغَةً في شِدَّةِ المَطْلُوبِيَّةِ، ولَمْ يَأْتِ في جُمْلَتَيِ التَّخْفِيفِ قَيْدُ الكُفْرِ اكْتِفاءً بِما قَبْلَ ذَلِكَ، وتَظاهَرَتِ الرِّواياتُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وغَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ ثَباتَ الواحِدِ لِلْعَشَرَةِ كانَ فَرْضًا، لَمّا شَقَّ عَلَيْهِمُ انْتَقَلَ إلى ثَباتِ الواحِدِ لِلِاثْنَيْنِ عَلى سَبِيلِ التَّقَرُّبِ أيْضًا، وسَواءٌ كانَ فَرْضًا (p-٥١٧)أمْ نَدْبًا هو نَسْخٌ، وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ تَخْفِيفٌ لا نَسْخٌ - كَمَكِّيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - ضَعِيفٌ، قالَ مَكِّيٌ: إنَّما هو كَتَخْفِيفِ الفِطْرِ في السَّفَرِ، ولَوْ صامَ لَمْ يَأْثَمْ وأجْزَأهُ، ومُناسَبَةُ هَذِهِ الأعْدادِ أنَّ فَرْضِيَّةَ الثَّباتِ أوْ نَدْبِيَّتَهُ كانَ أوَّلًا في ابْتِداءِ الإسْلامِ، فَكانَ العِشْرُونَ تَمْثِيلًا لِلسَّرِيَّةِ والمِائَةُ تَمْثِيلًا لِلْجَيْشِ، فَلَمّا اتَّسَعَ نِطاقُ الإسْلامِ، وذَلِكَ بَعْدَ زَمانٍ، كانَ المِائَةُ تَمْثِيلًا لِلسَّرايا والألْفُ تَمْثِيلًا لِلْجَيْشِ، ولَيْسَ في أمْرِهِ تَعالى نَبِيَّهُ بِتَحْرِيضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ دَلِيلٌ عَلى ابْتِداءِ فَرْضِيَّةِ القِتالِ بَلْ كانَ القِتالُ مُفْتَرَضًا قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، وإنَّما جاءَتْ هَذِهِ حَثًّا عَلى أمْرٍ كانَ وجَبَ عَلَيْهِمْ، ونَصَّ تَعالى عَلى سَبَبِ الغَلَبَةِ بِأنَّ الكُفّارَ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ، والمَعْنى: أنَّهم قَوْمٌ جَهَلَةٌ يُقاتِلُونَ عَلى غَيْرِ احْتِسابٍ وطَلَبِ ثَوابٍ كالبَهائِمِ فَتُفَلُّ نِيّاتُهم، ويَعْدَمُونَ لِجَهْلِهِمْ بِاللَّهِ نُصْرَتَهُ، فَهو تَعالى يَخْذُلُهم، وذَلِكَ بِخِلافِ مَن يُقاتِلُ عَلى بَصِيرَةٍ، وهو مَوْعُودٌ مِنَ اللَّهِ بِالنَّصْرِ والغَلَبَةِ، وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: كانَ عَلَيْهِمْ أنْ لا يَفِرُّوا ويَثْبُتَ الواحِدُ لِلْعَشَرَةِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ بَعَثَ حَمْزَةَ في ثَلاثِينَ راكِبًا فَلَقِيَ أبا جَهْلٍ في ثَلاثِمِائَةِ راكِبٍ، قِيلَ، ثُمَّ ثَقُلَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وضَجُّوا مِنهُ، وذَلِكَ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، فَنُسِخَ وخُفِّفَ عَنْهم بِمُقاوَمَةِ الواحِدِ لِلِاثْنَيْنِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الَّذِي اسْتَقَرَّ حُكْمُ التَّكْلِيفِ عَلَيْهِ بِمُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ بالِغٍ وقَفَ بِإزاءِ المُشْرِكِينَ عَبْدًا كانَ أوْ حُرًّا فالهَزِيمَةُ عَلَيْهِ مُحَرَّمَةٌ ما دامَ مَعَهُ سِلاحُهُ يُقاتِلُ بِهِ، فَإنْ كانَ لَيْسَ مَعَهُ سِلاحٌ فَلَهُ أنْ يَنْهَزِمَ وإنْ قابَلَهُ ثَلاثَةٌ حَلَّتْ لَهُ الهَزِيمَةُ، والصَّبْرُ أحْسَنُ، ورَوى البَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُ: إنَّ جَيْشَ مُؤْتَةَ وكانُوا ثَلاثَةَ آلافٍ مِنَ المُسْلِمِينَ وقَفُوا لِمِائَتَيْ ألْفٍ: مِائَةُ ألْفٍ مِنَ الرُّومِ، ومِائَةُ ألْفٍ مِنَ الأنْباطِ، ورُوِيَ أنَّهم وقَفُوا لِأرْبَعِمِائَةِ ألْفٍ، والأوَّلُ هو الصَّحِيحُ، وفي تارِيخِ فَتْحِ الأنْدَلُسِ أنَّ طارِقًا مَوْلى مُوسى بْنِ نُصَيْرٍ سارَ في ألْفِ رَجُلٍ وسَبْعِمِائَةِ رَجُلٍ إلى الأنْدَلُسِ، وذَلِكَ في رَجَبٍ سَنَةَ ثَلاثٍ وتِسْعِينَ مِنَ الهِجْرَةِ، فالتَقى هو ومَلِكُ الأنْدَلُسِ لُذْرِيقُ وكانَ في سَبْعِينَ ألْفٍ عِنانٍ، فَزَحَفَ إلَيْهِ طارِقٌ وصَبَرَ لَهُ فَهَزَمَ اللَّهُ الطّاغِيَةَ لُذْرِيقَ، وكانَ الفَتْحُ، انْتَهى، وما زالَتْ جَزِيرَةُ الأنْدَلُسِ تَلْتَقِي الشِّرْذِمَةُ القَلِيلَةُ مِنهم بِالعَدَدِ الكَثِيرِ مِنَ النَّصارى فَيَغْلِبُونَهم، وأخْبَرَنا مَن حَضَرَ الوَقْعَةَ الَّتِي كانَتْ في الدَّيْمُوسِ الصَّغِيرِ عَلى اثْنَيْ عَشَرَ مِيلًا مِن مَدِينَةِ غَرْناطَةَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وسَبْعِمِائَةٍ، وكانَ المُسْلِمُونَ ألْفًا وسَبْعَمِائَةِ فارِسٍ مِنَ الأنْدَلُسِيِّينَ والبَرْبَرِ، وكانَ النَّصارى مِائَةَ ألْفِ راجِلٍ، وسِتِّينَ ألْفَ رامٍ، وخَمْسَةَ عَشَرَ ألْفَ فارِسٍ بَيْنَ رامٍ ومُدَرَّعٍ، فَصَبَرُوا لَهم وأسَرُوا أكابِرَهم، وقَتَلُوا مَلِكَ قَشْتالَةَ دُونْ جُوانَ، ونَجا أخُوهُ دُونْ بَطَرَ مَجْرُوحًا، وكانَ مُلُوكُ النَّصارى: مَلِكُ قَشْتالَةَ المَذْكُورُ، ومَلِكُ إفْرَنْسَةَ، ومَلِكُ يُوطَقالَ، ومَلِكُ غَلْسِيَّةَ، ومَلِكُ قَلْعَةِ رَباحٍ قَدْ خَرَجُوا عازِمِينَ عَلى اسْتِئْصالِ المُسْلِمِينَ مِنَ الجَزِيرَةِ فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ كَرَّرَ المَعْنى الواحِدَ وهو مُقاوَمَةُ الجَماعَةِ لِأكْثَرَ مِنها مَرَّتَيْنِ قَبْلَ التَّخْفِيفِ وبَعْدَهُ ؟ (قُلْتُ): لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الحالَ مَعَ القِلَّةِ والكَثْرَةِ واحِدَةٌ، ولا تَتَفاوَتُ لِأنَّ الحالَ قَدْ تَتَفاوَتُ بَيْنَ مُقاوَمَةِ العِشْرِينَ لِلْمِائَتَيْنِ والمِائَةِ لِلْألْفِ، فَكَذَلِكَ بَيْنَ المِائَةِ لِلْمِائَتَيْنِ والألْفِ لِلْألْفَيْنِ، انْتَهى، ومَعْنى (بِإذْنِ اللَّهِ) بِإرادَتِهِ وتَمْكِينِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ تَرْغِيبٌ في الثَّباتِ لِلِقاءِ العَدُوِّ، وتَبْشِيرٌ بِالنَّصْرِ والغَلَبَةِ؛ لِأنَّهُ مَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ هو الغالِبُ، وقَرَأ الأعْمَشُ: حَرِّصِ، بِالصّادِ المُهْمَلَةِ، وهو مِنَ الحِرْصِ، وهو قَرِيبٌ مِن قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالضّادِ، وقَرَأ الكُوفِيُّونَ: ﴿يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ﴾، عَلى التَّذْكِيرِ فِيهِما، ورَواها خارِجَةُ عَنْ نافِعٍ، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وابْنُ عامِرٍ عَلى التَّأْنِيثِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو عَلى التَّذْكِيرِ في الأوَّلِ، ولَحَظَ يَغْلِبُوا، والتَّأْنِيثِ في الثّانِيَةِ، ولَحَظَ (صابِرَةٌ)، وقَرَأ الأعْرَجُ عَلى التَّأْنِيثِ كُلَّها إلّا قَوْلَهُ: ﴿وإنْ يَكُنْ مِنكم ألْفٌ﴾ فَإنَّهُ عَلى التَّذْكِيرِ بِلا خِلافٍ، وقَرَأ المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ و(عُلِمَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ والكِسائِيُّ وابْنُ (p-٥١٨)عُمَرَ، والحَسَنُ والأعْرَجُ وابْنُ القَعْقاعِ وقَتادَةُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ضَعْفًا، وفي الرُّومِ بِضَمِّ الضّادِ وسُكُونِ العَيْنِ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ بِضَمِّهِما، وحَمْزَةُ وعاصِمٌ بِفَتْحِ الضّادِ وسُكُونِ العَيْنِ، وهي كُلُّها مَصادِرُ، وعَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ ضَمُّ الضّادِ لُغَةُ الحِجازِ وفَتْحُها لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَرَأ ابْنُ القَعْقاعِ ضُعَفًا جَمْعَ ضَعِيفٍ، كَظَرِيفِ وظُرَفاءَ، وحَكاها النَّقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَقِيلَ: الضَّعْفُ في الأبْدانِ؛ وقِيلَ: في البَصِيرَةِ والِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ، وكانُوا مُتَفاوِتِينَ في ذَلِكَ، وقالَ الثَّعالِبِيُّ الضَّعْفُ بِفَتْحِ الضّادِ في العَقْلِ والرَّأْيِ، والضُّعْفِ في الجِسْمِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا قَوْلٌ تَرُدُّهُ القِراءَةُ، انْتَهى.
8:67–69Page 185
مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسۡرَىٰ حَتَّىٰ يُثۡخِنَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنۡيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٦٧
It is not for a prophet to have captives [of war] until he inflicts a massacre [upon Allāh's enemies] in the land. You [i.e., some Muslims] desire the commodities of this world,1 but Allāh desires [for you] the Hereafter. And Allāh is Exalted in Might and Wise.
لَّوۡلَا كِتَٰبٞ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمۡ فِيمَآ أَخَذۡتُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٦٨
If not for a decree from Allāh that preceded,1 you would have been touched for what you took by a great punishment.
فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمۡتُمۡ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٦٩
So consume what you have taken of war booty [as being] lawful and good, and fear Allāh. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا واللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .
نَزَلَتْ في أسْرى بَدْرٍ، وكانَ الرَّسُولُ ﷺ قَدِ اسْتَشارَ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيًّا، فَأشارَ أبُو بَكْرٍ بِالِاسْتِحْياءِ، وعُمَرُ بِالقَتْلِ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ يُوقَفُ عَلَيْهِ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وقَرَأ أبُو الدَّرْداءِ وأبُو حَيْوَةَ: ما كانَ لِلنَّبِيِّ مُعَرَّفًا، والمُرادُ بِهِ في التَّنْكِيرِ والتَّعْرِيفِ الرَّسُولُ ﷺ، ولَكِنْ في التَّنْكِيرِ إبْهامٌ في كَوْنِ النَّفْيِ لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ مُعَيَّنًا، وتَقَدَّمَ مِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ وكَيْفِيَّةُ هَذا النَّفْيِ، وهو هُنا عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: ما كانَ لِأصْحابِ نَبِيٍّ، أوْ لِأتْباعِ نَبِيٍّ، فَحُذِفَ اخْتِصارًا، ولِذَلِكَ جاءَ الجَمْعُ في قَوْلِهِ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ ولَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ تُرِيدُ أوْ يُرِيدُ عَرَضَ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِاسْتِبْقاءِ الرِّجالِ وقْتَ الحَرْبِ، ولا أرادَ عَرَضَ الدُّنْيا قَطُّ، وإنَّما فَعَلَهُ جُمْهُورُ مُباشِرِي الحَرْبِ، وقَدْ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في قِصَّةِ هَؤُلاءِ الأُسارى، وذَلِكَ مَذْكُورٌ في السِّيَرِ وحَذَفْناهُ نَحْنُ لِأنَّ في بَعْضِهِ ما لا يُناسِبُ ذِكْرُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى مَناصِبِ الرُّسُلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو أنْ تَكُونَ عَلى تَأْنِيثِ لَفْظِ الجَمْعِ، وباقِي السَّبْعَةِ والجُمْهُورُ عَلى التَّذْكِيرِ عَلى المَعْنى، وقَرَأ الجُمْهُورُ والسَّبْعَةُ: أسْرى عَلى وزْنِ فَعْلى، وهو قِياسُ فَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ إذا كانَ آفَةً كَجَرِيحٍ وجَرْحى، وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ القَعْقاعِ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ (أُسارى) وشُبِّهَ فَعِيلٌ بِفَعْلانَ، نَحْوَ: كَسْلانُ وكُسالى، كَما شَبَّهُوا كَسْلانَ بِأسِيرٍ، فَقالُوا فِيهِ جَمْعًا: كَسْلى، قالَهُ سِيبَوَيْهِ: وهُما شاذّانِ، وزَعَمَ الزَّجّاجُ أنَّ أُسارى جَمْعُ أسْرى، فَهو جَمْعُ جَمْعٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُ الخِلافِ في فُعالى أهُوَ جَمْعٌ أوِ اسْمُ جَمْعٍ وأنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ مِن أبْنِيَةِ الجُمُوعِ، ومَدْلُولُ أسْرى وأُسارى واحِدٌ، وقَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ الأسْرى هم غَيْرُ المُوثَقِينَ عِنْدَما يُؤْخَذُونَ والأُسارى هُمُ المُوثَقُونَ رَبْطًا، وحَكى أبُو حاتِمٍ أنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ العَرَبِ، وقَدْ ذَكَرَهُ أيْضًا أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ، وقالَ: العَرَبُ لا تَعْرِفُ هَذا كِلاهُما عِنْدَهم سَواءٌ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ ويَحْيى بْنُ وثّابٍ: حَتّى يُثَخِّنَ، مُشَدَّدًا عَدَّوْهُ بِالتَّضْعِيفِ، والجُمْهُورُ بِالتَّخْفِيفِ وعَدَّوْهُ بِالهَمْزَةِ؛ إذْ كانَ قَبْلَ التَّعْدِيَةِ ثَخَنَ، ومَعْنى ﴿عَرَضَ الدُّنْيا﴾ ما أخَذْتُمْ في فِداءِ الأُسارى، وكانَ فِداءُ كُلِّ رَجُلٍ عِشْرِينَ أُوقِيَّةً، وفِداءُ العَبّاسِ أرْبَعُونَ أُوقِيَّةً، وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ مِائَةُ أُوقِيَّةٍ، والأُوقِيَّةُ أرْبَعُونَ دِرْهَمًا وسِتَّةُ دَنانِيرَ، وكانُوا مالُوا إلى الفِداءِ لِيَقْوَوْا ما يُصِيبُونَهُ عَلى الجِهادِ، وإيثارًا لِلْقَرابَةِ ورَجاءَ الإسْلامِ، وكانَ الإثْخانُ والقَتْلُ أهْيَبُ لِلْكُفّارِ وأرْفَعُ لِمَنارِ الإسْلامِ، وكانَ ذَلِكَ إذِ المُسْلِمُونَ قَلِيلٌ، فَلَمّا اتَّسَعَ نِطاقُ الإسْلامِ وعَزَّ أهْلُهُ نَزَلَ: (فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً)، وقُرِئَ: (يُرِيدُونَ) بِالياءِ مِن تَحْتُ وسُمِّيَ عَرَضًا؛ لِأنَّهُ حَدَثٌ قَلِيلُ اللُّبْثِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: الآخِرَةَ، بِالنَّصْبِ، وقَرَأ سُلَيْمانُ بْنُ جَمّازٍ المَدَنِيُّ بِالجَرِّ، واخْتَلَفُوا في تَقْدِيرِ المُضافِ المَحْذُوفِ، فَمِنهم مَن قَدَّرَهُ: عَرَضَ الآخِرَةِ، قالَ: وحُذِفَ لِدَلالَةِ عَرَضِ الدُّنْيا عَلَيْهِ، قالَ بَعْضُهم: وقَدْ حُذِفَ العَرَضُ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ في الإعْرابِ فَنُصِبَ، ومِمَّنْ قَدَّرَهُ عَرَضَ الآخِرَةِ الزَّمَخْشَرِيُّ، قالَ: عَلى التَّقابُلِ، يَعْنِي (p-٥١٩)ثَوابَها، انْتَهى. ونَعْنِي أنَّهُ لَمّا أطْلَقَ عَلى الفِداءِ عَرَضَ الدُّنْيا أطْلَقَ عَلى ثَوابِ الآخِرَةِ عَرَضًا عَلى سَبِيلِ التَّقابُلِ لا أنَّ ثَوابَ الآخِرَةِ زائِلٌ فانٍ كَعَرَضِ الدُّنْيا فَسُمِّيَ عَرَضًا عَلى سَبِيلِ التَّقابُلِ، وإنْ كانَ لَوْلا التَّقابُلُ لَمْ يُسَمَّ عَرَضًا وقَدَّرَهُ بَعْضُهم عَمَلَ الآخِرَةِ، أيِ: المُؤَدِّي إلى الثَّوابِ في الآخِرَةِ وكُلُّهم جَعَلَهُ كَقَوْلِهِ:
؎ونارٍ تُوقَدُ بِاللَّيْلِ نارًا
ويَعْنُونَ في حَذْفِ المُضافِ فَقَطْ وإبْقاءِ المُضافِ إلَيْهِ عَلى جَرِّهِ؛ لِأنَّ جَرَّ مِثْلِ ونارٍ جائِزٌ فَصِيحٌ، وذَلِكَ إذا لَمْ يُفْصَلْ بَيْنَ المَجْرُورِ وحَرْفِ العَطْفِ، أوْ فُصِلَ بِلا، نَحْوَ: ما مِثْلُ زَيْدٍ ولا أخِيهِ يَقُولانِ ذَلِكَ، وتَقَدَّمَ المَحْذُوفُ مِثْلَهُ لَفْظًا ومَعْنًى، وأمّا إذا فُصِلَ بَيْنَهُما بِغَيْرِ لا كَهَذِهِ القِراءَةِ، فَهو شاذٌّ قَلِيلٌ، واللَّهُ عَزِيزٌ يَنْصُرُ أوْلِياءَهُ ويَجْعَلُ الغَلَبَةَ لَهم ويُمَكِّنُهم مِن أعْدائِهِمْ قَتْلًا وأسْرًا، حَكِيمٌ يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ: لَوْلا أنَّ اللَّهَ كَتَبَ في أُمِّ الكِتابِ أنَّهُ سَيُحِلُّ لَكُمُ الغَنائِمَ لَمَسَّكم فِيما تَعَجَّلْتُمْ مِنها، ومِنَ الفِداءِ يَوْمَ بَدْرٍ قَبْلَ أنْ تُؤْمَرُوا بِذَلِكَ عَذابٌ عَظِيمٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٌ: لَوْ سَبَقَ أنَّهُ يُعَذَّبُ مَن أتى ذَنْبًا عَلى جَهالَةٍ لَعُوقِبْتُمْ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ ومُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وابْنُ إسْحاقَ: سَبَقَ أنْ لا يُعَذَّبَ إلّا بَعْدَ النَّهْيِ ولَمْ يَكُنْ نَهاهم، وقالَ الحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ زَيْدٍ وابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ: لَوْلا ما سَبَقَ لِأهْلِ بَدْرٍ أنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُهم لَعَذَّبَهم، وقالَ الماوَرْدِيُّ لَوْلا أنَّ القُرْآنَ اقْتَضى غُفْرانَ الصَّغائِرِ لَعَذَّبَهم، وقالَ قَوْمٌ: الكِتابُ السّابِقُ عَفْوُهُ عَنْهم في هَذا الذَّنْبِ مُعَيَّنًا؛ وقِيلَ: هو أنْ لا يُعَذِّبَهم والرَّسُولُ فِيهِمْ؛ وقِيلَ: ما كَتَبَهُ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الرَّحْمَةِ. وقِيلَ: سَبَقَ أنَّهُ لا يُضِلُّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم؛ وقِيلَ: سَبَقَ أنَّهُ سَيُحِلُّ لَهُمُ الغَنائِمَ والفِداءَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو هُرَيْرَةَ والحَسَنُ؛ وقِيلَ: سَبَقَ أنْ يَغْفِرَ الصَّغائِرَ لِمَنِ اجْتَنَبَ الكَبائِرَ لَعَذَّبَكم بِأخْذِ الغَنائِمِ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ، وقالَ قَوْمٌ: الكِتابُ السّابِقُ هو القُرْآنُ، والمَعْنى: لَوْلا الكِتابُ الَّذِي سَبَقَ فَآمَنتُمْ بِهِ وصَدَّقْتُمْ لَمَسَّكُمُ العَذابُ لِأخْذِكم هَذِهِ المُفاداةَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَوْلا حُكْمٌ مِنهُ تَعالى سَبَقَ إثْباتُهُ في اللَّوْحِ، وهو أنْ لا يُعاقِبَ أحَدًا بِخَطَأٍ، وكانَ هَذا خَطَأً في الِاجْتِهادِ؛ لِأنَّهم نَظَرُوا في أنَّ اسْتِبْقاءَهم رُبَّما كانَ سَبَبًا في إسْلامِهِمْ وتَوْبَتِهِمْ، وأنَّ فِداءَهم يُتَقَوّى بِهِ عَلى الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وخَفِيَ عَنْهم أنَّ قَتْلَهم أعَزُّ لِلْإسْلامِ وأهْيَبُ لِمَن وراءَهم وأفَلُّ لِشَوْكَتِهِمُ، انْتَهى. ورُوِيَ لَوْ نَزَلَ في هَذا الأمْرِ عَذابٌ لَنَجا مِنهُ عُمَرُ، وفي حَدِيثٍ آخَرَ وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ، وذَلِكَ أنَّ رَأْيَهُما كانَ أنْ تُقْتَلَ الأُسارى. والَّذِي أقُولُهُ: أنَّهم كانُوا مَأْمُورِينَ أوَّلًا بِقَتْلِ الكُفّارِ في غَيْرِ ما آيَةٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩]، ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] فَلَمّا كانَتْ وقْعَةُ بَدْرٍ وأسَرُوا جَماعَةً مِنَ المُشْرِكِينَ اخْتَلَفُوا في أخْذِ الفِداءِ مِنهم وفي قَتْلِهِمْ، فَعُوتِبَ مَن رَأى الفِداءَ؛ إذْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ الأمْرُ بِالقَتْلِ حَيْثُ لَمْ يَسْتَصْحِبُوا امْتِثالَ الأمْرِ ومالُوا إلى الفِداءِ وحَرَصُوا عَلى تَحْصِيلِ المالِ، ألا تَرى إلى قَوْلِ المِقْدادِ حِينَ أمَرَ الرَّسُولُ ﷺ بِقَتْلِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ قالَ: أسِيرِي يا رَسُولَ اللَّهِ، وقَوْلِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ لِمَن أسَرَ أخاهُ: شُدَّ يَدَكَ عَلَيْهِ فَإنَّ لَهُ أُمًّا مُوسِرَةً، ثُمَّ بَعْدَ هَذِهِ المُعاتَبَةِ أمَرَ الرَّسُولُ بِقَتْلِ بَعْضٍ، والمَنِّ بِالإطْلاقِ في بَعْضٍ، والفِداءِ في بَعْضٍ، فَكانَ ذَلِكَ نَسْخًا لِتَحَتُّمِ القَتْلِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: (﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾) في تَأْيِيدِكم ونَصْرِكم وقَهْرِكم أعْداءَكم حَتّى اسْتَوْلَيْتُمْ عَلَيْهِمْ قَتْلًا وأسْرًا ونَهْبًا عَلى قِلَّةِ عَدَدِكم وعُدَدِكم لَمَسَّكم فِيما أخَذْتُمْ مِن غَنائِمِهِمْ وفِدائِهِمْ عَذابٌ عَظِيمٌ مِنهم؛ لِكَوْنِهِمْ كانُوا أكْثَرَ عَدَدًا مِنكم وعُدَدًا، ولَكِنَّهُ سَهَّلَ تَعالى عَلَيْكم ولَمْ يَمَسَّكم مِنهم عَذابٌ لا بِقَتْلٍ ولا أسْرٍ ولا نَهْبٍ، وذَلِكَ بِالحُكْمِ السّابِقِ في قَضائِهِ أنَّهُ يُسَلِّطُكم عَلَيْهِمْ، ولا يُسَلِّطُهم عَلَيْكم، فَلَيْسَ المَعْنى لَمَسَّكم مِنَ اللَّهِ وإنَّما المَعْنى لَمَسَّكم مِن أعْدائِكم، كَما قالَ: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠] وقالَ: ﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ﴾ [النساء: ١٠٤]، ثُمَّ (p-٥٢٠)قالَ تَعالى: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا﴾، أيْ: مِمّا غَنِمْتُمْ، ومِنهُ ما حَصَلَ بِالفِداءِ الَّذِي أقَرَّهُ الرَّسُولُ ﷺ، وقالَ: لا يُفْلِتَنَّ مِنهم رَجُلٌ إلّا بِفِدْيَةٍ، أوْ ضَرْبِ عُنُقٍ، ولَيْسَ هَذا الأمْرُ مَنشَأً لِإباحَةِ الغَنائِمِ؛ إذْ قَدْ سَبَقَ تَحْلِيلُها قَبْلَ يَوْمِ بَدْرٍ، ولَكِنَّهُ أمْرٌ يُفِيدُ التَّوْكِيدَ وانْدِراجُ مالِ الفِداءِ في عُمُومِ ما غَنِمْتُمْ؛ إذْ كانَ قَدْ وقَعَ العِتابُ في المَيْلِ لِلْفِداءِ، ثُمَّ أقَرَّهُ الرَّسُولُ، وانْتَصَبَ حَلالًا عَلى الحالِ مِن ما إنْ كانَتْ مَوْصُولَةً، أوْ مِن ضَمِيرِهِ المَحْذُوفِ، أوْ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أكْلًا حَلالًا وجَوَّزُوا في ما أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً، ورُوِيَ أنَّهم أمْسَكُوا عَنِ الغَنائِمِ ولَمْ يَمُدُّوا أيْدِيَهم إلَيْها فَنَزَلَتْ، وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ: (فَكُلُوا) مُتَسَبِّبًا عَنْ جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ هي سَبَبٌ، وأفادَتْ ذَلِكَ الفاءُ، وقَدَّرَها قَدْ أبَحْتُ لَكُمُ الغَنائِمَ فَكُلُوا، وقالَ الزَّجّاجُ: الفاءُ لِلْجَزاءِ، والمَعْنى: قَدْ أحْلَلْتُ لَكُمُ الفِداءَ فَكُلُوا، وأمَرَ تَعالى بِتَقْواهُ؛ لِأنَّ التَّقْوى حامِلَةٌ عَلى امْتِثالِ أمْرِ اللَّهِ وعَدَمِ الإقْدامِ عَلى ما لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِ إذْنٌ، فَفِيهِ تَحْرِيضٌ - عَلى التَّقْوى - مَن مالَ إلى الفِداءِ، ثُمَّ جاءَتِ الصِّفَتانِ مُشْعِرَتَيْنِ بِغُفْرانِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ عَنِ الَّذِينَ مالُوا إلى الفِداءِ قَبْلَ الإذْنِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ إذا اتَّقَيْتُمُوهُ بَعْدَما فَرَطَ مِنكم مِنِ اسْتِباحَةِ الفِداءِ قَبْلَ أنْ يُؤْذَنَ لَكم فِيهِ غَفَرَ لَكم ورَحِمَكم وتابَ عَلَيْكم، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجاءَ قَوْلُهُ: (واتَّقُوا اللَّهَ) اعْتِراضًا فَصِيحًا في أثْناءِ القَوْلِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: (إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) هو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا﴾؛ وقِيلَ: غَفُورٌ لِما أتَيْتُمْ رَحِيمٌ بِإحْلالِ ما غَنِمْتُمْ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences